تحميل رواية لافندر بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد ولادة طفلي بشهر، وكان الليل قد انتصف، بدرت منه صرخة مدوية، صرخة جعلتني أنا ووالدته نجفل في شتاء ليلة باردة. ولأنني في الغرفة الأخرى، ركضت كالمجنون نحو غرفة الأطفال. كانت زوجتي الناعسة تحتضن طفلنا وتحاول تهدئته، والطفل يصرخ بلا هوادة، محركاً قدميه بطريقة غريبة كأنه يحاول الهرب. وأنا أراقب هذا المشهد غير المفهوم، سمعت طرقات على باب شقتنا. ولأننا لا نتوقع حضور أي شخص في هذه اللحظات المتأخرة، تسرب الرعب إلى قلبي. مشيت قاصداً باب شقتنا لأنظر من على الباب، وقابلتني قطتنا "باكي" ملتصقة بجدار الصالة...
رواية لافندر الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
بعد ولادة طفلي بشهر، وكان الليل قد انتصف، بدرت منه صرخة مدوية، صرخة جعلتني أنا ووالدته نجفل في شتاء ليلة باردة.
ولأنني في الغرفة الأخرى، ركضت كالمجنون نحو غرفة الأطفال.
كانت زوجتي الناعسة تحتضن طفلنا وتحاول تهدئته، والطفل يصرخ بلا هوادة، محركاً قدميه بطريقة غريبة كأنه يحاول الهرب.
وأنا أراقب هذا المشهد غير المفهوم، سمعت طرقات على باب شقتنا. ولأننا لا نتوقع حضور أي شخص في هذه اللحظات المتأخرة، تسرب الرعب إلى قلبي.
مشيت قاصداً باب شقتنا لأنظر من على الباب، وقابلتني قطتنا "باكي" ملتصقة بجدار الصالة، ثابتة خائفة لا تتحرك كأنها ميتة.
فتحت باب شقتنا، وكانت دهشتي أكبر بوجود جارتنا سندس واقفة على الباب. للحظة كدت أجزع.
سندس أرملة بعمر الرابعة والثلاثين، جميلة ولديها قوة دفع مدمرة. ماكينة ألمانية 17 ريختر.
بعد وفاة زوجها الشاب، لزمت سندس شقتها في البناية المجاورة لنا ولم تخرج منها إلا نادراً. ورغم جمالها المهلك، لم تفكر في الزواج مرة أخرى، ولم يلمح طرف شخص يدخل شقتها.
لما لاحظت ارتباكي، مدت سندس يدها: "كيف حالك أستاذ حسن؟"
قلت وأنا أرحب بها: "بخير، الحمد لله."
كان باب شقتنا مفتوحاً، وسندس تنظر داخل الشقة. تنهدت سندس كالذي يستعد لشرح موقف رهيب.
قالت: "سمعت صراخ الطفل وحضرت للاطمئنان عليه."
وأنا في كامل دهشتي، أتأمل جسدها، قلت: "سمعتِ صراخ الطفل من البناية التالية لنا؟"
"أجل"، قالت سندس، "وأعتقد يمكنني مساعدتكم إذا لم يكن لديكم مانع."
شعرت بالحرج، قلت: "طبعاً لا، تفضلي بالدخول." وسمحت لها أن تسبقني حتى لا يفوتني مراقبة مؤخرتها.
قفزت قطتنا "باكي" من الشرفة هاربة، لكنني لم ألقِ لها بالاً.
كان الطفل لا يزال يصرخ بصورة شبيهة بمواء قطة صغيرة أو نواح بومة.
بكلمات قليلة شرحت سندس لزوجتي سبب قدومها، وما إن وضعت يدها على رأس طفلنا حتى استكان وهدأ.
ظلت تتمتم بكلمات سرية وتغمض عينيها وتفتحها بطريقة مرعبة مضحكة.
ثم استأذنت بالرحيل، قالت: "سينام الطفل الآن."
وقبل أن تطأ قدمها مغادرة نحو سلم عمارتنا، غط الطفل في نوم عميق.
رواية لافندر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
بعد أن رحلة سندس، وسمعت خطواتها على السلم، أغلقت باب الشقة. كان هناك شيء من الرهبة والقلق. دار بيني وبين زوجتي حوار مطول كان يتمحور حول كيف سمعت سندس صوت صراخ طفلنا من البناية المجاورة لنا.
سندس التي لم تلمح خارجة من شقتها منذ دهر، تطرق باب شقتنا مع عدم وجود صداقة سابقة بكل تلك الثقة.
ولأنني أحب أن أفكر بمفردي في غالبية الأحيان، تركت زوجتي تنام.
كعادة كل زوج طيب يشعر بكمية المعاناة التي تطال زوجته لقاء مراعاة طفل حديث الولادة.
جلست في الصالة أدخن لفافة تبغ وأستمع لموسيقى شوبان الهادئة.
"أين باكي؟" هذا ما استرعى انتباهي.
"القطة اللعينة لم تظهر بعد."
شردت لدقيقة أفكر في نقاط لا يمكنني ذكرها حول سندس، ولا تتعدى كونها نوايا سيئة من شاب منحرف.
سمعت مواء باكي خارج الشقة. فتحت باب الشقة. كان هناك ثقب ضيق في سقف المنور. لطالما أرعبني ذلك الثقب وفكرت أكثر من مرة في احتمالية سقوط جرزان أو ثعبان فوق رأسي وأنا أنظر خلال الكوة الضيقة المظلمة.
باكي كانت في الكوة. عيونها الصغيرة لامعة خلال الظلام كقزم سحري مخيف، متشبثة بأظافرها في محيط الفوهة.
"باكي!" ناديت عليها.
تركت باكي نفسها وسقطت على الأرض. من باب الشقة المفتوح، قفزت للداخل.
ألقيت نظرة مطولة على المحيط حولي. نظرة ضابط شرطة فاشل، ثم دخلت الشقة وأغلقت الباب.
جلست في مكاني. وبعد لحظات، ظهرت باكي تلعب بين قدمي.
هممت بركلها. أكره التصاقها بجلدي.
ثم لاحظت خربشات على جسدها. خربشات عميقة دموية.
مددت يدي لباكي وعاينت جراحها.
"في النهاية ركلتها. هذا ما يحدث دومًا."
نام الطفل حتى الصباح وقضى يومه في سلام. اللهم إلا بعض الصرخات التي يطلب من خلالها الرضاعة.
وكأن اليوم هو! وكأن العالم توقف والوقت يكرر نفسه.
استيقظت على صراخ طفلي في منتصف الليل.
ذلك الصراخ المرعب الذي ينبئك أنه ليس بخير.
"ماذا يحدث؟" هكذا فكرت وأنا واقف فوق رأس زوجتي.
هدهدناه، مشينا به في الشقة، ترجيناه أن يصمت بلا فائدة.
بعد ساعة من المحاولة، تذكرت سندس.
قلت لزوجتي: "أليس غريباً أن تسمع سندس صراخ الطفل بعد دقيقة بالأمس؟"
"وتلك الليلة رغم مرور ساعة لم تسمعه؟"
رفعت زوجتي كتفيها بقلة حيلة.
قلت: "انتظري هنا. سأذهب لسندس وأطلب منها أن تحضر معي لرؤية الطفل."
ولأن زوجتي لا حول لها ولا قوة واعتادت طاعتي، أومأت برأسها: "حاضر."
بدلت ملابسي بسرعة ونزلت السلم. ثم مثل لص تسلق الدرج نحو شقة سندس.
مع أول نقرة للباب، انفتح وظهرت سندس بقميص نوم أحمر خفيف.
تلعثمت وأنا أفتح فمي.
قلت: "الطفل يصرخ."
قالت سندس: "كنت أنتظرك."
لاحظت استغرابي. قالت متداركة نفسها: "اعذرني، لم يسعفني الوقت لتبديل ملابسي. وأنا امرأة وحيدة أعيش بمفردي وألبس ما يريحني."
"لا مشكلة"، قلت. "سأنتظرك."
قالت: "ليس هنا. ادخل الشقة. لحظات وأكون جاهزة."
ظلام. هذا ما خطر ببالي وأنا أدلف خلال الصالة. الوضع معتم.
الإضاءة خافتة.
جلست بالصالة التي تشعر أنها مضاءة بالشموع. لحظة وراح مصباح السقف يرتعش.
رواية لافندر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
تأخرت سندس في غرفة نومها. لو كان الأمر بيدي لو بخْتها، لسنا ذاهبين لحفلة راقصة أو عرس، فالباب في الباب.
لكنها خرجت، وأعني أني رأيتها بكامل بهائها وجمالها. بفستان منزوع الكمين ووشم غريب لزهرة الهندباء البرية لم ألمحه من قبل.
عذرت نفسي، فنحن لا ننظر تحت ملابس النساء كل مرة.
"أنا جاهزة،" قالت سندس وهي واقفة بحلق الباب. ابتسمت. "دعينا نذهب."
"زوجتي تنتظرنا على نار، وربما تتساءل لماذا تأخرنا."
قالت سندس: "لا تقلق، زوجتك آخر من يمكنها التفكير في إزعاجك."
ولأني نرجسي محب للسيطرة، أعجبني الكلام.
"أي رجل يخبرك أنه يكره مدح النساء كاذب مثل حمار، وإذا قمت بتصديقه فأنت غبية كسلحفاة."
وصلنا سلم عمارتنا وتسلقناه سويًا، أنا أسبق سندس بخطوة وهي خلفي تزحف كهرة.
فتحت باب شقتنا ودخلنا، ورافقت سندس نحو حجرة نومنا قبل أن أخرج للصالة أدخن سيجارة.
"باكي، باكي اللعينة! هذه القطة الغبية مثل امرأة قصيرة تهرب وتختفي عندما أحتاجها."
سمعت تمتمات سندس وذكرتني بوصايا بطليمونس للجارية أوشتاخه.
"والطفل يهدأ."
"زوجتي ممتنة لسندس."
"وأنا ممتن جدًا لسندس."
"لكن ما يحدث لا أفهمه، وأنا لا يمكنني أن أعيش حياتي بصورة طبيعية إذا كان هناك شيء قريب مني، يمسني ولا أفهمه."
نام الطفل وخرجت سندس منتوية الرحيل، وكان عليّ هذه المرة توصيلها لشقتها اتباعًا لوصايا زوجتي.
في ظلام السلم الدامس، قبضت على ذراع سندس العاري.
"أفهميني من فضلك، ما يحدث بالضبط؟"
ولأن سندس عقلانية، تقبلت خطوتي ولم تعتبرها حركة تحرشية من طفل مدارس في قبو عمارة، طالبة مدرسة إعدادية.
"حتى لو أخبرتك لن تفهم،" همست سندس في أذني، ولا زلت أقبض على ذراعها الطري الأبيض الناعم الأملس الرقيق المستفز.
قلت: "جربي، قد أبدو وغدًا أحيانًا، لكن لدي عقل سنجاب."
توقفت سندس وكان الظلام لا يزال يحوطنا، ثم تخلصت من قبضتي.
ووضعت ذراعيها على يدي الممدودتين جواري كأنها آخر لحظاتي وستلقنني الشهادة.
"زوجتك يلاحقها جان عاشق، ولأنها غير مستجيبة لنشاطه النجمي، يعمل على إزعاج الرضيع، وبس الرعب داخله."
قالت سندس بهمس: "أنت حر."
أولتني سندس ظهرها، تابعتها حتى وصلت الشارع وانعكست أضواء النيون على مؤخرتها.
"اسأل نفسك،" ورفعت سندس يدها، "لماذا باكي تهرب من الشقة وتتركها معظم الوقت؟"
"لماذا الطفل يصرخ كل ليلة عند منتصف الليل؟"
قلت في سور: "ولماذا لا يستكين إلا إذا حضرتِ أنتِ؟"
سألتني زوجتي: "ماذا حدث؟"
قلت: "لا تشغلي بالك، كلام أهبل. تقول هناك جان عاشق يلاحقك."
قفزت زوجتي كقرده في حضني، هي التي كانت تكسل تقوم تشرب الماء.
تشبثت برقبتي، تنهدت، قلت لك كلام أهبل، هذه المرأة مخبولة أقسم بالله.
ظلت زوجتي في حضني متعللة برعبها، خوفها، قشعريرتها، تصوراتها عن الكائنات الأسطورية.
ارتعاشة جسدها، حركتها المستمرة أثارت رغبتي، واضطررت لدفعها بعيدًا عني برفق وأنا أقسم بكل أيمان المسلمين أن الوضع سيكون بخير.
رواية لافندر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
في المقهى وأنا أدخن الشيشة شعرت بطعنة في صدري، كأن روحي ستغادرني، وحل علي إرهاق فجائي، كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بالتعب.
غادرت المقهى قاصداً منزلي، فتحت الباب الخارجي، صعدت أنا والقطة نحو شقتنا، قبل أن أفتح الباب سمعت صوت ضحكات صاخبة.
فتحت الباب ودلفت للداخل منتويًا الذهاب لغرفتي والنوم.
كانت فاتي جالسة هي وأبنائي حول الطاولة وكان هناك مقعد فارغ، جلست عليه. قالت سيلا بنبرة طفولية: "اجلس فوقه".
ضحك أحمد بينما لازمت فاتي الصمت. قلت: "جلست فوق من؟"
لكزت فاتي سيلا في قدمها، وأردفت فاتي: "جلست فوق المقعد".
قالت فاتي: "شاطرة سيلا". ثم سألتني: "ما بك؟"
قلت: "أشعر بالتعب، جسدي كله مرهق لا أعلم ماذا أصابني."
"بالغد سأذهب للطبيب."
قالت فاتي: "سأصنع لك ليموناته" ودخلت للمطبخ.
نظرت إلى أحمد ابني وكان قد رفع إصبعه مرة أخرى، "لازلت تفعل تلك الحركة؟"
قال أحمد: "طلب مني أن لا أتوقف عن فعلها، لا أستطيع معارضته، إنه مرعب جداً".
قلت: "من المرعب؟"
قال: "الشخص الذي حكيت لك عنه، أنه يشبهك لكنه ضعيف جداً لكن كل يوم يزداد قوة".
قلت: "أحمد توقف عن الكذب سأعاقبك."
قال أحمد وهو على وشك البكاء: "أنا لا أكذب، يخرج من الجدار ويجلس معنا، يطالبنا أن نناديه والدنا".
قلت: "مممم، سأعاقبك، اذهب لغرفتك أنت معاقب".
ترك أحمد مكانه، قصد غرفته، توقف على باب الغرفة التفت ناحيتي قال: "تستحق ما يحدث لك" وصك الباب في وجهي.
قلت لسيلا: "وأنت هل تشاهدين ذلك الرجل؟"
قالت سيلا: "إذا قلت الحقيقة ستعاقبني."
قلت: "لا".
قالت: "نعم أراه، إنه لطيف جداً، يعلمني حركات جديدة". أخرجت ورقة مرسوم عليها نجمة سداسية وضعتها أمامي بفرح قالت: "رسمت هذه".
حدقت بالرسمة، كانت نفس الوشم على ساعد فاتي، قلت: "طبعاً رسمة جميلة يا صغيرتي، اذهبي للنوم."
شربت كوب العصير، قلت لفاتي: "سأنام."
أيقظتني سيلا، كان الجو ليلاً، قلت: "يا بنتي لماذا توقظيني قبل شروق الشمس."
قالت: "يوه، بابا لقد حل الليل مرة أخرى، أنت نمت كتير جداً" وغادرت الغرفة.
كان جسدي متعرقاً، أشعر بالاعياء، كافحت حتى نهضت، أخذت حماماً ساخناً وقصدت الطبيب، بعد المعاينة قال: "أنت تمام."
قلت: "لكن أشعر أنني مرهق جداً."
قال الطبيب: "لا توهم نفسك أنت لا تعاني من أي مرض."
عدت للمنزل قبل أن أدخل البيت قابلني الشيخ المتشرد، قال: "اقترب!!"
قلت: "هذا آخر ما ينقصني"، اقتربت منه، أخرج من جيب بنطاله القديم كيساً به بعض التوابل المخلوطة.
قال وهو يحدق بي: "لا تتوقف عن شرب ذلك المنقوع، هل تفهمني؟"
"هذا من أجل مصلحتك، ستشعر بتحسن". ودعت الرجل وصعدت إلى شقتي، كان الإرهاق قد وصل أخره.
رقدت على سريري ولم أفتح عيني إلا صباح اليوم التالي، كنت أكثر إرهاقاً وبدا جسدي أكثر نحافة.
خرجت للصالة، كانت فاتي والأبناء غير موجودين، وجدت ملاحظة على الطاولة من فاتي، "لقد ذهبت لزيارة قبر والدتي أنا والأطفال."
قلت: "جيد، حالتي لم تكن تسمح بذهابي معهم، لكن كيف غيرت رأيها؟"
وجدت كيس التوابل كما تركته بالأمس، حضرت منه كوباً وشربته، شعرت بتحسن فوراً، رحل الإرهاق والتعب واستعدت عافيتي.
ذهبت للعمل وطلبت إجازة مفتوحة، بطريق عودتي قابلني الشيخ المتشرد، جلست بجواره، سألني: "شربت المنقوع؟"
قلت: "أجل."
قال: "كيف تشعر؟"
قال: "لا تتوقف هل تفهم"، أغمض عينيه وأولاني ظهره.
كان لدي وقت فراغ قلت: "سأذهب للمقهى"، لم تكن فاتي قد عادت بعد ولم أطق البقاء في الشقة.
انشغلت ومر الوقت، هاتفتني فاتي كان الليل قد انتصف، قالت: "أحمد مريض جداً احضر فوراً."
عدت للشقة بسرعة، لم ترني قالت: "أنت بصحة جيدة."
قلت: "أجل."
قالت: "أخذت دواء؟"
قلت: "لا، شربت منقوع الشيخ الطيب."
قالت: "أي شيخ؟"
قلت: "ذلك الذي يجلس تحت بيتنا."
فتحت فاتي الشرفة، نظرت نحو الشارع، أغلقت الشرفة، قالت: "أحضر لك كوب آخر من المنقوع، أين هو؟"
أشرت للكيس، قالت: "حسناً."
قلت: "أحمد ماله؟"
مشينا تجاه غرفة الأطفال كان أحمد نائم على السرير يشتكي من وجع في بطنه.
قلت: "سأذهب للصيدلية، لا أعتقد بوجود أطباء الآن."
قالت فاتي وهي تأخذ كيس المنقوع بيدها: "لا تتأخر."
رواية لافندر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
كان الجو ظلام، اغلقت كل الصيدليات أبوابها حتي الدكاكين كانت مغلقه ولا وجود لماره بالشارع، رغم ذلك واصلت البحث اعرف كل صيدليات البلده وكلها مغلقه.
كنت قد وصلت لنهاية الطريق الرئيسي الموصل للمقابر، لا توجد اي مباني هناك لذلك قررت العوده للمنزل. من بعيد لمحت لافته مضيئه قرب المقابر، اقتربت نحوها، كانت صيدليه لازلت تفتح أبوابها.
طول المده التي قضيتها هنا منذ استقريت لم اري تلك الصيدليه.
لكن ذلك غير مهم الان، ربما لم الحظها، ربما أنشأت للتو. الي جوار الصيدليه هناك شجرة توت طرحت ثمارها.
اقتربت من الشاب الجالس خلف المكتب، كان نحيل جدآ، خمري البشره، شعره غريب.
قال: اهلا وسهلا كيف اساعدك؟
كان يرتدي نظاره طبيه مع ذلك تمكنت من رؤية عينيه غير ثابتت اللون.
قلت: ابني مريض حرارته مرتفعه.
سألني عن باقي الأعراض، ذكرت له ما اعرفه. احضر الدواء ووضعه أمامي كتب عليه التعليمات، قال: بالشفاء.
وضعت يدي في جيبي لادفع النقود، كان جيبي فارغ، نسيت المحفظه في غمرت انشغالي.
قلت: سأعود إليك بعد قليل نسيت النقود.
اقسم ان اخذ الدواء وان احضر النقود في اي وقت اختاره.
قال بصوت واضح: ابنك هو ابني.
وعدته ان احضر بالغد، كنت في عجاله من أمري لذلك غادرت الصيدليه. بين المقابر ظهر كلب اسود ضخم، بدا انه يراقبني.
تناولت حجر ووضعته في يدي قلت: اذا اقترب ساقذفه بالحجر.
قطعت الطريق وانا امشي بسرعه.
حافظ الكلب علي المسافه بيني وبينه لكنه لم يهاجمني.
صعدت درجات السلم بسرعه، ايقظنا احمد ومنحته الدواء، قلت: بالغد ساصحبه للطبيب.
حكيت لفاتي عن الصيدليه وكيف انها انبثقت من العدم، قال: ربما بنيت حديثا.
بحثت عن المنقوع لم أجده. كانت فاتي نائمه الي جوار احمد لتعتني به. لم اوقظها. ظننت انه ليس الوقت المناسب.
دلفت لغرفة سيلا قلت: سأنام بجاورها الليله حتي لا تفزع بالليل عندما تلاحظ اختفاء والدتها.
كانت سيلا مستيقظه. فتحت عينيها ما ان رقدت الي جوارها.
قلت: أحضرت الدواء لاخيكي احمد سيصبح بخير.
قالت سيلا: سيصبح بخير؟
قلت وانا اقبلها: اجل، احمد محظوظ، وجدت صيدليه جديده على أطراف المقابر.
قالت سيلا: هناك يعيش.
قلت: من الذي يعيش هناك؟
نظرت سيلا للجدار. قالت: لا أعلم.
قلت: وجدت شاب طيب هناك، لكنه نحيل جدا، لكن شعره غريب.
قالت سيلا: انه هو.
التفت علي جانبي في مواجهة سيلا. قلت: هو من؟
ابتسمت سيلا. قالت: بابا انا احبك!
قلت: وانا احبك.
قالت سيلا: لا ترحل إذآ.
قلت وانا احتضنها: انا لا انتوي الرحيل لأي مكان.
قالت سيلا: لكنه يقول انك سترحل.
قلت بنبره غاضبه: سيلا توقفي عن ذلك، لا تتبعي اسلوب احمد.
قالت: حاضر يا بابا.
اصطحبت احمد للطبيب حدود العصر. كشف عليه الطبيب قبل أن يعاين الدواء الذي احضرته معي.
سألني الطبيب: من كتب لك هذا الدواء؟
قلت: كان صيدلي اول مره أراه.
قال الطبيب: غريبه.
اردفت قلت له ان حرارة ابني مرتفعه.
رمقني الطبيب بنظره مطوله. قال: لكن الدواء الذي منحك لك لا يخفض الحراره ولا يعالجها.
لقد منحك دواء لألتهاب الزائده الدوديه، لقد انقذ حياة ابنك كانت ستنفجر.
لكن الغريب وشرد الطبيب وهو يحملق باحمد. كيف عرف ذلك دون أن يعاين الطفل؟
قلت: لا أعلم.
قال الطبيب: ابنك حالته جيده الان، لا يحتاج لعلاج.
ودعت الطبيب وغدت للمنزل.
وضعت النقود في جيبي. قلت: سادفع كلفة الدواء واشكر الصيدلاني علي انقاذه ابني.
قطعت الشارع لاخره حتي وصلت المقابر. لم أجد أي بناء. لا صيدليه. لا شيء.
شجرة التوت في مكانها لكن المنطقه كلها احراش. لم تكن الشمس قد اغربت بعد. جلست في مكاني افكر.
انا متأكد انها كانت هنا. نظرت ناحية المقابر هيء لي أنني رأيت الكلب الأسود لكنه اختفي بسرعه.
كاد عقلي ان ينفجر من الأفكار. ثم شعرت ان الإجهاد عاد الي مره اخري. اغتصب صداع عقلي واوجعني.
مشيت تجاه المنزل. كنت شارد ولم الحظ ان الشيخ المتشرد راقد في مكانه. قال الشيخ وظهره الي: تناول طعامك معهم يا صابر.
توقفت في مكاني. سرت خطوات. جلست الي جواره قلت: تحادثني انا؟
قال: ومن غيرك لقد حضرت لهنا من أجلك.
نام الشيخ مره اخري. وانا اصعد درجات السلم فكرت متي كانت آخر مره تناولت فيها الطعام مع ابنائي؟ كانت منذ ستة شهور.
كنت دومآ أجد طعامي معد علي الطاوله وعندما اطلب منهم ان ينضمو الي يقولون سبقناك. او لا نشعر بالجوع.
قلت في بالي: هذا الشيخ بركه.
اول شيء فعلته عندما صعدت الشقه سألت فاتي عن المنقوع. طلبت منها ان تصنع لي كوب منه.
قالت فاتي: يبدو أنه اختفي. لا استطيع إيجاده. ساصنع لك فنجان قهوه لكن تناول طعامك اولا.
قلت: لن أأكل دونكم. ناديت احمد، سيلا. انضمو الي.
قالت فاتي: الاولاد تناولو طعامهم قبلك. قلت: تصوري الشيخ أسفل البيت قال تناول طعامك مع أسرتك.
قالت فاتي: قال لك ذلك؟
قلت: نعم!
قالت: حسنآ. رجل طيب. يعيش من مده طويله.
لم أفهم كلام فاتي. تناولت طعامي. وانا احكي لفاتي عن لغز الصيدليه. قالت: انت مرهق في الفتره الاخيره. ربما التبس عليك الأمر.
شربت القهوه لم أشعر بتحسن. قلت لفاتي: انا سأنام.
فتحت فاتي شرفة المنزل. نظرت للشارع مطولآ ثم صكت الشرفة بعنف.
رواية لافندر الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
مترنح، منهك، أشعر بدوار.
فتحت عيني، الغرفة مظلمة، لكن هناك شيء غريب يطوف حولي.
أنهضت جزعي، فتحت النور، لاحظت الوشم على يدي، معالمه واضحة بالكاد، نجمة سداسية، أول حرف وآخر حرف من كلمة داود.
"البوابة للعالم السفلي، كيشاما الهند، من قبل آدم بآلاف السنين. أبو الجان سانيمون قال، نعيش ولا نرى."
صرخة!!
صرخة مدوية وصلت لأذني، على إثرها خرجت للصالة، فاتي وابنائي ينظرون من الشرفة.
قالت سيلا بهلع: "الشيخ يا بابا يتألم."
ارتديت أول جلباب في طريقي، نزلت درجات السلم قفز.
كان راقدًا على الأرض على الرصيف، يضع يديه فوق وجهه.
"ابتعدوا عني، أنا لا أرى شيئًا يا شيخ!"
اعتدل الشيخ في جلسته، قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحافظ من كل شيطان رجيم."
"كنت ظننتهم..."
"أنا لا أفهم شيئًا، كلامك غريب!"
قال الشيخ: "اجلس يا ناصر."
جلست.
"قال: تناولت المنقوع؟"
قلت: "اختفى، لا أجده."
قال الشيخ: "افرد ساعدك!"
مددت يدي، رمق ساعدي بانزعاج، ثم حدق بشرفة منزلنا حيث تقف فاتي ناظرة نحوه.
قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
اختفت فاتي خلف النافذة وصكتها.
قلت: "من يا شيخ الذين ظننتهم رحلوا؟"
قال: "ليس الآن يا ناصر، أنت غير مستعد!"
قلت: "لا يمكننا أن ندرك ذلك ما لم نعرف."
أخرج من جيبه دهان وضعه على ساعدي وهو يقول: "بسم الله الحافظ."
اختفى الوشم.
بانبهار سألته: "كيف فعلت ذلك؟"
قال: "لا تسأل يا ناصر."
كنت مرتابًا جدًا، قلت: "من أنت يا شيخ؟ أعني ما هي حقيقتك؟"
نكت أصبعه في صدري، قال: "أنا أنت، أنت أنا، كلنا أنا."
"أليس معقول أن تخاطبني بالألغاز؟ من فضلك، أنا لا أفهمك."
قال الشيخ: "ليس من مصلحتك أن تعرف الآن."
قلت: "أخبرني عنهم؟"
قال: "إنهم موجودون."
قلت: "من هم؟"
قال وهو ينظر تجاه شرفتنا: "إذا كانت حساباتي صحيحة، فهم... هي."
قلت: "اللعنة، لا أفهم ولا كلمة."
قال الشيخ: "الصبر يا ناصر، خذ هذا المنقوع ولا تتوقف عن الشرب منه لمدة شهر، إنه آخر ما أملك."
قلت وأنا أضع المنقوع في جيبي: "حاضر."
قال: "قابلته؟"
سألته: "من؟"
قال: "هو."
قلت: "يا شيخ لا تتحدث بالألغاز من فضلك، أنا متعب."
"افتح فمك يا ناصر؟"
فتحت فمي.
"امضغ هذه."
قلت: "حاضر."
نظر إلي الشيخ مطولاً، شرد لبعيد، قال: "في المكتبة كتاب اقرأه سيساعدك."
قلت: "المكتبة العامة؟ أي كتاب؟"
قال: "ستعرفه بنفسك."
قلت: "أخبرني عنهم من فضلك، من هؤلاء الذين كنت تستعيذ منهم؟"
قال: "إنها قصة طويلة، أنا لا أملك الوقت الآن."
لكن، وبسط الشيخ يده، ظهر عليها دائرة مضيئة.
"هنا كنت أعيش."
رأيت قرية صغيرة.
ضم الشيخ قبضته، اختفت الدائرة.
فركت عيني غير مصدق.
قال الشيخ: "من حقك أن تشك في ما رأيت، فأنا مجرد متشرد."
قلت: "أنا أثق بك."
قال الشيخ بعد أن تنهد: "لقد أحببت من قبل."
قلت: "أنت؟"
قال الشيخ: "الحب لا نختاره يا ناصر، إنه يبحث عنا حتى يجدنا، ولا يتركنا إلا محطمّين."
كان يومًا حرًا قائظًا في قريتنا، الشمس تتسلق رؤوس الأشجار، انحنت أمامها بتلات الزروع، ولا وجود لبشر في الأرض.
كنت شابًا وقتها، أجلس أمام بيتنا، تمر من أمامنا ترعة صغيرة لكني أرى الطرف الآخر منها.
على الجانب الآخر كانت تسير فتاة، أقسم يا ناصر أنها ظهرت فجأة، كأنها ولدت من العدم.
جمالها لا مثيل له، من أول نظرة أدركت أنني سأحبها، بل وقع حبها في قلبي.
وقفت في مكاني أتابعها وهي تخطو على التراب ترتدي وشاحًا أزرق.
ليست من أهل البلدة، فأنا أعرف كل فتيات قريتنا.
واصلت السير حتى وصلت نخلات عبد الوارث.
سمعت نداء والدتي: "عامر؟"
هي لحظة التفت خلالها تجاه المنزل، عندما نظرت مرة أخرى كانت قد اختفت.
كان شيء مستحيل يحدث أمامي، كان علي أن أدرك ذلك، أن أكون أكثر حذرًا.
لكن يا ولدي، من يتبع قلبه يقع في المشكلات، كنت مجرد شاب، كانت أجمل لقاء في حياتي وأتعس لقاء.
لو كنت أعلم فقط ما ينتظرني وما ينتظرها، لدفنت قلبي في التراب قبل أن أغرقها في المصائب.
أن ترى حبك يتحطم أمامك، ينسحق بسببك، ليس أمرًا هينًا.
"نمنع أطفالنا من الذهاب عند حقل عبد الوارث، النخلات هناك نبتت على شكل دائرة، خلفها أحراش لا تصلح للزراعة."
"بين طلع نخلات عبد الوارث تنتقل شاهي، جنية عاقر تخطف الأطفال."
"لم يتمكن أحد من رؤيتها أبدًا، لكن هناك كانت تختفي أطفالنا ولم نفلح أبدًا بالعثور عليهم."
"في ذلك الوقت يا ناصر، لم يكن يجروء رجل واحد من السير ليلاً عند النخلات، كانت تسمع أصوات غريبة مرعبة تتبعها حركات تجعل شعر رأسك يقف."
كنت ميت القلب، لا أخاف.
بعد العشاء، عندما أغلقت كل بيوت القرية أبوابها، مشيت تجاه النخلات، كنت خائفًا ومتوجسًا على تلك الفتاة.
"وذهبت للبحث عنها."
"نام الشيخ، يا شيخ، يا شيخ."
لكزته في كتفه.
قال: "ليس الآن يا ناصر."
"ارحل من فضلك."
فتح الشيخ يديه، حضن الهواء ونام.
صعدت شقتي، كنت مشتتًا من كلام الشيخ.
أخرجت المنقوع، شربت منه كوبًا، كنت شعرت بتحسن بعدما مضغت العشبة التي منحها لي الشيخ.
قلت: "البركة في الشيخ."
قالت: "منحك منقوع؟"
قلت: "كيف عرفتي؟"
"لاحظت أنك تشرب منه."
قلت: "يا فاتي، حذرني أن أفقده مرة أخرى، قال إنه لا يملك غيره."
ابتسمت فاتي.
"لا يملك غيره؟" سألتني فاتي.
قلت: "أجل."
رواية لافندر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
نامت فاتي في غرفة الأطفال، شعرت بالملل والضيق.
منذ مدة بعيدة فاتي تتجنب النوم بجواري، كنت أتفهم ذلك بعد ولادة سيلا، لكن الآن وبعد مضي كل ذلك الوقت علاقتنا متباعدة جدا.
خرجت من شقتنا منتوي الذهاب للمقهى، كان الوقت تأخر لكن الصحبه تظل ساهرة حتى وجه الصبح.
وجدت قطتنا جالسة أمام باب الشقة، انحنيت حملتها في حضني وداعبتها.
فجأة رفعت القطة أذنيها، كان الأجواء صامتة وسمعت مثلها صوت خربشة قادمة من الجدار.
قفزت القطة من حضني على الأرض مرتعبه.
وضعت أذني على الجدار، سمعت صوت خربشة أظافر متسللة داخل الحائط.
فتحت باب الشقة المجاورة، قصدت مواسير الصرف، توقعت فأر لعين.
الشقة خالية من الأثاث ونظيفة.
الصوت أسمعه يخربش في عقلي، يجرحني، يوترني.
تتبعت الصوت الذي كان يصعد كلما اقتربت، فكرت بسرعة: سطح المنزل.
صعدت درجات السلم الموصلة لسطح المنزل، كان ليل بهيم، ظلام محدق تكاد لا ترى أمامك.
السطح خالي، علقت ملابسنا على مناشير الغسيل مثبتة بأقراط بلاستيكية.
صوت الخرشة مستمر، اقتربت من نهاية السطح.
خلف منزلنا حديقة صغيرة مهملة تتوسطها نافورة مهجورة ينتصب خلالها تمثال ملاك مجنح.
سمعت صوت خربشة الأظافر ينزل لتحت.
انحنيت من فوق سياج السطح، فعلت فلاش الهاتف.
صدمة مباغتة أكلتني، رأيت كيان مرن، لزج، مطاطي، يزحف على أربع ناحية الأرض.
صوبت فلاش الهاتف نحوه.
قفز على الأرض، زحف على أربع وغاص في مياه النافورة الآسنة.
لم أكن متأكداً مما رأيته، لا يمكن أن يكون كلباً، لو حتى قط.
ركضت ناحية باب القبو قاصداً الحديقة.
سمعت صوت أنة قادمة من شقتنا، عبرته قبل أن أفتح باب القبو، اعترضت القطة طريقي.
زجرتها لم تتحرك، دفعتها بقدمي.
وضعت أول قدم داخل الحديقة.
كأنها إنسان قبضت الهرة بأسنانها على طرف بنطالي.
جذبت قدمي بقوة، تخلصت منها، أصبحت داخل أرض الحديقة.
الهره توقفت مكانها لم تتعبني.
مشيت على ضوء الفلاش ناحية النافورة التي ينمو على جوانبها زهرة اللافندر، مياه راكدة داخلها غطتها أوراق الأشجار اليابسة.
نظرت داخل المياه، لا أثر لأي شيء.
إلى جواري وجدت غصن يابس عكرت به مياه النافورة، طعنت كل ركن فيها.
كانت ضحلة لكن تحت التمثال غاص غصن الشجرة حتى آخره.
قلت بالصباح سأفتش القاع، لم أجد فكرة نزع ملابسي ملائمة في تلك اللحظة.
دلفت داخل الشقة لأبدل ملابسي المتسخة بتراب السطح.
وصل إلى أذني صوت أنة قادمة من غرفة نومنا.
مشيت تجاه الغرفة، بطريقي مررت على غرفة الأطفال، لم أجد فاتي.
آخر الرواق كان باب غرفة نومنا مغلق، ألصقت أذني بباب الغرفة، تأوهات شبقة وصلت مسامعي.
فتحت الباب بسرعة، كانت فاتي راقدة بظهرها على السرير تئن، بدت نائمة أو بين الصحو والنوم.
لكزتها في كتفها، فتحت عينيها بفزع، ارتجف مصباح الغرفة، لم يثبت إلا بعد دقيقة.
كان السرير خالياً عندما استطعت الرؤية.
حدقت بالسرير الخالي غير مصدق، فركت عيني وأغمضتها دقيقة.
عاد صوت الخربشة داخل ذهني أكثر عنفاً.
عدت لغرفة الأطفال بسرعة، كانت فاتي راقدة بجوار الأطفال مستغرقة في النوم.
إذا كانت هذه فاتي، فمن تلك التي رأيتها في غرفة نومنا؟
هلاوس قلت، أيقظت فاتي، قلت: أنتِ نائمة؟
أعتقد أنك تملك عينين، قالت.
لم تبارحي مكانك؟
قالت: ناصر، فيه إيه؟
قلت: لا شيء، تمنيت لها ليلة سعيدة.
مدد يا حي يا قيوم، وصل صوت الشيخ الراقد تحت المنزل لمسامعي.
أخذت بعضي ونزلت نحوه.
جلست إلى جواره، قلت: أنت نائم؟
قال: رأيته؟
شعرت بقشعريرة أسفل ظهري، قلت: من يا شيخ؟
قال: عدوك الذي سيأخذ مكانك!
جلست بمقابلته، قلت: أنت تتحدث مثلهم.
تحدث مثل من؟ سألني الشيخ.
قلت: أطفالي!
قال الشيخ وهو ينهض: عيون الأطفال لا تكذب.
كنت على وشك أن أسأله من يقصد، لكن لم أجد مبرراً أن أحكي له عن ما حدث معي على السطح.
حدق الشيخ بعيني قال: إن تملك عينين لا يعني أنك ترى.
قلت في نفسي: يوووه، سيبدأ بمواعظه وحكمه.
قال الشيخ: وصلت نخلات عبد الوارث، العن مكان مرعب في القرية.
جلست أدخن لفافة تبغ بعدما لم أجد تلك الفتاة أو غيره.
طالما قال جدي: الشخص الذي لا يخاف، خاف عليه.
رهفت أذني أسمع، لم أصدق أبداً وجود الجنيات يا ناصر.
لم أسمع سوى حفيف جريد النخل.
حتى سمعت صوت تنقلها بين طلع النخيل، نظرت ناحية النخل تحت قمر بدر.
ثم سمعت: إسسسسسس.
تعلم تلك الإشارة عندما ينادي عليك شخص بصمت.
التفت رأيت ظهرها وهي تختفي بين الحقول.
كانت هي، نفس الملابس والصفات.
مشيت خلفها بسرعة.
كانت تفصلني عنها مسافة ليست كبيرة، لكنها كانت تختفي وتظهر.
كلما شعرت باليأس يظهر جسدها، قبل أن تملأ عيني منها تختفي.
انتهت الحقول، وصلت منطقة الأحراش، تنمو هناك حشائش الحلفاء، بارتفاع أعلى مني، شققت طريقي خلفها.
كنت اقتربت منها، عندما رأيت نور قادم من كوخ صغير.
هناك اختفت يا ناصر، كانت تقودني لذلك الكوخ المنعزل.
رواية لافندر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
كان الكوخ مفتوحًا، يجلس بداخله رجل عجوز. لا أعرفه، لكني أعرفه، فهو يقطن ذلك المكان منذ زمن، هاربًا من بلدته.
دلفت إلى داخل الكوخ. كان الرجل يصنع الشاي على الحطب. قال: "مرحباً". لم يعتد على الزيارات، فكان مرتبكًا.
قال: "اجلس!"
جلست على الأرض، حيث افترشت حصيرته من القش. ناولني كوب شاي. قال: "تصور، أنت أول شخص يزورني مذ سكنت هنا."
قلت: "مررت من عند النخلات وقلت أعرج عليك."
قال: "لماذا ذهبت هناك؟ ألا تخشى شايبا العانس؟"
تقصد جنية طلعة النخل؟
قال: "أجل. أخبرني، لماذا ترغب بإقحام نفسك في المشاكل؟"
قلت: "ما لا أراه بعيني لا أصدقه، وأنا لم أرَ أي جنية هناك."
قال: "صدقني، أنت لا ترغب بمقابلتها أو رؤيتها. إنها لعينة ماكرة لا ترحم."
قلت: "هراء، كل ذلك الكلام هراء."
نظر العجوز خارج الكوخ وهمس: "ليس هراء، إنها موجودة."
"رأيتها بعينك؟" سألته.
قال العجوز بعد طول صمت بنبرة مرتفعة: "أنا لم أرَ أي شيء، لا شأن لي بما تعتقده."
رمقت العجوز المتوتر، كان يخفي شيئًا وعيناه تفضحانه. هطل مطر غزير بالخارج. فكرت، العودة للمنزل ستكون عسيرة.
سمعت خطوات خارج الكوخ. انتظرت الشيخ أن يخرج وينظر، أو على الأقل أن يطلب مني أن أرى من بالخارج. لكن العجوز ظل جالسًا بلا مبالاة مقيتة.
نهضت من مكاني وقصدت باب الكوخ لأفتحه.
قال العجوز: "لا تفتح."
قلت: "سأفتح الباب."
قال: "لا تفتح، سيرحلون. لا تمنحهم سببًا."
قلت بزعيق: "تهذي مرة أخرى؟"
قال: "إذا فتحت، لن تعود كما كنت، صدقني. لا ترتكب نفس الخطأ، تعلم مني!"
قلت: "أنا لا أعرفك حتى أتعلم منك!"
"حماقات الشباب. اجلس من فضلك."
قلت: "ما السبب الذي يدفعك لكل ذلك الخوف؟"
قال: "لأنه لا يوجد بشر هنا، أنا متأكد. كل ما بالخارج شر مطلق، أبتعد عنه. حتى إذا طُرق بابي..."
"لفت الخطوات حول الكوخ." قلت: "ربما إنسان ضل طريقه؟"
قال: "إنهم يفعلون ذلك ولا يضلون فريستهم. لقد تعقبوك حتى هنا."
قلت: "تتحدث كأنه أمر مفروغ منه، وأن الجنيات تنتظرنا خارج باب الكوخ."
قال: "أجل."
قلت: "سأرحل."
قال: "لا ترحل الآن، انتظر حتى تظهر نجمة أوراما."
"تعصبني يا عجوز." بتهور اندفعت وفتحت باب الكوخ.
ثلاثينية وعشرينية تقفان أمام باب الكوخ. شلال جمال انبثق في وجهي. عيون خضراء، قوام بديع، أنوثة متفجرة، ووجه بدر.
ارتعش العجوز عندما دلفا إلى داخل الكوخ. جلسن بلا كلام حول النار التي توهجت. قلت: "ضللتم طريقكم؟"
قالت الكبرى: "أجل."
تمتم الشيخ: "لا يضلون طريقهم أبدًا."
كنت منبهرًا بالفتاة الصغرى. أرمقها بطرف عيني. صنعت الشاي وقدمته إليهن. لمست يد الصغرى بلا قصد. سرت رعشة في جسدي. كانت يدها باردة جدًا. لون عينها تغير.
حملقت بالعجوز الذي أشار إلي بالصمت. كنت بدأت أصدق كلماته.
قالت الكبرى وهي تنحني تجاه العجوز: "كيف حالك؟"
قال: "بخير... بخير."
قلت: "تعرفون بعضكم؟"
قالت: "أكثر مما تعتقد."
عندما نظرت إلي، رأيت في عينيها هلاكي.
توقف حبات المطر عن الهطول. سمعنا حركة كبيرة خارج الكوخ.
بتعجب ابتسم العجوز. قال الكبرى بعد أن نظرت للخارج: "سنرحل الآن."
لم تنتظر، خرجت وتبعتها أختها الصغرى. عندما أُفقت من صدمتي، كانت مضت لحظة. خرجت خلفهم بسرعة. رغم ضيق الوقت، كانتا قد اختفتا.
دلفت إلى داخل الكوخ مرة أخرى. قلت: "غير معقول، تبخرتا في الظلام."
قال العجوز: "الحمد لله. لكن هناك شيء لم أفهمه، لماذا رحلتا؟"
قلت: "شربا الشاي ورحلتا."
قال: "اصمت أنت لا تفهم شيئًا. كدت أن تورط نفسك وتدمرني بغبائك. لقد سمحت لهم بالدخول. لم تنتويا الرحيل مطلقًا. البدر في السماء مكتمل. الأمطار نزلت فجأة. هذه ليلة تكاثرهم مع البشر. هذه شايبا واختها. تحققت أمنيتك، رأيت جنية طلعة النخل."
كان يتحدث بنبرة صادقة. قلت: "فهمني، لماذا رحلوا؟"
قال: "هذا ما لا أفهمه. الصوت بالخارج أرعبهم. أنقذنا من بين أيديهم."
قلت: "رأيت نظرة شايبا لك."
قال العجوز: "اصمت من فضلك. لا تسألني عن أي شيء."
قلت: "كنت تعرفها؟"
قال: "اصمت."
قلت: "نمت مع شايبا؟"
قال: "أنت وغد، وغد. ارحل من هنا، غادر كوخي. أنا لا أرغب برؤيتك."
قلت: "كنت تحذرني منذ البداية حتى لا أصبح مثلك."
قال: "أنت لا تفهم. لا يمكنك أن تفهم. اتركني بمفردي من فضلك."
"بدأت اللعنة. كنت سبب بقائهم هنا؟ القرية كلها تعاني بسببك."
رفع العجوز وجهه. قال: "منذ لحظة كنت لا تصدقني، والآن تنصب نفسك دور القاضي اللعين؟ لولا الصوت الذي سمعناه بالخارج، لكنت الآن تعاني بقسوة. شهوة، أنياب مغروسة، أحضان تكسر العظم، وشهيق قادم من الجحيم."
رفع العجوز ملابسه ورأيت ظهره المخدش في كل مكان. أردف: "أيًا كان الصوت الذي أنقذك، فإنه يهتم بك. والآن ارحل ولا تعود هنا مرة أخرى. اتركني بسلام."
غادرت الكوخ. تغتصبني هواجس لعينة. كل ما صدقته، ما عرفته، ما آمنت به، يتداعى أمام عيني.
قصدت الجهة الأخرى من القرية، بعيدًا عن حقل النخلات. عبرت الطريق الترابي الضيق. عندما وصلت الساقية القديمة، سمعت صوتها.
"أسس..."
كانت نفس الفتاة التي رأيتها على جانب المصرف. وتبعتها بين الحقول بكل جمالها الذي وقع في قلبي.
قلت: "أنت؟ بحثت عنك طويلاً."
قالت: "وأنا أيضًا بحثت عنك."
قلت: "لماذا لم تتوقفي عندما كنت أتبعك خلال الحقول؟"
قالت: "إذا عرفت حقيقتي، لن ترغب برؤيتي مرة أخرى؟"
قلت: "رأيت الليلة ما يكفي لأصدقك أي شيء."
قالت وهي تحدق بوجهي: "أنا جنية."
***
"الكلب"، قال الشيخ وهو يشير إلى الناحية الأخرى من الطريق.
كان نفسه الكلب الأسود الضخم القبيح الذي رأيته عند المقابر. قلت: "رأيته من قبل."
"التابع. لماذا لم تخبرني يا ناصر؟" استنكر الشيخ.
قلت: "إنه مجرد كلب. ألن تسخر مني إذا قلت لك أن كلب تبعني من المقابر حتى هنا؟"
"عند المقابر؟ أهناك رأيته؟"
قلت: "نعم."
"الكلب كان هناك."
قال: "أنا لا أقصد الكلب. ماذا رأيت عند المقابر؟"
قلت: "شاب يعمل في صيدلية. ابتعت منه دواء، لكن الصيدلية اختفت بعد ذلك."
"كل ذلك ولم تشك؟ لم تبحث عن أجوبة؟"
"ظننته شيئًا عاديًا يا شيخ."
قال الشيخ: "لا شيء عادي. اختيارك ليس صدفة. التضحية بك ليست صدفة. أنا هنا ليس بمحض الصدفة."
قلت: "أحتاج توضيحًا يا شيخ. اشرح لي."
"ليس الآن. بعد أن أتخلص من التابع. اصعد شقتك، اشرب المنقوع."
"زوجتك تنام بمفردها؟"
قلت: "أجل."
"منذ متى؟" سألني الشيخ.
"منذ مدة طويلة يا شيخ."
قال: "رأيت شيئًا آخر؟"
قلت: "قبل أن أحضر عندك، رأيت شيئًا يشبه كيانًا لزجًا مرنًا مطاطيًا."
قال: "يتشكل، يتغذى عليك، ينكحها. لا تترك شقتك حتى أطرق بابك. اقرأ القرآن، ادعُ الله أن لا نكون تأخرنا."
زمجر الكلب. أشار لي الشيخ بالرحيل.
رواية لافندر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
صعدت درجات السلم أفكّر في كلام الشيخ، قال إنّه موجود هنا لأجلي، ما الذي يحدث بالضبط؟
لماذا طلب منّي أن لا أغادر الغرفة؟ من التابع؟ عصفت التساؤلات برأسي.
"لماذا تأخرت؟ أين كنت؟"
فاجأتني فاتي عندما فتحت الباب.
"كنت جالسًا مع الشيخ."
"قالت المتشرد؟"
"قلتِ، أنتِ لا تفهمين أي شيء، أنّه ليس متشردًا، أنّه هنا لحمايتي."
حضنتني فاتي وشعرت بدفء جسدها.
"يحميكِ من ماذا؟"
"حتى الآن لم أفهم، يقول تابع ويتحدث عن ناقل أرواح، كلامه غير مفهوم لكن أشعر داخلي أنّه صادق."
شرَدت فاتي طويلًا بعد أن قالت: "اللعنة."
"قبل أن أنزل عند الشيخ رأيت شيئًا غريبًا غطس في مياه النافورة."
"رأيته؟"
"أجل، لماذا تضحكين؟"
"أشعر أن كل ذلك مجرد مزحة، تتحدث عن أشباح، ناقلي أرواح، نحن في هوليود؟"
"لا أعلم، كيف لي أن أعلم."
بحثت عن المنقوع لم أجده، زعقت بعصبية.
"أين اختفى المنقوع؟"
"أبعدته عن الأطفال، سأصنع لك كوبًا يا حبيبي."
شربت الكوب الذي أعدته فاتي، شعرت أن هناك نارًا تحرق صدري.
"أشعر بوجع."
"هذا المنقوع سيؤذيك، لماذا تصدق كلام ذلك الرجل؟"
"مذاق المنقوع تغير يا فاتي."
"عليك أن تتخلي عن هذا المنقوع، ربما فسد."
طوحت فاتي كيس المنقوع في سلة المهملات.
"سأذهب للنوم."
"أنا أحتاجك الليلة."
فاتي التي لم تسمح لي بالاقتراب منها منذ شهور تطلبني الآن.
"أنا متعب."
"سأنعشك."
نمت، فتحت عيني قريب العصر، عاد الإنهاك والتعب على جسدي. رأسي تكاد أن تنفجر، غباش في عيني وترنح.
فتحت شرفة المنزل نظرت إلى الطريق لم أجد الشيخ في مكانه.
"تبحث عن المتشرد؟"
"أجل."
"حضر هنا وطلب منّي أن أخبرك أن لا تترك المنزل حتى يأتي ليطلبك."
"حسنًا."
رغم إجهادي لعبت مع الأطفال، كانوا سعداء بقربي منهم، لكن الصداع لم يتوقف، كنت أتأكل من الداخل، نباح الخربشة في ذهني ازداد بطريقة مفرطة.
لم أقو على الذهاب للمقهى، رغم ذلك فضول الليلة الماضية لم يتركني. ذلك الكيان الذي رأيته.
حضنت قطتنا وصعدت نحو سطح المنزل.
جلست تحت القمر أشم هواءً نقيًا.
كانت قد مضت ساعة كاملة وأنا شارد بصمت عندما كشرت قطتي عن أنيابها.
"اهدئي."
نظرت تجاه السطح لكني تواريت خلف الملابس. مشى على أربع مثل حيوان، نفض الماء عن جسده، وصل الجدار تسلق الجدار لفوق. تابعته حتى وصل نافذة شقتنا. انفتحت النافذة بعد أن طرقها بأظافره ودلف للداخل.
"مصيبة، أنا لا أتوهم، لا أحلم، لا أتخيل."
ركضت القطة وتركتني.
بحثت عن عتلة حديدية، كنت مثل المجنون، كل ما فكرت به أولادي وزوجتي.
نزلت درجات السلم، ضغطت على باب الشقة كان مغلقًا من الداخل.
طرقت الباب بقوة حتى فتحت لي فاتي.
اندفعت للداخل دون كلام وأنا أرفع العتلة بيدي. ركضت تجاه غرفة الأطفال، غرفة نومنا. رأيته يقفز لتحت.
"ماذا؟"
"كان هنا."
وانطلقت تجاه الحديقة. أول ما وصلت كل ما رأيته تماوج مياه النافورة. ضربت الماء بالعتلة بغضب دون تفكير. نزعت ملابسي.
"ماذا تفعل؟ أرجوك توقف."
قفزت داخل المياه التي وصلت خصري. مشيت أتبع قدمي حتى وجدت ثقبًا عميقًا.
رواية لافندر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
كانت المياه عكرة تسبح خلالها بقايا أوراق الشجر، الطحالب، ذرات التراب. عندما غطست لم أرَ شيئًا. زحفت على قاع النافورة بيدي حتى بلغت الفوهة. كانت مستديرة بحجم شخص. دفعت يدي فيها، كانت عميقة لا آخر لها.
صعدت للسطح أسترجع نفسي. صوبت فاتي مصباحًا كهربائيًا تجاهي، سمعتها تصرخ: "اخرج ارجوك! الأطفال يصرخون من الرعب. أنت فقدت عقلك تمامًا."
غطست مرة أخرى. كنت فوق الفوهة، أنزلت رأسي داخلها. حاولت الرؤية بلا فائدة.
سبحت للخلف وأنزلت ساقي داخل الفوهة حتى حدود صدري. ابتلعتني الفوهة داخلها. كنت متشبثًا بالجرف. أدركت أنها أعمق مما أتصور. سحبت نفسي قبل أن أصل بقدمي للسطح. تناولتي يد جذبتني لتحت. كانت رخوة ولم تتحكم في قدمي.
تشبثت بجدار النافورة وصرخت من الرعب.
"اتركه!" صرخ أحمد ابني. "إن كنت تحبني اتركه."
تخلت اليد عن قدمي. صعدت واستلقيت على ظهري. جسدي يرتعش وأسناني تصطك.
ركضت فاتي نحوي، ساعدتني على الوقوف. قلت: "ما هذا؟"
قالت: "كيف لي أن أعلم؟ أنا لم أرَ أي شيء. كنت تصرخ وتحرك قدميك داخل المياه."
قلت: "كانت هناك يد تمسك بقدمي."
قالت: "ناصر، ارجوك يكفي. الأطفال مرتعبون. انظر هنا." وأشارت للمياه. "هل ترى شيئًا؟"
قلت: "لا، لكن أقسم أن هناك أحد أمسك بقدمي."
بدلت ملابسي وجلست بالصالة غير قادر على تمالك نفسي. كان أحمد ابني يحدق بي.
قلت: "أنت رجل يا ابني. من الذي كنت تصرخ عليه أن يتركني؟"
قال: "أي شيء يا بابا؟ ليس هناك شيء محدد."
نظرت لمكان اليد التي أمسكتني. شعرت بألم محرق. مسدتها وشعرت بإنهاك. نمت.
في الأيام اللاحقة لم أبارح مكاني. لم أستطع نصب طولي. بعد أن كنت أتحرك بالشقة أصبحت طريح الفراش.
أحضرت طبيبًا وآخر. الكل يقول: "أنت سليم، ليس بك علة."
كنت غير قادر على المشي ولا تحريك قدمي. صدري ملتهب. جسدي يأكلني. خربشات مؤلمة بمجرى الدم.
بعد أسبوع كنت نائمًا. ازداد صوت خربشة الأظافر في ذهني. سمعت النافذة تفتح. كلمة "تعالي". باب يصك. ثم آنات مضاجعة تخرق أذني.
حاولت أن أتحرك بلا فائدة. صوتي خانني. أسقطت نفسي من على السرير. زحفت على يدي تجاه غرفة نومي. معاناة. وقت طويل حتى اقتربت.
قابلني أحمد وهو يفرك الغماص من عينيه. قال: "لا تدخل."
قلت: "لا أدخل أين؟"
قال: "ارجع إلى غرفتك."
قال: "أنا أقول ذلك لأنك تهمني. حكيت لك كل شيء ولم تصدقني. عد لغرفتك الآن."
قلت: "ابتعد عن طريقي." زحفت وهو يحدق بي. وصلت الباب فتحته.
ثم رأيت.
...