تحميل رواية «لأجلك أحيا» PDF
بقلم أميرة مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شهقت بعنف حينما ألقى أحدهم مياه باردة على وجهها، فانتفضت من مكانها وهي تنظر حولها برعب. جحظت عيناها بصدمة وهي ترى نفسها في ساحة القرية، والجميع ينظرون إليها بتفحص واضح. اعتدلت في جلستها وهي تحاول استيعاب ما يحدث لها من المصائب على ذنب لم تقترفه. سمعت همساتهم وهم يقولون بفضول: - مش دي تيجان؟! إيه اللي رماها بفستان فرحها كده؟! هتف أحدهم: - إيه اللي يخلي جوزها يرميها الرمية دي إلا لو اكتشف أنها مش عذ... حركت رأسها بالسلب وعيناها تلتمع بالدموع، أشار إليه زميله قائلًا: - ما تكملش، بس معقولة يطلع منها...
رواية لأجلك أحيا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أميرة مدحت
تصلب جسد "الهامي" ما أن ألتفت بجسده ورأى إبنه وهو عاقد ساعديه أمام صدره، ضيق عينيه وهو يحدجه بنظرات قوية على رغم من القلق الذي يأكل قلبه خوفًا من أن يكون إستمع إلى حديثه، ولكن ملامحه القاسية.. وعينيه المحتقنتين.. وعروق نحره وكأنه يحاول أن يتمالك ذاته، جعلته يتأكد أنه إستمع إلى كل حرف نطقه، ورغم ذلك.. إلا أنه ظل ثابتًا وملامحه باردة تمامًا.
بروده جعلت نيران قلبه قبل صدره تشتعل، دنا "راجي" منه بخطوات سريعة قابضًا على تلابيبه وهو يصرخ بغضب جامح:
-ليـــــه؟؟.. ده حفيدك؟!!!!.. تضرب عليه نار؟!!.. ليــــــه يا ظاااالم!!!!..
قال "الهامي" بعصبية:
-نزل إيدك وإلا...
دفعه "راجي" بقوة وهو يقاطعه بنبرة جهورية:
-أنا مش بتهدد يا الهامي.
رمقه "الهامي" بصدمة من ذلك التحول الغريب، فمنذ صغره كان هادئًا عكس حالته الآن تمامًا، ظهر بريق القسوة بداخله حدقتيه وهو يستمع إلى كلمته قائلاً:
-طول عمري ساكت وبقول ده أبويا، لازم أحترمه ومش بعترض، طفولتي مش فاكر فيها غير خوفي منك لأغلط وأتضرب ورعب أمي الله يرحمها منك إنها تنسى حاجة ولا تغلط، ومراتي اللي بتخاف تغلط غلطة هايفة قدامك، وإبني إللي دخلت جوا قلبه قسوة وبرود، دايمًا عاوزنا نعيش مرعوبين منك، وعاوزني أقتل بدم بارد زي ما بتقتل إنت، بس أنا مش زيك!!!!!!!!..
دنا منه وهو يضيف بلهجة عنيفة:
-وكله كوم وإنك عاوز تموت إبني كوم تاني، إلااااا إبنـــــي.
هدر "الهامي" بقوة وغضب:
-خرج عن طوعي، الناس اللي كانت بتترعب من إسمي هيعرفوا دلوقتي أن إحنا كدابين وإن إحنا بنقول لكن منعملش، ضيع هيبتي وخوف الناس مني، ضيع تعب السنين، وأنا اللي يخرج عن طوعي أفعصه زي الصرصار حتى لو كان حفيدي من لحمــي ودمـــي.
أظلمت عينا "راجي "وهو يشير بيده هادرًا بإنفعال:
-إطلع براااا، مش من المستشفى من حياتنا كلها، وحق إبني هعرف أجيبه منك ومن التاني الـ(....) إللي عملها، إطلع برااااااااا.
أقترب "الهامي" منه وهو يصرخ بشراسة:
-حق إيه؟؟.. ولا تقدر تعمل حاجة، أنا أبوك مهما حصل وهفضل أبوك.
إبتسم بتهكم وهو يقول:
-إذا كان إبني هان عليكي وسلمته للموت عادي ومكنش فارق معاك، أنا كمان مش هيفرق معايا فإللي هعمله..
أشار بعينيه وهو يضيف بحدة عالية:
-أتفضل إطلع برا، وهثبتلك إن إحنا كنا القوة ليك، يعني من غيرنا ولا تقدر تعمل حاجة.
إبتسم "الهامي" وهو يقول بثقة:
-لو تقدر توقع الجبل يبقى هتوقعني يا راجي، مش الهامي إللي يقع، أنا قوي من غيركم وهتشوف.
ختم كلمته الأخيرة وهو يحدجه بعينين ظالمتين قبل أن يغادر من أمامه، تابعه "راجي" بنظراته القوية حتى أختفى من أنظاره، وهنا هبطت دمعة حارة من عينه على تلك الحقيقة المريرة، والده حاول يقتل وحيده، كان يعلم أن قلبه قاسي ولكن لم يتوقع أن يكون أمتلئ قلبه قسوة بتلك الدرجة العالية.
******
جلس "وافي" على المقعد بجوار فراش "تيجان"، مسح على خصلات شعرها بحنوٍ مثير وهو يتأملها بحزن، وخلفه يقف "يسر" يربت على كتفه وعيناه عليها، غير مصدق ما يحدث حوله، منذ أن وصل إليه خبر من أصدقائه بوجود "تيجان" برفقة "ساهد" والملك وأنها على قيد الحياة حتى ما حدث في تلك اللحظة، خرج من شروده على صوت إبن عمه وهو يقول:
-مش عارف أفرح ولا أحزن!!.. أفرح أنها عايشة وهلحق أعوضها من اللي شافته ولا أحزن على اللي وصلتله!!..
قال "يسر" بإبتسامة هادئة:
-كله هيبقى تمام يا وافي، إحنا نفرح وأول ما تبقى كويسة، حاليًا مقدمناش غير إننا ندعيلها وندعي لأصهب كمان.
ألتفت "وافي" برأسه ينظر إليه قائلا" بريبة:
-تفتكر ليه أصهب عمل كده؟؟.. ليه فداها بروحه؟؟..
ذلك السؤال الذي ظل يسأله كثيرًا بداخله منذ أن دخل "أصهب" غرفة العمليات، ولكن لا وجود لإجابة، رفع حاجبيه للأعلى وهو يهمس بداخله:
-أمه يفديها بروحه ده معناه أنه بيحبها!!!...
ما أن وصل إلى تلك الفكرة حتى قال بذهول:
-أيعقل؟؟!..
*******
ساعات كثيرة مرت على الجميع ببطء شديد، كل لحظة يزداد الألم في قلوبهم، فتحت "تيجان" عينيها بتثاقل شديد حتى أتضحت لها الرؤية، أقترب منها "وافي" وهو يقول بلهفة:
-تيجان، حمدلله على السلامة.
ما أن أستوعبت ما حدث ومكان وجودها حتى أعتدلت في جلستها سريعًا وهي تقول بخوف:
-أصهب، أصهب فين؟؟..
رد عليها "يسر" وهو يدنو منها:
-أهدي يا تيجان، هو لسه مفاقش و...
هتفت وهي تحرك رأسها بالسلب:
-لأ، أنا لازم أشوفه، لازم أطمن عليه.
وبالفعل هبطت من على الفراش، ولكن وقفت فجأة حينما سد عليها "وافي" بجسده قائلاً بحدة:
-تيجان أهدي، مش هيسمحولك تدخلي.
هتفت برجاء وهي تمسك بيده:
-عشان خاطري هما خمس دقايق، خمس دقايق بس.
صمت "وافي" قليلاً وهو يلتفت برأسه نحو إبن عمه الذي هز رأسه بالإيجاب، تنهد تنهيدة حارة نابعة من قلبه وهو يفكر في علاقة شقيقته بالملك!
*****
بعد قليل، سارت معها لترتدي ثوبًا معقمًا وغطاء للرأس والقدمين، حتى تتمكن من الدخول الآمن إليه، فتحت الممرضة لها الباب وتركتها تنفرد به لدقائق معدودة، أقتربت منه "تيجان" قليلاً لتتبين لها ملامح الأعياء الظاهرة على وجهه، وبشرته الشاحبة وتكوين طبقة من الهالات السوداء أسفل عينيه، أرتجفت أوصالها وهي تكتم صوت بكائها الذي أنفجر في لحظة واحدة، غالبت دموعها وهي تلمس بشرته بأطراف أناملها، فإذ بها باردة الثلج مما جعلها تقشعر على الفور وتسحب كفها فجأة، زاد بكائها ولكن حاولت التماسك وهي تقول بصوت مرتعش:
-ليه عملت كده يا أصهب؟؟.. أنا مستاهلش إنك تحافظ على روحي بروحك.
تابعت بصوت خالجه النشيج:
-إنت أدتني حاجة كبيرة أوي، حاجة عمر ما حد قدمهالي، أدتني روحك!!!..
مسحت دموعها وهي تقول بقوة:
-إنت كنت بتقول إن إللي خلاك تصدقني هو قوتي، شوف قوتي دي هتعمل إيه عشان تجيب حقك يا أصهب.
إبتسمت بألم وهي تقول برجاء:
-بس عشان خاطري، قاوم اللي إنت فيه، إياك تستسلم.
لوحت لها الممرضة من الخارج قائلة:
-يالا يا آنسة.
أبتعدت عنه رغمًا عنها وعيناها عالقتين عليه، قاومت رغبتها الجامحة في مرافقته وعدم المغادرة، وجدت كل من "وافي" و"يسر" ينتظرونها بالخارج، ولكن قبل أن تقترب منهما وجدت "شاهيناز" تقترب منها ولكن تعبيرات وجهها بدا عليها الصدمة، وقفت أمامها وهي تسألها بحدة مخيفة:
-يعني إنتي السبب فإللي إبني فيه؟!!!..
*******
وقف "الهامي" وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله، عبث فيه قليلاً قبل أن يضعه على أذنه منتظرًا الرد، وما أن أتى حتى قال:
-عاوزك تعرفلي فين السجن إللي بناه أصهب.. أيوة.. قصدي السجن اللي عمله مخصوص للزانيات عشان يحسبهم هناك بدل ما يقتلهم.. أول ما توصل لمكان السجن بلغني.. وأول ما أديك الإشارة تجهز رجالتنا عشان ياخدوهم ويتقتلوا قدام أهل القرية.. بعدين هتعرف.. خلاص سلام.
أغلق الهاتف وهو يبتسم بتهكم قائلاً بلهجة مخيفة:
-ده اللي كان المفروض يتعمل من زمان، وأنا بقى إللي هعمل كده.
******
هب واقفًا بصدمة وقد عقد حاجبيه بشدة، قبض على الهاتف بعنف بعدما علم بفشل خطته وإنتقامه، وجد نفسه يصرخ قائلاً بغضبه المشحون:
-يعني إيه الكلام ده؟؟.. أنا كان قصدي تيجان، طلعلنا منين البني آدم ده؟؟..
سكت لحظةً قبل أن يسأل:
-هو أسمه إيه؟؟.. وإيه المعلومات إللي تعرفها عنه؟؟..
ما أن إستمع إلى حديث الطرف الآخر عن ذلك الشخص وعن هيبته وقوته المخيفة بعض الشيء حتى قال بهمسٍ خافت يملؤه الشر:
-لو زي ما بتقول كده، يبقى الحرب مش هتبقى مع تيجان وبس، ده كمان مع الكينج!!!!..
رواية لأجلك أحيا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أميرة مدحت
تلك اللحظة تمنت كثيرًا أن لا تواجهها، تلك اللحظة خافت كثيرًا منها، هي قلبها يحترق من أجل إبنها، والأدهى أنها السبب في ما وصل إليه، أقتربت منها عدة خطوات وهي تنظر لها بعينين حزينتين.. لمعت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها إيجابيًا هامسة:
-أيوة أنا السبب.
أتسعت عيناها بذهول قبل أن تقبض على خصلات شعرها وهي تصرخ بعصبية:
-وليكي عين تقولي آه أنا السبب، وكمان أعدة هنا ليه، مستنية منه إيه، إنطقي؟!!!!..
وقف "وافي" أمامها ونفض يدها عن خصلات شعر شقيقته وهو يهدر بصرامة:
-شيلي إيدك من عليها، أنا مقدر إللي حضرتك فيه بس لازم تعرفي أن أصهب باشا دافع عنها من نفسه محدش أجبره على ده.
صرخت "شاهيناز" بعصبية مشيرة بيدها:
-إطلعوا برااااااااا، محدش له دعوة بإبني، براااااااا.
ردت "تيجان" عليها وهي تحاول رسم إبتسامة على وجهها هاتفة:
-حضرتك بذات مش هقدر أقولك حاجة، عندك حق فكل كلمة بتقوليها، بس أرجوكي سبيني لغاية ما أطمن عليه، أرجوكي.
دفعتها "شاهيناز" بقوة وهي تهدر بشراسة:
-مش قادرة أتحمل وجودك، إطلعي براااااااا وإلا مش هرحمك، براااااااا.
صراخها بذلك الغضب المشحون جعل "راجي" يخرج من غرفة الأستراحة ويركض نحوهم، وحينما رأى غضب زوجته أمام تلك الفتاة، حاول أن يتدخل حيث قال بهدوء:
-شاهيناز ده مش وقته خالص، على الأقل لما نطمن على إبننا الأول.
أستدارت له وهي تقول بعصبية مفرطة:
-ما هي السبب فإللي هو فيه، خليها تطلع برا يا راجي هي وإللي معاها وإلا هعمل تصرف مش هيعجب حد.
قبض على كتفيها برفق وهو يقول بصرامة دون أن يرفع صوته:
-أهدي، أهدي يا شاهيناز، البنت ملهاش ذنب فعلاً و..
قاطعته وهي تصرخ بصوتٍ عال غاضب:
-إزااااااااي؟؟... إنت عاوز تجنني!!!..
لن يستطيع أن يقول تلك الحقيقة أمام الجميع، تلك الحقيقة المريرة التي يود إخفاءها على زوجته ولكن من الصعب أن يفعل ذلك، لذلك سحبها على غرفة الأستراحة وهو يقول:
-تعالي الأول معايا.
تابعتهما "تيجان" حتى أختفا عن أنظارها، عادت تحدق في الحائل الزجاجي، هبطت دموع الحارة على وجنتيها، لك تكن تتخيل أنها ستراه في تلك الحالة أبدًا، حبست صوتها وهي تطلع له وهتفت:
-عمري ما تخيلت للحظة أن كل ده هيحصل.. وبسببـي!!..
أقترب منها "يسر" قبل أن يقول بجدية:
-أصهب قوي، وهيعدي من الأزمة دي على خير إن شاء الله.
هتفت "تيجان" بتنهيدة حارة:
-أصهب لو مات، أنا هضيع وناس تانية هتضيع.
عقد ما بين حاجبيه وهو يسألها:
-قصدك إيه؟؟..
ردت عليه بلهجة واثقة:
-أنا واثقة أن جده مش هيسكت، وأكيد هو دلوقتي بيحاول يفكر أنه إزاي يرجع هيبته.
تسائل "وافي" بعمق:
-تفتكري شخص زي ده ممكن يعمل إيه؟؟..
ردت عليه بتوتر:
-أنا خايفة أنه يفكر يوصل للسجينات عشان يقتلهم، لأن دي حاجة هترجعله الهيبة والناس هترجع تخاف منه.
حرك "يسر" رأسه بعدم إستيعاب قبل أن يهمس:
-دي تبقى كارثة!!!!..
إبتسمت "تيجان" فجأة مرددة:
-وأنا عندي حل للكارثة دي قبل ما تحصل.
تسائل "وافي" بإهتمام ملحوظ:
-إزاي؟؟..
سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تقول:
-أول حاجة إنتوا هتنفذوا الحل ده دلوقتي من غير مقدمات كتير، لأن الهامي لئيم وذكي، ممكن يوصلهم فأي لحظة.
قال "يسر" بثقة عالية:
-إحنا نقدر نعمل أي حاجة بعون الله، كفاية إللي عمله.
قالت "تيجان" وهي تحاول الوصول إلى نقطة ما في عقلها:
-بس هنحتاج مساعدة والده "راجي" باشا!!..
*******
جلست "شاهيناز" على المقعد تبكي بصمت، تحدق أمامها في نقطة فراغ، وقلبها يتزايد نبضات من كثرة الإشتعال خاصةً بعد أن علمت وراء ما حدث لوحيدها، أغمضت عينيها بألم وهي تهمس:
-إبني ضاااع، إللي كنت خايفة منه حصل، إبني ضاع يا راجي.
جلس بجانبها قبل أن يقول بجدية:
-بطلي عبط، الهامي مش هيقرب من حد فينا يا شاهيناز، زمن الصمت والخوف تنسيه، تأكدي أن الموضوع هيخلص قريب.
همست بذهول وهي تفتح عيناها:
-إزاي؟؟.. إنا طول عمري خايفة أن لحظة زي كده تيجي، دلوقتي بتقولي إطمني!..
هتفت بقوة متسائلاً:
-شاهيناز، إنتي بتثقي فيا ولا لأ؟؟..
أجابت بدون تفكير:
-طبعًا واثقة فيك.
إبتسم بخفة قبل أن يقول:
-يبقى إطمني، إذا كان هو الهامي، فأنا إبن الهامي بردو.
******
بعد قليل، خرج "راجي" من غرفة الأستراحة كي يجيب على هاتفه، وبالفعل ظل لعدة دقائق يتحدث عن أمرًا ما، وما أن أنهى المكالمة حتى أستمع إلى صوت تلك الفتاة الشابة مُنادية عليه، أستدار بجسده لها وهو يرمقها بنظرات جادة متفحصة قبل أن يقول:
-عاوزة إيه؟؟.. خير؟؟..
سحبت "تيجان" نفسًا عميقًا قبل أن تقول بتوتر طفيف:
-أنا عارفة ان والد حضرتك هو السبب فاللي حصل لده كله.
قطب "راجي" جبينه بقوة، قبل أن تتابع بقلق:
-أنا عارفة أن حضرتك كنت مع أصهب في حكاية السجن دي، فعشان كده لازم أقولك أنهم ممكن يتأذوا دلوقتي.
أقترب منها عدة خطوات متسائلاً بتعجب:
-مش فاهم قصدك، وضحي؟!..
-كنت عاوزة أقول أنه دلوقتي ممكن يحاول يأذي السجينات لدرجة أنه ممكن يفتلهم، كنوع من أسترداد الهيبة والقوة بعد إللي أصهب عمله.
أتسعت عيناه إتساعًا طفيفًا وهو يقول بصدمة:
-إزاي مخدتش بالي من النقطة دي، هو أكيد هيعمل كده، لازم ألحقهم.
تمتمت "تيجان" ببسمة صغيرة واثقة:
-أنا جاية لحضرتك ومعايا الحل.
******
جلس على مقعده الجلدي محاولاً التفكير بعمق، أغمض عينيه للحظات معدودة محاولاً أن يصل إلى خطة ما بعد فشل الأولى، ولكن وجود "أصهب" سيجعل كل شيء يتغير، لذلك هب واقفًا يعبث بهاتفه قبل أن يضعه على أذنه ثم قال بصيغة آمرة:
-وجوده خطر، فلازم نخلص منه قبل ما يفوق.
تابع بصوتٍ شيطاني وعينين مخيفتين:
-إبعت حد يروحله المستشفى يخلص عليه، عاوز أحتفل بخبر موته النهاردة.
أنهى المكالمة وقد تقوس فمه بإبتسامة شيطانية هاتفًا بشرٍ دفين:
-هعرف أنتقم صح منك يا بنت الـ(....) وإلا مبقاش حمــزة العشري.
******
لاحقًا، ظلت "تيجان" واقفة أمام الحائل الزجاجي تنظر له بنظرات غريبة.. غير مفهومة، وضعت يدها على مكان قلبها تستشعر نبضاته السريعة، ضيقت عيناها بريبة حينما لاحظت حركة أصابعه، هزت رأسها سلبًا كي لا تشعر أنها تتخيل، ولكن تأكدت من ذلك حينما فتح عيناه فجأة، هنا صرخت بكل قوتها وهي تلتفت حول نفسها:
-دكتــور، فتح عينه، دكتــــور.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أميرة مدحت
حالة من الفوضى عمّت في الطابق الموجود به غرفة العناية المركزة عقب وصول فتح "أصهب" لجفونه، وركضن الممرضات لتبليغ الأطباء بالتطور الذي حلّ بالمريض، بينما خرج كل من "راجي" و"شاهيناز" من غرفة الإستراحة كي يتابعان ما يحدث بقلبٍ مفطور حزين.
في حين ظلت "تيجان" واقفة تحدق فيه بنظراتها المتوجسة وهي تهمس بخفوت:
-إياك يا أصهب، إياك، مش هستحمل أرجوك.
أقتحم كبير الأطباء ليجد عينا "أصهب" عالقتان بالسقفية دون حركة يميني أو يساري، ولا يشعر بأي شيء كان، جاهد الطبيب لجعله يصدر أدنى حركة ولكن بدون فائدة، طرق بخفة على عظام ركبتيه بمطرقة طبية صغيرة ليثيره فيحركها، ولكن لم يفعل.
أضاء مساعد الطبيب كشاف صغير للغاية ووجه ضوءه في عينيه، فـ رمش "أصهب".. ثمة همهمات بين تدور بالداخل ولكن لم تستمع لأي منها، غالبت "تيجان" إحساس بداخلها وكأنها وساوس توهمه بأن الشلل قد ترعرع في عظام جسد الملك، أدعت الثبات وهي تهمس:
-لأ، أصهب بلاش!!..
في الداخل، أستمرت محاولتهم لأثارته أكثر من عشر دقائق، وأخيرًا تنفس كبير الأطباء الصعداء بعدما حرك المريض الميؤس من حالته ركبتيه، رفع مساعد الطبيب نظره نحو كبيرهم وهو يقول:
-الحمدالله إستجاب أخيرًا.
-مبتحصلش كتير، نسبة الشلل كنت متوقعها بس عدا منها بفضل الله.
لحظات وغفى "أصهب" مرة أخرى ليكون أسير غيبوبة جديدة، فقال الطبيب بجدية:
-أنا هطلع أبلغ عيلته، وإنتوا إعملوا الازم.
تحرك بعدها نحو الخارج ساحبًا نفسًا عميقًا، وبمجرد أن خرج وجد "شاهيناز" تحاصره بأسئلتها:
-ها يا دكتور طمني أرجوك، بقى كويس؟؟..
قال بهدوءٍ جاد:
-الحمدلله في مؤشر ظهر على أحتمالية بنسبة كبيرة عدم حدوث الشلل، وكل اللي حصل دلوقتي في صالحنا، وإن شاء الله قريب هنحدد كل حاجة، عن إذنكم.
غادر من أمامهم مسرعًا، فـ وضعت "شاهيناز" يدها على قلبها وهي ترى وحيدها بين تلك الجدران الباردة، هبطت دموعها بغزارة، فسحبها "راجي" إلى أحضانه وهو يهمس بخفوت:
-هيعدي منها، أدعيله يا شاهيناز.
ظلت "تيجان" واقفة وأنظارها مرتكزة عليه، أرتسمت إبتسامة صغيرة على شفتيها هامسة وقد هبطت دموعها الحارة:
-الحمدلله، مستنياك يا أصهب إنك تفوق.
تذكرت تلك المرة التي دخلت فيها المشفى وكان هو بجوارها، كان يساعدها في أي شيء تريده رغم بروده وقسوته في بعض الأحيان، ولكن خلف تلك القسوة قلب يملؤه الحب، وهو غير مدرك لذلك، بل هي من رأت ذلك القلب، كما رأى هو قلبها البرئ!.
هنا أستطاعت أن تتنفس بعمق وإبتسامة سعيدة شقت شفتيها، همست بصوتٍ قوى ولهجة متوعدة:
-وعقبال ما تكون فوقت يا أصهب هكون أتصرفت مع جدك.
******
جلست والدة "تيجان" على الأريكة محاولة إستيعاب ما يحدث، وقف "ثاقب" أمامها وهو يهمس بجمود:
-طلعت بريئة من الذنب ده!!..
رفعت وجهها نحوه وهي تهمس بصدمة:
-بريئة!!..
ظل الصمت مخيم بالمكان حتى هبت واقفة فجأة وهي تقول بحزم:
-ثاقب أنا عاوزة أشوف أختك.. ضروري جدًا.
******
لاحقًا، أنتظر "الهامي" على أحر من الجمر تلك المكالمة، ظل يسير ذهابًا وإيابًا وهو يفكر إن نجح في خطته حتمًا سيعود له كل شيء حتى أولاده، أخرج هاتفه سريعًا من جيب بنطاله ما أن أصدر رنينه، وضعه على أذنه وهو يقول بحدة:
-هاا، الموضوع تم؟؟..
صمت قليلاً يستمع إلى رد الطرف الآخر، فصرخ بعصبية:
-يعني إيه السجن فاضي، أومال راحوا فين؟؟..
قطب جبينه بقوة وهو يهدر:
-عربية نقل إيه؟؟.. يعني إيه اللي بيحصل ده!!!!..
لم تتحمل أذناه ما يقوله الأخير، فـ أنهى المكالمة وقد جخظت عيناه بصدمة، مسح على وجهه بقوة وهو يقول:
-انا مش هسكت، مش هسكت على إللي بيحصل ده!!!..
******
بعد عدة ساعات، تحرك ذلك الشخص الغامض نحو الرواق باحثًا عن غرفة "أصهب" كي يتمم مهمته كما أمر "حمزة العشري"، دخل الغرفة بحرص وهو يتنكر بزي الأطباء، وما أن رأى الأخير مستكين هكذا، حتى أخرج تلك الحقنة السامة، رفع يده قليلاً ولكن قبل أن يتمم مهتمه كان تراجع للخلف سريعًا حينما فتح "أصهب" عيناه الحادتان فجأة وبدون سابق إنذار.
******
خرجت "تيجان" من المشفى متوجهه نحو الحديقة وهي تبحث بأنظارها عن شخص ما، منذ أن أتاها ذلك الإتصال وهي تفكر بقلق، خشيًا أن يعود إليها الماضي من جديد ويظلم حياتها أكثر.
توقفت فجأة ما أن رأته، ذلك الضابط الذي ألتقت به منذ أكثر من عام وساعدته على قبض عصابة كبيرة في القرية هنا، دنى منها عدة خطوات وهو يمد يده يصافحها قائلاً:
-أزيك يا تيجان.
صافحته مجيبة بهدوء:
-الحمدلله.
تابعت متسائلة بقلق:
-ياترى طلبت ليه نتقابل؟؟.. مش الموضوع خلص خلاص ولا في حاجة حصلت.
أجابها بصوتٍ رخيم:
-من كام شهر هرب شخص إسمه "الداغر"، ده يبقى دراع اليمين للراس الكبيرة، بعد اللي حصل للكينج، عرفت من أهل القرية أن الرصاصة كانت قاصدة فعلاً إنتي، فـ أنا خايف ليكون هو ورا الموضوع ده.
أتسعت عيناها بذهول وهي تقول:
-لألأ، جده هو اللي ورا الكلام ده، هو اللي ضرب عليه نار.
عقد ما بين حاجبيه وهو يهمس:
-معقولة؟؟.. طب هو هيستفاد إيه من قتلك إنتي؟؟..
هزت رأسها بالسلب وهي تقول بألم:
-حرام، حرام بجد، يعني فوسط الهموم اللي أنا فيها تيجي حضرتك تقولي أن الداغر هرب!!!.. ده أنا لازم أتوقع أنه يأذيني فأي لحظة.
هتف الضابط بهدوء:
-طالمًا هو لسه مقربش منك يبقى معندوش النية و...
صرخت فجأة بغضب جامح:
-لأاااا، الداغر كان قريب أوي من جاسم، يعني صاحبه فوق ما تتخيل، فأكيد مش هيسبني وخصوصًا إني ورا كل مصيبة حصلتله وإني قتلت جاسم!!!!!...
رواية لأجلك أحيا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أميرة مدحت
تسمرت "تيجان" في مكانها بصدمة، تحدق في عينيه السوداوين بذهولٍ، كادت أن تتراخى قدماها فحاوط خصرها برفق يجذبها إليه، وعيناه تلتمعان بوميض غريب.. ولكن جميل، حركت رأسها بالسلب هامسة بصوتٍ مرتجف:
-إنت بتقول إيه؟؟.. إنت بتهزر مش كده؟؟..
ضيق حاجبيه هاتفًا بخشونة:
-يعني إنتي شايفة أن كلامي فيه هزار يا تيجان، أنا قولت هتجوزك يعني هتجوزك.
همست بعدم إستيعاب:
-ليه؟؟..
رد عليها في نفس الثانية بقوة:
-لأنك تخصيني.
أبعدت ذراعه عن خصرها وهي تقول بجدية:
-ده مش سبب.
رفع حاجبه للأعلى وهو يقول بسُخرية:
-أومال إيه الأسباب إللي عاوزاها سيادتك!!!..
صمت طويل ساد بالمكان، التأمل هو الشيء الوحيد الذي سيطر عليهما معًا، ملامحها الشاحبة الحزينة، عيناها التي تلتمعان بوميض الألم، قلبها الذي رغم عنها ينبض سريعًا، عقلها الذي يعمل بلا توقف من كثرة تزاحم الأفكار.
بينما هو عينيه السوداوين القاسيتين، ولكن من خلفهما عشق لا يعلمه أبدًا، كل ما يعمله هو أن خلقت لأجله، وهو يحيا لأجلها فقط.
قبل أن يتحدث وجدها تستدير بجسدها نحو الباب كي تهرب منه لأول مرة، فهي دائمًا تقف أمامه تواجهه مهما كانت النتيجة، إلا اليوم.. فقد أستسلمت للهروب.
*****
لم يهدأ أحد من أهل القرية الذين أتوا ووقفوا أمام المشفى، يصيحون بإسم "أصهب" كي يخرج لهم ويتأكدون من أنه بخير معافي، وما أن أبلغه أحد الأطباء بما يحدث في الأسفل، حتى تحرك معه بعكازه نحو الخارج بخطوات بطيئة، هبط إلى الأسفل، يستمع إلى تلك الصيحات العالية بإسمه مع جملة؛ "نعم، معًا مع أصهب".
أخذوا يقولون تلك الجملة حتى ظهر إليهم، فـ تعالت صياحهم مع سعادتهم، لم يصدق ما يراه ومن ذلك العدد والذي في تزايد غريب، ولكن من الواضح أن وقت الخوف أنتهى وأتى وقت الشجاعة أخيرًا.
رفع "أصهب" يده عاليًا مشيرًا إلى الجميع بالصمت كي يتحدث، وما أن حلّ الصمت حتى قال بصوتٍ عاليًا قويًا:
-زمن الخوف أنتهى خلاص، ده الوقت إللي كلنا نقف فيه جنب بعض ونكون إيد واحدة، الخوف يعني الموت، الخوف يعني متقدرش تعيش، فإللي لسه خايف أعرف إنك ميت، والقوي له قيمة كبيرة لا أحد يتخيلها، كفاية أن إللي قدامك يعرف إنك مش سهل وأنه يتعملك ألف حساب وحسـاب.
سكت لحظةً قبل أن يضيف بصوتٍ أجش:
-ولازم الكل يعرف، إني لو خرجت على خير، يبقى تستعدوا للنظام إللي هنعيش بيه كلنا، كل حاجة هتتغير، أسلوب حياتنا، والعقاب على الجرايم اللي بتحصل، كله هيتغير، مفهوم؟؟..
إجابة واحدة كُررت أكثر من مرة من الجميع وهي:
-مفهوم يا كينج.. مفهوم يا كينج.
حرك رأسه بالإيجاب مبتسمًا بخفة، ولكن ما يراه الآن، وما يحدث له يعود إلى تلك الفتاة الوحيدة التي وقفت في أمامه؛ كي تسترد حقها، هي الوحيدة التي أظهرت له الجانب الإيجابي في شخصيته المخيفة، الفضل يعود إليها هي.. "تيجــــــان".
******
عاد "ساهد" إلى منزله بعد تلك المقابلة الهامة، تلك المقابلة التي جعلته يحسم أمره نحو "تيجان"، تلك المقابلة التي ستجعل كل شئ يعود إلى الصواب، تحرك بخطى هادئة نحو غرفة والدته فـ وجدها جالسة على الفراش كعادتها، ما أن نظرت إليه حتى عبست وأشاحت بوجهها ناحية الأخرى، جلس على طرف الفراش وقبض على يدها برفق قبل أن يقول ببسمة صغيرة:
-إنتي لسه زعلانة مني؟؟..
لم تجيبه.. ولم تنظر إليه حتى، فحرك رأسه بإيماءة خفيفة:
-معاكي حق، بس بكرا هتسامحيني، كل أم بتسامح إبنها، وبتسامحه لما بيصلح غلطته، وأنا هصلح غلطتي يا أمي ماتقلقيش.
صمت قليلاً قبل أن يقول بصوتٍ حزين رغم إبتسامته:
-إنتي وحشتيني أوي يا أمي، وحشني حضنك جدًا، وحشتني حنيتك عليا، وحشتيني جدًا فوق ما تتخيلي.
هنا نظرت إليه وعيناها تلتمعان بالدموع، فنهض من مكانه وأنحنى برأسه يقبل رأسها بحب، ثم رمقها بنظرة أخيرة قبل أن يلج إلى الخارج، أغمضت عيناها سامحة لعبراتها الهبوط على وجنتيها ببطء.
*****
خمسة أيام وهي تجلس في منزل "يسر" مع شقيقها "وافي" كي لا ترى والدتها وشقيقها الأكبر، فهي تحمل الكثير من الهموم، تذهب إلى المشفى في الصباح كي تطمئن عليه من بعيد، ثم تعود إلى المنزل وتجلس على فراشها والحزن يملؤها، إبتسمت "تيجان" بتهكم أليم وهي تغمغم مع ذاتها:
-صعب جوازنا يتحقق، صعب جدًا، كفاية موضوع الداغر ده، ده مستني لحظة يعرف يلاقيني فيها عشان يحقق إنتقامه، مش هينفع أدخل أصهب فالحكاية دي وإلا هبقى بحكم عليه بالموت، ولو ده حصل يبقى أنا كمان هحصله!!!..
حركت رأسها نفيًا وهي تنهض من مكانها كي تستعد إلى الخروج والذهاب إلى المشفى، أضافت بسُخرية:
-لأ وكمان بقوله ليه عاوز تتجوزني، يقولي إنتي تخصيني، مش عشان بيحبني مثلاً، مغرور.
*****
بعد قليل، أغلقت "تيجان" باب المنزل من خلفها، نظرت حولها فـ وجدت القرية شبه خالية من المرء، تقوس فمها للجانب، فمن الواضح أن الجميع قد ذهب إلى القصر الذي يجلس فيه "الهامي" مرة أخرى، ها قد مر أسبوع والثورة لاتزال مستمرة، هتفت بحنق:
-ما يغور بقى من القرية، يعني الناس مش طيقاه وهو لسه قاعد؟؟.. راجل غريب.
-هو مين اللي غريب؟؟..
شهقت بفزع وهي تلتفت بجسدها، فوجدته يقف أمامها بشموخ وإبتسامة صغيرة قد أعتلت ثغره، وضعت يديها على صدرها محاولة التنفس بطبيعية قبل أن تقول بضيق:
-حرام عليك خضتني.
تابعت بإهتمام:
-خرجت إمتى من المستشفى؟؟..
أجابها "أصهب" بصوتٍ غريب:
-لسه حالاً.
دنا منها وهو يقول بصوتٍ حاد قاسي:
-دلوقتي عاوز أعرف طالمًا كنتي بتيجي المستشفى، ليه مكونتيش بترضي تدخلي عندي يا تيجان؟؟.. ليه كنتي بتهربي مني؟؟.. أنطقـــي.
هتفت "تيجان" بهدوء زائف رغم قلقها منه من هيبته الطاغية بالنسبة لها:
-لأني لازم أبدأ أبعد عنك يا أصهب.
قبض على رسغها بقوة هادرًا بصوته المخيف:
-تبعدي إيه يا تيجان؟؟.. الكلام ده لو سمعته منك تاني مش هيحصلك طيب، آخر مرة قولتلك إني هتجوزك لأنك تخصيني، أظن أنك فاكرة الكلام ده.
صرخت بغضب:
-فاكرة وعشان كده مش موافقة.
صاح "أصهب" بشراسة:
-ليه؟؟.. عاوز أعرف دلوقتي حالاً.
هتفت "تيجان" بقلق شديد من ملامحه القاسية ولهجته:
-طيب ممكن تهدى الأول وسيب إيدي، عشان خاطري.
رمقها بنظرات طويلة قبل أن يرخى قبضة يده عن معصمها، سحبت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل قبل أن تقول بحذر:
-المرة اللي فاتت كنت قولتلك أن ده مش سبب.
هتف بصوتٍ غليظ:
-وسألتك أومال هي الأسباب اللي هتخليكي تفكري تتجوزي.
ردت عليه بقوة:
-يا أصهب أنا لازم يوم ما أتجوز، أتجوز واحد يكون بيحبني، لازم يكون بيحبني بجنون.
عقد ما بين حاجبيه وهو يقول بإستنكار:
-حب!!!.. حب إيه؟!!..
تساءلت بذهول:
-إنت مش عارف يعني إيه الحب؟؟..
أشار بيده مُتسائلاً بتهكم:
-إيه الكلمة دي؟؟..
ردت عليه بغضب:
-كمان مش عارف معناها، وعوزاني أتجوزك، أنت إزاي كده؟؟؟.. تفكيرك غريب و....
شهقت "تيجان" ما أن أندفعت قبضته القوية تقبض على ذقتها مقربًا وجهها إليه، ثم هدر وإبتسامة تثير الإستفزاز:
-إسمعي يا تيجان، إنتي تخصيني، ومهما حصل مش هتقدري تبعدي عني، مصيري ومصيرك بقا واحد.
أرخى قبضته عنها قبل أن يضيف بإبتسامته الساخرة:
-وبالنسبة للحب، فالكلمة دي مش فالقاموس عندي، الحب ده للعيال التوتو إنما أنا كينج، فهتجوزك لأنك تخصيني، فاهمة ولا تحبي أفهمك أكتر؟؟..
رواية لأجلك أحيا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أميرة مدحت
والسابع والعشرون 27
رفعت حاجبيها للأعلى وهي ترمقه بعدم إستيعاب، بادلته نفس الإبتسامة الساخرة وهي تحرك رأسها بإيماءة خفيفة، ظل مُبتسمًا تلك الإبتسامة المثيرة للإستفزاز وهو يغمغم:
-قال حب قال!!..
أغمضت عيناها بقوة وهي تخفض رأسها محاولة منع ظهور دموعها أمامه، لاحظ "أصهب" حركتها تلك فـ تلاشت إبتسامته تدريجيًا ودنا منها عدة خطوات بإرتباك طفيف، مد يده نحوها يرفع ذقنها برقة فـ فتحت عيناها الامعة من الدموع تنظر له نظراتٍ غريبة.. غير مفهومة، أحتضن وجهها براحتي يديه قبل أن يبتسم إبتسامة عذبة ولكن جذابة في نظرها ثم قال بحنوٍ مثير:
-متزعليش مني، أنا مقدرش أشوفك زعلانة.
إبتسمت بتهكم، فقال مضيفًا بجدية:
-تيجان أنا شخص صعب!.. تربيتي خرجتني شخص قاسي ومش بعرف أثق في حد بسهولة، شخص محدش يقدر يتعامل معاه إلا بطريقة معينة، إنتي عرفتي توصلي لنقطة البيضا إللي كانت جوا قلبي بقوتك وشجاعتك ومساعدتك ليا، النقطة دي مكنش حد يعرفها حتى أنا ذات نفسي لغاية ما قابلتك.
أبعد يديه عنها قبل أن يقول بتنهيدة حارة:
-كلامي يمكن يكون في نظر أي حد غريب، لكن محدش هيفهمه إلا إللي أتربى على قسوة القلب، ولو على الحب، فـ أنا معرفش وجوده فعلاً، ومش عاوز بصراحة.
سحب نفسًا عميقًا ثم زفره على مهل، أضاف بإبتسامة واثقة:
-بس لازم تعرفي إن مصيرك ومصيري بقوا واحد.
تسائلت بغرابة:
-وده من إمتى؟؟..
أتسعت إبتسامته قليلاً قبل أن يُجيب بلا تردد:
-من أول مرة عيني وقعت عليكي في الساحة.
تأملته بنظراتٍ حزينة وقلبها يعتصر ألمًا، طريقها يختلف عنه تمامًا، فـ طريقه يُعني بداية حياة جديدة مختلفة.. بعيدة عن القسوة وعدم الرحمة، لكن طريقها يحمل الكثير من المخاطر، ونتيجة ذلك الطريق هو الموت!.. لن يجتمع طريقهما أبدًا.
إبتسمت "تيجان" له بألم وهي تقول بمرارة:
-عمر ما مصيري ومصيرك هيبقوا واحد يا أصهب، طريقي كله أشواك ومخاطر صعب تدخله، إنما أنا دخلتها من أول ظهور جاسم فـ حياتي ومن بعدها ساهد، لو دخلته إنت يبقى حياتك هتبقى هي التمن.
قطب جبينه بقوة وهو يقول بحدة:
-في إيه يا تيجان، قصدك إيه بالكلام ده؟؟..
لم تجيبه بل تابعت بإبتسامة حزينة وهي تتأمل تفاصيل وجهه وكأنه آخر لقاء بينهما:
-عشان خاطري يا أصهب خد بالك من نفسك، وإنساني.. إنت في ناس كتير جدًا مستنياك لأنك نجدة ليهم.
كل كلمة تنطقها في تلك اللحظة كانت تهبط عليه كالصاعقة، قبض على ذراعيها بقوة وهو يهدر بصوته الحاد:
-في إيه يا تيجان؟؟.. بتقولي الكلام الغريب ده ليه؟؟.. مالك؟؟..
-أحضني لآخر مرة يا أصهب، آخر مرة بس!!..
لم يتردد في تنفيذ طلبها، بل هو من يحتاج إلى ذلك العناق أكثر منها، أكثر من أي شيء في الحياة، جذبها من خصرها إلى صدره يستقبلها بداخل أحضانه الدافئة، لتضع يدها اليمنى على مكان قلبه الذي يصرخ نابضًا بإسمها هي فقط، أغمض عينيه وهو يستنشق عبيرها بقوة ويعتصرها بداخل أحضانه، همس بصوتٍ متشنج:
-تيجان فهميني، بلاش تسبيني، أنا عمري ما عرفت يعني إيه قلبي يكون موجوع، دلوقتي حاسس أن الأرض كلها واقفة على قلبي، قلبي بيتحرق والنار بتزيد مش بتقل، دايمًا ببقى فاهم إللي قدامي، النهاردة أنا حاسس بعجز، مش قادر أفهمك، ومش قادر أفضل واقف كده وشايفك عاوزة تسبيني، فهميني!!..
سكتت للحظات قبل أن تنهمر دموعها هاتفة بهمسٍ خالي من الحياة:
-سامحني!!..
حاول فهم ما يدور في عقلها ولكن عجز عن فعل ذلك لأول مرة، شد عليها بذراعيه يكاد أن يعتصرها بداخل أحضانه، صوت رنين هاتفه أخرجه من حالتهما التي يملؤها الألم، ما أن تراجع للخلف حتى هربت من أمامه عائدة إلى منزلها، في حين رد "أصهب" على هاتفه بحنق:
-نعم، في إيه؟؟..
رد "راجي" بهدوء:
-أهل القرية كلهم واقفين قدام القصر، محدش عاوز يمشي إلا لما الهامي يمشي من القرية كلها وإنت اللي تحكم بنفسك.
زفر "أصهب" أنفاسه بغضب خفي قبل أن يقول كلمتين أثنين.. صارمتين:
-أنا هتصرف.
*******
أكثر من ألفين ونصف يقفون أمام القصر المهيب، يصرخون بعنف عن رغبتهم بخروج الهامي من القرية بأكملها، فلقد أكتفوا من القسوة وعدم الرحمة ويريدون أن يتذوقوا معنى كلمة الراحة والأمان، ولن يجدوا تلك الصفات إلا مع حفيده "أصهب الهامي".
تعالت صياحهم ما أن رأوا "أصهب" يخترق بجسده العريض القوي ذلك التجمع حتى يدخل القصر، أرتسمت الفرحة على وجوههم، فـ وجوده يعني تحقيق حلمهم الآن.
أخترق ذلك التجمع بصعوبة وملامحه تزداد قسوة أكثر حتى دخل القصر وهو يهدر بصوتٍ جهوري:
-هــااااااامي.
وجده واقفًا برفقة والده، فـ سار نحوهما بخُطوات سريعة.. ثابتة حتى وقف أمام "الهامي" الذي ما أن رأه حتى بلع ريقه بصعوبة من شدة قساوة ملامحه وعينيه القاسيتين المُظلمتين، رفع "أصهب" إصبعيه أمام وجهه يقول بهمسٍ فحيح كالافاعي:
-شوف بقى، إنت قدامك إختيارين أتنين ومفيش تالت، يا إما تخرج برا القرية دي تمامًا وتروح مكان تعيش فيه مع نفسك، ياإما تفضل هنا بس هتلاقي باب القصر بيتفتح فجأة وكل إللي عذبتهم وقسيت عليهم هيجوا ياخدوا حقهم منك، تختار إيه؟؟..
هدر "الهامي" بغضب مشيرًا بيده:
-محدش يقدر يقرب مني، وبعدين إنت هتسمحلهم يقربوا مني.
عقد "أصهب" ساعديه أمام صدره مجيبًا ببرود:
-آه هسيبهم، أنت سلمتني للموت ومكنش همك، ليه إنت تهمني دلوقتي؟؟.. وبعدين إنت ربتني على قسوة القلب، بس أظاهر محدش قالك، إن القسوة دي يوم ما تطلع هتطلع على إللي الشخص اللي أتعلم منه، عشان يثبتله أنه فعلاً قاسي حتى لو العكس.
قال "راجي" بهدوءٍ قاتل:
-اللي واقفين برا أكتر من ألفين ونص، يعني لو قربوا منك محدش هيقدر يعمل حاجة، أبعد عن شرهم وإنتقامهم ونفذ طلبهم وهو إنك تسيب القرية، وأنا أشتريت شقة كويسة جدًا ليك في مكان تاني تعيش هناك بعيد عننا وعنهم.
رمقهم "الهامي" بذهولٍ وهو يتراجع للخلف عدة خطوات، لأول مرة يشعر بذلك الإنهزام، تبدلت أحواله تمامًا سلبت قوته وأختفت هيبته المخيفة، شعر بتراخي في قدماه فجلس على الأريكة وهو ينظر تحديدًا نحو "أصهب"، في حين سأله الأخير ببرود:
-أخترت إيه؟؟..
******
تسلل إلى غُرفتها عن طريق الشرفة، بحث عنها بعينين مليئة بالشر، وقعت عيناه عليها وهي نائمة على فراشها بسلامٍ، إبتسم إبتسامة شيطانية وهو يخرج من جيبه سلاح ذو شفرة حـــادة، ما يُطلق عليها ، تحرك نحوها بخفة وبحذرٍ شديد حتَّى وصل إليها.
كانت مغمضة العينين فقط كس تهرب من واقعها الأليم وحزنها المرير، شعرت بتلك الخطوات البطيئة التي تقترب منها على مهل، رفع سلاحه للأعلى وكاد أن يطعنها في قلبها ولكن تجمدت يده للحظات حينما وجدها تفتح عينيها فجأة، شهقات مليئة بالذُعر أخرجتها من حنجرتها، أدركت الموقف سريعًا فـ هبطت من على الفراش من الجهه الأُخرى، لـ يهبط السلاح مُخترق الوسادة، ركضت "تيجان" بإتجاه الباب وهي تصرخ بفزع لعل أحد يساعدها لكنه لحق بها وكمم فمها بيده ساحبًا إياها نحو الفراش، ألقاها بعُنف عليهِ وقبل أن يشرع في قتلها، كانت تضربه بقوة لا تعلم من أين أتت بها!!.. حيثُ ضربته ما بين ساقيهِ بـ ساقها، صرخ بألم وهو يسبها بـ أسوأ الألفاظ، ولكن قبل أن تركض كان يجذبها من شعرها بقوة كبيرة جعلتها تصرخ صرخةً كبيرة بألم أكبر، صفعها على وجنتيها، ثم جذبها مرة أُخرى من عنقها لـ يُصبح ظهرها مُستندًا على صدره، ثم رفع السكينة للأعلى لـ يطعنها بعُنف في بطنها، لم تستطع الصراخ حيثُ كمم فمها، إبتسم بشر عندما تأكد من إتمام مُهمته، تأكد من أن الطعنة ستجعلها تقابل الذي خلقها، فـ ألقاها على الأرض، أخفض بصره نحو بقعة الدماء التي تزداد على ثوبها الأبيض لـ تزداد إبتسامته ثم ركض نحو الشرفة عقب أن أنهى مُهمتــه.
تمددت على الأرضية الصلبة عاجزة عن إخراج صوتها، أنتظرت مصيرها المحتوم بعد أن سارت في ذلك الطريق المليئ بالأشواك، وها هي تلقته أخيرًا بعد ليالٍ من الإنتظار.
أغمضت عينيها ببطء وهي تشعر بأنها تقع بداخل حفرة سوداء عميقة لا نهاية لها، وآخر ما نطقت به:
-أصهب.
******
لاحقًا، تحرك مُسرعًا نحو الدَرَج راكضًا نحو الطابق الثالث حتَّى وصل إلى منزلها، ضغط على زرَّ الجرس بقوة، لم يستمع إلى أيَّ ردَّ أو حركة، كز على أسنانه بقوة ثم دق الباب عليهِ مرددًا بصيغة آمرة :
_إفتحي يا تيجان!!.. بقولك إفتحي!!.. طب ردي عليـاا!!..
تضاعفت مخاوفه عليها فـ هدر بقوةٍ:
_تيجان، تيجــان!!!.. أنا كده هكسر الباب.
لم يتحمل أن يظل واقفًا هكذا، نغزة عنيفة تضرب قلبه مُنذ ساعات، مُنذ أن هربت من أمامه ودموعها التي لم تتوقف بعد، هدر بصوتٍ شرس وهو يطرق على باب منزلها بعنف:
-تيجـــــااااان أنا هكسر الباب، هكســــره.
وبالفعل تراجع خطوتين للخلف شاحذًا قواه لـ يندفع نحوه ضاربًا إيـاه بعُنف قاصدًا خلعه من مفصله، كرر تلك الفعلة ثلاثة مرَّات حتَّى فُتح على مصراعيهِ، وقف عند عتبته يلهث وهو يجول داخله ببصره، وجد المكان خاليًا وهادئًا تمامًا.
تحرك "أصهب" نحو غُرفتها مُسرعًا، كان الباب مفتوح، بحث بأنظاره عنها وهو يلج للداخل، ولكن كان فـــات الأوان، تسمر جسده في مكانه وقد أصابته الصاعقة.
أجتمع الذُعر والهلع بداخله في آن واحدٍ، وهو يجد الأرضية غارقة بـ دمائها، حتَّى وقعت عيناه عليها وهي ممددة على الأرضية، دنا منها عدة خطوات وهو يحدجها بعينين مذهولتين، جثى على ركبته أمامها وهو يمد يده نحو رأسها محاولاً إستيعاب ما يحدث.
كانت فاقدة للوعي وجسدها بارد للغاية، وبشرتها شاحبة شحوبٍ مُخيف، تشنجت قسماته وتصلب جسده للوهلة غير مُصدق، وما أن فاق على تلك الحقيقة المريرة حتى هدر بهلعٍ:
-تيجــــــــــااااان!!!!!..
رواية لأجلك أحيا الفصل السادس عشر 16 - بقلم أميرة مدحت
والتاسع والعشرون 29
توقف الزمن تمامًا وكأن عقله يرفض التصديق، إبتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يشعر بنبضات قلبه التي تتزايد بصورة غير طبيعية، تقلبت عيناه فيما حوله في خوفٍ وكأنه عاجزًا عن التفكير، هز رأسه بالسلب بعد وصوله إلى فكرة فقدانها فـ همس بقوة:
-لأ، مش هيحصل، مش هسمحلك يا تيجان.
مرر ذراعه حول ظهرها والآخر أسفل ركبتيها كي يحملها بين ذراعيه، نهض من مكانه راكضًا نحو خارج المنزل، هبط على الدرج سريعًا وهو يهمس بخوفٍ:
-إياكِ تستسلمي.
وصل أخيرًا إلى سيارته، فقام بفتح الباب الأمامي بصعوبة بالغة، أجلسها "أصهب" على المقعد المجاور لمقعده بحذرٍ بالغ مسندًا رأسها على الجانب ثم حكم حولها حزام الأمان، أغلق الباب مندفعًا نحو مقعده، لينطلق إلى إحدى المشفيات قبل فوات الأوان.
*****
أنتشر خبر محاولة قتلها كما تنتشر النار في الهشيم بين أهل القرية، أصابهم الحزن والخوف مما هو قادم، فمحاولة قتلها الآن يُعني بداية دخول حرب شرسة بين "أصهب" والطرف المجهول الذي حاول قتلها، خاصةً بعد أن تواعد "أصهب" في يوم إعلان براءتها لأي شخص حاول إلحاقها بأي أذى، ولكن ما سيطر على عقولهم هو خروج "الهامي" من القرية بأكملها كي يعود السلام إلى الجميع.
غادر خمسمائة فقط من أمام القصر، فلم يبقى سوى ألفين أو أكثر واقفون يصرخون بغضب، قوتهم تكاد أن تهدم ذلك القصر بمن يجلس فيه، وصوت صياحهم الجهوري المخيف يجعل الخوف ينهش قلب "الهامي" مما قد يفعلوه به إذا وقع بين أيديهم.
دخل "راجي" غرفة والده بخطى هادئة للغاية، رأه يجلس على الفراش بملامح عابسة، تنهد الأخير بحرارة، مُبتسمًا بداخله بسُخرية، تمنى في تلك اللحظة كثيرًا أن يكون والده ذات شخصية رحيمة.. طيبة.. حكيم، حتى يعيش هو أيضًا في سلام، ولكن قسوته طغت حتى وصل الأمر إلى محاولة قتل وحيده ببرودٍ شرس.
تسائل بصوتٍ جامد رغم حرقة قلبه:
-نويت على إيه؟؟..
رفع "الهامي" وجهه له قبل أن يجيب بتهكم:
-هو إنتوا سيبتوا ليا إختيار تالت، هسافر على الفجر يكونوا مشيوا من قدام القصر، أنا مش مستعد يجرالي حاجة، لأني خلاص رجليا والقبر، هعيش بعيد أحسن.
تابع مُتسائلاً بسُخرية:
-بس ياترى هتبقوا تزوروني ولا هتسبوني مرمي هناك لوحدي.
رمقه "راجي" بنظراتٍ مطولة ثم رد عليه بهدوء:
-في واحدة هتجيلك كل يومين كده، تنضف البيت وتعملك الأكل وتغسل هدومك، أظن إنت مش محتاج حاجة أكتر من كده.
زفر بضيقٍ داخلي قبل أن يُضيف:
-وياريت تنسانا تمامًا، أنا عشت من صغري مبقولكش لأ، لكن إللي إنت عملته أكبر جريمة ممكن يرتكبها الاب لإبنه.
إبتسامة أليمة شقت شفتيه وهو يهمس:
-كنت هتكسرني، كنت هتموتني أنا ومراتي لمجرد أن إبني منفذش أوامرك، كان عندك أستعداد عادي تكسرنا وتتفرج علينا، كأننا أعدائك، مش من لحمك ودمك.
سحب نفسًا عميقًا وهو يقول في نغمة ألم:
-ربنا يسامحك على حرقة القلب إللي سببتها ليا ولمراتي ولإبني، ربنا يسامحك.
وقبل أن يغادر سمع صوته وهو يناديه بخفوت هادئ، تصلب جسده مع نداءه الثاني، ولكن لم يلتفت إليه، أنتظر عدة ثوانٍ ما سيتفوه به حتى وجده يقول بتوتر:
-أصهب خد رصاصتين في ضهره، واحدة منهم فعلاً بتاعتي بس التانية مش مني، من طرف مجهول أنا فعلاً معرفوش، بس ياإما كان قاصد تيجان وده إللي بنسبة كبيرة لأن أصهب حضنها فنفس الوقت إللي أضرب فيه بالنار، ياإما حد فعلاً كان عاوز يموته، يعني حياة إبنك في خطر سواء إن كان لوحده أو مع البنت دي.
ظل "راجي" واقفًا في مكانه يستمع إلى كل حرف ينطقه الأخير وكأن سوط يهبط على قلبه من قوة الألم، حاول تمالك أعصابه وهو يخرج من الغرفة هابطًا إلى الأسفل، شعر بإهتزاز هاتفه في جيب بنطاله، فأخرجه سريعًا قبل أن يجيب على طرف الآخر بإهتمام:
-إيه يا أصهب، إنت فين؟؟..
صمت قليلاً قبل أن تتسع عينيه بذهولٍ:
-نعم!!!.. إنت بتقول إيه؟؟.. إزاي ده حصل وإمتى؟؟..
-في الجانب الآخر-
وقف "أصهب" خارج غرفة العمليات يزفر بعمق ما حبسه بصدره ليسيطر على توتره الكبير، أنتظر على أحر من الجمر خروج الطبيب من الغرفة للأطمئنان على حالتها، كانت الدقيقة الواحدة بالنسبة إليهِ گـ ساعة.
بدأ يسير ذهابًا وإيابًا والهاتف على أذنه يهدر بغضبٍ جامح:
-معرفش، أنا روحت البيت لقيتها غرقانة في دمها، ده غير أنه مفيش أي أثار أقتحام، أنا هتجنن!!!!..
قال كلمته الأخير وهو يصرخ بشراسة مندفعًا نحو الحائط يلكمه بقوة عسى أن يهدأ غضبه ولكن أزداد وهو يرى يده مليئة بـ آثار دمائها، أغمض عينيه بعنف يكاد أن يعتصرهما وهو يقول بهمسٍ متشنج لوالده:
-مش قادر، بحاول أمسك نفسي بس مش قادر، راسي هتنفجر من التفكير!!!!!..
قال "راجي" بلهجة قوية محاولاً بث الهدوء بداخله:
-أهدى يا أصهب، أهدى شوية وأنا هجيلك على المستشفى.
هتف "أصهب" بقوة:
-مش عاوز الخبر يوصل لـ وافي ولا لـ يسر دلوقتي، لغاية ما بس أطمن على تيجان.
رد عليه بنبرة هادئة ولكن تحمل الكثير من القلق:
-مقدرش اضمنلك ده، لأن زمان القرية كلها عرفت الخبر، وأكيد هيوصل لغاية بيتها، بس معتقدش يوصلهم دلوقتي لأنهم حاليًا في المكان إللي فيه السجينات بيأمنوا المكان ويشوفوا أكلهم وشربهم، فلو وصلهم هيوصل متأخر.
تنهد "أصهب" بخوف وهو يحدق بعينيه القاسيتين نحو باب الغرفة ثم قال بنبرة حادة:
-تمام، يالا سلام.
أنهى المكالمة قبل أن ينتفض من مكانه وهو يرى خروج الطبيب من الداخل، تحفزت حواسه وهو يركض نحوه مُتسائلاً بنبرة صارمة تحمل من الخلف الكثير من التلهف:
-هَـاا يا دكتور؟؟.. إيه الأخبار؟؟.. بقت كويسة مش كده؟؟..
أجابـــــــه بأسفٍ بدا على ملامحه:
-إحنا بنعمل إللي علينا، بس للأسف حالتها مش مُستقرة، الطعنة كانت شبه عميقة وهي نزفت كتير جدًّا.
أجتاحته رعشة قوية وهو يسأله بنظرات قوية:
-يعني إيه؟؟!!..
أجابـــــــه بجدية:
-يعني لو عدى 24 ساعة على خير يبقى حالتها هتستقر، وإن شاء الله خير، عن إذنك.
ختم آخر حرف بأسفٍ ثم عاد إلى الداخل ليُتابع عمله، أستند على الحائط وهو يحدق في الغُرفة التي متواجدة بها، حرك رأسه بالسلب وهو يغمغم بعدم إستيعاب:
-لأ، أكيد هي مش هتسبني، أكيــد!!..
حدق في الغرفة بعينين مذهولتين هامسًا بدون شعور:
-أنا روحي أتعلقت بيكي، لو حصلك حاجة مش هستحمل.
هبطت دمعة حارة دون شعور من عينه وهو يهمس بخفوت قاتل:
-إياكِ تستسلمي يا تيجان، إياكِ.. كنتي السبب في خروجي للنور، متخلنيش أستسلم لضلمة قلبي تاني، أرجوكِ متستسلميش.
*****
لاحقًا، وقف كل من "أصهب" و"راجي" أمام غرفة العمليات، منذ أن جاء والده وهو يسند ظهره على الحائط يحدق في يديه المليئة بآثار دمائها محاولاً إستيعاب ما يحدث حوله، إبتسامة ألم شقت شفتيه وعينيه القاسيتين الحادتين قد لمعت بالدموع خفيًا، ألتفت برأسه نحو والده الذي أخفض رأسه بضيق من ما يحدث حوله ثم همس بشرودٍ:
-أنا لسه خارج من المستشفى النهاردة وفرحان بـ ده، بس متوقعتش نهائيًا أن الضربة دي تيجي أبدًا، وإني هبات هنا مرعوب من فكرة إنها تروح مني.
حاول "راجي" بث الطمأنينة بداخله وهو يقول:
-ماتقلقش يا أصهب، إن شاء الله خير.
حرك رأسه بالسلب وهو يقول بصرامة مخيفة:
-انا مش هرتاح إلا لما أشوف الـ(....) إللي عملوا فيها كده، هـ...
لم يتابع كلماته حينما إستمع إلى صوت فتح الباب، لمح بطرف عينه خروج الطبيب، فتحرك نحوه بخطى سريعة وهو يسأله بحدة:
-ها إيه الأخبار؟؟..
أطرق الطبيب رأسه وهو يهمس بجمودٍ:
-أنا آسف، بس هي وصلت المستشفى وحالتها كانت صعبة.
ران الصمت على المكان لبضعة لحظات قبل أن يشد الأخير قامته وهو يتسائل بصوتٍ مرتجف:
-يعني إيه؟؟..
بدا الأسف عليه وهو يقول:
-البقاء لله.
رواية لأجلك أحيا الفصل السابع عشر 17 - بقلم أميرة مدحت
سبعة أيام، في كل لحظة مرت به وهو بعيدًا عنها تمنى كسر كل القواعد و يركض إليها، كي يعتصرها بين أحضانه، يستنشق عبيرها الذي عشقه، ولكن قبل كل هذا ودَّ كثيرًا أن يطمئن على سلامتها.
ظل جالسًا على الفراش ينظر إلى أمامه بشرودٍ وهو يشعر في كل دقيقة بنغزة عنيفة تضرب قلبه، عينيه السوداوين مازالت تلتمعان بوميض قاسٍ، ونبضات قلبه تصرخ بعشق عن من تركها تصارع الموت وحدها، أغمض عينيه يكاد أن يعتصرهما من شدة الألم القابع بداخله، نيران ترتفع بصدره ولا أحد يدري ما يمر به من ألم.. إشتياق.. حسرة.. خوف.
لم ينتبه أبدًا بدخول والده إلى غرفته وجلوسه على الفراش أمامه، صمت دام في المكان لعدة لحظات قبل أن يتسائل "راجي" بـ بسمة صغيرة:
-تعرف إن عمري ما تخيلت إن هيجي يوم تبقى قاعد بالشكل ده؟!.. والخوف عمال ياكل قلبك ببطء.
تنهد "أصهب" قبل أن يقول بسُخرية:
-ولا أنا، لو حد كان قالي هيحصلك كده كنت هفتكره أهبل، بس تيجان عملت إللي محدش قدر يفكر يعمله، خرجتني من الضلمة إللي عشت فيها سنين عشان أشوف حلاوة النور، بس ملحقتش، كل شوية تيجي ضربة تضربنا مرة واحدة بتخلينا نقع، بس بنكافح وبنقوم وترجع الضربة تيجي تضرب ضربتها وتمشي بسرعة.
أعتدل في جلسته وهو يقول بجدية:
-المرة دي يا أصهب غير، لأنك عرفت كل حاجة، فهمت إللي كان بيحصل لتيجان وعرفت هي ليه طلبت منك تبعد عنها.
ألتمعت عينيه بعنف وهو يهمس بألم:
-ياريتني عرفت من بدري، كنت خدتها فـ حضني وبعدتها عن العالم بقسوته، وأنا إللي أروح بنفسي وأواجه الشر ده، بس للأسف محصلش!!.. ملحقتش أعمل حاجة.
أضاف وقلبه يشتعل من الخوف والإشتياق في آنٍ واحد:
-نفسي أشوفها، نفسي أمسك إيديها وأطمن عليها، سبعة أيام وهي في الغيبوبة وأنا هنا قاعد على السرير مش عارف أعمل إيه!!!!.. العالم كله فاكر أنها ميتة، مفيش حد يعرف الحقيقة غيري وغيرك وأخوها، نفسي تخرج من الغيبوبة وتبقى كويسة، نفسي أشوف قوتها إللي كانت سر خروجي من الضلمة وسر إني أعرف براءتها .
أشار "راجي" بيده قائلاً بصرامة:
-أبعد دلوقتي عن عواطفك، حياة تيجان لسه في خطر، وعشان كده عملنا اللعبة الكبيرة دي!!..
هاجمته تلك الذكرى التي عقد فيها الأتفاق مع الضابط الذي يدعى "ممدوح"، ذلك الضابط الذي تولى قضية "جاسم" والذي ظل بجوار "تيجان" حتى عادت إلى حياتها الطبيعية ولكن بعد هروب "الداغر" عاد القلق من جديد بين الجميع.
*****
في ذلك اليوم حينما أنتظر أمام غرفة العمليات حتى يخرج أحد من الداخل ويطمئنه، وبالفعل خرج الطبيب من الداخل فـ أسرع إليه وهو يقول بلهفة:
-ها يا دكتور طمني؟
أشار بيده وهو يتحرك نحو مكتبه قائلاً:
-تعالى ورايا.
سار خلفه بخطى متوترة عصبية، نظر خلفه نحو غرفة العمليات نظراتٍ خائفة.. مذعورة، دخل المكتب معه ثم هدر بصوتٍ حاد غاضب:
-ممكن أفهم في إيه؟؟.. وتطمني على حالتها.
قطب جبينه بقوة وهو يرى شخصًا ما يجلس على المقعد أمام مكتب الطبيب، يحدق فيها بنظراته الجادة، ثم قال له بصوتٍ هادئ:
-فعلاً زي وصلي، إن تيجان مش واحدة عادية بالنسبالك، شكلها حاجة كبيرة أوي عندك.
سأله "أصهب" بحدة عالية:
-مين حضرتك؟؟..
نهض من مكانه قبل أن يجيب بإبتسامة واثقة:
-أنا ممدوح محمد، ظابط في مكافحة المخدرات، وكنت أنا السبب فإن تيجان تعرف حقيقة جاسم والقبض عليه.
امتعضت ملامحه وهو يقول بإقتضاب:
-آه أفتكرتك.
حرك رأسه بإيماءة خفيفة ثم قال بهدوء:
-واضح إنك تعرف عن موضوع جاسم، بس إنت تعرف عن موضوع الداغر؟؟..
من ملامحه القاسية المتحجرة أدرك عدم معرفته بالأمر، فـ زم شفتيه وهو يقول:
-طيب بما إنك متعرفش، فالداغر أسمه الحقيقي حمزة، بس الداغر ده شهرته من كتر لؤمه، ده كان دراع اليمين اللي ماسك شغل تجارة المخدرات، بس بعد ما قبضنا عليهم كلهم والفضل يرجع لتيجان، للأسف هرب هو من السجن، فهو السبب ورا إللي حصلها دلوقتي ده، ومش هيهدا إلا لما يقتلها لأنها كانت السبب فالقبض عليه وقتل صاحبه الوحيد.. جاسم.
دنا "أصهب" منه وهو يهدر بعصبيةٍ:
-وطالمًا كنت عارف، ليه مجتش من بدري وبلغتني؟؟.. ليه معملتش حراسة ليها من البداية ولا إنتوا بتحبوا تستنوا لغاية ما المصيبة تحصل.
أعتراه الضيق وهو يقول بهدوء:
-من فضلك تهدا، أنا خلاص وصلت للخطة إللي هتحافظ على حياتها لغاية ما نقبض عليه، وهي أننا نوهم الجميع بموتها.
قبض "أصهب" على تلابيبه يصرخ بغضب شرس:
-موت مين؟!!!.. إنت بتقول إيه؟!!!!..
هب الطبيب واقفًا يقول بحدة:
-مينفعش الأسلوب ده، أسمعه الأول، هو بيقول عشان يحمي حياتها مش عشان أي حاجة تانية.
ظل "ممدوح" ينظر إليه بجمود حتى أرخى الأخير قبضتيه عنه، ثم تسائل بغضب مكتوم:
-هيحصل إزاي ؟؟..
رد "ممدوح" عليه بعد صمت طويل:
-الدكتور هيدخل وكأنه بيكمل شغله، وبعدها بشوية هيطلع يقولك البقاء لله، لأني متأكد أن الداغر زرع حد فالمستشفى هنا عشان يوصله آخر الأخبار، فلما يقول أنها ماتت هيوصل ظه الكلام ده.
إبتسم "أصهب" بسُخرية وهو يتمتم بتهكم:
-يا سلام؟!.. وتيجان هتفضل هنا إزاي وبعدين هخبيها فين ولإمتى؟؟..
رد الطبيب عليه تلك المرة بحذر:
-تيجان هتفضل هنا وهنكتب أسمها كمريضة أسم شخص تاني، وهي لازم تفضل هنا لأنها دخلت في غيبوبة.
وقع الخبر عليه كالصاعقة وهو يحدق فيه بذهولٍ، شعر وكأن الأرض تميد به فأهتز جسده تلقائيًا وهو يغمض عينيه في لحظة، أسرع "ممدوح" إليه وهو يسأله بقلق:
-أصهب باشا إنت كويس؟؟..
لم تتحمل قدماه الوقوف فجلس على المقعد وهو يفتح أول ثلاثة أزرار من قميصه الأبيض بعد أن شعر بالإختناق، ألتفت إليه الطبيب وهو يقول:
-ماتقلقش يا أصهب باشا، إن شاء الله الغيبوبة مش هطول، إحنا عدا علينا حالات أوحش من دي والحمدلله كانوا بينتصروا على الغيبوبة وبيفقوا منها.
وضع "أصهب" يده على جبينه محاولاً إستيعاب الأمر، فقال "ممدوح" بهدوءٍ جاد:
-أنا بأكد ليك إني هقبض على الداغر فوقت قريب جدًا، وإحنا هنحتاجك بس المهم إنك تطمن وتدعي بإنها إن شاء الله هتبقى كويسة وإن أنا شخصيًا هعمل كل إللي فإيديا عشان أحافظ على حياتها.
حرك "أصهب "رأسه قبل أن يهمس بصوتٍ خال من الحياة:
-موافق أما نشوف.
*****
عاد إلى أرض الواقع وهو يستمع إلى طرقات على باب الغرفة، ثم أنفتح الباب فظهرت الخادمة وهي تقول:
-أصهب باشا، ممدوح باشا مستني حضرتك تحت.
نهض من على الفراش سريعًا وهو يقول بحدة:
-أقدميله حاجة يشربها وأنا هنزله.
نهض "راجي" من على الفراش ثم تحرك معه نحو خارج الغرفة، وبالفعل وجدونه يجلس على الأريكة منتظر هبوطهم.
نظر "راجي" حوله كي يتأكد من عدم وجود زوجته في الأسفل، وأطمئن أكثر ان تلك الخطة قد حدثت بعد مغادرة "الهامي" من القصر، وإعلان "أصهب" حاكمًا على القرية بمن فيها.
جلس "أصهب" أمام "ممدوح" وهو يسأله بإهتمام:
-إيه الأخبار؟؟..
إبتسم "ممدوح" وهو يقول بجدية:
-ماتقلقش، قريب جدًا خلاص، مسكنا أول الخيط وفي خلال يومين هنكون وصلناله.
حرك رأسه بجدية وهو يسأله:
-طب إزاي؟؟..
صمت قليلاً قبل أن يجيب:
-في واحد بيساعدنا على ده.
عقد ما بين حاجبيه مُتسائلاً بتوجس:
-مين؟؟..
شعر بالقلق من ردة فعله، فقال دون أن ينظر إليه:
-ساهد.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أميرة مدحت
ثلاثة أيام أخرى، واليوم يملؤه الحزن والألم لدى الجميع، حتى أهل القرية أعتراهم الحزن الشديد بعدما علموا ما أصاب إبنتهما.
أستشعر الجميع ألم "أصهب"، فهو لم يظهر أمامهم منذ ذلك اليوم الذي قُتلت فيه "تيجان".
تحرك "وافي" بخطى سريعة نحو مدخل المشفى وخلفه "يسر" الذي أخذ يلهث بصوتٍ مسموع، كانا على علم بمكان إحتجازها بعد أن وقعت بداخل تلك الغيبوبة، كانت الممرضة تخرج من غرفتها وهي ترتدي ثيابها المعقمة، أستوقفها "وافي" وهو يتوسلها أن يساعدها في الدخول، حتى أستطاع بعد معناه كبيرة الدخول إليها.
بدا الإعياء واضحًا على وجهها، بشرتها شاحبة، تكونت طبقة من الهالالات السوداء أسفل عينيها، خفق قلبه بقوة وهو يراها في تلك الحالة لأول مرة، ألتمعت عيناه بالدموع وهو يقبض على يدها برفق قبل أن يهمس:
-طول عمرك كنتي قوية يا تيجان، أنا تعبت لما قالولي إنك موتي، بس طلعتي عايشة، متخلنيش أعيش فنفس العذاب تاني، أرجوكي.
مسح على جبينها بحنو قبل أن يتراجع للخلف بخطى بطيئة وهو يغمغم لها:
-متستسلميش يا تيجان.
أستدار بجسده نحو الباب كي يلج إلى الخارج، ولكن نيران تشتعل بداخل قلبه وهو يرى شقيقته بهذا الوهن الصعب، وقف أمام "يسر" وهو يمسح دمعتيه بقوة محاولاً تمالك نفسه، إستمع إلى صوت إبن عمه وهو يقول:
-ممكن تهدا يا وافي، أظن إنت شوفتها أهو، أهدا شوية لأنها محتاجة وجودك جمبها.
مسح على وجهه بقوة وهو يقول بلهجة عصبية:
-أهدأ إزاي يا يسر، تيجان مش بتلاحق، كل شوية بتقع فـ حفرة أعمق من اللي قبلها، قولي أهدا إزاي؟؟..
ربت على كتفه وهو يقول برزانة:
-صدقني كله هيبقى تمام، وكمان الكينج مش ساكت، هو لو يطول يموتهم في اللحظة دي هيعمل كده.
أغمض "وافي" عينيه بقوة قبل أن يتمتم بحنق:
-إنت مش قادر تحس بالنار اللي جوايا، أنا مش قادر أساعدها ولا أعملها حاجة.
نفخ بضجر وهو يسند ظهره على الحائط، إنتبه إلى صوت خطوات ثابتة قادمة نحوه، فرفع عينيه الامعة بغضبٍ خفي، فـ وجد "أصهب" يقف أمامه وخلفه الضابط الذي عقد معهم الأتفاق من أجل حماية شقيقته.
سأله "أصهب" بصوتٍ عميق:
-مفيش أخبار جديدة عن تيجان؟!..
هز رأسه نفيًا ببطء شديد وكأنه غير مصدق ما يحدث، بلع "أصهب" ريقه بصعوبة قبل أن يتحرك نحو باب الغرفة تحت أنظار الجميع الحزينة.. اليائسة.. القلقة.
سار نحوها بخُطوات هادئة.. حذرة حتى وصل إليها، زادت تعبيرات وجهه تعقيدًا وهو يرى ملامحها المجهدة الشاحبة، أعتصر قلبه ألمًا قبل أن ينحني برأسه نحوها يُقبّل جبينها قبلة عميقة، أبتعد عنها قليلاً قبل أن يهمس بصدق:
-وحشتيني.
ألتقط يدها ليُقبّل كفها الملثم بشريط اللاصق الطبي لتغطية الإبرة الطبية التي توصل لها المحاليل، تحدث إليها في نغمة ألم:
-لو هتمشي خديني معاكي يا تيجان.
مد يده يمسح بأنماله بشرتها الباردة متابعًا بعينين لامعتين:
-أنا مش هقدر أعيش إلا وإنتي معايا، خليكي معايا عشان خاطري.
هبطت دمعة حارة منه على وجنتها، لأول مرة يظهر ضعفه بذلك الشكل، دمعة أخرى حارة هبطت وهو يبتسم بألم قبل أن يقول برجاء:
-مش كنتي هتتجني مني لأني مش بقولك بحبك، أول ما تفوقي وتبقي كويسة هفضل أقولها للعالم كله، بس عشان خاطري فوقي ومتسبنيش، أما من غيرك كأني عايش ما بين السما والأرض، عذاب ووجع ملوش نهاية.
حضن وجهها بكفيها يتأمله بعينين عاشقتين حزينتين ثم همس بجوار أذنها:
-هرجعلك تاني.
ثم أبتعد رغمًا عنه وبرح الغرفة وعينيه عالقتين عليها، حتى وجد والده يأتي من بُعد، وقف "أصهب" أمام "ممدوح" قبل أن يسأله بلهجة قوية مخيفة:
-إمتى العملية إللي ناوي عليها الداغر تتنفذ.
أجابه "ممدوح" بجدية:
-بعد يومين.
تحرك "أصهب" عدة خطوات حتى توقف أمام تلك الغرفة التي تقبع بداخلها "تيجان"، وخلفه العديد من الرجال بعد أن أتوا بأمرٍ منه الآن، تقوس فمه بإبتسامة قاسية للغاية قبل أن يقول بصرامة:
-وأنا هحاربه!!..
ألتفت برأسه نحو الضابط وهو يُضيف بقسوة مخيفة:
-هو غلط لما فكر يقرب من تيجان، وطالمًا هو أتجرأ على ده، يتحمل النتيجة.
هتف "راجي" بصدمة:
-إزاي هتقدر تحارب الداغر.
صمت "أصهب" قليلاً قبل أن يقول بثقة غير قابلة للتشكيك:
-إذا كان هو الداغر فأنا الكينج، وإللي يقرب من إللي يخصني يبقى حفر قبره يإيده.
كاد أن يتحدث "وافي" ولكن عقد لسانه عن اللفظ وهو يرى من بعيد مجيء والدته برفقة شقيقه الأكبر "ثاقب"، توسعت عيناه بقلقٍ شديد، فهو على علم أن مجيئهما هنا معًا يُعني بدأ وقوع كارثة كبرى على "تيجان".
اكفهرت ملامح "أصهب" بعدما رأهما يقتربان منه، فـ وضع يديه بداخل جيب بنطاله وهو يحدجهما بنظرات قاتلة، وقفت أمامه "سميحة" رافعة رأسها بشموخ، ألتوت شفتاه بإبتسامة مخيفة وهو يسألها بهدوء يسبق العاصفة:
-جاية عايزة إيه؟؟..
ردت عليه بدون تردد:
-جاية عشان تيجان.
عقد ساعديه أمام صدره وهو يسألها بسُخرية:
-من إمتى الحنية دي نزلت عليكي، جاية تفتكري بنتك دلوقتي.
هدرت "سميحة" بغضب جامح:
-أنا مش مطلوب مني أبقى جمبها، ليه يعني؟؟..
قطب جبينه بقوة وهو يهدر بلهجة شرسة:
-نعم!!!!!... ليه يعني إيه؟!!.. دي بنتك!!!..
إبتسم "ثاقب" بتهكم وهو يقول:
-ومين بقا قالك أنها بنتها؟!!..
-ثــــاقب.
صرخ "وافي" بعصبية وهو يخشى من كشف تلك الحقيقة، ولكن لم بعبئ به الأخير حيث قال بإبتسامة متشفية:
-تيجان ملهاش أب ولا أم، أبويا الله يرحمه لاقها في الشارع وبعدين قرر ياخدها ويريبها كأنها بنته.
أغمض "وافي" عينيه بقوة يكاد أن يعتصرهما وهو يهمس بمرارة:
-حسبي الله ونعم الوكيل.
في حين تسمر جسد "أصهب" في مكانه وعينيه القاسيتين ترمقانه بنظرات مميتة، فـ حديثه ذلك سيغير مجرى حياته مائة وثمانون درجة.
رواية لأجلك أحيا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أميرة مدحت
والثالث والثلاثون 33
تجمدت عينا "أصهب" على "ثاقب" بطريقة جعلته يرتجف قليلاً، نظراته المميتة مع لمعة عينـاه الشيطانية التي يعرفها جيدًا جعلته يُفكر في الهروب قبل أن ينقض عليه الأخير ويفترسه، برزت عروق نحره بقوة وهو يتحرك نحوه بخطى ثابتة مُريبة، وقف قبالته وهو يسأله بهدوء:
-إنت قولت إيه؟؟..
إبتسم "ثاقب" بتهكم وهو يُجيبه:
-إيه مسمعتنيش؟؟.. أيعقل؟!..
ثم غمز له وهو يُضيف:
-إيه إللي جرالك يا كينج؟؟..
إبتسم "أصهب" بخفة وهو يقول:
-لأ أنا أكيد سمعت، بس الله وأعلم كده حسيت من لهجتك أن في شئ من الشماتة، هو إنت متخيل أنا هعمل إيه بظبط؟؟..
عقد ما بين حاجبيه وهو يسأله متوجسًا:
-هو إنت مش هتنفذ القانون؟ّ!!.. القانون هنا بيقول أن البنت إللي كده أو الإبن إللي منعرفلوش لأب ولا أم يترموا برا القرية!!!..
أتسعت إبتسامته ولكن بدت مخيفة إلى حد ما وهو يسأله:
-آه وإنت عاوزني أرميها برا القرية مش كده؟؟..
ردت "سميحة" تلك المرة بغضبٍ وهي تشير بيدها:
-مش ده القانون؟!!.. مش كفاية كل السنين دي وإحنا مستحملين قرفها والمصايب إللي وقعتنا فيهـا!!..
ألتفت "أصهب" برأسه إليها فجأة هادرًا بشراسة:
-مش عايز أسمع صوتك، ولا نفس.
أشاحت بوجهها عنه وهي تزفر بضيق قبل أن تسمعه يتابع بلهجته الجهورية:
-لما الرجالة تتكلم يبقى إللي زيك يسكت خالص.
عاود النظر إليه وهو يسأله بخشونة بكلمةٍ واحدة:
-ردك؟؟..
أجابه بقوة زائفة:
-نفس رد والدتي.
لم يتوقع منه تلك الإبتسامة المخيفة التي أتسعت أكثر وأكثر ثم من قوله وهو يحرك كفيه ببساطة:
-حلو أوي، إنت كده غلط وأنا كنت مستني ده من زمان.
أرتبك من كلماته الغامضة المُثيرة للخوف، فسأله سريعًا:
-قصدك إيه؟؟..
كانت إجابته هي لكمة عنيفة نحو فكــه جعلته يسقط من قوتهـا، شهقت "سميحة" بخوف، في حين تبادل كل من "وافي" و"يسر" إبتسامة متشفية، وضع "ثاقب" يده نحو موضع الألم وهو ينظر إليه ببعض من الكراهية، دنى منه الأخير عدة خطوات قبل أن يقبض عليه من تلابيبه جاذبًا إياه نحو الجهة الأخرى وهو يصرخ بوحشية:
-قصدي يا (...) إني مش بعدي أي حاجة تُخص تيجان، إلاااا تيجـــــان.
لكمة أُخرى وأخرى واُخرى أشد حتى تسربت الدماء من بين شفتيه وأنفه، وعيناه قد إستعتا وهو عاجزًا عن دفاع نفسه أمام بنية ذلك الرجل العملاق، قبض "أصهب" فجأة على عنقه وهو يزأر بغضب:
-فاكر إني هبعد عنها، ده بُعدك، وكل عملتها فيها هتدفع تمنها غالي سوتء إنت ولا أمك.
أرخى يده فجأة عن عنقه وهو يقبض عليه من ياقته كي يدفعه بعنف نحو والدته، سقط أمام قدماها فأنحنت له سريعًا كي تساعده في النهوض وهي ترمقه بظراتٍ خائفة، نهض بصعوبة ثم غادر من المشفى برفقتها تحت أنظار الجميع الشامتة.. والمتعجبة.. والقاسية.
ألتفت "أصهب" برأسه فقط إلى الجميع يرمقهم بنظرات تملؤها القساوة والغضب، ولكن خلف كل هذا ألم عميق بعدما علم حقيقة أخرى ستغير مجرى حياتهما معًا للأبد، أخفض رأسه قبل أن يضع يديه بداخل جيب بنطاله ثم تحرك بخطى ثابتة سريعة قليلاً نحو آخر الرواق كي يهبط إلى الأسفل حيثُ حديقة المشفى.
*****
وقف "ساهد" مع شخص يرتدي جلباب وبيده الكثير من الأكياس السامة البيضاء، أشاح بوجهه بعيدًا حتى يستطيع أن يبتسم بسخرية، مسح وجهه بقوة وهو يتمنى كثيرًا بداخله أن لا ينكشف حتى يستطيع الوصول إلى "الداغر"، عاود النظر إلى ذلك الرجل حينما قال بخشونة:
-خلاص كده البضاعة جهزت، يدوب على بكرا نروح سوا للداغر ونسلمه الشنظة إللي فيها البضاعة وهو يسلمنا بالفلوس.
أضاف بلهجة تحذيرية:
-طبعًا إنت عارف لو إستعبط معانا هتعمل إيه ولا إيه؟؟..
أومئ "ساهد" رأسه وهو يقول بثقة:
-طبعًا ماتقلقش وحُط فبطنك بطيخة صيفي يا معلم.
وضع الحقيبة على المكتب وهو يتمتم بإقتضاب:
-طيب، على بركة الله.
سـأله "ساهد" بإهتمام:
-والميعاد هيبقى الساعة كام؟؟..
أجابه وهو يجلس بإسترخاء على المقعد:
-بعد نص الليل بشوية.
إبتسم "ساهد" له وهو يقول بخبث:
-إن شاء الله تبقى عملية وش السعد على الكل وأولهم إنت و.. الداغر.
*****
لم يتحرك كثيرًا منذ أن وصل إلى منزله الجديد، بل دائمًا يجلس على فراشه يحدق أمامه بشرودٍ، ثم ينظر حوله الكبير المهيب، يحاول أن يصدق أنه يجلس بمفرده الآن، بعد أن كان إبنه وزوجة إبنه وحفيده يجلسون معه دائمًا، يحاول الإستيعاب أن كل شيء قد تغير إلى الأسوأ.
لولا تلك الفتاة التي جلبها له وحيده كي تطهو الطعام وتنظف المنزل وملابسه لكان عاش في خرابة، همس "الهامي" في نغمة ألم:
-بقى أنا على آخر الزمن، أعيش العيشة دي؟!.. بعد ما كنت بأمر وبحكم، دلوقتي قاعد لوحدي بكلم نفسي والحيطان!!!..
هز رأسه بسخرية وهو يتابع في شئ من المرار:
-كل حاجة أتغيرت، النناس إللي كانت بتترعب من إسمي هما إللي خلوني ألم حاجتي وأعيش هنا، يــاه على الزمن.
*****
ظل واقفًا لفترة طويلة دون شعور، عاقدًا ساعديه أمام صدره الضخم، ينظر أمامه في نقطة فراغ، عقله يرفض تلك الحقيقة المريرة، ويدور خوفًا من أن تكون "تيجان" لا تعلم من تكون، زفر بحرقة وهو يهمس بضيق:
-الموضوع أتعقد.
-فعلاً.
ألتفت برأسه نحو ذلك الصوت الذي أتى من خلفه، فـ وجد والده يقترب منه ببطءٍ ثابت حتى وقف قبالته، صمت ران بالمكان لعدة مرات قبل أن يقول "راجي" بلهجة هادئة رغم صرامة كلماتـه:
-إسمع يا أصهب، إنت إبني الوحيد، لما قولت لي عن حبك للبنت دي، رغم إللي حصلهـا وأنها متصلحش للعيلة إلا إني وافقتك، لكن كده الموضوع خرج برا إيديا.
قطب جبينــه بقوة وهو يسأله بحدة:
-قصدك إيه؟؟..
رد عليه بهدوء بارد:
-إنت فاهم قصدي، العادات والتقاليد هنا مش هتسمح بجوازكم بأي شكل، وإنت مش هينفع تسيب القرية بعد ما بقيت حاكمها.
أومئ رأسه بإيماءة خفيفة وهو يشيح وجهه بعيدًا عنه، إستمع إلى صوت والده المتسائل:
-نويت على إيه؟؟..
أجابه "أصهب" بكلمةٍ واحدة.. قوية..صارمة:
-هبعد.
تسائل "راجي" بدهشة:
-هتبعد عنها فعلاً؟؟..
حرك رأسه بالسلب قبل أن يقول بإبتسامة واثقة:
-تؤ، لو مفيش قدامي إختيار غير إني أخدها ونعيش بعيد عن هنـا، هعمل كده من غير تردد.
ألتت إليه وهو يُضيف بشغف:
-إلا تيجان، النقطة البيضة الوحيدة إللي فحياتي مش همسحها ولو فيها موتي.
رفع "راجي" حاجبيه للأعلى بذهول وقبل أن يتحدث، إستمعا إلى صوت "وافي" الصارخ بسعادة بإسم الملك، أستدار "أصهب" إليه بملامح غاضبة ولكن سرعان ما تبدلت حينما قال:
-تيجــــان فــاقت يا كينج، تيجـــان فــاقت.
خرج إسمها من بين شفتيه بتلهف هامسًا:
-تيجـان.
رواية لأجلك أحيا الفصل العشرون 20 - بقلم أميرة مدحت
لم يشعر بنفسه إلا وهو يتحرك بخطى راكضة نحو مدخل المشفى، قلبه يخفق بجنون سعيد بعدما علم بإفاقتها أخيرًا من تلك الغيبوبة، وعينيه العاشقتين تبحثان عن غرفتها بتلهف حتى وجد الطبيب يقترب منه وإبتسامة صغيرة قد زينت وجهه، تسائل "أصهب" بلهفة عاشق:
-ها يا دكتور، إيه الأخبار؟
رد عليه ببسمة صغيرة:
-الحمدلله فاقت ونقلناها على أوضة عادية، المهم دلوقتي زي ما إنما إحنا أتفقنا، لازم دي تكون آخر مرة تشوفها هنا لغاية ما يتم القبض على الداغر، لأن حياتها لسه في خطر.
أومئ "أصهب" برأسه مؤكدًا بخشونة:
-ماتقلقش، خلاص نهايته قربت، المهم أقدر أدخلها؟؟..
أشار بيده وهو يجيبه:
-آه أتفضل، الأوضة إللي على اليمين.
سار بخطى بطيئة نحو تلك الغرفة التي تقبع بداخلها، وقبل أن يفتح الباب وجد "يسر" يخرج من الغرفة وخلفه "ممدوح" وهما يودعانها، تجهمت تعبيرات "أصهب" وهو يبتسم لهما إبتسامة مخيفة سوداء، ونظراته تكاد أن تقتلهما معًا.
ما أن غادرا من أمامه حتى دخل وهو يتنهد بحنق، ولكن تلاشى ما أن رأها أمامه متمددة على الفراش، مغمضة العينين ومستكينة تمامًا، دنا عدة خطوات بهدوءٍ حذر، وإبتسامة حانية قد شقت شفتيه، جلس على طرف الفراش يقبض على يدها بخفة، فـ فتحت عيناها ببطء وهي تبتسم له إبتسامة باهتة، أنحنى برأسه نحو جبينها يقبله بعمق ثم أبعد رأسه قليلاً وهو يهمس بضعف لأول مرة:
-كان هيجرالي حاجة لو كنتِ روحتي مني.
ألتمعت عيناها وهي تهمس بخفوت:
-كنت فاكرة أن النهاية جت خلاص، عشان كده سبتك يا أصهب، خوفت إنك تفضل معايا فـ تدخل دايرة الموت معايا.
تراجع قليلاً قبل أن يقول بضجر:
-طلعتي غبية يا تيجان، غبية أوي لدرجة إنك مش مستوعبة إنتي أد إيه مهمة عندي وجوا قلبي.
أغمضت عينيها للحظة قبل أن تعاود فتحهما وهي تجيبه بصوتٍ ضعيف:
-مفكرتش فحاجة غير إني أبعد عشان أحمي حياتك، الداغر مش هيسبني إلا وأنا جثة يا أصهب، أرجوك أبعد عني لغاية ما أخرج من الكابوس ده و..
وضع إصبعه على شفتيها يمنعها من تكملة كلماتها التي تشعل براكين صدره، تعانقت نظراتهما للحظات كثيرة قبل أن يقول بصوتٍ واثق:
-واضح إنك مش واعية إنتي بتقولي إيه بعد ما خرجتي من الغيبوبة، مصيري ومصيرك بقوا واحد يا تيجان، مش عايز أسمعك تقولي الكلام الأهبل ده تاني، مفهوم؟؟..
أبعد إصبعه عن شفتيها قبل أن تهمس بإرتجاف:
-أنا خايفة يا أصهب.
رد عليه بحنوٍ كثير وهو يمسح بيده على خصلات شعرها:
-شيلي الخوف ده تمامًا يا قلبي، هانت خلاص، وكل حاجة هترجع لأصلها.
أضاف بصوتٍ عميق وهو يبتسم لها بحب:
-دلوقتي تحاولي تنامي شوية، وانا بكرا هرجعلك تاني، أظن إنتي فهمتي كل حاجة من ممدوح باشا.
حركت رأسها إيجابيًا قبل أن تغمض عيناها براحة لم تعتريها منذ سنوات، زادت نبضات قلبه وهو يشد على يدها الصغيرة هامسًا بتأكيد وعينيه تلتمعان بقسوة:
-إطمني يا تيجان، كل واحد كان السبب في إللي بيحصلك ده هيدفع التمن غالي أوي حتى لو كان مين.
*****
عقب أن وصل "ثاقب" إلى منزله برفقة والدته، حتى تحرك سريعًا نحو غرفته وهو يزأر بغضب:
-بقى أنا يتعمل فيا كده!!!!.. طب والله ما أنا ساكت وهوريهم أيام سودة وأولهم على الكينج.
هتفت "سميحة" بحدة وهي تشير بيدها:
-إنت واعي إنت بتقول إيه؟؟.. وده هيحصل إزاي إن شاء الله؟؟..
رد عليها بإبتسامة مظفرة:
-بتيجان، مش هي دلوقتي بقت كله حاجة بالنسباله، أنا بقى هدمرها، عشان أرتاح منها ومنه، وبكده أكون ضربت عصفورين بحجر واحد.
*****
بعد مرور يومين، وتحديدًا بعد منتصف الليل، ظل "الداغر" جالسًا بداخل سيارته وخلفه ثلاثة سيارات أخرى يجلس فيها رجاله، إبتسامة قاسية لوت فمه ما أن تذكر "تيجان"، أتسعت أكثر وهو يتمتم بسخرية:
-الله يرحمك يا تيجان، عشتي وموتي وإنتي لسه جبروت، بس جبروتك وقوتك مركبوش معايا وأديني أهو عرفت أخد حقي منك.
ظل منتظرًا عدة دقائق حتى أتت سيارتين، ترجل "حمزة" عن سيارته وخلفه العديد من الرجال ما أن خرج "حسني" من سيارته وخلفه ثلاثة رجال منهم "ساهد" الذي إبتسم فور أن وقعت أنظاره عليه، صديق أخيه اللعين.
وقف "حمزة" بثبات وهو يقول بهيمنة:
-ياريت نخلص العملية بسرعة.
ثم سأله بهدوء:
-أنا فلوسي جاهزة، بضاعتك جاهزة؟؟..
أومئ رأسه إيجابيًا وهو ينظر لـ "ساهد"، فـ فتح الأخير الحقيبة السوداء كي تظهر له الأكياس السامة البيضاء، عقد "حمزة" ما بين حاجبيه وهو يقول بغرابة:
-إنت مين؟؟.. أنا شوفتك قبل كده؟؟..
إبتسم "ساهد" وهو يقترب منه عدة خطوات بعد أن ترك الحقيبة على السيارة، ثم قال:
-فعلاً أتقابلنا بس شكلك أتغير عن دلوقتي.
صمت طويل ساد بالمكان قبل أن يقطعه "ساهد" بقوة:
-أنا ساهد أخو جاسم يا حمزة، الشهير بالداغر.
أتسعت عيناه بذهول وهو يهمس بصدمة عارمة:
-إنت بتقول إيه؟؟..
في لحظتين فقط، وكان حاوط المكان الكثير من ضباط الشرطة بعدما قام أحد منهم بتصوير ما حدث، تيقن "حمزة" من أنه لا مفر خاصةً بعد أن قبض رجال الشرطة على رجاله ورجال "حسني"، لم يبقى سواه وثلاثة آخرين، هنا إتجهت أنظاره الحانقة الشريرة نحو "ساهد".
حيث بدون مقدمات، جذبه من تلابيبه ثم لف ذراعه حول عنقه ليطوقه منه، تفاجئ الأخير بما فعله وقبل أن يتحدث شعر بنصل حاد يحز جلده فتأهوه متألم، حذرهم "حمزة" من جديد وهو يصرخ:
-إللي هيقرب مني هموته.
صرخ "ساهد" بحنق:
-وانا بقى عاوزك تموتني.
صاح أحدهما بنبرة عالية وهو يشهر سلاحه أمام وجهه:
-سيبه يا حمزة، إنت كده كده مقبوض عليك بلاش تزود جريمة تانية.
أخترق نصل المدية عنق "ساهد" فأغمض عينيه بقوة، ألتقط أنفاسه الاهثة بصعوبة وهو يحاول التماسك رغم تلك الدماء التي تنساب من أسفل المدية.
صرخ "ممدوح" وهو يقترب منه قليلاً مشهرًا سلاحه صوبه:
-أحسنلك تسيبه وتسلم نفسك يا حمزة.
تيقن أن نهايته بعدما تأكد أن لا فرصة له في الهروب، فهمس في أذنه بصوت فحيح كالافاعي:
-إنت اللي جبته لنفسك لما قررت تسلمني ليهم.
لم يستغرقه الأمر سوى ثوان لحسم أمره، فقد غرز المدية أكثر لتنحر عنق "ساهد" بلا رحمة، فتضاعف مع ذلك صراخه الهائج، أرخى ذراعه عنه فوضع "ساهد" يده على القطع مانعًا الدماء من التدفق، تحشرجت أنفاسه وأختنق صوته وهو يحاول الإستيعاب على ما حدث توًا، دفعه "حمزة" من ظهره فوقع سريعًا في إتجاه "ممدوح"، ثم ركض سريعًا وخلفه رجال من الشرطة يلحقون به.