تحميل رواية «لأجلك أحيا» PDF
بقلم أميرة مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شهقت بعنف حينما ألقى أحدهم مياه باردة على وجهها، فانتفضت من مكانها وهي تنظر حولها برعب. جحظت عيناها بصدمة وهي ترى نفسها في ساحة القرية، والجميع ينظرون إليها بتفحص واضح. اعتدلت في جلستها وهي تحاول استيعاب ما يحدث لها من المصائب على ذنب لم تقترفه. سمعت همساتهم وهم يقولون بفضول: - مش دي تيجان؟! إيه اللي رماها بفستان فرحها كده؟! هتف أحدهم: - إيه اللي يخلي جوزها يرميها الرمية دي إلا لو اكتشف أنها مش عذ... حركت رأسها بالسلب وعيناها تلتمع بالدموع، أشار إليه زميله قائلًا: - ما تكملش، بس معقولة يطلع منها...
رواية لأجلك أحيا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أميرة مدحت
تراقصت إبتسامة مرهقة على شفتي "أصهب" وهو يتحرك بخطوات حذرة بطيئة نحو المقعد المجاور لفراشها، جلس عليه وهو يتأملها بعينين عاشقتين هامسًا بصوت هادئ عميق:
-وحشتيني.
قبض على كف يدها برفق متابعًا بتنهيدة:
-وحشتيني لدرجة إني نفسي أخطفك حالاً وأخدك فمكان بعيد عن الهموم والحزن.
رفع عينيه ينظر إلى سقف الغرفة بنظرات خاوية مضيفًا بقساوة:
-كل ما الواحد يقول أن كله هيتغير وأن وقت التعب عدا، يلاقي قدامه عقبة أكبر، بس المرة دي أنا عارف إللي مستنينا كويس، ومش هسمح أن أي حد يكسرك يا تيجان، ثقي فـ ده.
عاود النظر إليها بإبتسامة ساحرة وهو يقول بصدق:
-قصتنا كانت غريبة، غريبة جدًا، لأ أنا عرفت أعيش من إللي عدا بسلام ولا إنتي عرفتي تعيشي في أمان، يمكن القدر قرر يجمعنا عشان ده؟!.. عشان نكمل إللي ناقصنا من زمان ونعيش زي ما الباقي عايش؟؟..
أغمض عينيه للحظات مرجعًا رأسه إلى الخلف يسحب نفسًا عميقًا حادًا ثم زفره على مهل، ظل على تلك الوضعية لدقائق معدودة حتى شعر بوضع كف على كف يده، فحرك رأسه سريعًا ليجد "تيجان" تنظر له مبتسمة إبتسامة تذيب قسوة قلبه، إبتسم تلقائيًا وهو يعتدل في جلسته قبل أن يقول بخفوت:
-وحشتيني.
ردت بصوتٍ عذب:
-وإنت كمان وحشتني أوي، كنت فين اليومين إللي فاتوا دول؟؟..
مسح بيده على خصلات شعرها الناعمة مجيبًا بهدوء:
-كنت لازم أبعد عن عيون الداغر ورجالته وإلا كانوا هيشكوا إنك لسه عايشة وكل إللي عملناه يتهد في الآخر.
أعتدلت في جلستها وهي تسأله بلهفة:
-طب وإمتى هنخلص من الحكاية دي؟؟..
رد بعد دقيقة من الصمت:
-الحكاية خلصت فعلاً.
-قصدك إيه؟؟..
أجابها "أصهب" بلهجة جادة:
-يعني داغر أتقبض عليه فعلاً بس آآ..
صمت قليلاً قبل أن يقول بعبوس:
-بس ساهد مات.
توسعت عيناها بصدمة وهي تنتفض من مكانها هاتفة:
-إنت بتقول إيه؟؟.. إيه علاقة ساهد بالموضوع ده؟!..
نهض من مكانه ماسحًا على شعره بقوة وهو يقول بحدة غير قاصدة:
-كان عاوز يكفر عن ذنبه، فـ راح لممدوح وهو دخله في لعبة مع واحد بيشتغل في تجارة المخدرات عشان يوصل للداغر، والنهاردة كان موجود هناك، بس للأسف أول الداغر عرف ولقى نفسه هيتقبض عليه، قرر ينتقم منه، وعقبال ما الشرطة خدوا ساهد للمستشفى كان مات.
فغرت شفتيها وهي تحاول إستيعاب كل كلمة حادة نطقها، نكست رأسها وهي تبلع تلك الغصة المسننة التي تقف في حلقها، همست بقلب مفطور:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، أنا أتمنيت له أذى بس مش لدرجة الموت، مش لدرجة أنه يموت مقتول، هـ.. هو غلط بس مكنش قصده، كان متخيل حاجة تانية وندم بعد كدا، كان يستاهل فرصة تانية.
هبطت دمعة حارقة على وجنتها وهي تحرك رأسها بالسلب:
-لا إله إلا الله، يارب أنا سامحته، مفيش جوايا أي غضب من ناحيته ولا كُره، هو كفر عن ذنبه بإنه حاول ينتقم من داغر، يارب أنا سامحته.. سامحتــه.
لم تشعر بإنهمار دموعها الحارة وهي تكرر كلمتها الأخيرة بصوت يقطع نياط القلوب، أعتصر قلبه ألمًا فسار نحوها ليجاورها على الفراش ثم جذب رأسها دون مقدمات إلى صدره يحتضنها بعاطفة قوية، همس لها بصوته العميق:
-هُششش، إهدي، ربنا رحيم ويسامحه أكيد لإنه ندم، وقبل ما يموت كان صلح الغلطة إللي أرتكبها فـ حقك.
مسح دموعها بأنماله الباردة وهو يهمس لها بحنو:
-بلاش دموع، كل واحد بياخد نصيبه، والموت لما بيجي محدش يقدر يمنعه!!..
ظلت بداخل أحضانه مغمضة عينيها بشدة محاولة أن لا تهبط دموعها مرة أخرى ولكن عاجزة عن فعل ذلك، فأطلقت سراح لشهقاتها فـ دسها أكثر بداخل أحضانه وعينيه القاسيتين تلتمعان بشرٍ دفين لما هو مقبل.
*****
بعد يومين، دخل "أصهب" منزله وهو يشير بيده قائلاً بحماس:
-تعالي يا تيجان، أدخلي.
دخلت المنزل بخطوات بطيئة وهي تنظر حولها بقلق طفيف، طمأنها "أصهب" بكلمات هادئة وهو مبتسم قائلاً:
-ماتخفيش يا تيجان أنا عمري ما هأذيكي.
بادلته الإبتسامة وهي تسأله بتوتر:
-هو إحنا جينا هنا ليه؟؟..
وقف قابلتها قبل أن يهمس لها بجدية:
-أولاً إنتي محتاجة الراحة، ثانيًا دلوقتي أهل القرية متخيلين إنك ميتة، ثالثًا في موضوع لازم أتصرف في مع والدي قبل ما أرجعك على القرية وفي كام مشوار لازم أعملهم قبل ما تظهري تاني.
زفر بحرارة مضيفًا:
-أنا هنزل دلوقتي أروح لوافي أجيبه هنا عشان هو بقاله كام يوم عاوز يشوفك، إياكي تفتحي الباب لأي حد مهما كان، مفهوم؟؟..
حركت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم له بإرتباك طفيف، قَبّل جبينها برقة ثم غادر من المنزل بأكمله وقلبه يدق كالطبول من فرط سعادته.
ما أن غادر من المنزل حتى بدأت رحلتها على التعرف عن كل شيء يتعلق بذلك المنزل، وعقلها لم يتوقف عن التفكير فيما هو قادم وعلى ما ينوي فعله "أصهب".
دخلت غرفته وهي تتأمل المكان بإهتمام كبير، عقدت ما بين حاجبيها حينما التقطت عيناها على تلك المذكرة التي تقع على فراشه الكبير، سحبتها لتفتحها على الفور، وإذا بعنوانها يتلألأ أمام عينيها وهي تقرأه عدة مرات بذهول.
"لأجـــلــكِ أحــــــــيـــــا"
-بــلا رحمـــــة-
خفق قلبها بقوة وهي تقلب الصفحة الأخرى لتجد إسمها كُتب بخط منمق جذاب ويسرد قصة طويلة عاشها بنفسه..
"تيجــــــــان، خط فاصل وتغيير جذري أصاب حياتي التي كان يملؤها العاصفة لتنقلب إلى حياة هادئة، أصابتني بالعمى لأكون في حضرتها كفيف غير مدرك لما يحدث لي وما حولي"
أدمعت عيناها وهي تبتسم بدهشة ثم همست بصوتٍ مرتجف:
-إيه ده!.. أصهب!!..
رواية لأجلك أحيا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أميرة مدحت
لم تشعر بالوقت وهي تقرأ كل صفحة بتمعن دقيق، وقلبها يخفق بجنون، وإبتسامتها تشق شفتيها ببهجة، بينما عيناها تلتمعان بالدموع ولكن خلفهما سرور لا يمكن أن يراه أحد بسهولة، كل جملة.. كل كلمة وصفت كثيرًا عن عشقه الخفي لها، هو لا يؤمن بكلمة الحب، ولكنه يعيش بداخله دون شعور.
وكما وصفها في مذكرته، أنها نقطة البيضاء ساعدته في الوصول إلى الجنة، ونقطة قوته ستجعله يواجه المصاعب، ونقطة ضعفه في أن تُضيع من بين يديه.
أحتضنت مذكرته بقوة وهي تغمض عينيها بسعادة، ولكن سرعان ما عاودت فتحهما ما أن سمعت صوت فتح باب المنزل وصوته الأجش مناديًا عليها قائلاً:
-تيجــــان؟!..
ثم من صوت شقيقها المتسائل بغرابة:
-هي راحت فين؟؟..
ضيق "أصهب" حاجبيه بريبة وهو يراها تلج من خارج غرفته، دقق النظر في ملامحها ليجدها تحاول أن تتحاشى النظر إليه وهي تقول ببسمة عذبة لـ"وافي":
-أنا أهو يا حبيبي.
-عن إذنكم.
قالها "أصهب" بإقتضاب وهو يتحرك بخطى ثابتة نحو غرفته كي يتأكد من شكه، في حين أقتربت "تيجان" من شقيقها بلهفة، فتح الأخير ذراعيه لها وهو يقول بإبتسامة واسعة حنونة:
-حمدلله على سلامتك.
أحتضنها بقوة وهو يزفر براحة، هبطت دموعها رغم عنها وهي تريح وجنتها على صدره، أغمضت عينيها وهي تهمس بإشتياق:
-وحشتني أوي يا وافي.
شدد عليها وهو يجيب بعتاب:
-إزاي فكرتي تستسلمي للموت؟؟.. إزاي فكرتي تسبيني تاني؟؟.. يعني أول مرة كان حظك أنك وقعتي فطريق الكينج، جاية في الآخر تستلمي بسهولة دي؟!..
ردت عليه بخفوت شارد:
-غصب عني، صدقني مش بإيدي.
مسح على خصلات شعرها برفق وهو يقول:
-خلاص، بلاش عتاب، المهم إنك كويسة دلوقتي، دي أهم حاجة.
دخل "أصهب" غرفته وهو ينظر حوله باحثًا عن مذكرته ليجدها على الفراش كما وضعها بالأمس قبل أن يغط في نومٍ عميق، مسح على وجهه بحنق عارم وهو يهمس من بين أسنانه:
-غبي، أنا غبـي.
زفر بغضب مكتوم وهو يتسائل بضجر:
-أطلع أوريها وشي إزاي بعد إللي كتبته ده، كان عقلي فين لما دخلتها البيت وأنا سايب المذكرة على السرير؟!!!..
حاول أن يتمالك أعصابه وهو يلج إلى خارج غرفته وعينيه تبحثان عنها بحنق، زادت قساوة عينيه وهو يراها بين أحضان أخيها، فهدر بغضب غريب:
-ما كفاية أحضان بقى!.. إبعد عنها خلينا نجهز الأكل إللي جبناه.
عقد "وافي" ما بين حاجبيه بتوجس وهو يبعدها عن أحضانه بحذر، في حين حاولت "تيجان" إخفاء إبتسامتها وهي تنظر إليه بحاجب مرفوع، أشاح "أصهب" وجهه بعيدًا عنها كي يتحاشى نظراتها الماكرة وهو يتحرك نحو المائدة الصغيرة هاتفًا بعدة كلمات غير مفهومة.
*****
بعد قليل، خرج "وافي" من المنزل كي يقوم بشراء بعض من المشروبات الغازية بعد أن أنهى طعامه، نهض "أصهب" هو أيضًا وهو يقول بإقتضاب:
-أنا نازل.
هبت "تيجان" واقفة وهي تقول بلهفة:
-إستنى.
لم يستدير إليها بل ظل واقفًا كالصلب، فهمست بصوتٍ متسائل مرتجف:
-إنت ليه بتهرب مني يا أصهب؟؟..
نطقها لإسمه بطريقتها المثيرة بالنسبة إليه جعلته يستدير إليها أخيرًا ويجذبها بعنف إلى أحضانه، يحتضنها بقوة بل يعتصرها بين ذراعيه، وذقنه مستريحة على خصلات شعرها الناعمة مُستنشقًا رائحتها المغرية بالنسبة إليه، أما هي فكانت تثير جنونه أكثر بتشبثها في ملابسه حتى أعتصرتها بين كفيها وكأنها قشة نجاتها الوحيدة، مع همسها كلمات الإشتياق التي تهفو لسماع كلمة.
حاول تدارك نفسه بعد دقائق وهو يبعد نفسه عنها بالقوة الإجبارية، ثم ألتفت ثانية واضعًا كفيه المرتعشين في جيب بنطاله، أقتربت منه تهمس بصوتها المُهتز قليلاً:
-أصهب؟!..
لم يلتفت بل ظل محدقًا أمامه بتوتر، فهسمت مرة أخرى بصوتٍ مرتعش:
-أنا خايفة!!..
قطب جبينه بقوة وهو يلتفت برأسه إليها متسائلاً بقلق:
-من إيه؟؟.. أوعي يكون ليكي أعداء تانين!!..
إبتسمت بسخرية وهي تقول:
-عندي، وأهو واقف قدامي بهيبته المعروفة ومش فارق معاه حاجة.
قبض على معصمها فجأة وهو يهدر بلهجة مخيفة:
-نعم ياختي؟!.. مين ده إللي عدوك؟!!.. أنا عدوك يا تيجان، بعد كل ده وتقولي عدوك؟!!..
ضربت صدره بقوة وهو تصرخ بوجهه بعصبية:
-أيوة عدوي، لما تبقى بتحاول تغطي حبك ليا ومش عاوز تطلعه ليا تبقى عدوي، لما الاقيك بتكتب كلام حلو ليا وبتوصف أدق مشاعرك إتجاهي وفي الآخر مش بلاقيك على أرض الواقع تقولي كلمة حلوة حتى تبقى عدوى ولا حتى راضي تعترف بحبك، أنا محتاجة حبك يا أصهب، ومحتاجة حنانك أكتر من إنك تفضلي تبصلي بنظراتك القاسية، محتاجة حبك أوي عشان جروحي تتلم.
أشار بإصبعبه ناحية عقلها وهو يقول بتهكم:
-إنتي واضح أن في فعقلك حاجة، إنتي ليه مش قادرة تفهمي حُكم ظروفي وتربيتي طلعتني بالشكل ده؟!.. أنا راجل ميعرفش يقول كلام حلو، معرفش أقول بحبك وكلام الفاضي ده، أنا راجل بيعمل أفعال تأكد اللي بقوله مرة واحدة، مش لسه هيقعد يتكلم ويرغي كتير.
أتسعت عيناها بصدمة وهو تقول بإستنكار:
-إنت مصدق نفسك؟!!.. إزاي مبتعرفش تقول وإنت كاتب فيا شعر فمذكرتك، إنت هتجننــي!!!..
قالت كلمتها الأخيرة وهي تضرب صدره مرة أخرى بقوة أكبر، وصوت صراخها يتعالى أكثر بجنون، قبض على ذراعيها بقوة وهو يصرخ بلهجة جهورية صارمة:
-وطي صوتك يا تيجان، وإهدي.
هبطت دموعها بقهر وهي تهمس:
-أنا تعبانة يا أصهب، محتاجة منك أي كلمة تداوي أي جرح من الجروح إللي جوايا، أنا بمــوت صدقني.
جذب رأسها إلى صدره، يضمها إلى أحضانه الدافئة وهو يهمس لها بخفوت حاد:
-عوزاني أعمل إيه يا تيجان، قوليلي وأنا هحققلك إللي عوزاه وأكتر، بس بلاش دموعك، بتحرقني حي.
أغمضت عينيها بتعب غير مستشعرة بالحياة وهي بداخل أحضانه، أحضانه التي دائمًا تستقبلها بحنو مثير بعيدًا عن حزن وهموم، أحضانه فقط هي الملجئ الوحيد لها في تلك الحيـاة.
مسح على خصلات شعرها برفق لفترة طويلة وهي بداخل أحضانه، همس بإسمها بصوتٍ أجش:
-تيجان؟!..
همهمت كردًا عليه، فإبتسم تلقائيًا وهو يسألها:
-عاوزة إيه وأنا هعمله من غير تفكير.
صمتت قليلاً وهي تبتعد عمه قبل أن تقول بشرود:
-عاوزة أتحجب.
عقد ما بين حاجبيه وقبل أن يسألها، كانت سبقته بقولها الشارد الجاد:
-من صغري وأنا عاوزة أتحجب بس دايمًا كنت ببقى خايفة إني أزهق منه فـ أقلعه، وأنا عمري ما هسمخ لنفسي إني أعمل كده، ده الوقت إللي أنا متأكدة فيه إني عمري ما هقلعه.
إبتسامة حانية شقت شفتيه وهو يدنو منها أكثر هاتفًا بتشجيع:
-بس كده؟؟.. من بكرا نروح سوا نشتري لبس المحجبات، وأي حاجة تعجبك أو إنتي عاوزاها هتكون عندك، إلا زعلك إنتي.
ألتمعت عيناها أكثر وهي تتابع بصوتٍ مرتجف:
-وعاوزة حبك يا أصهب، مش عايزة نظراتك القاسية بتفكرني بالماضي، أنا عاوزة الحاضر والمستقبل يداوا جروحي إللي كل يوم بتزيد.
أبتلع ريقه بصعوبة وهو يتذكر تلك الحقيقة التي لن يخبرها بها حتى لا تنهار، فإن أنهارت سينهار هو تلك المرة، لم يتحمل وهنها وإنهيارها، فإذا كانت دموعها تحرقه بشدة، تُرى كيف سيكون شعوره وهو يشاهد إنهيارها بصمت عاجزًا عن فعل شيء.
طرد تلك الأفكار المخيفة من عقله ثم إبتسم وهو يتمتم بثقة عالية لا تليق إلا به:
-طلباتك أوامر، إنتي تؤمري والكينج كل إللي عليه ينفذ.
قبض على يدها وهو يجذبها سريعًا نحو باب المنزل هاتفًا بصيغة آمرة:
-تعالي معايا.
*****
لاحقًا، تعالت همسات وأصوات أهل القرية وهم ينظرون بعيون مدهوشة.. مصدومة.. مذهولة نحو "تيجان" التي ظهرت برفقة ملكهم "أصهب"، إبتسامة جانبية أرتسمت على وجهه وهو يرى ردة فعلهم، فهي تظهر أمامهم بعد هروبها من الموت للمرة الثانية.
همس أحدهم إلى صديقه بتساؤل:
-هي مش المفروض ماتت؟؟!!..
هتف شخص آخر:
-دي كل شوية بتعلمنا مقلب وترجع تاني عايشة ولا ميتة ولا حاجة.
فتاة تحدثت:
-يعني العياط إللي عيطناه والزعل مكنش ليهم أي تلاتين لازمة بقى على كده.
سيدة أخرى قالت:
-أومال كنتِ فين يا تيجان طول الفترة دي؟؟..
بعد ذلك السؤال، عم الصمت على المكان بأكمله، منتظرين تلك الإجابات التي سترضي فضولهم، تزايد عدد أفراد القرية كي يشاهدون يحدث بإهتمام كبير.
وقف "أصهب" بثبات، وثقة عالية مرتسمة على تعبيراته القاسية، قال بنبرة هادئة ولكنها صارمة:
-محدش طبعًا فاهم حاجة، خرجت من الموت إزاي؟؟.. وكانت فين؟؟.. كل إللي أقدر أجاوب بيه هو أنها فعلاً كانت بين الحياة والموت ودخلت فـ غيبوبة مدتها غير معلومة وبعدها تفاجئت بظهور إشاعة موتها لأ وكمان أنتشرت، وأنا من خوفي وقلقي عليها مقدرتش أطلع أكدب الخبر.
إزدادت الهمسات مرة أخرى بين الجميع، ما بين المتسائل.. والغير مقتنع بما قاله، أخفضت "تيجان" رأسها بحرج وهي تتمنى شق الأرض وأمن تبتلعها حتى لا يجتاحها ذلك الشعور السيء، شعرت بإصبعين قويتين على ذقنها يرفع وجهها إليه بقوة، كانت عيناها قد لمعت بالألم لتعانق عينيه الحادتين وهو يقول:
-إياكِ تنزلي عينيكِ على الأرض مهما كان مين واقف قصادك، حتى لو كنت أنا.
إبتسم "وافي" وهو يتراجع قليلاً للخلف هامسًا بخفوت:
-أنا كده أرتحت.
نظر إلى السماء بألوانها الزرقاء الصافية هامسًا وهو يزفر براحة:
-أرتاح إنت كمان يا بابا، تيجان أمانها دلوقتي بقى أصهب.
بينما تابع "أصهب" مشددًا على كل كلمة ينطقها بقوة:
-خلي دايمًا راسك مرفوعة لفوق بشموخ، إياكِ تقللي من نفسك يا تيجان، إنتي أسم على مسمى، خليكي فاكرة ده.
إبتسمت له ببهجة قبل أن تومئ رأسها بإيماءة خفيفة وهي تعاود النظر إلى جميع أفراد القرية الذين يتابعونهما بإبتسامة ذات مغزى، إستمعت إلى جملته القوية والتي بدت كالقنبلة للجميع:
-ودلوقتي أنا حابب أعلن قدامكم كلكم إن علاقتي بـ تيجان موصلتش لعلاقة الضحية وقعت فإيد السجّان بتاعها وهو نجاها وبس، علاقتنا وصلت لأعمق من كدا.
ألتفت ينظر إليها وبداخل عينيه وميض العشق قائلاً بنبرة يملؤها الثقة و الصدق:
-أنا بحبك يا تيجان، بحبك لدرجة إنتي عمرك ما تتخيليها، إنتي عارفة إني مكنتش أعرف معنى الكلمة دي، بس عرفتها على يدك إنتي وبس.
عاود النظر إليهم وهو يضيف بإبتسامته:
-وإن شاء الله قريب هنعلن عن ميعاد جوازنا.
ران الصمت لبضع لحظات قبل أن يسأله أحد بذهول:
-معقولة يا كينج هتتجوزها رغم كل إللي حصلها زمان؟!!..
أتسعت إبتسامته أكثر وهو يجيبه بلهجة حارصة على تعبير حبه لـ"تيجان":
-عمرك شوفت الملك من غير التاج بتاعه؟؟.. الملك ميقدرش يبقى ملك من غير التاج بتاعه، يعني من غير تيجان مبقاش ملك.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أميرة مدحت
رغم صلابته المعهودة إلا أنه منذ أن رأى من أمتلكت قلبه وهي في حالة إنهيار وهو يشعر بالضعف، ضعفه الذي أستدعى قسوته حتى ينتقم لشعوره، ينتقم منه على هبوط كل دمعة على وجنتيها، تحرك "أصهب" نحوه ثم جذبـه من تلابيبـه بـ قوتـه الغاضبة المستثارة لـ يسدد لـه لكمة عنيفة عرفت طريقهـا، هتف الأخير وهو يكافح لـ صد ضرباتـه المؤلمة على وجهه:
-إبعد عنـي، مش عايز أأذيك.
خرجت نبرتـه كـ زمجرة وهو يرد:
- أنـا مش هسيبك إلا وإنت بتتمنى الموت.
كانت عينيـه أشبـه بأعين صقر الجـارح وعيونـه متلونـة بالظلام الدامس، تحولت ملامحـه لـ مزيج من القوة والشراسة وهو يسدد لـهُ لكمـات عنيفة، صورتها بعينيها الباكيتين الحمراوتين وأنهيارها بتلك الطريقة جعلت النيران تشتعل بداخل قلبه قبل صدره.
سقط "ثاقب" على الأرضية وهو يلهث بوهن والدماء تهبط من بين شفتيه وأنفه، وجهه لم يعد كما كان بل يحتاج ما يقارب شهر حتى يعود كما كان، ورغم ذلك لم يتركه "أصهب"، بل أنحنى بجذعه ثم لف يديـه بإحكـام حول رقبتـه وهو يهدر بـ صوتٍ مُرعب:
-وريني بقى هتقدر تأذيني ولا تقرب منها تاني إزاي؟؟..
أخذ يضغط بـ شدة على رقبتـه وهو يزمجر غاضبًا، أرتجف "ثاقب" تحت قبضتـه كمـا تحشرج صوتـه، أخذ يُصـارع ويحاول بكُل قدرتـه على أن يستنشق نسمة هواء، تحول وجهه للون الأحمر الداكن ثم تغير إلى اللون الأزرق، ومع ذلك لم تتراخى أصابع "أصهب" عن عنقـه، بل أشتدت وعينيه تشتد وحشية من غضبه الأسود، وصل إليـه صوت يُناديــهِ صارخًا بـ بقلق:
-خلاص يا باشا كده كفاية، الراجل هيموت.
كان صوت أحد رجاله وهو يقترب منـه بخُطواتٍ سريعة، وقف أمامـه ثم قبض على ذراعـه بقوة، حاول أنتزاع يده المطبقة على رقبة "ثاقب" قائلاً بـ رجاءً رغم حدة لهجتـه:
-سيبـه يا باشا، متوديش نفسك فـ داهية عشان واحد زي ده.
لم تنجح محاولاتـه، فـ تـابع قائلاً بتردد:
-طب عشان خاطر تيجان أبعد.
عند أسمها فقط، هنا هدأت ثائرته وهو يستوعب حجم الكارثة التي كاد أن يقع بها من هول غضبه أرخى أصابعـه عن رقبتـه وهو يستمع إلى جملته المؤكدة:
-سيبه يا باشا وإحنا هنربيه، هنخليه يتمنى الموت وميلاقوش.
أحتقنت عينـي "أصهب" بـ حُمرة مُخيفة وهو يطالعـه بـ بنظراتـه الشرسة، أخذ "ثاقب" يسعل بـ قوة، لم يستطع أن يتحرك من مكانـه وهو يتحسس رقبتـه غير مُصدق أنـه على قيد الحيـاة، فقد كان محاصر بين براثن وحش كاسر، فقد كان على شفى حفرة من الموت، وقف "أصهب" ثم تحرك مبتعدًا عنـه.
بدأ يزحف بكُل قوتـه للخلف وهو ينظر إليه بفزع، في حين إبتسم "أصهب" له إبتسامة جانبية قبل أن ينظر لرجاله هاتفًا بصيغة آمرة:
-مش عاوزهُ ينام، عينيه لو أتقفلت تضربوه، لكن طول ما هو صاحي محدش يقرب منه، مفهوم؟؟..
تمتم "ثاقب" بهلع:
-ينهار أسود، ده قمة الظلم وآآ..
ألتفت "أصهب" بوجهه صارخًا بوحشية:
-أخـرس وإلا لسانك ده هقطعهولك.
أخفض "ثاقب" رأسه وهو يئن بألم، رمقه "أصهب" بنظراتٍ قاسية قبل يلقى نظرة على الساعة ليجدها السادسة صباحًا، أومئ برأسه إيماءة خفيفة ثم غادر من المكان بأكمله تاركًا خلفه من تسبب له الألم عن طريق "تيجان".
*****
لم يزوره النوم منذ أن غادر وحيده من القصر بعد تلك المواجهة، لم يتوقع أن إبنه سيصل إلى تلك المرحلة من العشق الأسود، أغمض عينيه محاولاً أن يفكر بشكل صحيح، عاود فتح عينيه نحو زوجته النائمة، ولكن تعبيرات وجهها قد أرتسم عليه الحزن بعد ذهاب إبنها الوحيد من القصر ورفضه للعودة إلا بصحبة زوجته.
حرك "راجي" رأسه إيجابيًا وهو يهمس بشرود:
-أصهب عرف يضغط عليا إزاي صح، وأنا فعلاً مش هقدر أسيبه بعيد خصوصًا عشان أهل القرية.
سكت لحظةً قبل أن يضيف:
-مفيش حل غير إني أوافق على وجود تيجان معانا هنا حتى لو على حساب تقاليدنا.
ألتفت بوجهه نحو وجه "شاهيناز" المستكين وهو يتمتم بعدم رضا:
-الخوف دلوقتي منك إنتي لو عرفتي أصل تيجان الحقيقي.
أغمض عينيه وهو يختم حديثه مع نفسه بتعب:
-ربنا يستر من الجاي.
*****
بعد ثلاثة ساعات بداخل السجن، كان "ثاقب" يتطلع حوله بقلق وهو يبلع ريقه بصعوبة، يحاول أن يظل مستيقظًا حتى يبتعد عن شر هؤلاء، ولكن لسوء حظه أن نومه في ليلة الأمس كان قلقًا، فـ لم يأخذ قسط كافي من النوم، وها هو الآن سيذيق العذاب، إذا أغمض عينيه فقط.
دقائق أخرى وكان جفنيه يغلقان ببطء ورأسه تسقط، ولكن سرعان ما فتحهما سريعًا وهو يصرخ بألم حينما هوى أثنين منهم بعصياهم على جسده، صرخ مرة أخرى حينما هاجمته ضربة أشد قسوة:
-آآه.
هدر رجل منهم بصوتٍ مخيف:
-إنت مش نايم فبيتكم يا (....)، فوق بدل ما أفوقك.
حرك رأسه إيجابيًا بضعف وهو يرجع رأسه للخلف قبل أن يهمس بداخله بتهكم مرير:
-أنا إللي جبته لنفسي.
*****
بعد فترة كبيرة، وصل إلى منزله وهو يتنفس بعمق محاولاً ضبط إنفعالاته، سار في إتجاه الغرفة وهو قلبه يخفق بألم حاول جاهدًا إخفاءه، تصلب جسده ما أن رآها جالسة على طرف الفراش تحدق أمامها بشرود وتحديدًا ناحية المرآة، وكأنها تشاهد أنهيارها ببطء.
أغمض عينيه بقوة قبل أن يتحرك نحوها مبتسمًا وهو يسألها برفق:
-تاجي إيه إللي مصحيها دلوقتي؟؟..
همست بشرود:
-تاجك؟؟..
جلس بجوارها وهو يلتقط يدها هامسًا بتأكيد:
-طبعًا، مش الملك دايمًا بيلبس تاج، فأنتي تاجي، يعني من غير أنا ولا حاجة.
أغمضت "تيجان" عيناها وهي تهمس له بصوتٍ مرتعش:
-أقلع التاج ده ودور على غيره يا أصهب، أنا هـ.. هلوثك وأنا مش عايزة يحصل ده، هلوثك.
قالت كلماتها الأخيرة ودموعها تنهمر بغزارة من عينيها، حاولت كتم شهقاتها ولكن ما أن جذبها إلى صدره ولامست وجنتها الباردة صدره الدافئ حتى أطلقت العنان لشهقاتها ودموعها الحارقة التي سقطت على صدره فـ ألهبت قلبه أكثر.
شدد عليها بذراعيه وهو يهمس بصوت مؤلم:
-لو العياط هيريحك، يبقى عيطي وإنتي فحضني يمكن أقدر أخفف عنك الوجع ولو شوية.
دفنت رأسها في صدره قبل أن تبدأ في الصراخ بحرقة، دقائق وهي تصرخ بوجع وهو يتركها تخرج ما في روحها محاولاً أن يظل ثابتًا، شعرت أن أحبالها الصوتية قد أصابها الألم، فـ لم يعد صوتها كما كان، بل حل عليه الضعف.
دقائق أخرى وكانت أبتعدت عنه وهي تكفكف دموعها بظهر يدها قبل أن تنهض ببطء، فوقف هو الآخر متطلعًا إليها بقلق، هو يعلم جيدًا أنها ستنهار مرة أخرى وسيكون أشرس ولكن لا بأس سيكون بجوارها دائمًا حتى إن رفضت ذلك.
حدجته بغرابة وهي تلتفت إليه بكامل جسدها، في حين عقد "أصهب" ساعديه أمام صدره الضخم عاقدًا حاجبيه بتوجس، همست بصوت لا حياة فيه رغم إختناقه:
-طريقي بقى صعب حد يمشي فيه، وإللي هيمشي لازم واحد بس مينفعش أتنين.
سألها بحدة وهو يرخى ذراعيه:
-قصدك إيه يا تيجان؟؟..
قالت هامسة بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم:
-يعني هتطلقني، أنا عاوزة أطلق يا أصهب.
أخذ نفسًا عميقًا يعبئ صدره بالهواء لكن عبثًا، فالاختناق الذي يشعر به مصدره قلبه، جذوات محترقة تكويه بنيران الوجع وهو يهمس بصوتٍ حاد كالسيف:
-لو سمعتك بتقولي الكلمة دي هتندمي يا تيجان.
قبض على فكها بقوة يقرب وجهها إليه بشدة هادرًا بهمسٍ خطير:
-مصيرك بقى هو مصيري، ولو حاولتي تهربي منه مش هتلاقي غير الموت في الطريق التاني.
الدهشة بأقسى أنواعها ارتسمت على وجهها وهي تهمس مبهوتة:
-ومين إللي هيسلمني للموت؟؟..
سمعته يقول بحسيس مرعب محترق وهو يقرب وجهه من وجهها:
-أنتي إللي هتسلمي نفسك بنفسك لو بعدتي عن طريقي، ومش بس كدا هتلاقيني بردو وراكِ وإنتي راحة للموت.
أكمل بصوت أكثر قوة، بعنف غير موجه لها وكأن الكلمة تحررت أخيرًا:
-يوم ما عيني وقعت عليكي وإنتي بفستان فرحك في الساحة وإنتي مصيرك بقى فإيدي أنا، وطريقي بقى هو طريقك، وطريقنا يا تيجان بلا عودة.
أعتقدت أن دموعها ستعود من جديد وتنهمر بغزارة على وجهها، ولكن حزنها الطاغي مع ألمها الموحش جعل دموعها تجف، لا دموع ولا شهقات!!..
ألتمعت عينيها بوميض الأستياء وهي تسأله بتهكم:
-مش محتاجة شفقتك، خد شفقتك وأبعد عني، أنا ولا حاجة يا أصهب.
مسح على وجهه بقوة قبل أن يصرخ بغضب:
-وأنا من غيرك مسواش حاجة!!!!..
حركت رأسها بالسلب وهي تقول بمرارة:
-صدقني ده إحساس طيب منك، لكن مش دي الحقيقة، إزاي تقدر تحب واحدة زيي والمفروض من الأو...
هدر مقاطعًا إياها بهمسٍ مخيف:
-أسكتي يا تيجان.
هدرت بغضب وهي تهز رأسها سلبًا بقوة:
-مش هسكت.
حاوط خصرها يجذبها إليه هادرًا وهو يضع إصبعه على شفتاها:
-بقولك أسكتي.
أبعدت إصبعه عن شفتاها وهي تقول بعصبية:
-مش هسكت، لازم تواجه الحقيقة و..
وفي اللحظة التالية كان يسكتها، بفاعلية شديدة، بطريقته هو فقط، ذراعه تحتضن خصرها يدعمها والأخرى تلتقط يدها يرفعها قليلاً ثم يضعها على صدره ناحية قلبه مباشرةً حتى تشعر بدقاته العالية التي تدق مالطبول، بينما شفتاه تنهل من شفتيها بـ.. رقة.
يعلمها وبتروٍ جمال الصمت وفوائده، يعلمها مدى عشقه بداخل قلبه، أرتجف جسدها وهي تغمض عينيها ببطء مستسلمة لتلك المشاعر التي تختبرها لأول مرة بتلك القوة، رفع يده يحرر شعرها بخفة ليتخلله بأصابعه من فروة رأسها حتى نهايته، ثم أفلت شفتيها ففتح عينيه وهو يلهث مبتسمًا وهو يهمس بجوار أذنها باحتراق:
-ده إحساسي بيكِ، تفتكري كل المشاعر اللي حسيتها دي شفقة؟؟..
فتحت عيناها بألم قبل أن تواجه عيناه وهي تسأله بضعف:
-يعني مش هتسبني؟؟..
أتسعت إبتسامته الحانية وهو يُجيبها بهدوء:
-تبقي عبيطة لو فكرتي إني ممكن أعمل كده.
أحتضن وجهها قبل أن تهمس بصوت متقطع:
-بس إنت أكيد أتمنيت واحدة فظروف أحسن مني.
قَبّل وجنتها برقة قبل أن يقول بشغف:
-الظروف دي مش إنتي إللي حطيتي نفسك فيها، وأنا فعلاً أتمنيت، بس أتمنيت أنك تفضلي على طول فحياتي، وعوضي من ربنا.
دفنت وجهها في عنقه وهي تسأله:
-مش هتندم؟؟..
كان رده هو أنه ضمها إليه بشدة وقلبه يخفق بقوة، أخفض رأسه نحوها متناولاً شفتيها في قبلة عميقة حارة يبث بها حاجته إليها وعشقه لها، أصدرت "تيجان" تأوه منخفض عندما بدأ يقبلها بنهم وحرارة أكثر من قبل، عقد ذراعيه من حولها جاذبًا إياها نحوه صدره الصلب أكثر بعدما شعر بإرتجافتها حتى باتت ملتصقة به تمامًا.
أخذ يلثم وجهها بعدة قبلات متفرقة حنونة.. شغوفة قبل أن يعود إلى شفتيها يُقبلها برقة يتخلله الإلحاح، أستجابت له "تيجان" بكل جوارحها لتجرفهما على الفور مشاعرهما التي لم تترك مجالاً لأي عاطفة أخرى
رواية لأجلك أحيا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أميرة مدحت
والثاني والاربعون 42
كانت مستقلية بجسد مرتجف وأنفاسًا لاهثة، أغمضت عيناها بتعب وهي تشعر أنها بداخل كابوس، على رغم من محاولة "أصهب" أن يخرجها منه إلى حلم جميل وردي، ولكن في تلك اللحظة تشعر أنها بمشاعر متناقضة تمامًا، ما بين ذلك الكابوس يحاول أن يعود إليها ومن حلمها الوردي الذي يحاربه بكل قوتـه الممكنة.
أحتضنها "أصهب" بقوة بين ذراعيه، يمرر أصابع يده بحنان فوق ظهرها محاولاً تهدئتهـا، وهو يسألها بعينين قلقتين:
-أنتِ كويسة يا حبيبتي؟؟..
أومأت له برأسها وهي تدفن رأسهـا أكثر وأكثـر بـ عنقه، سحب نفسًا حادًا قبل أن يرفع يدهـا إليهِ مُقبلاً إياه برقة، أخذ يهمس لهـا بعدة كلماتٍ بسيطة.. صغيرة محاولاً إبعاد عقلهـا عن ذلك الكابوس الذي تحيــاه، وأن يدخلهـا إلى عالمهما الوردي، أنحنى برأسه يُقبّل رأسها المدفون بعنقه عدة قُبلات متتالية وهو يهمس لهـا بخفوت:
-أنا جمبك يا تيجان، متستلميش، حاربي الكابوس بقوتك وأنا هساعك، بس حـاربي.
شعر بـ جسسدها يستكين بين ذراعيه وأنفاسهـا تتثاقل، تنهد بإرتياح ما أن أدرك أنها غاصت بداخل نوم عميق من شدة وهنها، جذب الغطاء فوق جسدهمـا وهو يشدد من أحتضانه لها أكثر، ثم دفن رأسه بـ عنقهـا مغمغمًا بصوتٍ أجشّ.. دافئ:
-ومعكِ أشعر بأن عاطفتي بحرًا لا يهدأ، أنتِ فقط.
أغمض عينيهِ وعلى شفتيه بسمة صغيرة، فهي بين أحضانه أخيرًا بعد عذاب طويل، ولكن كل ما يشغله في تلك اللحظة أنه يجب أن تعلم ما يحمله لهـا في قلبه.
فهو الآن لأجلهـا يحيــا..
يعللم أنها تشعر بالكثير من القلق، وهو يُريد أن يمضي عمره وهو يطمئنهـا، فهي الحيـاة له، والأمان لعمرهِ.
*****
بعد مرور أكثر من يومين، في تلك الفترة لم تفعل أي شيء سوى الجلوس بمفردهـا كي تشرد عن ما مضى مُنذ وفـاة والدهـا، هو أعطاهـا كل شيء، حبـه.. حنانه.. وكان سندهـا دائمًا في الحيـاة، تتذكر جيدًا حينما كانت تقع كانت يده تمتد إليهـا كي يجعلهـا تقف من جديد، وضعت يدهـا على قلبهـا الخافق بألم محاولة أن تتنفس بطبيعية، فهي تحطمت تمامًا، ثقتهــا أهتزت بقوة أمام نفسهـا قبل الجميع..
تذكرت الآن حينما أخبرهـا والدهـا ذات مرة بفخر وهو يمسح على شعرهـا بحنوٍ مثير:
-سميتك تيجان لأنك تاج أبوكِ، و كل شخص هيعرفك هيحبك، ويوم ما تتجوزي وتبقي فـ بيتك، جوزك هيعتبرك تاجه، إللي من غيره يبقى ولا حاجة.
إبتسمت تلقائيًا وهي تتذكر ردهـا حينما قالت بقوة:
-عُمري ما هلاقي حد يحبني زيك أبدًا يا بابا، وأعتقد في التوقيت ده صعب ألاقي إللي يعتبرني تاجـه.
حرك رأسه بالسلب وهو يُجيبهـا بهدوء:
-الدنيا لسه بخير يا تيجان، وأنتِ قلبك طيب، هتتجوزي واحد يراعي ربنا فيكِ ويبقى أهم حاجة عنده راحتك، وبكرا تقولي بابا قال.
أقتربت منه قبل تحتضنه وهي تقول بعبوس:
-بردو مش هلاقي حد يحبني زيك.
هبطت دمعة حـارة على وجنتهـا بعد أنا عادت إلى واقعهـا ثم همست ببطءٍ حـارق:
-بـ.. بابـا.
أغمضت عيناهــا وهي تهمس بتلك الكلمة مرة أُخرى بألم، شهقت وهي تضع يدها على صدرهـا ما أن شعره بـ إبهامـه تلتقط دمعتها الحارة من على وجنتهـا، وجملتـه التي أخترقت أذنيهـا بدفئ:
-تفتكري ضعفك ده لو أستمريتي فيه، في حاجة هتتحل؟؟!!.. أو على الأقل هتعدي من المرحلة دي؟!..
فتحت عينيهـا وهي تنظر إليه هامسة بإختناق:
-غصب عني، بس أنا هتجنن، طالمًا أنا مش بنتـه، إزاي كان بيعاملني بالحب ده كله، و وافي أنا عمري ما شكيت للحظة واحدة أنه مش أخويا، لكن أمي وثاقب معاملتهم كانت صعبة أوي، ومع ذلك مشكتش، ألف سؤال وسؤال عاوزة أسأله، بس مفيش إجابات.
ألتمعت عيناهـا بوميض مؤلم وهي تهمس له بوجع:
-أنـا قـ.. قلبي واجعني أوي يا أصهب، حاسة أن من كتر الوجع هيجرالي حاجة.
جذب رأسهـا بهدوء إلى صدره يضمهـا بحنوٍ، قَبّل رأسهـا بنعومة وهو يمسد على خصلات شعرهــا بهدوء، هامسًا بصوتٍ عميق:
-بعد الشر عليكي، نامي يا تيجان، نامي ومتفكريش فحاجة، سيبي كل أمورك على ربنا وعليا.
أخفض رأسه حتى يتطلع على وجههـا وهو يسألهـا برفق:
-تمام؟؟..
ردت عليه بصوتٍ ضعيف:
-تمام.
إبتسم بعذوبة وهو يقول:
-شاطرة.
أرجع رأسه للخلف مُغمضًا عينيه، ورأسه يشتعل بالكثير من الأفكـار التي تتعلق بهــا، وعن والده ووالدتـه، تنهد من أعمق أعماق صدره وهو يهمس بداخله:
-لازم أشوف حل.
*****
بعد مرور عدة ساعات، فتحت "تيجان" عيناهـا بتثاقل شديد وهي تحرك رأسهـا محاولة يمينًا ويسارًا لتجد ذاتهـا نائمة في فراشهـا، عقدت ما بين حاجبيهـا بإستغراب وهي تضع يدهـا على جبينهـا بتعب، فـ آخر شيء تتذكره هو أنها ما أن وضعت رأسهـا على صدر "أصهب" حتى لم تشعر بعدهـا بأي شيء، وكأنها وجدت الراحة في أحضانه.
تنهدت بحرارة قبل أن تهبط من على الفراش، وقد تسللت إلى أنفها رائحة طهي شهية، حتى قبل أن تفتح باب الغرفة وتخرج بخطوات مترددة، سمعت جلبة ناجمة عن أدوات الطبخ، وصوت المقلاة كان واضحًا أيضًا ، وفي هذه اللحظة معدتهـا زئير الجوع، عندما تغلغلت تلك الرائحة المفضلة إليهـا.
سارت متبعة عبق الطعام حتى أوصلهـا عنده، إبتسامة صغيرة شقت شفتيهـا وهي تراه يعمل أمام الموقد بحرفية، شعر بوجودهـا فـ إبتسم تلقائيًا وهو يلتفت إليهــا برأسه، سمعهـا تقول بذهول:
-إنت بتعمل كوسة بالباشميل؟!..
هز "أصهب" كتفيه وهو يجيبهــا بهدوء:
-لما لاقيتك مطولة فالنوم قلت أسلي نفسي شوية، وأهي حركة جدعنة مني أنك تاكلي من إيديا، لأني نادرًا بطبخ.
أقتربت منــه هامسة ببهجة:
-تعرف أني بحب الأكلة دي أوي.
ترك ما بيده وهو يلتفت بجسده إليهـا هاتفًا بجدية:
-بقولك إيه يا تيجان، إيه رأيك لو نروح القصر نعيش فيه بدل هنا.
أضطربت قليلاً وهي تسأله بإرتباك:
-طب ليه؟؟..
تنهد "أصهب" وهو يرد بجدية:
-عشان مش هينفع أفضل سايب القرية لوحدهم كدا، لازم يلاقوا إللي يحكمهم، وبعدين والدي ووالدتي من أول يوم جوازنـا طلبوا مني أننا نقعد معاهم، بس لولا إللي حصل بقى، فإيه رأيك؟؟..
صمتت "تيجان" وهي تحدق بداخل عينيه قبل أن تجيبه وهي ترفع يديهـا الصغيرة إلى صدره القوي:
-معنديش مانع، بس أرجوك تخليك الفترة إللي جاية دي معايا لغاية ما أتعود عليهم.
بدأت أنفاسه بالأضطراب وهو يشعر بإرتفاع درجة حرارة جسده، دست جسدهـا بأحضانه وقد أرتفعت يديهـا الصغيرة تحيط عنقه، لم يشعر بشيء آخر بعدهـا فور أن وضع شفتيه القاسية أعلى تلك الشفاه الناعمة يلتهما بعنف أدهشه هو نفسه، ولكن معهـا كل شئ يختلف.
سكنت تمامًا بأحضانه تُزيد من أحتضان عنقه ويديها قد بدأت تعبث بخصلاته بحركات لطيفة ما زادته إلا شغفًا بـ لحظاتهـا معه.
بدأ عقله بالإفاقة من ثورة مشاعره مكا أن تذكر الطعام، فـ أبتعد عنهـا عن الفور بأنفاس لاهثة، مسح على شعره بقوة وهو ينظر حوله قبل أن يهدر بصوتٍ قوي:
-أطلعي يا تيجان من المطبخ فورًا.
أومأت برأسهـا وهي تغالب تلك الإبتسامة الشقية مغادرة من المكان، وقف أمام الموقد مرة أخرى وهو يتابع الطعام بإهتمام، ولكن إبتسامة صغيرة قد أحتلت شفتيـه.
*****
بعد مرور ثلاثة أيام، لم تخرج من غرفتهـا إلا قليلاً برفقة "أصهب" فقط، نظرت حولهـا نظراتٍ شمولية وهي تشعر بالغربة بذلك المكان خاصةً حينما يغادر "أصهب" من القصر لعدة ساعات حتى يُتابع ما يحدث بالقرية أول بـ أول، تخشى كثيرًا أن يعلم أحدهم في القصر بـ أصلهـا الحقيقي، حتمًا سُتعيش في جحيم إن علمت والدتـه، فهي تكرهـا منذ أول يوم رأتهـا فيه.
أنتفضت من مكانهـا وهي تستمع إلى طرقات على باب غرفتهـا، فـ أرتدت حجابهـا سريعًا وهي تنهض من مكانهـا، فتحت الباب لتجد أحدى الخادمات تقول لهـا بإحترام:
-تيجان هانم، والدة الكينج عوزاكي ضروري.
عقدت ما بين حاجبيهـا وهي تسأل نفسهـا بقلق:
-اللهم ما أجعله خير.
*****
لاحقًا، أتسعت عيناها بصدمة وهي تتراجع إلى الخلف هامسة بقوة:
-محصلش أنا مسرقتش منك حاجة، أنا لسه جاية القصر هعرف منين مكان الأسورة دي!!..
هدرت "شاهيناز" بعصبية:
-ما هو ده طبعك أكيد، واحدة لقيطة، هتعمل إيه يعني؟!!.. أكيد هتعمل عمل (...) زيها.
أرتجفت شفتاها وهي تسألها ببطء:
-إنتي عرفتي منين إني..
لم تستطع نطق الكلمة، فبلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تنتظر منها الإجابة بخوف، فردت "شاهيناز" عليها بتحدٍ:
-أصهب، وخليكِ عارفة إن جوزاته منك مش هتستمر، مش هسمح لإبني يبقى مع واحدة زيك.
صمت عم على المكان، قبل أن يدخل "أصهب" بخطى مرهقة، ولكن سرعان ما تحفز جسده حينما رأى نظرات والدته الحادة تتقابل مع نظرات "تيجان" المريرة، حدجته "تيجان" بعينين دامعتين قبل أن تنطق:
-طلقني يا أصهب، طلقني بدل ما تندم في الآخر بجوازك مني.
ثم صرخت فجأة بإهتياج:
-أنا بكرهكم، بكرهكم!!..
حاول "أصهب" أن يقترب منها ولكن أوقفته بإشارة من إصبعها وهي تهدر بـ:
-أبعد عني، أبعد.. أنا بكرهكم، بكرهكــم!!!!..
غطت وجههــا بكفيهـا وهي تشهق ببكاء عنيف، شعرت بـ ذراعيه تحيط خصرهـا كي يجذبها نحوه، فـ ألتفتت إليه بعنف وهي تصرخ:
-متلمسنيش، أبعد عني، أنا خلاص مبقتش مستحملة.
ضيق "أصهب" عينيه نحو والدتـه وهو يسألهـا بحدة:
-في إيه؟؟.. إيه إللي وصلهـا لكده.
قبل أن تُجيب والدتـه بإرتباكها الواضح، هدرت "تيجان" بعصبية وهي تقترب منه تضربه بيديهـا الصغيرتين على صدره قائلة:
-كلمني أنا، بقولك طلقنـي، أرحموني بقى وأنا آآآه.
كادت أن تقع بعد تلك الألام الشرسة التي ضربت قدماهـا بدون سابق إنذار، فـ جعلتهـا غير قادرة على الوقوف، لولا ذراعه بعد أن حاوط خصرهـا بقوة يجذبهـا إلى صدره، فـ أسندت وجنتهـا عليه وهي تصرخ بوجع:
-رجلي، آآآآه رجلي يا أصهــب.
مرر "أصهب" عينيه على قدماها وهو يسألها بذعر:
-مالهم؟!.. في إيه يا تيجان؟!..
هبطت دموعهـا أكثر وذلك الألم يشتد بشراسة أكثر وأكثر:
-رجليا يا أصهب، حاسة كأنهم أتشلوا، لأ دول أتشلوا بجد مش قادرة أقف، آآآآه.
كادت أن تقع مرة أخرى وهي تصرخ بألمٍ قوي، هدر "أصهـب" بخوف ينهش قلبـه:
-تيجـــان!!!..
رواية لأجلك أحيا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أميرة مدحت
أنتفض جسده بذعر وهو ينحني بجذعه سريعًا يمرر ذراعه الآخر أسفل ركبتيها حتى يحملها سريعًا بين ذراعيه، هدر بلهجة جهورية وهو يتحرك نحو الدَرَج:
-أبعدوا من قُدامي، أبعـــدوا.
ابتعدت أحدى الخادمات تدعى "سمر" سريعًا من أمامه وهي تنظر لـ"شاهيناز" بخوفٍ، أرتبكت "شاهيناز" من نظرات إبنها المخفية خاصةً حينما هدر مرة أخرى بحدةٍ عالية:
-أتصلوا بالدكتور بسرعـة.
قالها وهو يصعد على الدرج بخطوات شبه سريعة، وصل إلى الغرفة فـ وضعها على الفراش وهو يسألها بخوف:
-تيجان، حاسة بإيه؟؟..
أغمضت عيناها وهي تصرخ بألم:
-رجلي آآه، أصهب أرجوك ألحقنــي.
قبضت على يده، تضغط عليها بقوة تستمد منه العون، مسح على وجهها بحنو وهو يقول بهدوء رغم أرتباكه الخائف:
-تيجان كل دي أوهام، أهدي.. أهدي يا حبيبتي، خدي نفس عميق، أيوة يالا..
كانت تنظر في عينيه مباشرةً وهي تحاول أن تتنفس بعمق حتى تتمكن من ضبط إنفعالاتها، مسح بيده على جبينها برفق حتى تهدئ تمامًا وهو يكمل في تدريبها على سحب نفسٍ عميق وزفره ببطء شديد حتى هدأ الألم قليلاً بـ قدميها.
أعتدل بجلسته وهو يسحب جسدها نحوه ساندًا رأسها فوق صدره ممررًا يده بحنوٍ مثير على رأسها المغطي بالحجاب وهو يشعر بجسده يرتجف بإنفعال، وقبضة حادة تعتصر قلبه بعنف وهو يُراقب وجهها الباكي بعجز، ضمها إليه أكثر وهو يهمس لها:
-أستحملي علشان خاطري، هانت يا حتة من قلبي.
قال كلمته الأخيرة وعيناه تلتمعان بالضعف خوفًا، أغمض عينيه بقوة وهو يسحب نفسًا حادًا محاولاً التماسك، فتح عينيه وهو ينظر لها ليجدها تنظر أمامها ودموعها تهبط وهي تهمس له بوجع:
-مش حاسة برجليا، أنا أتشليت يا أصهب صح؟؟..
أمسك وجهها بين يديه المرتعشتين بشدة وهو يُجيبها بقوة:
-تيجان، شيلي الأفكار دي، متستسلميش، متخليش الوجع ينتصر عليكِ.
نظرت إليه نظرات خالية من الحياة قبل أن تشعر بثقل كبير في جفنيها، ودوار يُهاجم رأسها بضراوة، تمتم "أصهب" بذعر وهو يراها على وشك فُقدان وعيها:
-تيجان أفتحي عينيكي، تيجـــان.
أغمضت عيناها بإستسلام فاقدة وعيها، غير مستشعرة نبضات قلبه المتسارعة بفزع، وصوته الخائف وهو ينطق إسمها.
*****
فتحت "تيجان" عيناها ببطء وهي تشعر بألم غريب في قدماها، وألمٍ آخر يهاجم رأسها بشدة، تناست كل ذلك فور وصول إليها صوت "أصهب" الحاد وهو يصب غضبـه على شخصًا ما.
رفرفت بـ عينيها عدة لحظات حتى تتمكن من الإستيعاب، نظرت حولها بتوجس محاولة النهوض ولكن سرعان ما تأهوت بألم، وضعت يدها على جبينها وهي تتنهد بتعب:
-آآآه.
مدت يدها نحو قدمها تلمسها بحذر، حاولت تحريكها ببطء ولكن عجزت عن فعل ذلك، أرتجفت شفتيها وهي تتساءل بخوف:
-رجلي، هو في إيه؟؟..
رفعت رأسها نحو الباب ما أن رأت "أصهب" يدخل بحذر، ولكن سرعان ما أنتفض مسرعًا نحوها وهو ينحني فوقها متسائلاً بعينين فاحصتين قلقتين:
-لسه حاسة بحاجة؟؟..
أجابته بصوت ضعيف:
-رجليا، هو أن آآ...
قاطعها وهو يقول بهدوء محاولاً رسم إبتسامة على شفتيه:
-ماتخفيش، كل الوجع إللي جالك ده بسبب حالتك النفسية السيئة، التراكمات إللي كانت جواكِ طلعت كلها عن طريق رجليكِ، الحمدلله أنها جت على أد كده.
همست بحروف مرتعشة:
-بس أنا مش عارفة أحركهم.
رفع يده يمسح تلك الدمعة التي هبطت على وجنتها وهو يرد بثقة:
-أنا بأكدلك إنك هترجعي أحسن من الأول، بس لازم الفترة الجاية دي تهدي تمامًا وإلا الموضوع هيتطور بجد ويحصل بعد الشر إللي أنتي خايفة منه.
أمسك بيدها وهو يقول بإبتسامة:
-كلها يومين وهتبقي أحسن من الأول، وأنا كمان جبت ممرضة عشان تعملك تمرينات الرجل وتتابع حالتك عشان تبلغني أنا والدكتور.
نجح في بث الطمأنينة بداخلها بشأن صحة قدماها، فـ عاودت التمدد بجسدها على الفراش وهي تهمس بإنهاك:
-أنا عاوزة أنام، تعبانة أوي.
قَبّل يدها وهو يقول لها بوعدٍ:
-نامي يا حبيبتي، نامي وأنا معاكي.
*****
دقائقٌ، وكان يلج إلى خارج غرفته ما أن أطمئن عليها، وعينيه القاتمتين تشتد ظلامًا مرعبًا، هبط إلى الأسفل متوجهًا نحو غرفة الطعام حيثُ تتابع هناك ثلاثة خادمات أعمالهن، قبل أن يدخل بخطاه الغاضبة، شعر بمن يقبض على ذراعه، فألتفت برأسه وهو يرى والدته تنظر له برجاء قبل أن تقول:
-صدقني يا أصهب، أنا مكنتش بتهم تيجان ظلم، أنا فعلاً الأسورة بتاعتي أختفت، وغضبي وكرهي ليها خلاني أندفع وأتهمها بـ ده.
أبعد يدها عنه وهو يسألها بهدوء قبل العاصفة:
-وموضوع أهلها؟!..
أجابته "شاهيناز" بإرتباك:
-زي ما قولتلك يا أصهب فوق، أول يوم إنتوا جيتوا فيه هنا، كانت سمر معدية بالصدفة من جنب أوضتكم قبل ما تسمع تيجان وهي بتتكلم فالموضوع ده، فـ جت بلغتني على طول.
إبتسم "أصهب" بوحشية وهو ينطق بـ:
-حلو أوي.
أستدار بجسده وهو يهدر بحدة جعلت عروق نحره تنتفض:
-سمـــــر، سمـــــــر.
هرولت "سمر" إليه وهي تقول بلهفة:
-أيوة يا باشا، في إيـ آآآه.
صرخت بألم حينما صفعها بقسوة على وجنتها، أتسعت عيناها برعب مدركة أنه قد علم بكل شيء، جذبها نحوه قابضًا على فكها بعنف وهو يزأر بغضب:
-بقى يا بنت الـ(...)، فتحت بيتي وخليتك تشتغلي فيه تقومي تعملي عملتك السودا، وفين؟!!!.. فـ بيتي أنا؟!!!.. زي والله ما أنا سايبك.
حاولت أن الإبتعاد عنه حتى تُقبّل يده برجاء هاتفة بهلع:
-لا يا باشا، والله معملتش حاجة، أنا مظلومة آآه.
صفعة آخرى أشد قسوة هبطت على وجنتها وهو يهدر بعصبية:
-بقى تسمعي اللي مراتي بتقوله وتروحي تقولي لأمي عشان توقعي أكتر، ومش بس كده..
أخرج من جيب بنطاله شيء ما وهو يبتسم لها بتشفي قبل أن يقول:
-وإيه ده بقى، مش دي الأسورة اللي أمي بتقول أنها أختفت، ألاقيها تحت مرتبة السرير بتعمل إيه يا بنت الـ(...).
ألتفت برأسه إلى والدته وهو يقول بحدة:
-بلغي الرجالة إللي برا يسيبوا إللي فإيديهم ويجولي حالاً.
جذبها من خصلات شعرها وهو يقول كلماته الأخيرة، فقالت "سمر" بتوسل:
-سامحني يا باشا، سامحني أرجوك، آخر غلطة .
أتسعت إبتسامته المخيفة وهو يهمس لها بفحيح الأفاعي:
-ده فالمشمش، هتاخدي عقابك قدام أهل القرية كلهم.
دخل أحد رجاله وهو يقول بإحترام:
-أيوة يا كينج؟!..
دفعها بعنف نحوه وهو يهدر بصيغة آمرة:
-خدوها على السجن فورًا، وأظن أنتوا عارفين إيه المطلوب.
أومئ برأسه وهو يجذبها بقوة في إتجاهه:
-أمرك، يالا يا بت أتحركي.
صرخت "سمر" بفزع وهي تتملص منه:
-لأ، كله إلا السجن، لأااااااا، سامحني يا باشا.
لم يعيرها أي أنتباه، بل أستمر في جذبه لها حتى خرج من القصر بأكمله.
تسمر "أصهب" مكانه وهو يحدجها بنظراتٍ مُظلمة.. مُتهكمة، وضع يده على قلبه وهو يجلس بهدوء على المقعد رافضًا مساعدتها، فـ نكست رأسها بحزن على ما وصلت إليه مع وحيدها.
سحب نفسًا عميقًا بصعوبة بالغة محاولاً أن يهدأ نبضات قلبه التي لازالت مرتعبة عليها، ثم همس بصوتٍ كالصلب رغم رجفة جسده الخفية:
-ليه؟!.. ليه تزودي التعب والوجع عليها أكتر ما هو موجود.
أقتربت "شاهيناز" منه وهي تقول بإرتباك:
-أصهب.
رفع عينيه القاسيتين نحوه قبل أن يصرخ بغضب جامح:
-ليه يا أمي؟!!!.. ليه تعملي ده؟؟.. بتعقبيها على ذنب مرتكبتهوش ليه؟!!..
بدا عليه علامات الأسى وهو يخفض رأسه، في حين أشار بإصبعيه نحو غرفتهِ ويده الأخرى مازالت موضوعة على قلبه الذي يخفق بألم عاشق:
-أنتِ السبب فإللي وصلتله ده، ياريت تسبينا في حالنا.
أبعد يده عن قلبه وهو يقول بحزم:
-أنا مش هستنى لحظة واحدة هنا، مش هستنى.
هب واقفًا فجأة وهو يتحرك بخطى سريعة نحو الدرج قبل أن يصعد إلى الأعلى متوجهًا نحو غرفته، ما أن دخل حتى وجدها نائمة كما هي ساكنة.. فاقدة شعورها بالحياة تمامًا.
تحرك نحو الخزانة ليخرج منها عبائة سوداء اللون ولكن مطرزة على شكل قلوب صغيرة في الجانبين، تعامل معها بحذر وهو يلبسها إياها، رمقها بنظرة أخيرة قبل أن ينحني برأسه يُقبّل جبينها قبلة عميقة وهو يتنهد بألم على ما يحدث معها.
بدون مقدمات مرر ذراعه على أسفل ظهرها والذراع الأخرى مررها أسفل ركبتيها يحملها بين ذراعيه ورأسها على كتفه، رمقها بنظرة ألم خلفها الكثير من القسوة مما هو قادم وهو يقول بحسم وقد وصل إلى نطقة النهاية مع الجميع:
-كفاية أوي كده، لازم أخدك بعيد عن هنا حتى لو وصل الأمر أننا نعيش فمكان مفيش فيه حد غيرنا، المهم إننا نعيش سوا من غير وجـع.
قبل أن يلج إلى الخارج وجد والدته تقف أمامه تنظر إليه بدموع هاتفة بضعف:
-خلاص يا أصهب، أرجوك متسبنيش وتمشي، أنا مليش غيرك أنت وأبوك، مش هستحمل خسارتك يابني.
رمقها بجمودٍ أخفاها، فـ أضافت بصدق وهي تنظر في وجه "تيجان" النائم بوهن:
-أنا فعلاً محبيتهاش من البداية، بس دي غلطتي أنا، أنا إللي حكمت عليها بسبب ماضي مش هي اللي عملته من نفسها.
هبطت دموعها وهي تقول:
-والله العظيم ما هعاملها وحش تاني، أديني فرصة تانية وإذا أتكرر أبقى أعمل وقتها إللي إنت عاوزه.
حرك رأسه بإيماءة خفيفة قبل أن يعود إلى الخلف وهو يقول بهدوء:
-خلاص يا أمي، خلاص.
نظر لـ"تيجان" وهو يضيف بشرود:
-كله يستحق فرصة تانية.
*****
لاحقًا، ما أن أستيقظت حتى هاجمتها نوبة بكاء قوية، وكأنها تخرج أيضًا طاقتها السلبية عن طريقها.
انهارت على صدره تبكي، تبكي غير واعية من الألم، تتشبث به وتزيحه عنها في آن، تريده حد موت قلبها، وترفضه حد موت كرامتها، فرغت القليل ليبقى الكثير، الكثير جدًا.
احتضنها بين ذاعيه بألم، يود شق صدره ليدخلها بداخله علها ترتاح، شدد من احتضانها وهو يهمس في أذنها باحتراق:
-إزاي مش شيفاني؟؟.. إزاي يا تيجان بعد كل ده؟!..
أخرجها من أحضانه ينظر إليها محاولًا رسم ابتسامة هاوية على شفتيه وهو يقول رغم الوجع:
-حبي ليكِ.. هدوئي معاكِ رغم إللي بتعمليه.. وحضني إللي مفتوح ليكِ من غير ميعاد، كل ده ولسه مش قادرة تشوفي إنك أستثناء!!..
اختنق صوتها ليخترقه ألم مضني هاتفة بحرقة:
-أنا بموت يا أصهب، مش قادرة أشوف نفسي عشان أشوفك.. أنا تعبت والله.
أبتعدت عنه وهي تهمس:
-من يوم ما أتولدت وأنا عبء على الكل، مش هتيجي عليك يعني.
أنهمرت دموعها مرة أخرى وهي تضيف بإختناق:
-يارب أموت يمكن آآ..
قاطعها "أصهب" بصوته الجهوري.. الصارم.. المخيف:
-تيجـــــان.
أرتجفت شفتيها وهي تتراجع للخلف، أشار بإصبعيه قائلاً بعصبيةٍ شرسة:
-أنا مستحمل كل كلامك، لكن قسمًا بالله لو قولتي الكلمة دي تاني لهتشوفي مني وش مش هيعجبك، هتشوفي أول وش شوفتيه في الساحــة.
نكست رأسها وهي تكفكف دموعها بظهر يدها هامسة:
-أنا آسفة.
مسح على وجهه بقوة قبل أن يرفعها ذقنها هاتفًا برفق:
-تيجان، انسي كل ده عشان تعرفي تعيشي، صدقيني أنا لا أتغيرت من ساعة ما عرفت ده كله، ربنا يعلم وحده إن جبي ليكِ بيزداد كل لحظة أنا بعيشها.
هتفت ببسمة صغيرة ضعيفة:
-وأنا كمان بحبك.
أتسعت إبتسامته وهو يحتضنها بحنان قائلاً:
-مش عاوز أكتر من كده.
شدد عليها العناق وهو يقول بهدوء واثق:
-عاوزك ترجعي قوية، لأن مش أنا بس إللي هحكم القرية لوحدي.
تسائلت "تيجان" بتعجب:
-قصدك إيه؟؟..
رد "أصهب" عليها وعينيه قد ألتمعت بوميض خاص:
-بعدين، بعدين هتعرفي كل حاجة، بس أول ما ترجعي قوية.
رواية لأجلك أحيا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أميرة مدحت
نغزة عنيفة ضربت قلبها وهي تراه غاضبًا منها، يجلس معها بناءً على رغبتها في التحدث معه على أنفراد، كان عابس الوجه متجهم النظرات، رمقته "شاهيناز" بنظرات مطولة تحمل الأسف، أعتصرت عقلها لتفكر في طريقة تسترضيه بها، نظرت له من طرف عينها فوجدته شاردًا في عالم آخر، تنهدت محدثة إياه بخفوت:
-هتفضل زعلان مني يا أصهب؟!.. إنت مش قولتلي هيبقى في فرصة تانية؟؟..
سحب نفسًا عميقًا حبسه في صدره ليضبط به انفعالاته قبل أن يفسد الأمور، تابعت بنبرة مختنقة:
-غضبي منها كان عاميني.
ألتفت ناحيتها قبل أن يسألها بعتابٍ:
-يوم ما شوفتي تيجان، كان في المستشفى، يومها كانت هي إللي أنقذتني مش حد تاني، يومها كانت جمبي من غير ما أطلب، ولما حست أنها فخطر بعدت عني عشان متأذيش!!.. أتبهدلت معايا وأتعذبت جامد.
أمتعض وجهه وهو يضيف:
-وبدل ما تشكريها جيتي عليا، مش مهم أي حاجة، المهم إنكم كلكم ترموا ليها كلام زي السم يموتها ببطء وبعدين تقعدوا تتفرجوا عليها.
تمتمت بنبرة مريرة:
-مكنش قصدي يا أصهب والله.
أنفلتت أعصابه من كلماتها الأخيرة وكأن ما حدث أمرًا هينًا، لذا رد بعصبية متهورة:
-قصد إيه؟!!!.. مكنش قصدكم إزاي يعني؟؟.. بصوا هي وصلت لإيه بسبب تعبها ده؟؟!!.. كل ما أبني جواها القوة تعملوا حاجة تخليها تتهد تاني، بفضل أزرع جواها القوة والثقة وإنتوا كل إللي بتعملوه إنكم بتهدوا كل ده في أعز إنسانة في حياتي.
تضاعف إحساسه بالذنب لإيصال "تيجان" إلى تلك الحالة حتى وإن لم يكن بطريقة مباشرة، مسح على وجهه بقوة وهو يقول بنبرة شبه مختنقة:
-إنتوا مش عارفين هي بالنسبة ليا إيه، دي مش مراتي وبس، دي النور إللي في حياتي، هي راحتي إللي عمري ما هلاقي زيها، رفيقتي وحبيبتي قبل ما تكون مراتي، كفاية العذاب إللي شافته في حياتها ومعايا، كفاية لحد كدا، دي كانت هتوصل لمرحلة الشلل لولا ستر ربنا.
دخل والده في تلك اللحظة وهو يقول بهدوء:
-خلاص يا أصهب، بلاش نكبر الموضوع.
هب "أصهب" واقفًا فجأة وهو يقول بشراسة مشيرًا بسبابته:
-إلا إهانة مراتي يا بابا، مش هاقبل أن مراتي تتهان لا في غيابي ولا في وجودي و..
كظم غضبه رغمًا عنه حينما أمعن النظر في عيني "شاهيناز" ورأى الدمعات تتجمع فيهما، راقب "راجي" ردة فعله بتفرس قبل أن يستمع إلى صوت زوجته وهي تقول بنبرة نادمة:
-عارفة إني ظلمتها، كرهتها من أول ما عرفت حكايتها، أنا بس كان نفسي أجوزك واحدة تليق بيك.
إبتسم بتهكم وهو يقول:
-يبقى كنت هغرق أكتر ما أنا غرقان.
قالت بلهجة راجية:
-أديني فرصة يا أصهب، أنا هحاول أصلح غلطتي وأراضيها.
رفع حاجبه وهو يسألها بنظرات جادة:
-تفتكري تيجان الكلام ده هيراضيها؟!..
هزت رأسها متفهمة غضبتها هي الأخرى منها، فالمسامحة لن تكون بالخيار المتاح معها خصيصًا، تمتمت بنبرة تحمل الألم رغم الإبتسامة الصغيرة التي أرتسمت على ثغرها:
-أنا هراضيها، ماتقلقش.
كان موقفها حرجًا جدًا، فقد كانت مجحفة في حقها وظلمتها، أصدرت حكمها عليها دون أن تعرفها أولاً، أو حتى تتحرى جيدًا عن أخلاقها، ناهيك عن حقيقة هامة غفلت عنها، ألا وهي شخصًا مثل "أصهب" لن يتزوج إلا وهو على دراية كفاية عن كل ما يتعلق بها.
أخرج "أصهب" زفيرًا مخنوقًا من صدره وهو يقول:
-قرار الموضوع ده راجع لتيجان يا أمي، وإللي هي عاوزاه أنا هعمله.
عقدت ما بين حاجبيها وهي تقول:
-إنت جوزها وليك كلمة عليها وتقدر تأثر عليها بردو.
رد بلهجة صارمة لا تقبل النقاش:
-في الموضوع ده بذات لأ.
*****
ظلت جالسة على الفراش محدقة في قدماها بإبتسامة ألم، أدمعت عيناها حزنًا على حالها وهي تسحب نفسًا عميقًا كي تزفره على مهل، أنتبهت إلى صوت فتح باب غرفتها، وقبل أن تحرك شفتيها للتحدث ظنًا منها أنه "أصهب"، ولجت "شاهيناز" إلى داخل الغرفة، تجمدت أعينها المزعوجة على وجهها النادم، أرتعشت من حضورها الذي كان مصحوبًا بالكره دائمًا، فقد كفى ما وصلت إليه، زادت ملامحها تعقيدًا وبدت متحفزة للغاية، قالت "شاهيناز" بإرتباك:
-كنت عاوزة أتكلم معاكي.
رفعت "تيجان" عينيها نحو الباب لتجد "أصهب" واقفًا عاقدًا ساعديه أمام صدره الضخم، وجوده معها بنفس المكان بث الطمأنينة بداخلها، جلست والدته أمامها وهي تقول بحرج:
-أنا آسفة يا تيجان، حقك عليا.
بلعت ريقها بصعوبة هاتفة بمرار:
-أنا غلط جامد، حكمت عليكي من غير ذنب، عارفة إللي قولته ليكي صعب يتنسي، بس أنا ندمت وربنا يعلم بده، أنا عمري ما أعتذرت لحد، حتى الهامي ذات نفسه، لكن إلا أنتي.
أتسعت عيني "تيجان" بصدمة كبيرة من أعتذارها الغريب، تابعت الأخيرة ببسمة صغيرة:
-أنا من النهاردة هعتبرك زي بنتي بظبط، وأنتي اعتبريني مكان والدتك.
ثم أقتربت منها وهي تفتح ذراعيها قاصدة أحتضانها، لكن تراجعت "تيجان" بعيدًا عنها كردة فعل طبيعية، نظرت لزوجها لتجده يرسل لها إشاراتٍ ضمنية من عينيه آملاً أن تقبل بالعفو، سمعتها تقول بنبرة ندم:
-أرجوكي متحسسنيش بالذنب أكتر من كدا، ربنا بيغفر، إحنا يا عباده مش هنسامح.
بعد تلك الكلمات، تحركت "تيجان" ببطء نحو أحضانها، أحتضنتها "شاهيناز" بقوة وقد لمعت عيناها بالدموع، طوت "تيجان" تلك الصفحة الحزينة آملة ان تكون الصفحة الأخيرة بحكايتها الصعبة، أغمضت عينيها ببطء مستشعرة بحنانٍ غريب يغمرها.
هبطت دموعها بصمت دون شعور، وهي تتمنى أن تظل بداخل تلك الأحضان الدافئة لفترة طويلة عسى أن تلتئم جروحها، إبتسم "أصهب" متنهدًا براحة هامسًا بحسمٍ غامض:
-الحمدلله، مفضلش حاجة دلوقتي غير إني أزرع الثقة جواها من أول وجديد.
*****
بعد فترة طويلة، كانت قد أتت الممرضة التي أستدعاها "أصهب" حتى تباشر أولى جلسات العلاج مع "تيجان"، وما أن أنتهت حتى ركض إلى غرفتها بقلبٍ متلهف كي يطمئن عليها، فمن المؤكد أنها قد تعبت كثيرًا بعد خضوعها لتلك الجلسة، وجدها متمددة على الفراش تنتظره بعينيها، جاورها على الفراش وهو يسألها بإهتمام:
-إيه أخبارك يا تيجان، حاسة بتعب؟؟..
ردت عليه بخفوت:
-شوية.
إبتسم لها بحنوٍ مثير مرددًا:
-ماتخفيش يا تاجي، صدقيني كلها يومين وهتبقي أحسن، الممرضة قالتلي إنك بدأتي تحركي رجلك، وده مؤشر حلو.
حركت رأسها بالإيجاب، فجذبها إليه ليهمس لها بتنهيدة تحمل الأشواق:
-ودلوقتي بقى سبيني أطمن عليكي.
وصل إليها إحساس كلماته الموحية بأفكار جامحة تجعلها تحلق فوق السحاب، فتوترت أكثر من طريقته الماهرة في استدراجها نحو بحور عشقه، لف ذراعه حول خصرها ليقول بعبث:
-لازم أطمن عليكي كلك، عشان لو في حاجة نلحق.
حدجته بنظرات مغتاظة قائلة:
-أنا مش ناقصة كفاية رجليا.
انحنى على جبينها يقلبه مطولاً فأستشعرت حرارة الأشواق تجتاح جسدها، همس لها بألم:
-كله هيعدي يا حبيبتي زي ما في حاجات كتير حصلت وعدينا منها.
أضاف بإبتسامة واثقة:
-وأنا هفضل جمبك مهما حصل.
حركت رأسها بالسلب وهي تقول برقة:
-أثبتلي، لأني مش مصدقاك.
أتسعت عينيه بدهشة وهو يقول:
-مش مصدقاني؟؟..
عضت على شفتها السفلى بخجل، قبل أن ينحني بوجهه عليها يقول بمكر:
-لأ إحنا كده في مشكلة ولازم ألحق أحلها قبل ما تتفاقم، وأنا هثبتلك بطريقتي يا تاجي.
بلا تفكير طويل أحنى رأسه على شفتيها طابعًا قبلة حسية عليها، زادت نبضات قلبها وهي تطوق عنقه، زاد من تعميق قبلته ليمنعها لحظيًا عن ألتقاط أنفاسها سامحًا للمزيد من مشاعره المتلهفة لها بالتدفق إليها.
تراجع برأسه مبتعدًا عنها هامسًا بصوتٍ شبه لاهث:
-بحبك يا تاجي.
إبتسمت له وقد نهج صدرها من فرط الحماس المفاجئ، أحتضن وجهها براحتيه ليقربها إليه من جديد معاودًا تكرار قبلاته المشتاقة لها، همس لها من بينهم:
-هفضل جمبك دايمًا.
أتت الرياح معهما بما لا تشتهيه السفن، فقد قطع خلوتهما رنين هاتفه المحمول، فتصلب جسده وتبلدت حواسه، أطلق "أصهب" سبة خافتة من بين أسنانه المضغوطة وهو يبتعد عن "تيجان" التي تراجعت للخلف ململمة شتات نفسها بخجل كبير رغم كون ما تفعله معه طبيعيًا.
نهض عن الفراش ليجيب عن الهاتف وهو يقول بحنق بائن في نبرته:
-أفندم؟!..
رد "وافي" عليه بجدية:
-كنت عاوز أطمن على تيجان، وبقالي كام يوم بحاول أكلمها بس مش عارف.
رد عليه بنفور:
-يعني عاوز إيه؟؟..
رفع "وافي" حاجبيه للأعلى متعجبًا من طريقة حديثه، ورغم ذلك قال بإستفزاز:
-ولا حاجة، بلغ تيجان بس إني في الطريق للقصر ليكم عشان أطمن عليها، قدامي دقيقتين عقبال ما أوصل.
صمت "أصهب" قليلاً قبل أن يقول بهدوء قاسي:
-تصدق إنك بني آدم غتت، أقفل.
أغلق هاتفه وهو يزفر أنفاسه بضجر، نظر أمامه طويلاً قبل أن يسمعها تناديه بخفوت، ألتفت برأسه إليها ليجدها تقول:
-عاوزة أطلب منك طلب.
حرك رأسه بإيماءة خفيفة مستمعًا إليها بإهتمام، فقالت بعينين لامعتين:
-ساعدني أنسى وجعي وأعرف أبدأ من جديد، عشان أعرف أعيش معاك صح.
جلس بجوارها محتضنًا وجهها بكفيه قائلاً وهو ينظر في عينيها مباشرةً:
-أنا مش عاوزك تبعدي عني يا تيجان، وبعدين إحنا أتفقنا أننا هننسى الماضي بكل إللي فيه، مش كدا؟!..
حركت رأسها إيجابيًا، فأضاف بهدوء:
-كلنا بنمر بتجارب قاسية، المهم إننا منقفش في مكان الوجع كتير وإلا هندمر، أتعلمي ترمي ورا ضهرك عشان تعرفي تعيشي.
تابع بإبتسامة واثقة:
-وأنا بوعدك إني مش هتخلى عنك أبدًا، لأن بأختصار مقدرش أعيش من غيرك.
زادت لمعان عينيها وهي تقول بحب:
-ربنا يخليك ليا يا أصهب.
أجابها بإبتسامة شغوفة:
-ويخليكي ليا يا تاجي.
صمتت قليلاً قبل أن تنظر لحال قدماها وهي تسأله بإختناق:
-هو أنا هفضل كده كتير؟!..
قال ببسمة صغيرة:
-مش قولتلك ماتقلقيش يا تيجان وبعدين لتاني مرة بقولك إنك إنتي أتحسنتي عن الأول.
تنهدت بعمق قبل أن تسمعه وهو يقول بعبث:
-نرجع بقى لموضوعنا.
عقدت ما بين حاجبيها وهي تسأله:
-موضوع إيه؟؟..
خلل أصابع يده بين خصلات شعرها وهو يهمس لها بخبث:
-كان ليا عندك حتت بسبوسة يا بسبوسة، قبل ما أخوكي يتصل ويهد علينا اللحظة.
إبتسمت بنعومة وهي تقول بدلال:
-أصهب.
أتسعت إبتسامته وهو ينحني برأسه نحو شفتيها:
-عيون أصهب، وقلب أصهب و..
وقبل أن تمس شفتيه شفتيها كان إنتبه إلى صوت طرقات الباب وصوت والدته القائل:
-أصهب، وافي أخو تيجان تحت وعاوز يشوفها عشان يطمن عليها.
أغمض عينيه بحنق بالغ وهو يقول من بين أسنانه:
-وافـي!.. هادم اللذات!!!..
رواية لأجلك أحيا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أميرة مدحت
أرتفعت نبضات قلبها بتوتر وهي تنظر له بألم خفي، تلك الحقيقة المريرة أصابت قلبها.. ثقتها.. قوتها، وجدت "وافي" يدخل الغُرفة وهو ينظر حوله نظرات متوترة وخلفه "أصهب" الذي ألتوى ثغره للجانب بإمتعاض واضح، وجدته ينظر لها بعينين كالصقر مشيرًا برأسه أن تتحلى بالهدوء، فـ أجابته بعينيها قبل أن تواجه عينيّ "وافي" الحزينتين.
جلس على طرف الفراش بعيدًا عنها قبل أن يهمس بإسمها:
-تيجان؟!..
رمقته بنظرات خالية من الحياة وهي تسأله:
-ليه مقولتش الحقيقة ليا يا وافي؟؟.. ليه تخبي عليا أهم سر وتخلي ثاقب هو إللي يقولي الحقيقة بطريقته إللي فيها قسوة وتشفي، ليـه؟!!..
بلع ريقه بمرارة قبل أن يجيبها:
-لو كنت عملت كدا، يبقى كنت خلفت وعدي لأبويا، أنا عمري ما فكرت فإنك مش أختي، مهما حصل هفضل أعتبرك أختي الصغيرة اللي بحبها ومستعد أعمل أي حاجة عشان أسعدك.
سحب "أصهب" نفسًا حادًا وهو يغمغم بضيق:
-أستغفر الله العظيم.
بسمة متهكمة شقت شفتي "تيجان" وهي تقول:
-بردو يا وافي، بردو كان لازم تقولي، يمكن لو كنت قولتها أنت أو أصهب مكنتش أنهارت بالطريقة دي!!..
قبض "وافي" على يدها وهو يقول بنبرة صادقة:
-بلاش تفكري بالشكل ده، فكري بإنك مش لوحدك، بإن أنا جمبك و...
توقفت الكلمات في حلقه ما أن وجد قبضة يد فولاذية تقبض على يده المُمسكة بيد شقيقته مبعدًا إياه عنها، رمق "أصهب" بذهول ليجده ينظر له ببرود وهو يخبره بـ:
-معلش إيدك فجنبك، مراتي محدش يقرب منها حتى لو كنت إنت.
رفع حاجبه للأعلى وهو يقول بغيظ:
-دا أنت ماسك إيديها أومال لو حضنتها هـتعمل آآ..
صاح "أصهب" به بشراسة مقاطعًا حديثه الذي يجعله يثور أكثر:
-فكر تعمل كدا وشوف هيجرالك إيه مني، كنت مستحمل بالعافية وأنا شايفك أخوها لكن دلوقتي لأ، مش هيحصل.
ألتفت برأسه بعدها نحو "تيجان" التي فغرت شفتيها بذهول، ليقول بنبرة صارمة:
-وأنتي.. إياكي تفكري تخليه يمسك إيديكي حتى، وإلا مش هعدي الحكاية على خير، تمام يا روحي.
حاولت إخفاء إبتسامتها المدهوشة وهي تقول بخفوت:
-آآ، حاضر، ولو إني مش مستوعبة بس حاضر.
هز رأسه بإيماءة خفيفة قبل أن يعود بأنظاره إلى "وافي" الحانق، إبتسم له ببرود قبل أن يهتف:
-وأنت ياريت تنجز، تيجان المفروض ترتاح شوية بعد ما عملت الجلسة.
تبدلت أنظاره الحانقة إلى نظراتٍ خائفة وهو يقول لها:
-ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي، إن شاء الله ترجعي أحسن من الأول.
مسح "أصهب" على وجهه بقوة وهو يهمس بأعصاب مستثارة:
-يارب نخلص.
سمعها تقول بصوتٍ مرتجف:
-هو بابا الله يرحمه كان بيحبني بجد؟!..
صمت "وافي" قليلاً قبل أن يجيبها بحنان:
-كنت بحس إنه بيحبك أكتر مننا، وده اللي ضايق ثاقب وأمنا، كان نفسه يخلف بنت جدًا، كان دايمًا يقولي أن وجودك فحياته نعمة كبيرة، وبيقدرها جامد، كنت بسمعه وهو بيصلي في الفجر وبيشكر ربنا على وجودك فحياته، كان نفسه يخلف بنت عشان يشوف حنانها وطيبتها وتخفف عليه بكلامها.
أدمعت عيناها وهي تهمس بشوق:
-الله يرحمه، بجد هو واحشني أوي.
إبتسم "وافي" لها قبل أن يتمتم بهدوء:
-أنسي الماضي يا تيجان، بصي للمستقبل وبس.. أنتي وقعتي كتير، أعتقد أنه جه الوقت إللي تعيشي فيه مرتاحة وتحققي كل اللي كان نفسك فيه.
أومأت برأسها بالإيجاب، فـ نهض "وافي" من مكانه وهو يقول:
-طيب أنا هامشي بقى، لو عوزتي حاجة قوليلي.
ربت "أصهب" على كتفه وهو يقول ببرود:
-لا متشكرين، جوزها موجود والحمدلله، يالا بقى عشان عاوزين نرتاح.
حدجه "وافي" بغيظ وهو يجبر شفتيه على الإبتسام:
-ماشي يا كينج، حقك.
رمق شقيقته نظرةً أخيرة قبل أن يلج إلى خارج الغرفة، هنا.. أستطاع "أصهب" أن يطلق زفيرًا مطولاً بإرتياح، جاورها على الفراش وهو ينظر لها بحب قبل أن يتمتم بهمسٍ:
-صدعك مش كدا؟!!..
أطلقت "تيجان" ضحكةً صغيرة جعلت قلبه ينتفض من مكانه بسعادة، فـ جذبها إلى أحضانه يضمها بقوة وهو يقول بصوتٍ عميق:
-إنتي محتاجة ترتاحي، يالا نامي الوقت أتأخر.
إجابتها هي إغماض جفنيها براحة وهي تستنشق رائحة عطره الجذابة، بسمة صغيرة أعتلت وجهها قبل أن يهاجمها سلطان النوم، في حين ظل محتضنًا إياها بتملك وعقله لم يتوقف عن التفكير في كيفية إستعادة ثقتها بنفسها وزرع القوة بداخل قلبها.
*****
بعد مرور عشرة أيام، وقفت "تيجان" أمام المرآة متأملة ذاتها بعينين باسمتين، فقد أختفى أخيرًا شحوب وجهها، وعادت تقف من جديد بعد تلك الأيام الصعبة التي عايشتها في قلق من إحتمالية إصابتها بـ شلل، فإن كانت وصلت إلى تلك المرحلة حتمًا كان ستموت قهرًا وألمًا.
ولكن بفضله هو فقط، عادت تقف من جديد وقد تزين وجهها بحمرة جميلة، وباتت إبتسامتها لا تفارق شفتيها إلا في أوقاتٍ قليلة، خاصةً بعدما شعرت بدفئ وحب والدته، وإحترام كبير من والده لها، توسعت إبتسامتها أكثر وهي تقول ببهجة وقد تلألأت عيناها:
-الحمدلله، كل حاجة أتصلحت.
التفتت برأسها نحو الباب ما أن وجدته يدخل بخطى ثابتة، إبتسم تلقائيًا فور رؤيته لها بكامل صحتها، فقال بهدوءٍ مبتسم:
-صباح الخير يا حبيبتي.
أقتربت منه خطوة واحدة مجيبة:
-صباح النور.
دنى منها وهو يسألها بإهتمام:
-حاسة بأي تعب في رجليكي؟!..
حركت رأسها بالسلب وهي ترد عليه بسرور:
-لأ الحمدلله، أنا كويسة أوي دلوقتي.
أومئ رأسه بإيماءة خفيفة وهو يغمغم:
-طيب كويس.
طوق كتفيها بذراعه وهو يُضيف:
-يالا تعالي ننزل.
سحبها بلطف نحو خارج الغرفة وهو ينظر حوله نظرات شمولية، ما أن وصلا إلى الأسفل حتى سمعها تقول بجدية:
-أصهب، أنا عاوزة أركب "ريحانة" -حصان-.
أمتعضت فجأة ملامحه وهو يقول بحدة:
-نعم ياختي؟!!.. خيل إيه دلوقتي يا تيجان، أنتي لسه قايمة إمبارح ووقفتي على رجليكي بعد معاناه كبيرة، جاية تقوليلي تركبي "ريحانة"؟!!..
قطبت جبينها بقوة وهي تقول بضيق:
-أصهب أنا محتاجة أركب فعلاً خيل، وبصراحة بقى إنت مكبر موضوع أوي، خلاص الحمدلله بقيت كويسة همنع نفسي إني أعيش شوية؟!..
نفخ بضجر وهو يقول بجدية:
-حبيبتي من حقك طبعًا تعملي إللي نفسك فيه بس مش على حساب صحتك.
تنهد بعمق قبل أن يقترب منها وهو يقول برفق:
-لما تبقي كويسة ١٠٠ فالمية هخليكي تركبي ريحانة وتعيشي أحلى جو، وكمان لازم لما تركبي أول مرة لازم أكون جمبك مش لوحدك.
هتفت "تيجان" بلهفة:
-ممكن أبقى أركب لوحدي.
صمت "أصهب" قليلاً قبل أن يردف هادرًا:
-هو أنتي عمرك ركبتي خيل أصلاً.
حركت رأسها نفيًا، فهدر بغضب:
-كماااااان؟؟!!..
أشارت بإصبعيها قائلة بحنق:
-أصهب مش عشان مركبتش حصان قبل كده هتعاملني المعاملة دي، فيها إيه أركب لوحدي؟؟..
هنا وقد طفح الكيل، تحرك نحوها وهو يهدر بغضب:
-مش هتعملي ده لوحدك يا تيجان، أنتِ فاهمة؟!!..
رسمت إبتسامة تهكم على وجهها وهي تقول بإستفزاز:
-طب لو عملت يا أصهب، هتعمل فيا إيه؟!!..
صمت "أصهب" قليلاً قبل أن يبتسم إبتسامته المخيفة وهو ينطق بـ:
-بلاش، لأن إللي هعمله مش هيعجبك خالص.
ثم أستدار متوجهًا نحو الدرج بخطى سريعة غاضبة، رمقته "تيجان" بضيق وهي تقول بتحدٍ سافر:
-وأنا بردو هعمل يا أصهب، ونبقى نشوف هتعمل فيا إيه.
نظرت حولها قبل أن تتحرك بخطى سريعة نحو الخارج وقد عزمت على فعل ما تريده هي، فلن تعيش تحت رحمة أحد حتى لو كان هو.. "أصهب".
*****
دلف "أصهب" لداخل غرفته وشرع في نزع قميصهِ عنه، وهو يجذب ثياب أخرى، لكي يقضي اليوم بحركة حُرة غير مُكتفة، "تيشيرت" قُطني أسود ثقيل رفع أكمامهِ لمنتصف عضدهِ، وبنطال أبيض بجانب حِذاء رياضي أسود داكن.. مشّط شعرهِ الذي تبعثر قليلًا، ثم مسح بـ كفيهِ على ذقنهِ وتناول هاتفهِ وخرج ما أن أصدر رنين صاخب.
خرج من غرفته وقد قرر أن يتجه نحو الحديقة، حتى يستنشق بعض من الهواء العليل، وضع الهاتف على أذنهِ قبل أن يقول:
-نعم؟!!..
كانت والدة "ثاقب" هي المتصلة، حيث صرخت بغضب وهي تسأله:
-إبني فين يا كينج؟؟.. عملت في إيه؟؟..
أضافت وقد تبدلت نبرتها إلى الخوف:
-قتلته؟!!!.. قتلت أبني؟.. رد عليا أوعى تكون آآ..
قاطعها "أصهب" بحدة أكبر:
-هقتله ليه يعني، واحد زي ده ميستهلش ألوث إيديا عشانه، وبعدين بقالك ١٠ أيام ببتصلي والإجابة عندي هي هيَ، أنا معرفش مكانه.
ألتفت برأسه ينظر للحديقة الواسعة بعينين حادتين، ولكن سرعان ما تجمدت حواسه وتصلب جسده ما أن وجد "ريحانة" تركض بها ركضًا سريعًا للغاية، فـ قطب جبينه متابعًا حركة الخيل وهي أعلاه كأنها فقدت سيطرتها عليها، وسرعان ما قرر التدخل قبيل أن يقع حادثًا لها:
-ياريت متتصليش بيا تاني.
ودسّ هاتفهِ في جيب بنطاله وهو يوفض بخطواتهِ بـ إتجاهها صائحًا:
- تيجاااان! كفاية كده وقفـيه.
لم تستمع له تقريبًا، فـ لوح لها ورفع صوتهِ عاليًا:
- تيجـــــــــــان!! بــقـولك وقفــيـه!
التقطت مسامعها صوتهِ، ولكنها بالفعل كانت مُلتهيه بـ وضعها الصعب.. فـ هي فقدت السيطرة فعليًا على "ريحانة" التي بدت وكأنها تنفث عن رغبتها الجامحة للركض، لم تقوَ حتى على فتح فمها للرد أو طلب الإستغاثة في حالتها المذعورة تلك التي غلفتها، انفلتت أعصابها منها وظنت إنها لا تمسك باللجام جيدًا رغم انقباض أصابعها عليه جيدًا، وهذا الشعور جعلها تفقد قدرتها المسيطرة على حركة قدميها، وانفلتت إحداهن من الرِكاب، في اللحظة التالية كانت تطير من أعلاه وقبل أن ترتطم بالأرض ارتطامًا عنيفًا قاسيًا.. شعرت بذراعين حديدتين تلتقطها بأعجوبة، أغمض عينيها وهي تصرخ بهلع، تراخت قدماها ما أن أدركت أنها بداخل أحضانه، فجلست بركبتيها على الأرض وكذلك هو.
ثوانٍ وكانت تبتعد عنه لتجد وجهه قد غلفه الظلام وعينيه القاتمتين تنظر لها بطريقة مرعبة، إبتسمت له بتوتر وهي تقول بخوف:
-طبعًا أنت مش هتعملي حاجة، صح؟؟..
تجهم وجه "أصهب" أكثر وهو يجيبها بنبرة مخيفة:
-عملالي فيها أحمد مظهر؟!!.. !! مرتاحة يعني بعد ما فردتي عضلاتك.
قبض على معصمها بقوة وهو يقول بغضب يكاد أن يحرق الأخضر واليابس:
-مش هعديلك اللي عملتيه يا تيجان، هتدفعي تمن عنادك ده عشان متكررهاش تاني.
هب واقفًا من مكانه وهو يستعد الإبتعاد عن المكان بأكمله، ولكن وجدها تقبض على يده بقوة وهي تقول بوهن:
-أصهب ألحقني.
ألتفت برأسه لها بقلق خفي، لتتابع بتعب:
-حاسة إنه هيغم عليا، متسبنيش أرجوك.
تراخت أصابعها فجأة عن يده وهي تغمض عينيها بتعب، فأنحنى بجذعه يحملها بين ذراعيه متوجهًا بها نحو الداخل وهو يقول بقلق:
-ماتقلقيش هتبقي كويسة.
لم يرى إبتسامتها العابثة وهي تدفن وجهها أكثر في صدره حتى لا يراها وينكشف مخططها، همست لنفسها برجاء:
-يارب ميقفشنيش وإلا هاروح في داهية.
رواية لأجلك أحيا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم أميرة مدحت
ما أن وصل إلى غرفته حتى وضعها برفق على الفراش وكأنها ماسة يخشى عليها، راقبها بعينين قلقتين وهو يجول بأنظاره على جسدها كي يتأكد من عدم وجود أي إصابة بها، زفر بإرتياح وهو يجلس بجوارها على الفراش، مسح يده بحنوٍ على خصلات شعرها وهو يتساءل بإهتمام:
-ينفع إللي إنتي عملتيه ده؟!..
حركت رأسها بالسلب وهي تقول بخفوت:
-أنا آسفة.
قال "أصهب" بعتابٍ رقيق:
-مش عاوز إللي حصل ده يتكرر تاني، بلاش عند معايا، وخصوصًا إنك بتتكلمي مع واحد عمره ما هيأذيكي، بالعكس هو بيبقى شايل هم الدنيا كلها لما بيبقى حاسس إنك في خطر.
إبتسمت له وهي تقول:
-حاضر، أوعدك.
بادلها إبتسامة صغيرة قبل أن يقول بهدوء:
-طب أسيبك بقى عشان ترتاحي شوية.
قبضت على يده وهي توقفه بلهفة:
-إستنى، أنا عاوزة أعترفلك بحاجة.
عقد ما بين حاجبيه بقلق وهو يسألها بإهتمام:
-إيه، خير؟!..
أرتسمت إبتسامة صغيرة على شفتيها وهي تقول بتوتر:
-بما أنك سامحتني فـ لازم تعرف إني لا تعبانة ولا حاجة، أنا بس عملت كدا عشان متتعصبش عليا ومتعاقبنيش.
تجهم وجهه بطريقة مفاجئة.. مرعبة وهو يسألها بهمسٍ خطير:
-أنتي بتقولي إيه؟!.. قصدك إيه بظبط؟!..
بلعت ريقها بصعوبة وهي تهمس بإرتباك:
-أنا حبيت أقولك بنفسي عشان متضايقش مني لو عرفت بالصدفة وآآ...
قاطعها بلهجة عنيفة وهو يهب واقفًا:
-مضايقش!!!!..
أشار بيده وهو يهدر بنبرة غاضبة:
-جاية تمثلي عليا إنه هيغم عليكي وإنك فجأة تعبتي، وأنا قبلها أساسًا كنت بحمد ربنا إنه خلاكِ ترجعي تقفي على رجليكي من تاني.
زادت لهجته غضبًا وهو يقول:
-إنتي أكيد بتستعبطي!!!!..
اعتدلت في جلستها وهي تهمس بضيق:
-أصهب أسمعني، مفيش داعي لغضبك ده وكمان آآ..
أتسعت عيناه وهو يقاطعها بنبرة شرسة:
-غضبي!!!.. إنتي لسه شوفتي حاجة، بتلعبي بمشاعري عشان تهربي من العقاب، مش أنا يا تيجان، إذا كنت حنين معاكي فـ ده لأنك حبيبتي لكن أنا ليا وش إللي يشوفه بينهار من الخوف وإنتي شكلك نستيه.
سحب نفسًا حادًا وهو يتمتم:
-لما تعرفي غلطتك ساعتها هنبقى نتكلم، غير كدا لأ.
رمقها بنظرةً أخيرة حانقة قبل أن يستدير بجسده متوجهًا نحو باب الغرفة، تابعته "تيجان" بعينين لامعتين من الدموع وهي تراه يلج إلى الخارج صافقًا الباب بقوة، أطرقت رأسها بحزن وهي تهمس لنفسها بضجر:
-يا ريتني ما قولتله.
*****
لاحقًا، قررت بعد تفكير طويل أن تهبط إلى الأسفل حتى تعتذر منه، فقد أدركت ولكن بعد فوات الأوان أن هناك طرق أخرى يمكن أن تفعلها تجعله يتغاضى عن عقابه لها، ولكن هي أختارت الأسوأ ورغم ذلك أخبرته عن خطتها بكل حماقة!!..
تأكدت من تعديل شكل حجابها، فإبتسمت برضا وهي تدلف إلى خارج غرفتها، نظرت حولها نظرات شمولية قبل أن تهبط إلى الأسفل بثبات، ولكن سرعان ما أجتاحها دوارٍ غريب.
دلكت بيدها جبينها محاولة تخفيف الدوار وهي تغمض عينيها، سحبت نفسًا عميقًا ثم زفرته ببطء، عاودت الهبوط وهي تبحث عنه بعينيها، ولكن ما أن وصلت إلى الأسفل حتى شعرت بألم غريب يقبض على قدماها، تشنجت عضلات قدماها بطريقة قاسية، فـ أطلقت صرخة مدوية مؤلمة وهي تجلس على الأرضية الصلبة أمام الدَرَج بعد أن أستشعرت بأن قدماها سوف تنكسر إن أستمرت في الوقوف.
أغمضت عينيها بقوة تكاد أن تعتصرهما وهي تلمس بأنمالها قدماها التي تخشبت تمامًا، فـ أطلقت صرخة أخرى أشد ألمًا ووجعًا وعيناها قد أدمعت من فرط الألم.
كانت "شاهيناز" على وشك الدخول إلى القصر، بعد أن جلست لفترةً طويلة هي وزوجها بالحديقة، ولكن تصلب جسدها بقلق ما أن أستمعت إلى صوت صراخ زوجة إبنها، فـ ركضت دون شعور بإتجاه الصوت حتى وجدتها جالسة على الأرضية الصلبة الباردة تبكي بألم، شهقت وهي تدنو منها هاتفة بفزع:
-تيجان، في إيه مالك؟!!..
جلست على ركبتيها أمامها وهي تحتضن وجه "تيجان" براحتي يديها مسائلة بقلق:
-مالك يا حبيبتي، إنتي وقعتي من على السلم؟!!..
حدجتها "تيجان" بعينين باكيتين وهي تقول:
-رجليا، هموت من الوجع مش عارفة أحركهم خالص، آآآه.
أحتوتها "شاهيناز" بداخل أحضانها وهي تخبرها:
-أهدي يا حبيبتي، بلاش إنفعال، أومال أصهب فين؟!!.. إزاي سايبك كدا؟!..
التفتت برأسها للجهة الأخرى، فـ لمحت زوجها يدخل القصر، هدرت بنبرة عالية جدًا حتى تصل إليه:
-راجــي، يا راجــــي!!!..
*****
أرتجف قلبه ما أن أستمع إلى صوت صراخها وكأنها حقًا تتألم، بلع ريقه بصعوبة محاولاً إقناع نفسه أنها بخير ولكن تفعل ذلك حتى يركض إليها من جديد، أندفعت والدته نحو غرفة مكتبه وهي تصرخ بفزع:
-ألحق يا أصهب مراتك، وقعت من على السلم ومش عارفة تتحرك من مكانها.
هب واقفًا وهو يقول بضيق:
-تلاقيها تمثيلية جديدة عملاها الهانم.
قبضت على يده وهي تقول بغضب:
-أصهب مفيش هزار.. صدقني.
ضيق حاجبيه بقلق ما أن تمعن في وجه والدته، وجه أنظاره نحو باب غرفته قبل أن يهمس بخوف:
-تيجان!!..
بدون شعور، ركض "أصهب" خارج غرفته متوجهًا نحو الدرج ليجد والده يساعدها في النهوض وهو يتحدث إليها بقلق، أقترب منها وهو يسألها بتلهف:
-تيجان، مالك؟؟..
لم تستمع إليه من الأساس، فما أن وقفت على قدميها حتى شعرت بألم حارق يضربهما من جديد، فكادت أن تقع لولا ذراعه التي طوقت خصرها بقوة يرفعها إليه، صرخت بوجع هائل:
-رجليا هتتكسر يا أصهب.
أنحنى بجذعه يمرر ذراعه أسفل ركبتيها كي يحملها بين ذراعيه وهو يقول بثبات رغم إنتفاض قلبه:
-ماتخفيش يا حبيبتي، واضح كدا أن التشنجات هاجمت رجليكي من جديد، ماتقلقيش.
ثم ألتفت برأسه نحو والديه قائلاً:
-محدش يجي الأوضة ولا يتصل بالدكتور، أنا هتصرف.
شد عليها بذراعيه وهو يتحرك بخطى سريعة على الدرج، دفنت وجهها في صدره وهي تقول بلهجة متشنجة:
-هموت يا أصهب، هموت من الوجع آآآه.
خفق قلبه بجنون بعدما أعتراه الفزع من كلماتها، وصل بها إلى الغُرفة ثم وضعها على الفراش بحرص وهو يقول بنبرة مرتجفة قليلاً:
-هتبقي كويسة، دول شوية وجع هيروحوا لحالهم.
وكأنه يحاول بث الطمأنينة بداخل قلبه المرتعب عليها، فهي جنته ولكن هلاكه من كثره خوفه عليها، جلس بجوارها على طرف الفراش، ثم قبض أبعد عباءتها من على قدميها وهو يقول بجدية:
-أهدي خالص، خدي نفس عميق وطلعيه براحة.
حركت رأسها بالإيجاب وهي تسحب نفسًا عميقًا ثم زفرته على مهل، أستمرت في فعل ذلك، فقال "أصهب" مضيفًا:
-أيوة كدا أستمري، لازم تهدي الأول، وأنا هبدأ دلوقتي أعملك تمرينات الرجل، ماتقلقيش.
وبالفعل بدأ في تدليك قدماها بأهتمام دقيق، أغمض عينيه للحظات وهو يقرأ بصوتٍ خفيض بعض من آيات القرآنية مستمرًا في تدليك قدميها برقة ولكن حازمة.
فتح عينيه السوداوين موجهًا أنظاره القلقة نحو وجهها ولسانه لا يزال يردد بعض من آيات القرآنية، وجدتها تغمض عينيها بتعب وهي تهمس بعدة كلمات غير مفهومة.
دقائق وكان ينهض من مكانه ساحبًا ذلك الغطاء، جاورها على الفراش وهو يطوق خصرها بذراعه، بعد أن دثرها ودثر نفسه، إبتسم لها بعذوبة ليجدها تحرك شفتيها بهمسٍ واهن لا يكاد أن يسمع:
-آسفة.
جذب رأسها إلى صدره وهو يغمغم:
-ياريت كنت أتوجعمكانك، فترة وهتعدي.
*****
بعد مرور عدة أيام، لم تتصور أبدًا أنها من الممكن أن تعود إلى سجن زوجها، ذلك السجن الذي قام بـ بناءه منذ عدة أعوام كثيرة حتى تحتجز فيه من باتت زانية، فغرت "تيجان" شفتيها قليلاً وهي تدخل البوابة، اعترتها رهبة المكان والذكريات تدور من حولها، أستمعت إلى صوتٍ قوي يأتي من خلفها قائلاً:
-يالا يا تيجان، أنا معاكي.
ألتفتت له مسائلة بتعجب:
-إحنا خلاص وصلنا، ممكن أعرف جايبني هنا ليه؟!!..
إبتسامة جانبية أرتسمت على شفتيه القاسيتين وهو يقول:
-طب براحة عليا شوية، شوفي يا تيجان، أنا كل سنة بخرج كام واحدة من الزانيات هنا، بعد ما يكونوا قضوا مدة كبيرة من العقوبة، بطلع إللي حاسس أنها ندمت بجد.
عقدت ساعديها أمام صدرها مسائلة:
-والمطلوب؟!..
وضع يديه بداخل جيبي بنطاله مجيبًا بهدوءٍ واثق:
-إنك إنتي إللي هتختاري مين اللي هيخرجوا، هخليكي تتولي المهمة دي، لأنك أكتر واحدة هتحسي بإللي ندمت بجد وإللي بتستعبط، فهمتي؟؟..
عبست قليلاً وهي تقول بقلق:
-فاهمة، بس قلقانة من إختياري.
إبتسم لها إبتسامة جانبية وهو يقول بثقة:
-مرات الكينج مينفعش تقلق من أي حاجة، خليكي واثقة في نفسك يا تيجان، وبعدين أنا معاكي.
حركت رأسها بإيماءة خفيفة قبل أن تتحرك بخطى ثابتة وخلفها "أصهب" الذي يتابع خطواتها ببسمة صغيرة، ولكن سرعان ما تلاشت ما أن وصلا إلى الطابق الثاني حيثُ البداية.
أعتدل كل حارس في وقفته ما أن وصل إليهم خبر وجود الملك وتاجــه، أحنى الجميع رُؤوسهم إحترامًا لهما، فـ إبتسمت "تيجان" وشعور الثقة يعود إليها من جديد بعد أن كانت هشة.. ضعيفة والفضل يعود إليه دائمًا.. "أصهب".
*****
دخلت تلك الخادمة "آية" البناية التي يقطن بها "الهامي"، ما أن رأها حارس العقار حتى هرول نحوها وهو يقول بلهفة:
-أخيرًا جيتي، لازم تشوفي الريحة اللي جاية من شقة الراجل المرعب شوية ده بسبب إيه، الشقة اللي قدامه أشتكت؟!!..
ردت عليه بجدية:
-أنا باجي كل ٣ أيام، بس المرة اللي فاتت مجتش عشان أمي كانت عيانة وكنت بلغت هامي باشا، وبعدين كنت تخبط عليه وتشوف إيه حكاية الريحة دي.
قال حارس العقار بتوتر طفيف:
-بلاش، ده له حتت بصة، لو أنا عدوه مش هيبصها ليا، وبصراحة من كام يوم لما جبتله أكل من برا ومعجبوش لقيته بيرمي الأكل فوشي وخلى منظري زي زفت، فكان الله في عونك إنتي بصراحة.
أخرجت "آية" مفتاح الشقة فهي تحمل نسخة منها بعد أن أعطاها "الهامي" إليها حتى لا ينهض ويفتح لها، فتحتها لتجد الرائحة بشعة بحق، وكأن الدود قد سكن منزلهم أو شيء من هذا القبيل، ولجت "آية" وهي تكتم أنفاسها ومن خلفها حارس العقار، وصلا إلى غرفة النوم فـ وقعت أعينهما على" الهامي" وهو مُسجى على الفراش، بشرته زرقاء غير طبيعية، ورائحة العفن تفوح بشكل غير طبيعي، يبدو أنه توفى منذ عدة أيام ولم يشعر به أحد، مات في فراشه وهو نائم تقريبًا، فقد كان مغطي بالكامل ماعدا وجهه ويداه، جفونه مطبقة بشكل مرعب، وعظام وجهه تبرز من جلده تكاد تخترقه، صرخت "آية" صرخة مدوية جمعت الجيران على بابهم:
-مش ممكن!!!.. ده مـــاااااات، لا حول ولا قوة إلا بالله.
أبتعد حارس العقار وهو يقول بفزع:
-لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
رواية لأجلك أحيا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم أميرة مدحت
"لأجلكِ أحيا"
المشهد السابع والأربعون:
-الأخير-
بعد مرور أكثر من أربعين يومًا على وفـاة "الهامي"، عادت الحياة طبيعية على الجميع إلا "أصهب"، فـ ما أن وصل إليه خبر وفاة جده بتلك الطريقة القاسية حتى شعر بأن قداماه تتراخى، والدموع تعرف طريقهـا جيدًا إلا أنه سُرعان ما أرتدى قنـاع الجمودٍ وهو يستقل سيارته حتى يذهب إلى منزل جده.
في تلك الأيام، رغم حُزنــه القابع بداخل قلبــه إلا أنه حاول أن يخفف الألم لدى والده الذي بكى بعد أن ظل جامدًا كالصلب لليالٍ طويلة، ومن بين كل ذلك حاول أيضًا أن يكمل ما بدأه في زرع ثقة بالنفس والقوة لدى حبيبـه قلبه.. "تيجان".
ولكنـه في النهاية إنسان، رغم قسوتـه وبروده الطاغي إلا أنه إنسان ليس آلة يُمكن أن تفعل كل شيء دون تعب أو ملل، أنتظرتــه "تيجان" في ذلك اليوم حتى غلبهـا النوم، لم تشعر بعدهـا بأي شيء إلا حينما أستمعت إلا أصوات آنات وآهات مجروحة، مكتومة، أدارات رأسهـا للجانب الأيمن حيثُ يرقد "أصهب"، كان ممددًا على ظهره، رأت بشرته البرونزية تلمع بـ حبيبات العرق وقد بدأ يهذي بكلمات غير واضحة.
تمتمت "تيجان" وهي تهز كتقـه بقلق:
-أصهب، أصهب أصحى، أصهــب.
أعتدلت "تيجان" في جلستهـا وهي تحدق فيه بخوف، تبينت أنه مريض، إذ آلمت به حمى مصحوبة بالتعرق الشديد، وضعت كفها على جبينه، فـ شهقت بقوة وقد أرعبتهـا درجة حرارتـه المرتفعـة، هبطت من على الفراش قبل أن تهرول نحو الثلاجة الصغيرة لرابضة بأخر الغرفة والمغلفة بالألواح الخشبية المصقولة اللماعة، أخرجت قالب قطع الثلج وأخذت زجاجة ميارة باردة، ثم فتشت عن قطعة قماش حتى وجدتهـا، ثم أودعت كل تلك المحتويات داخل طبق فاكهة البيضوي بعدما أفرغتـه، إتجهت صوبـه مرة أخرى وهي تغمغم بخوف:
-ما أنت كنت كويس، إيه إللي حصل بس ياربي.
أنتفض مذعورًا ما أن وضعت قطعة القماش على جبينه الملتهب بعدمـا بللتهـا بالماء، ألمتهـا حالته وهي تراه للمرة الثانية هامدًا.. ضعيفًا.. لا يقوى على تحريك إصبعه حتى.
*****
بعد مرور عدة ساعاتٍ كثيرة، أنخفضت حرارتـه نسبيًا، بعد ذلك المجهود المضني الذي بذلتـه "تيجان" في تمريض "أصهب" والأعتناء به، لاحظت أنه بدأ الأستيقاظ شيئًا فـ شيء حيثُ فتح عينيهِ بتثاقل، وزاغ بصره يمنة ويسرة عدة مرات حتى أستقرت أنظاره عليهـا، وبدون أن يتحرك قيد أنملة، تكلم بخفوت شديد، وقد خرج صوتـه واهنًا متحشرجًا:
-في إيه؟؟.. مالك؟؟.. هو في حاجة حصلت؟!..
هُنـا.. زفرت بإرتياح بعد أن هدأت أعصابهــا أخيرًا، إبتسمت له بتوتر وهي تجيبه:
-ولا حاجة يا حبيبي، أنت تعبت شوية، بس الحمدلله شكلك بقيت أحسن.
قطب حاجبيه بإستغراب وهو يسألهـا بذهول:
-تعبت!!..
أومأت برأسها وهي تسأله بتلهف:
-حاسس بإيه؟؟..
-راسي وجعاني، حران وعطشان.
-أنت جيت على نفسك أوي يا أصهب، كل حاجة كنت بتعملهـا لوحدك ومش عاوز حد يحس بإللي أنت شايله حتى أنا، شوفت وصلت لإيــه.
هز رأسه نفيًا وهو يغمغم بتعب:
-تيجان.. أنا تعبان فعلاً، أنا أتعودت على ده، مش بعد السنين دي كلهـا هقدر أغير الطباع إللي فيا.
لم تودّ أن تناقشه وهو بتلك الحالة الواهنة لذا همست له بهدوء وهي تتحسس جبينـه:
-حرارتك خلاص نزلت، هقوم أروح أعملك حاجة تاكلهـا.
نهضت من مكانهـا متوجهة نحو الخزانة، أخرجت ثياب لهـا ثم ولجت إلى المرحاض، بينما هو كان يراقبهـا حتى توارت عن ناظريه، فشعر بثقل جفنـاه، ليغط في نوم عميق مرة أخرى من شدة الإعياء.
*****
بعد مرور فترة قصيرة، دخلت "تيجان" الغرفة وهي تحمل صينية متوسطة، وضعت الطعام جانبًا وهي تجلس مكانها بجواره، مدت يدهـا تهزه بلطف وهي تهتف به ليفيق:
-أصهب، أصهب أصحى يالا.
فتح "أصهب" عيناه بتثاقل شديد، نظر لهـا بغرابة وهو يسألها بخمول:
-إيه؟؟.. في إيه يا تيجان؟!..
إبتسمت له وهي تساعده في أن يعتدل بجلستـه:
-يالا عشان تاكل.
إنصاع "أصهب" لهـا، فقد بدأ يشعر بالجوع، ساعدته "تيجان" بعد أن وضعت خلف ظهره واليد الأخرى أحاطت بها عنقه، ناضلت لترفعه قليلاً وتسند ظهره إلى حائط الفراش، تمتمت بأنفاس متلاحقة للجهد العظيم الذي تبذله:
-آآه، إيه ده يا أخي، إنت تقيل أوي كدا ليه؟!..
أستغل فرصتـه جيدًا، فقد مرغ وجهه في ثنايا عنقهـا وصدرهـا ويشتم رائحتهـا الطيبة الذكية ليملأ صدره بهـا، وبعد معاناه عاودت "تيجان" الجلوس ثم قربت صينية الطعام قليلاً، أخذت طبق الحساء هي تقول:
-يالا بقى عشان تاكل.
شرعت في أطعامه، وبعد عدة دقائق صغيرة.. سألتـه بضيق:
-قولي بقى، إيه إللي إنت عملته فـ ثاقب ده؟؟..
إبتسم لهـا ببراءة وهو يسألها:
-هو أنا عملت حاجة؟؟..
أجابتــه بضجر:
-حرام عليك يا أصهب، ترميه فالمخزن بتاعك شهر ونص!!!.. نادرًا تسيبه ينام ده غير الأكل والشرب وآآآ..
قاطعهـــا بغضب وهو يرمقهـا بنظراتٍ مظلمة:
-أومال كنتِ عوزاني أخده فـ حُضني مثلاً وأشكره على إللي عمله فيكِ؟!!.. ده يحمد ربنا إني سبته عايش، وخليته يكمل عيشتـه هنا هو وأمـه بدل ما كنت أطرده من القرية.
حركت رأسهـا بيأس وهي تقول:
-قسوتك دي هتتعبني وهتتعب حياتنا يا أصهب.
إبتسامة قاسية شقت شفتيــه وهو يقول بتهكم:
-سبتلك الطيبة بزيادة يا تيجان هانم.
نظرت له بسخط وهي تقول بحنق:
-بتتريق؟!.. إنت بتستعمل قسوتك جامد يا أصهب وده مينفعش، رغم أن ليك مُميزات كتير حلوة مش موجودة فـ ناس كتير، لكن كله كوم وقسوتك دي كوم تاني!!..
حدجها بنظرات ساخرة متمتمًا بجدية:
-تيجان، أنا في الأول وفي الآخر تربية الهامي، صحيح عرفت أبعد نفسي عنه في قاونينه وأوامره وكل حاجة، لكن القسوة إللي زرعها فيا مش هقدر أخرجهـا.
سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بهدوء زائف:
-إنت كدا في يوم من الأيام ممكن تبقى زيه.
تقوس فمـه بإبتسامة قاسية وهو يقول بخشونة:
-لو كنت هبقى زيه كان ده حصل من زمان، ولو كان حصل فعلاً.. كان زمان حياتك منتهية، وبعدين القسوة إللي بتتكلمي عنهـا يا تيجان مش بتظهر إلا لو حد قرب من إللي يخصني.
وضعت الطعام بمكانـه الأول ثم هزت رأسهـا بالإيجاب وهي تهمس بتنهيدة عميقة:
-على العموم هو دلوقتي مايجوزش عليه إلا الرحمة، أدعيله ربنا يرحمه ويغفرله.
صمت قليلاً قبل أن يسألهـا بإهتمام:
-روحتي لوالدة "ساهد"؟؟..
سرعان ما تذكرت تلك الزيارة التي فعلتهـا مساء أمس، عقدت حاجبيهـا بألم وهي تقول:
-ياربي، متفكرنيش بالوجع إللي حسيته من ناحيتهـا، قلبهـا محروق على ولادهـا الأتنين الله يرحمهم.
زفر بحرارة وهو يقول بصرامة طفيفة:
-للأسف يا تيجان، لو كانت قالت الحقيقة لساهد مكنش كل ده حصل، بس في النهاية مفيش حد بيموت ناقص عُمر.
أجابتــه "تيجان" بشرودٍ تام:
-كفاية أنه ساعدني في الآخر، كنت حابة أنه ياخد فرصة تانية، بس ملحقش.
قبض على كف يدهــا، فـ رفعت عينيها تحدق في عينيه مباشرةً لتنتبه إلى تلك اللمعة المميزة التي لا تظهر إلا لهـا هي وفقط، قَبّل باطن يدهـا بعُمق وهو يقول بعبث:
-سيبك بقى من كل دا، ما تجيبي حتة بسبوسة يا بسبوسة أحسن أنا لو مخدتهـاش هيجرالي حاجة.
توسعت عيناها قليلاً وهي تجيبه بذهول:
-ده أنا إللي هيجرالي حاجة، حبيبي إنت من خمس دقايق كنت تعبان، بسبوسة إيه إللي إنت بتفكر فيهـا؟؟..
ضيق عينيــه بضيق مصطنع وهو يقول بلهجة ماكرة أستشعرتهـا بعد أن طوق خصرهـا بنعومة:
-لألأ، إحنا عندنا مباحثات ومشاورات مؤجلة يا تيجان، ولازم أدي كل جلسة حقهــا.
أتسعت إبتسامتهـا وهي تقول بدلال:
-أصهب.
بادلهـا إبتسامة وهو يهمس لهـا بعذوبة حالمة:
-عيون أصهب وقلب أصهب وروح أصهب..
*****
أنقضت ثلاثة سنوات ساهمت في تغيير شخصيتهـا وبناء حياتهـا من جديد، فـ لم تعد تفكر بإحساسهـا كمان كانت تفعل من قبل، وساعدهـا في كل ذلك وتخطي الماضي هو "أصهب"، كما كان يفعل دائمًا لهـا، رزقهـا الله بإبنة جميلة مثلهـا منه "حلا".
جلست "تيجان" مع والدة زوجهــا التي أنشغلت بـ ملاعبة إبنتها "حلا"، إبتسمت لهمـا بحُب قبل أن تقول بمرح لإبنتها:
-يا حلا!!.. مفيش حُضن لمامي ولا إيــه ولا هتفضلي تلعبي بالبالونة؟؟..
نهضت صغيرتهـا من مكانها تركض نحوهـا وهي تهمل بالونتهـا الكبيرة:
-مامي، العبي معايا.
-لما أخد حضن الأول.
قالتها وهي تفتح ذراعيهـا لتستقبلهـا في أحضانها، شعرت فجأة به يقف خلفها ويهمس لها في أذنها بعبث:
-وأنا مفيش حُضن ليا؟!..
ألتفتت له ترمقه بضيق قبل أن تهب واقفة وهي تقول بحنوٍ لصغيرتهـا:
-أقعدي يا حبيبتي كملي لعب مع تيتة، عقبال ما أعمل حاجة وجاية على طول.
أنتبهت الصغيرة لوجود أبيهـا، فركضت نحوه صارخة بسعادة:
-بابي.
حملهـا بين ذراعيه ليقبلهـا قائلاً:
-روح قلب بابي، وحشتيني.
تابع حديثه بصوتٍ خفيض وهو يبتسم لهـا:
-كمان شوية هقعد العب معاكي بس أصالح مامتك الأول.
أجلسهـا على الأريكة قبل أن يتحرك نحو حديقة القصر، وجدهــا تقف تحدق أمامهـا بنظرات شاردة، دنى منهــا وهو يسألهـا:
-هتفضلي مضايقة كدا كتير؟؟..
رمته بنظرة حانقة وهي تقول:
-أظن أنت عارف أنا مضايقة ليه، والمرة دي مش هتنازل.
عقد ما بين حاجبيه وهو يقول بضجر:
-يا تيجان، كل ده عشان عيد جوزانا؟!!..
-إنت مفيش مرة أفتكرته، مش بتفتكر حاجة غير عيد ميلادي!!..
تنهد بعمق قبل أن يقول:
-تيجان الحكاية كلهـا إني مش بؤمن مثلاً بعيد الحب، إيه عيد الحب ده؟!.. ما أنا كل يوم بقولك بحبك!!.. وعيد جوازنا أنا شايف من وجه نظري أن وجودك في حياتي ده عيد، مش لازم يوم محدد!!.. دي نظريتي ومش هغيرهـا.
ألتفتت له وهي تقول بحنق:
-يعني هو أنا مش زي بقية الناس و..
-متقارنيش نفسك بحد، ده أولاً.. ثانيًا، مش لازم يجي يوم محدد وأقولك كل سنة وأنتي معايا، ما أنا ممكن أعمل كدا وفي بقية الأيام أطلع عينيكي، لكن أنا شايف أني أعيشك العمر كله سعيدة على أد ما أقدر، وعيد الحب ده أنا مش مؤمن بيه، إذا كان في بداية علاقتنا كنت بسألك إيه الحب ده؟!... عوزاني دلوقتي أحتفل بيه!!!..
حركت رأسهـا وهي تقول:
-تمام، بصراحة بدأت أقتنع بكلامك.
إبتسم لهـا وهو يقول بجدية:
-وعشان إنتي أقتنعتي عاملك مفاجأة.
رمقتـه بفضولٍ كبير، فـ وضع يده في جيبه ثم أخرج منها دعوة صغيرها، جذب يدها ثم وضعها في راحتها برفق، أتسعت إبتسامته وهو يقول ببساطة:
-يارب مفاجئتي تسعدك.
فغرت "تيجان" شفتيهـا بصدمة أنعكست على نظراتها وتعبيراتها وهي تقول:
-دي تأشيرة عمرة.
أحتضن وجههـا بيديه هاتفًا بسعادة بعدما رأى سعادتها تتراقص بحدقتيهـا:
-أظن كدا أنتي مش زعلانة.
لم تعرف "تيجان" ما عليهـا قوله أو فعله، من غمرة سعادتهـا، طوقتـه بذاعيهـا فـ أحتضنهـا هو الأخر، سمعهـا تقول بنبرة باكية:
-أنا بحبك أوي.
أغمض جفنيـه وهو يهمس لهـا بهمسٍ عذب:
-وأنا معاكي عرفت يعني السعادة والحب بجد، أنا عايش بس عشانك.
‘‘هي الحب الذي أتي بعد أن تآكل قلبــه فـ بدأت بـ ترممه وإعادته فتيًا، كل النساء قبلها كن لا شيء بالنسبة له إلا هي، فالحب معهـا مفهوم آخر، ومن أجلهـا بات يحيـا.
تـمـــت بحمدلله