الفصل 29 | من 40 فصل

رواية لأجلك انت الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم وداد جلول

المشاهدات
18
كلمة
1,389
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

خياريْن لا ثالث بينهما عقدت حاجبيها لتقول بترجي: "أرجوك لا أستطيع أن أقول لك، أريد محادثته هو." تنهد الحارس ليقول: "حسناً آنستي سأهاتفه أنا وأعطيكِ الهاتف عندما يجيب، انتظريني." حركت رأسها بإيجاب وانتظرته ريثما يأتي، تعجبت من نفسها على شجاعتها لمحادثته، كيف لها أن تحدثه وهو من أبعدها عنه؟ ولكنها تريد سماع صوته فقط، اشتاقت لبروده، لغروره، وكل شيء فيه. جاءها الحارس ليحدثها برسمية: "سأهاتفه آنستي انتظري."

أخرج الحارس هاتفه ليهاتف آسر وهو ينتظر الرد، رنة، اثنتان، ثلاث، ليجيب بنبرة متلهفة كونه يعلم بأن هذا الحارس الشخصي لآسيل، فهذا الأمر يهمه جداً لأنه يأتيه بأخبارها كل يوم. تحدث آسر: "أهلاً، ما الأمر تحدث." ارتبك الحارس من سرعته ليقول بتوتر: "سيدي، الآنسة الصغيرة تريد أن تحدثك بأمرٍ مهم، طلبت مني رقمك ولكنني لم أعطها إياه، فقط قلت لها بأنها ستحدثك من هاتفي."

بدأ قلب آسر ينبض بعنف، يصرخ قلبه طالباً لسماع صوتها ولرؤيتها أيضاً، ولكنه هو يعلم نفسه جيداً ما إن سيسمع صوتها سيضعف فوراً وينطلق إليها من دون وعي. تنهد بحزن ليقول بصوتٍ بارد: "حسناً، قل لها بأن لدي عمل ولا أستطيع محادثتها الآن وانتبهوا لها جيداً، مع السلامة." تنهد الحارس بحزن ليقول لها معتذراً: "سيدتي، السيد آسر لا يستطيع محادثتكِ الآن، لديه مهمة ضرورية، سيحدثكِ بوقت لاحق، أعتذر بشدة."

نظرت له بحزن ودخلت للمنزل وهي مكسورة الخاطر، كم هي غبية وساذجة، لماذا طلبت مهاتفته؟ لماذا ضعفت أمام قلبها وطلبت ذلك الشيء؟

تكاد تموت من شوقها له، ولكن هو ببساطة لا يبالي لها ولحالها. علمت بأنه يتهرب منها، أقسمت على أنها لن تعاود فعلتها هذه بعد الآن ولن تتنازل وتحدثه إذا طلب محادثتها بيوم من الأيام، كرامتها وكبريائها فوق كل شيء. جلست على الأريكة مطلقة سراح دموعها من جديد، ليس من أجله بل من أجل حياتها ووحدتها التي تعيش بها.

كما دخل في المرة السابقة إلى غرفتها دخل هذه المرة أيضاً، لم يأبه للحارس الذي كان نائماً في رواق المستشفى ودخل دون أن يشعر به. كانت شهد شاردة بوجوم، وما إن رأته حتى بدأ قلبها يطرق بعنف وخافت منه كثيراً، كان ينظر لها بأسف وندم مسترسلاً معها خلال نظراته لها ليقول بهمس وهو يتقدم منها بحذر: "لا تخافي شهدي، أتيت فقط لكي أودعكِ، هذه المرة الأخيرة التي سآراكِ بها." نهضت بعنف وتراجعت للخلف لتقول بخوف:

"لا تقترب مني، لا تقترب، اخرج وإلا صرخت بأعلى صوتي، أين هو ذلك اللعين الذي في الخارج؟ كيف لم يراك أيها الحقير." ابتسم بسخرية وهو متقدماً نحوها ليقول: "لو اجتمعت كل جيوش الأرض لمنعي عن رؤيتكِ فسأصل لكِ، لا مهرب مني يا حبيبتي." ابتلعت ريقها بخوف وهي تراه يتقدم نحوها لتبدأ بالبكاء وتتحدث بصوت مرتجي: "أرجوك ابتعد عني، أرجوك، ماذا تريد مني أكثر من الذي أخذته؟ لقد دمرت حياتي واغتصبتني، ماذا تريد أكثر من ذلك؟

بكاؤها أضعفه وجعله يود لو يقتل نفسه أمامها، كيف يفرط بمحبوبته؟ كيف يبكيها؟ كيف يغتصبها بوحشية ولا يشفق لحالتها؟ لا يعلم. كل ما يعلمه بأنه يود لو أنه يعانقها ويأخذ وجعها ليضعه داخل أعماقه، فليتألم مئات المرات ولا تتألم هي بمقدار ذرة. ابتلع ريقه ودموعه على وجنته، يبكي لبكائها، يحترق لاحتراقها، ويلعن نفسه على ما فعله بها، لم يندم على أي فعل قام به عدا فعلته بها، نادم أشد الندم على إوجاعها بهذا الشكل القاسي. كور وجهها

بين يديه ليحدثها بهمس: "أرجوكِ لا تبكين، أرجوكِ يا شهد، للمرة المائة أقولها لكِ، أعلم أن فعلتي لا تغتفر ولكني نادم، إذا استطعتي مسامحتي فسامحيني، أنا أفضل الموت على أن أراكِ بهذا الحال، وهذا ما أتيت لفعله، أتيت لكي أموت أمام عينيكِ، أتيت لكي تنفذي بي حكم الإعدام بيدكِ أنتِ، أنتِ من يحق لها محاسبتي، لا محاكم ولا قضاة ولا ضباط، فقط أنتِ، هل تسمعيني؟ حركت رأسها بنفي لتقول ببكاء:

"لا أريد محاسبتك على أي شيء، لا أريد أن أراك أمامي حتى، فقط اغرب عن وجهي، أنا لا أستطيع النظر بوجهك حتى، لا أستطيع نسيان ما فعلته بي، لا أستطيع مسامحتك، أنت شخص لعين، مغتصب، حقير، ابتعد عن.." أرادت أن تصرخ بآخر جملتها ولكنه أطبق على فمها قائلاً بهمس:

"أنا لعين وحقير ورخيص، أجل، أنا كل الأشياء الرخيصة، لا يهم، المهم أن تسامحيني، لقد أتيت بقدمي إليكِ، أريد أن أموت على يديكِ يا شهدي، أنتِ من يحق لها محاسبتي فقط، أنتِ من يجب عليها أن تقتلني، لأجلكِ أنت أموت وأحترق بجهنم لا يهمني، المهم أن لا أموت على يد شخص سواكِ، أتيت لكي تصدرين الحكم علي بنفسكِ، إن قلتي لي مت فسأموت، إن قلتي لي اهرب فسأهرب، إن قلتي لي تزوجيني فسأتزوجكِ."

أنهى جملته ببكاء وصوت مرتجف وبعينين لامعتين ومتلهفتين لهذه اللحظة التي إن وافقت عليها فسيكون أسعد شخص في الوجود. أردف لها بصوت مرتجف ومتأمل: "تزوجيني يا شهد، دعينا نتزوج، سنتزوج ونهرب بعيداً عن أي شخص يعرفنا، نهرب إلى بلاد أخرى ونعيش أنا وأنتِ طوال العمر، نأسس عائلة صغيرة ونجلب أولاد يضاهونكِ بالجمال والحلاوة والرقة، سأتغير لأجلك يا حبيبتي." شهق بقوة وابتلع ريقه ليردف بلهفة:

"أعلم بأنني قتلت، وأعلم بأنني اغتصبتك ولكننا نستطيع أن نبدأ من جديد، كل شيء من جديد، سنهرب ونبدأ من جديد، وبطريقة صحيحة تعجبكِ وترضيكِ، فقط وافقي وأنا سأكون طوع أمركِ وعبداً تحت قدميكِ، سأقضي حياتي كلها أنتِ تأمرين وأنا أنفذ لكِ."

كانت تتابع حديثه مغمضة عيناها بقوة وتنتحب بشدة، تحاول تجاهل كلامه وكالعادة تهدأ نفسها على أنه كابوس وستستيقظ منه، ليس وجوده تعتبره كابوس فحسب بل مسألة اغتصابها ولقائها به هو كابوس بحد ذاته وستستيقظ منه. دفعته وهي ما زالت تنتحب ليقبل عليها مجدداً قائلاً بصوت مرتجي مليء بالحسرة والندم: "ماذا ستقولين عن شخص أعماه الفقر والظلم منذ صغره؟ ماذا ستقولين عن شخص أهلكه الجوع عندما كان طفلاً؟

أنا لم أختار حياتي يا شهد، بل هي فُرضت علي فرضاً، لم أحتمل الفقر لذلك عملت بالأعمال غير القانونية، سرقت وعملت بأشياء جداً رخيصة فقط لكي أشبع مما حُرمت منه في صغري، أولئك الذين قتلتهم هم أثروا علي وأصبحت مثلهم تماماً، إلى أن علم والدي بكل أفعالي وطردني من المنزل، المجتمع والبيئة هما من لم يتقبلاني، والدي لم يحاول أن يصلح حالي نهائياً، فأصبحت أسوأ من ذي قبل، منذ الصغر وأنا لدي عقدة، عقدة النقص من كل شيء، ماذا ستقولين عن طفل تعرض للاغتصاب عندما كان صغيراً؟

شعوركِ أنتِ بالحادث تماماً كشعوري عندما تم اغتصابي على يد شابين كنت أعمل معهما في مصنع الكراسي، كنت أعمل منذ صغري وهذا ما جنيته على نفسي، لم أستطع البوح حينها لأنهما كانا يهدداني بالقتل عندها." صمت لبرهة وهي تتابعه بعينين شاخصتين ليردف بحقد:

"إلى أن كبرت، وبعد طرد والدي لي بحثت عنهما طويلاً وقتلتهما، أجل قتلتهما ولم أبالِ، هذا هو السبب الأساسي لانحرافي، هما من تسببا بضياعي وأنا قضيت عليهما ولم يرف لي جفن حتى، كنت أتابعهما بتشفٍّ وهما يموتان أمام عيناي، لقد أخذت حقي منهما، وها أنا الآن أمامكِ، لكي تأخذين حقكِ مني، أتيتكِ بخيارين لا ثالث لهما، إما أن أموت أمامكِ أو أن تهربين معي ونتزوج ونعيش بعيداً عن الجميع."

وكأن الكون توقف عندها في هذه اللحظة وعند تلك الكلمات التي خرجت منه، كانت خائفة، مرتابة، تشعر بقلبها سينفجر إذا ما ابتعد عن ناظريها في هذه الدقيقة، لم تصدق ما تسمعه منه، ولا تريد أن تسمع بالأساس، ما يطلبه منها صعب المنال، لا تستطيع قتله وبذات الوقت لا تريد أن ترى وجهه الذي تبغضه. شهقت بحدة لتقول:

"اخرج من هنا، لو كنت آخر رجل في هذا العالم لن أتزوجك، اغرب عن وجهي أيها الحقير، كل ما قاسيته في حياتك لا يبرر فعلتك الشنيعة بي ولا يغفر لك عندي." ابتسم بسخرية وسط دموعه ليومئ بصمت ويخرج مسدسه ويضعه في رأسه تحت أنظارها المرتابة والخائفة، تحرك رأسها رافضة بعنف وهي تبكي، أما هو فتتسع ابتسامته ليقول: "أخبرتكِ أن لا ثالث بينهما، إما أن أموت أمامكِ وتحت قدميكِ أو تتزوجيني، وأنتِ رفضتِ الخيار الثاني يا حبيبتي."

تحدثت بتلعثم وارتجاف: "أرجوك لا تفعل ذلك بي، ابتعد فقط، اخرج فقط، لا أريد أن أراك ميتاً ولا أريدك أصلاً، ابتعد فقط، اخرج من حياتي فقط أيها اللعين." صرخت بآخر جملتها ليقول بجمود: "سأخرج يا شهدي، ولكن جثة هامدة، سأخرج وستنسين ما فعلته بكِ، ستكملين حياتكِ من بعدي، وأنا سأموت، سأموت لأجل عيناكِ، لأجل أن أكفر عن ذنبي، أقسمت أن لا أكون بحياة لستِ أنتِ بها، وأن لا أموت سوى بين يديكِ، أعشقك يا شهد، سامحيني."

ضغط على الزناد لتخرج الرصاصة وتستقر برأسه ويسقط على الأرض أمام عيناها جثة هامدة كما وعدها، لتصرخ بذعر، صراخ جعل كل من في المستشفى يدخل عليها يرون ذلك المشهد الفظيع أمامهم. سقطت شهد مغيبة عن الوعي تماماً بجانب سهيل الممدد على الأرض ودمائه تسيل على الأرضية، بينما كل من دخل كان واقفاً متصنماً لهول هذه الرؤية. وكأن الشاعر أبو فراس الحمداني كان حاضراً هذا المشهد بينهما قائلاً: "رَأيتُكَ لا تَختارُ إلا تَباعدي

فَباعَدتُ نفسي لأتّباعِ هواكا فَبُعدُكَ يُؤذيني وقُربي لَكُم أذىً فَلَكيفَ احتِيالي يا جُعِلتُ فِداكا"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...