الفصل 61 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الحادي والستون 61 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
33
كلمة
1,565
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

أحياناً يقودك قدرك للحقيقة المجهولة، حقيقة إذا عُرضت عليك من باب المزح لضحكت وأنت تنفض رأسك منها. وقفت ورد بالقرب من الغرفة التي دلف لها كنان، لتتسع عيناها بأكثر صدمة لم تظن يوماً أنها ستعيشها. فقد أخبروها أن الحب لا يأتي منه الجرح، لا يطعنك، لا يجعلك تتألم، وأن قصة والدها ووالدتها كانت قصة محكوم عليها بالفشل. "أين كنت بابا؟

الألم اخترق جسدها وهي تتقدم أكثر لتتضح لها الصورة. كنان يعانق طفلاً على سرير المستشفى يهمس له أنه معه ويحبه، وأيلا تجلس على الطرف الآخر من الفراش مبتسمة. ثم أمسك الصغير يدها ويد والده ليضمهما بكفيه، يبتسم بسعادة لرؤية والديه بجانبه. فتعلقت عين كنان بأيلا بتوتر، ولكن ماذا سيفعلون غير الصمت؟

مشهد بعيد أتى إليها وهي تتذكر حينما أخذتها والدتها يوماً لحديقة هي ومهرة ليتنزهوا بها بمناسبة احتفال العيد. سعادتهم كانت لا توصف، ولكن للحظة انطفأت ملامحهم وهم يرون والدهم مع سهير وأولاده "كرم وأكرم" يحملون ألعاباً قد اشتروها، وهي ومهرة يمسكان يد بعضهما ووالدتهم تلحقهم بما أرادوا أن تشتريه لهم. ذكريات كانت مرسخة، دمرت طفولتهم، جعلتهم دوماً يحيون بالنقص.

وعندما عاد المشهد يدور أمامها، ووالدها يقترب منهم يسألهم وكأنه يسأل شخصاً غريباً عن احتياجهم لشيء، عادت تسمع هتاف الصغير وكنان يمسح على وجهه. "سنعيش معاً بابا." فدارت عيناها وهي تتذكر كلمة والدها لوالدتها: "خدي البنات روحيهم كفاية عليهم كده." ليعود لسهير وأولادها، فيسير بهم متجهاً لسيارته، أما هم فوقفوا كالغرباء. وهوت بجسدها أرضاً بعد أن اتسعت عين أيلا عندما انتبهت لوجودها. "ورد." ***

جلست مرام في المقهى الذي أخبرتها عنه بسمة في رسالتها، انتظرتها بلهفة، انتظرت أن تعرف منها لما طعنتها تلك الطعنة دون أن تنصحها. دوماً كانت تؤيدها أن تبحث عن أهدافها، كانت تنصحها لتسرق منها زوجها. حكاية مضحكة ستعيش حياتها تتعلم منها، وستعلم ابنتها حين تكبر أن لا تكون مثلها مغفلة.

وحدقت بها وهي تتقدم منها ببطء، تداري عيناها بنظارة سوداء. ومع اقتراب خطوات، كان آخر خيط ينفك عقدته في حكايتها. لم تنتظر منها بسمة أن تنهض لمصافحتها، حتى هي لم تفكر أن تمد لها يدها لتصافحها، فهي متأكدة أن مرام لم تكره أحداً مثلما كرهتها. وجلست بسمة تطالع الجالسين حولهما، ثم أزاحت نظارتها. "خير يا بسمة؟ طلبتي تقابليني ليه؟ عايزة تقوليلي إني كنت أغبى مغفلة؟

فأشاحت بسمة عيناها بعيداً عنها، فاليوم جاءت لتخبرها عن كل شيء كي تتخلص من ذنبها، كي تخبرها أنها كانت داخل لعبة مرتبة، وللأسف كانت ستنجح. "هجاوبك على كل حاجة يا مرام." وبدأت تسرد لها كيف أدخلتها مشيرة للعب عليها لتمثل دور الصديقة المخلصة، لتنتهي حياة مشيرة. ولكن هي أعجبتها اللعبة، فقد أحبت زوجها. ذهول قوي أصابها وهي تستمع لكل كلمة. "انتوا لدرجة دي مرضى نفسيين؟ إيه الشر والحقد اللي كان مالي قلوبكم؟

استغليتوا أكتر نقط ضعفي عشان أخسر كريم." وتابعت وهي تشعر بالصدمة من كل ما سمعته. "مش معقول تكونوا ناس طبيعية." لتهتف بسمة بعدما سقطت دموعها: "انتي اللي عملتي كده، انتي واللي زيك صنعتونا عشان ندمركم. لما تلاقي ست زيك متقدملها كل حاجة وهي برضه عايزة؟ حب موجود، مال موجود، زوج موجود، أولاد موجودين. كنتي عايزاني أبصلك إزاي؟ قولولي." إجابة كانت تحمل حقداً دفيناً، فنهضت مرام من أمامها وطالعتها بأسف.

"اتعالجي يا بسمة، اتعالجي يمكن قلبك ينضف." وألتفت بجسدها كي ترحل، فالصفعة قد وشمت داخلها للنهاية. "شكراً على الدرس، كنت محتاجة فعلاً أفوق." وسارت من أمامها، لتسلط بسمة عيناها عليها بضياع. *** تبدلت ملامحها للصدمة وهي لا تصدق هل ما تراه أمامها وتسمعه حقيقة أم عقلها يهيئه. ورفعت عيناها لتجده ما زال على وضعه ينظر إليها بجمود، فعادت تطالع الفيديو الذي أمامها. كرم بالمستشفى يصرخ بعلو صوته.

وارتعشت شفتيها وهي لا تعرف كيف ستخرج الكلمات منها. "جاسم أنا... فطالعها بسخرية لم تراها منه من قبل ونهض وهو يسحب هاتفه منها. "انتي إيه يا مهره؟ انتي إيه يا مدام؟ ثم تابع بوجه جامد متذكراً لقاءه بأكرم هذا الصباح عندما أخبره كل شيء مبرراً له كذبة شقيقته. "أصدقك إزاي بعد كده؟ فسقطت دموعها ونهضت نحوه ترتعش بخطواتها. "غصب عني، مكنتش عارفة هقولك إزاي، خبيت عنك عشانك، انت حذرتني كتير بس مسمعتش كلامك."

استمع لها وهو يحرك رأسه وكأنه اعتاد على مبرراتها تلك. "كرم أخويا يا جاسم، كان لازم أساعده، مكنتش فاكرة إنه هيعمل فيا كده." فتحركت شفتيه بنبرة مستاءة. "أخوكي؟ أنا ساعدته ولتاني مرة بتنازل عن حقي اللي عمري ما اتنزلت عليه إلا عشانك انتي، مش عايز أكسرك بذنب مالكيش دخل فيه." وقبل أن تبدأ بتبرير فعلتها، أشار إليها بتحذير. "عارفة مشكلتك إيه يا مهره؟ إنك ديماً شايفة إنك صح، غلط مش غلط، انتي حاطة نفسك إنك صح."

فأقتربت منه تمسك ذراعيه بتشبث. "جاسم افهمني." فأزاحها عنه بجمود. " أفهم إيه؟ أفهم إني في النهاية راجل مغفل في بيتي." وضحك وهو يتحرك دون هوادة. "مش عارف أعاقبك إزاي." فتمتمت برجاء. "عاقبني بأي حاجة غير إنك تبعد عني." *** ضرب الحائط بقبضة يده بقوة، ومشهد سقوطها أمامه يجثم على روحه. فأقترب بشير منه يربت على ظهره بدعم. "سيسير كل شيء على ما يرام." فأشاح كنان عيناه يخفي دموع عجزه. "إذا حدث لها شيء لن أسامح نفسي."

وانسابت دموعه، فالانتظار يقتله. فوقعت عيناه على أيلا التي وقفت بجانب شقيقته مطأطأة الرأس تشعر بالندم. *** جلس عمار بضيق أمام ناريمان ينتظر أن يسمع حديثها الهام الذي جلبته من أجله. لا يعلم كيف وصلت لرقم هاتفه. "مستني أسمع الحديث المهم، اللي سبت شغلي عشانه." فصدحت ضحكات ناريمان بصخب ثم حركت خصلات شعرها بدلال. "لديها حق رفيف تحبك." ومالت نحوه تسلط عيناها على جسده. "وسيم وتملك جسد رائع."

ضاق صدره من حديثها ونظراتها، ولكن ماذا سينتظر من امرأة وقحة مثلها؟ وعندما تذكر أن رفيف ما زالت على علاقة بها عزم على إنهاء صداقتهما. "شكل مفيش موضوع مهم." وكاد أن ينهض إلا أنها ألتقطت يده هاتفه. "زواج رفيف منك كان مجرد رهان." ***

لم يكن ينقصه إلا مهاتفة عايدة تخبره عن أسفها عما حدث لزوجته، وابتسم بتهكم بعد أن أنهى مكالمته معها، والتي كان يتضمن أن السارق قريب منه وفعلها مسبقاً. وكأنه لم يعد يعلم بهوية السارق، فتنهد بضيق وهو يلقي هاتفه على سطح مكتبه. "آه منك يا مهره." *** سقطت دموعه وهو يسمع صوت صياحها الخافت بعد أن نُقلت لغرفة عادية وتمت ولادتها. "لا أريد رؤيته عائشة، لا أريد." فوجد بشير يسحبها بعيداً عن غرفتها. "تعالى معي كنان، اتركها الآن."

فنفض كنان ذراعه بألم. "جرحتها بشير، جرحتها للمرة الثانية." ليجد أيلا تتقدم منه بخوف، متمتمة باعتذار. "أنا آسفة كنان، لم أقصد حدوث ذلك." *** غضب حارق كان يمتلكه، لم يعد يرى ما أمامه وكلمات ناريمان تتردد في أذنيه. دبرت لزواجهم حتى تكسب رهانها، فلا أحد رفضها من قبل. جعلها أضحوكة رفيقاتها لتقسم بعدها أنها ستتزوجه وستجعله يحبها.

ودلف للشقة ينظر إليها وهي تجلس بجانب شقيقته تمازحه. لا يصدق أنها أوقعتته في سم سحرها. وعندما وقعت عيناها عليه، ركضت نحوه تنظر لعلياء غامزة لها. "ستعجبها المفاجأة بالتأكيد." وكادت أن تلتقط كفه لتضعها على بطنها فتخبره بحملها، إلا أنه أزاحها عنه بقسوة صارخاً. "لمي هدومك وامشي، مش عايز أشوف وشك تاني." فاتسعت عين علياء وهي تنظر لحالة شقيقها. "عمار انت بتقول إيه؟ فحدق بها صارخاً. "علياء اسكتي خالص."

فطالعته رفيف بذهول وارتعشت شفتيها. "عمار ماذا فعلت؟ فتعالت ضحكاته بقهر. "صاحبتك المخلصة كشفت لعبتك الرخيصة." فاتسعت عيناها بذهول، ولكن تمالكت حالها سريعاً. "أقسم لك عمار أنه كان مجرد حديث لأنك جرحت كرامتي برفضك، أنا أحبك عمار، لا أعلم كيف ولكن أحببتك." فضحك حتى قطعت أنفاسه. "انتي... وقبل أن ينطق الكلمة التي خشت منها. "أنا حامل عمار." ***

وضعت الحذاء الصغير الذي كان بالصندوق أمامها تحركه بين يديها، فشعرت بصوت أنفاسه الهادرة وقد وقعت عيناه على ما تحمله. "طلعتيه من الصندوق ليه؟ فرفعت عيناها نحوه متسائلة. "ذكرى جميلة مش كده؟

فأبتسم وهو يتذكر ذلك اليوم الذي اشترته له "مريم"، كان نفس اليوم الذي علمت بحملها. وضعته أمامه كي يفهم رسالتها منه، ولكن كالعادة كان أغبى شخصاً بتلك الأمور. فلمس الحذاء وعاد به الحنين وهو يقص عليها ذكراه. كانت تعلم أن البوح هو علاجه من سجن الماضي. أخبرها بكل ما كانت تريد معرفته.

لتسقط دموعها وهي تسمعه كيف حكى لها عن حياة من كانت زوجته يوماً. فمن ربتها هي والدته بعد أن توفت خالته وزوجها. حلمها الوحيد كان أن تكون لها أسرة صغيرة وطفلاً تعوضه عن مرارة اليتم الذي عاشته، ولكن في النهاية تركت الحياة بأحلامها. وسمع صوت بكائها، ليمد كفه نحو وجهها يمسح دموعها. "انتي بتعيطي ياريم؟ فانحدرت دموعها على الحذاء الصغير. ولم تكف عن البكاء، فجذبها نحوه يحتضنها.

"انتي ومريم نسخة صح مش في الملامح والحكاية، لكن نفس الحب والعطاء. وللأسف نصيبكم كان لواحد زي... تفتكري أنا أستاهلكم؟ فابتعدت عنه تطالع نظرة عيناه المهززة من أثر الزمن. ثم عادت تدفن وجهها بجسده متمتمة. "أنا راضية بنصيبي، انت أمير حكايتي." ***

أغلقت الهاتف بقلق رغم أنها أطمأنت على صحة شقيقتها وطفلتها، ولكن تشعر بوجود شيء بها. ونهضت بثقل من فوق الفراش وخرجت من غرفتها التي تعتكف بها منذ أمس حتى لا ترى نظراته المتهمة لها بما فعلته. وهبطت الدرج بتوتر، ثم اتجهت نحو غرفة مكتبه وطرفت الباب بخفوت. ودلفت بعدها بتخبط تخشى صراخه. فألتف بجسده وهو يضع الهاتف على أذنه.

ثم أشاح عينيه بعيدًا عنها، يكمل محادثته مع كنان، يطمئن منه على صحة ورد، ويخبره أنه سيأتي إليها، ثم يتجه بعدها إلى لندن في رحلة عمل. أنهى اتصاله، ليسير نحو مقعد مكتبه. "في حاجة يا مهرة؟ فابتلعت غصتها بألم من برود حديثه معها. "عايزة أسافر معاك لورد." كانت تعلم أنه سيرفض الأمر بسبب وضعها الحالي، خصوصًا بعد أن حذرها الطبيب أن وضع ولادتها سيكون عسيرًا إذا لم تلتزم تعليماته.

وجاء رده كبرود عينيه: "انتي سمعتي رأي الدكتور بعد آخر متابعة.. لو مافيش حاجة تانية اتفضلي عشان مش فاضي." فأقتربت منه تخفض رأسها بخزي. "طيب خلاص.. انت طمني على ورد لما تسافر ليها.. بس سامحني." فطالعها ببطء، وهو يرى انكسارها أمامه وكأنها طفلة صغيرة تخشى عقاب والدها. "ارفعي راسك يا مهرة.. واختفي من قدامي، أظن من حقي ما أطقش أشوفك الأيام دي." هتف بجدية رسمها على ملامحه بإتقان.

فوقفت مكانها ساكنة، ثم استدارت بجسدها كي تنصرف من أمامه بعد كلماته الجارحة. ليصدح رنين هاتفه، فنظر للمتصل ثم فتح الخط. واتسعت عيناه وهو ينظر لها بعد أن عادت تلتف نحوه على أثر صوته. "بتقول إيه..!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...