تراجعت بخطوات مرتعشة وهي ترى بقعة خافتة من مصباح صغير مسلط ضوءه على جزء ما بالغرفة. أدركت أن الظل الذي رأته أعلى حقيقة ولم تكن تتخيل. فكتّمت صوت أنفاسها. وكلما تراجعت خطوة للخلف، أخذت تدور بعينيها في كل ركن وهي تلهث من شدة خوفها، حتى وصلت لباب الفيلا الداخلي تفتحه كي تركض نحو البوابة الخارجية تستنجد بالحارسين. ورفعت هاتفها على أذنها ولم تفكر إلا بأكرم. ومجرد أن فتحت الباب لتخطو للخارج، سحبتها ذراع بقوة.
"رايحة فين ياحلوة؟ كمم فمها فسقط هاتفها من يدها. "اعقلي كده وبلاش مشاكل." صوته كان مكتومًا بعض الشيء، وهي تتقلب بين ذراعيه وتزيحه عنها وتئن بضعف. "حركتك ديه هتخليني أعمل تصرف مييعجبكيش.. وخافي على نفسك." فارتعش جسدها من الخوف. لتهبط بذراعيها سريعا نحو بطنها تحمي جنينها. فصدرت ضحكاته ساخرًا بعد أن لاحظ فعلتها. "كويس إنك بتفهمي."
وصدح صوت رنين هاتف، لتسقط عيناها على هاتفها الملقى على الأرض. ليبتسم نادر بشر وهو يميل بجسده قليلا. وعلى أثر ذلك الصوت، كان كرم يرتعش بالداخل وهو يجمع الأموال النقدية التي بالخزانة. وبالأعلى كانت "لولا" تجمع كل ما تراه ثمين، حتى وقعت عيناها على حقيبة سوداء ففتحتها لتجد أموالا بها. الثلاث كلما منهم كان يعرف خطواته بإتقان. ولكن نادر كانت مهمته أكبر وهو يزيحها عنه صارخًا بعد أن قضمت كفه ثم صفعها بقوة على وجهها.
"يبنت العضاضة! كانت عيناه الغاضبة هي من تظهر لها. فقد كان ملثمًا ينظر لها بشراسة. وكادت أن تركض للخارج ولكنه جذبها بغضب. "خدي هنا." فسقطت على الأرض وهو تتأوه من الألم. ولكن ألمها الأكبر كان على جنينها عندما اقترب منها نادر ورفع قدمه ليركلها على بطنها. ولكن في اللحظة الأخيرة تمالك نفسه عندما سمع باب غرفة المكتب يفتح، فعلم أن كرم أنهى مهمته واتفاقهم كان لا يؤذي شقيقته لا ليقلب كل شيء عليهم وعلى نفسه.
لاول مرة بحياتها تشعر بالعجز والخوف. فسقطت دموعها بأنين. "انتوا عايزين إيه؟ سؤال بلحظته يحمل معنى الغباء، ولكن من هول ما تعيشه بظلام ولا ترى إلا أعين تحدق بها، جعلها تتساءل وهي تتراجع بجسدها بخوف. إلى أن لمست يدها الهاتف الساقط أرضًا. وعاود الرنين بأكرم بعد أن التفت نادر نحو كرم يحرك له رأسه بالصمت ويحذره.
كان أكرم يفتح سيارته وهو يشعر بالقلق بعد أن وجد رقمها بساعة متأخرة. وعند معاودة مهاتفته لها لم ترد. شعور غريزي هو من قاده. ولكن عندما عاد الاتصال وسمع صراخها. لم يكن نادر غبيًا. فقد تعلقت عيناه بالهاتف الذي تداريه خلف ظهرها. وفي لحظة كان الهاتف محطمًا ويلتقطها من ملابسها ويدير جسدها. ولكن كرم وقف يحول بينهم بعد أن شعر بشر نادر اتجاهها يخبره بعيناه أنهم لم يتفقوا على ذلك.
ألتقت عيناها بعين كرم بصدمة. فمهما أخفى وجهه عنها علمت لما الآخر لم ينفذ بها تهديده أو يقتلها. فأقتحام المنزل ماهو إلا سرقة دبرها شقيقها معهم. "كرم! نطقت اسمه بذهول وضياع وكان صوتها قد بح من أثر الصراخ. وفجأة وجدت شيئًا يهبط على رأسها. ثم تلاشت الرؤية أمام عينيها. لتنظر إليهم لولا التي اقتربت منهم. "هتفضلوا واقفين تبصوا لهم كده؟ يلا اتحركوا بسرعة." فدفع كرم نادر بغل. "عارف لو جرالها حاجة هقتلك. إحنا متفقناش على كده."
فأعتدل نادر في وقفته وطالعه بشر وكاد أن يقترب منه ويخنقه إلا وقوف لولا بينهم. "انت شايفها ماتت؟ انت فعلا عيل." فصرخت بهم لولا متذكرة أمر الحرس والنوم الذي وضع في الطعام بعد اتفاقهم مع عامل خدمة التوصيل. "فضلوا اتخانقوا لحد ما نتكشف." وانسحبت من أمامهم. لينسحب نادر هو الآخر خلفها قبل استيقاظ الحارسين وهدم كل شيء. فأنحنى كرم نحوها يتحسس نبضها ويرى الدماء تسيل فوق جبهتها وشفتاها تنزف. "سامحيني يامهرة."
................................................. ابتسمت وهي ترى والدتها تقترب منها تمسح على وجهها بحنان تهمس لها قبل أن تختفي من حلمها الجميل. "قومي يابنتي." ففتحت عيناها ببطء لتجد جاسم منحني نحوها يلامس وجهها بملامح خائفة. وأكرم يقف مسند ظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه أمام صدره. "أنا فين؟ ابني؟ ووضعت بيدها على بطنها خائفة. "ابننا بخير يامهرة. محصلش حاجة ليكي."
فلمست بطنها المنتفخة ودمعت عيناها وهي تتذكر ما عاشته. وصدمتها بشقيقها. وسمعت صوت أكرم القلق. "انتي كويسة يامهرة؟ فطالته بتحديق. ثم طالت الغرفة التي بها والإبرة المعلقة بكفها. صمت جاسم ونظراته الحادة جعلتها تخاف أن يكون علم بهوية السارق. ولكن. "حقك هاخدهولك ياحببتي. بس أعرف مين اللي عملها واتعدى على بيتي. وكان ممكن انتي وابني تموتوا."
هتف بوعيد وهو ينهض من جانبه. فإلى الآن لا يصدق ما حدث. عاد من سفره قبيل الفجر ليجد الشرطة بالمنزل وسيارة الإسعاف تنقل زوجته للمشفي وأكرم يقف منحني الجسد مازال مصدومًا عندما وجد شقيقته ملقاة على الأرض والدم يسيل من جبهتها وقمة رأسها ووجهها شاحب كالموتى. وخرج جاسم بعد أن صدح رنين هاتفه. ليقترب أكرم من مهره يأخذها بين ذراعيه. "كرم اللي عملها يامهرة مش كده؟
وأخرج من جيب سترته سلسال من الفضة كان يعلقه كرم برقته. كانت ملقاة بجانب شقيقته. فطالعته السلسال بحزن. "دخلته بيتي يا أكرم. شوفت عمل فيا إيه؟ جاسم مش هيسكت لو عرف. أنا عارفة جوزي كويس. ديه تاني مرة يسرقه." وتذكرت أمر السرقة لتسأله. "فلوسك كانت في الفيلا؟ الفلوس اللي ادتهاني أشيلها لك. كانت بشنطتها." فطالعها أكرم بأسف لما فعله به توأمه. "حتى وانتي كده بتفكري في فلوسي. وفلوس جوزك ومجوهراتك يامهرة."
فتذكرت الهدايا الباهظة التي كان يجلبها لها كي لا يجعلها لا تنقص شيئًا. وسقطت دموعها ببطء. "أنا ليه دخلت حياته؟ كان يستحق زوجة أحسن مني. يتباهى بها وسط الناس مش واحدة جاية عليه بخسارة وأخوها." لم تستطع إكمال عباراتها. ومع دخول جاسم شحب وجهها وابتعد أكرم منها خائفًا أن يكون جاسم استمع للحديث. "مفيش بصمات ليهم. كل حاجة كانت مترتبة صح. هتجنن." فتعلقت عين أكرم بشقيقته التي نظرت إليه تستنجده أن يفعل شيئًا.
وترك أكرم الغرفة وداخله يلعن شقيقه متوعدًا له حتى لو سيدخله السجن بيديه. ..................................................... فتحت ورد عيناها بنشاط. لتجد كنان مائل على جانبه يطالعها بحب. أمس جعلها تشعر وكأنها عروس وكأن أول ليلة لهم معًا. ومد كفه نحو وجهها يمسح على وجنتها اليمنى بدفء. "نمّتي جيدا؟
فأبتسمت بخجل وهي تتذكر ساعات الليل التي قضوا ينعمون بحبهم بطريقتهم الخاصة. إلى أن أشرقت الشمس وغفوا بعد عاصفة عشقهم. ومع حركة رأسها له بالتأكيد. سحبها نحوه مبتسمًا. "مازلتي تخجلين يا ورد؟ فدست وجهها بعنقه. "كنان." فأبتسم وهو يحتويها. "انتي قلب وروح كنان ورد. من دونك لا أستطع أن أكمل الحياة."
شعور داخلها يخبرها أن هناك شيئًا قادم سيجعلها تتألم. متى وما هو لا تعلم. ونهضت من جانبه تبحث بعينيها عن هاتفها عندما شعرت بمهره وترجمة إحساسها نحوه. "أين هاتفي يا كنان؟ فطالعه وهو يعتدل في رقدته. ونظر لها بقلق. "ما الأمر يا ورد؟ فألتقطت هاتفها بعد أن وجدته. "مهره كنان. أشعر بالقلق عليها." وضغطت على زر الاتصال بها. لتبعد الهاتف عن أذنها بعد أن وجدته مغلقًا. وتعلقت عيناها به. "هاتفها مغلق. شقيقتي بها شيء."
وظل تدور بالغرفة. إلى أن نهض من فوق الفراش وحاوطها بذراعه. "أهدي يا ورد. لا يوجد شيء يا حبيبتي. من الممكن أن لا يوجد شبكة أو شحنة انتهت. نتصل بجاسم كي نطمئن أكثر." وشاكسها حتى يجعلها تهدأ. "أخشى أن يكونوا برحلة ونقطع عليهم لحظاتهم السعيدة." ضحك فضحكت على دعابته التي يعلم مقصدها. ووضعت الهاتف على أذنها بعد أن بدأ هاتف جاسم بالرنين. كان جاسم يسطح مهره على الفراش بعد أن عاد بها من المشفي.
وابتعد عنها. ثم أخرج هاتفه. لتطالعه بقلق خائفة أن يعلم بهوية السارق. كل ما كان يدور بعقلها ماذا سيفعل إن علم أن السارق شقيقها. فقد حذرها كثيرًا منه. "ده ورد." هتف وهو يمسح على وجهه بإرهاق. "أوعى تقولي لها حاجة يا جاسم." قالتها بلهفة وخوف على شقيقتها. ليفتح الخط. فهتفت ورد بقلق وهي تأخذ أنفاسها ببطء. "جاسم. مهره كويسة." فنظر لمهرة التي حركت له رأسها بأن يطمئنها أولاً ثم يعطيها الهاتف. "إزيك يا ورد؟
فشعرت ورد بالخجل من بداية حديثها المندفع معه دون أن تسأل عنه. "بخير يا جاسم. انت عامل إيه؟ طمني على مهره." فأبتسم رغما عنه. "اهي معاكي." فألتقطت الهاتف منه وهتفت. "مالك يا ورد قلقانة كده ليه؟ فتنهدت ورد براحة. "انتي كويسة يامهرة؟ فيكي حاجة وجعاكي؟ أوعي تكوني ولدتي من غيري." فضحكت وهي تتحسس على بطنها. فرغم كل ما حدث جنينها مازال متمسكًا بالعيش داخلها لا يريد الخروج للحياة قبل موعده.
"لا متخافيش لسه مولدتش. انتي ميعادك قبلي. المفروض أنا اللي أقلق عليكي." حنانها الطاغي على صوتها وملامحها جعله يقف مدهوشًا منها. رغم ما يحل بها إلا أنها تبقى صامدة أمام من تحب. وتنهد بفتور واتجه نحو الشرفة يفكر في كلام الضابط بعد أن عاينوا الفيلا واستجوبوا الحارسين. بل حتى استعدوا فوزية الخادمة للتحقيق معها هي والسيدة هدى التي جاءت صباحًا وانصدمت بما حدث. بل وبكت على تركها لها.
وشعر بخطواتها خلفه بعد أن أنهت حديثها مع ورد وطمأنتها عليه. "جاسم." فألتف نحوه وابتسم بدفء بعد أن تمالك جمود ملامحه. "قومتي من على السرير ليه؟ فأندفعت نحوه تحتضنه. "خوفت أوي يا جاسم. متسافرش وتسيبني تاني. أنا هسمع كلامك بعد كده." تجاربه الكثيرة وسنوات عمره جعلته يشك بجملتها الأخيرة. منذ الصباح وهي شارده. حتى إجابتها مع الضابط الذي جاء المشفي ليأخذ أقوالها كانت وكأنها تخرجها من صراع قوي داخلها.
وضمها بذراعيه وانحنى نحوها حتى لامست ذقنه رأسها. "متخافيش أنا معاكي أه. والفيلا هتتأمن أكتر من كده. أوعدك حقك مش هسيبه يا مهره." وأبعدها عنه يضع بيده على الضمادة التي تلف رأسها. ثم شفتيها المجروحة. فضغط على أسنانه وهو يود صفع من فعل بها ذلك. "أنا كنت خايفة عليه أكتر مني." فنظر إلى ما تنظر إليه. فمد كفه يلامس بطنها. "الدكتور طمني على وضعه. ابننا طلع قوي واستحمل."
كان يطمئنها بثبات. رغم أن داخله الغضب يمتلكه. ف للحظة تخيل أن أصابهم مكروه. للحظة أدرك أن العالم يصغر من حوله. لحظة علم فيها شعور ياسر عندما كان يخبرها أن الألم والخوف يتضاعف حين تشعر أنك مسؤول عن أناس تتعلق بعنقك. "زوج أو أب." وعاد يضمها إليه، يربت على ظهرها بحنو، يخبرها أنه معها. ومع كل كلمة كانت دموعها تتساقط من أصعب جرح قد ذاقته بحياتها، غدر شقيقها. ***
أجلسها على الأريكة بعد جهد كبير معها بأن تؤجل نزهتهم، ويظلوا بالمنزل كي يتحدثوا قليلاً. "كنان أنت جئت بي لهنا... من أجل أن نتجول ونقضي الوقت بالخارج... لا للجلوس." هتفت بتذمر طفولي جعله يبتسم رغم صعوبة ما به الآن وما يرتبه من كلمات. "بعد ولادتك أشيري نحو المكان الذي ترغب به وسأخذك... سنتجول كثيراً... وسأتفرغ دوماً... لكِ." فحدقت به بأعين متسعة ثم ضحكت. "سأحاول أن أصدقك كنان... أنك تعشق عملك حبيبي."
وتحركت شفتيه أخيراً بعد أن فرك يديه بتوتر، فلم يعد وقت الحقيقة ستكون منه أفضل من أن تعرفها من أحد. "ورد أنا... فانتبهت إليه بتركيز بعد أن شعرت بوجود خطب ما. "تكلم كنان... أنا بدأت أشعر بالقلق... هل تزوجت عليّ أخرى؟ ضحكت وهي تتفوه بآخر كلماتها، فتجمدت ملامحه وكاد أن يخرج كل ما يؤرق مضجعه. ولكن رنين هاتفه قطع كل شيء، لتنظر إليه. "هاتفك كنان." كان يتخيل ثورتها حين يخبرها، ولكنه فاق، فهو لم يخبرها بشيء.
وأخرج هاتفه من جيب سرواله بتوتر، وحدق بالرقم ثم نهض من جانبها وهي تطلعه، وابعد عنها ليأتيه صوت إيلا الباكي. "كنان... أيهم قد صدمته سيارة." *** دلف للمنزل ليلاً بعد أن قضى طيلة الوقت يبحث عن شقيقه، فسمع صوت والدته الضاحك وهي تتحدث بالهاتف وتجلس أمام التلفاز، وعندما انتبهت لقدومه، أغلقت مع من تحادثه قائلة بتوتر: "كنت بكلم صاحب المصنع... ببلغي شحنة الأجهزة عشان مفيش سيولة بالبنك."
لم يكن سيسألها عما تفعل، فالحديث لم يعد يجدي بنفع، والدته لا ترى إلا المال والخير الذي يعيشون به إلا ملكها وهي السبب بحياتهم تلك، فلولا إرثها من والدها ما كان والده رحمه الله أصبح تاجرًا له اسم بين التجار، رغم أن والد تعب بأن يصبح لديهم بدل المتجر أربعة. "مكنتش هسألك بتكلمي مين ياسهير هانم." فانتبهت سهير لصوته الساخر وخشت أن يكون علم بهوية من تحادثه وما بينها وبين كمال. "انت بتكلم أمك كده يا أكرم؟
هتفت بصوت قوي كي تخفي ضعفها عن مرأى عينيه، ليقترب منها. "أمي... أنا مش عارف إزاي الكلمة دي ليها معنى كبير وعمري ما حسيتها." فصرخت بوجهه. "لأ انت أكيد شارب حاجة... أو خطيبتك قومتك عليا ماهي مش عايزة تيجي تسكن معايا بنت الحسب والنسب." قالتها باستخفاف وتهكم، فطالعها بمرارة. "كرهتي أخواتي البنات وقولت ماهو برضوه بنات ضرتها وحبها لأبويا كبير... مات أبويا وبعد أسبوع رجعتي تاني أقوى... مشوفتش حزنك عليه حتى...
لأ احترمتي شرع ربنا وعدتك ولا حتى وصيته ليكي إنك تدي مهرة وورد حقهم... أقولك كرم بيضيع تقوليلي ده شاب سيبه يستمتع بحياته زي باقي الشباب... أخوك مبيعملش غلط." وأخذ أنفاسه ودموعه تتساقط بعجز. "انت بتكره أخوك من صغرك... انت مبتحبش غير نفسك." انصدمت سهير من هيئته وهو يتحدث إلى أن اقترب منها يمسك ذراعيها يحركها بيديه بقهر. "ليه يا أمي... ليه عملتي فينا كده... لينا بنيتي حياتنا على الظلم...
ربنا رضاكي بينا بعد سنين صبر ورجاء وفي الآخر تنسي فضله عليكي... ذنب مهرة وورد وأمهم جه في ابنك... ابنك بقى مدمن وضايع... ابنك سرق أخته... مكفاهوش اللي عمله فيها قبل كده راح يسرقها." فلم تتحمل سهير اتهامه على شقيقه رغم أنها للحظات تزلزلت داخلها، ولكن... صفعة قوية سقطت من كفها على وجهه ثم شهقت بعدها بصدمة عما فعلته. "اخرس متتكلمش كده عن أخوك... كرم أخوك بنات زينب لأ مش أخواتك."
توقفت عيناه عليها وتحركت يده نحو وجنته يلامس صفعتها. ومرت اللحظات وهو واقف هكذا، لتنظر له بندم. "أكرم حبيبي متزعلش... انت عارف أنا بحبك انت وأخوك قد إيه وبعمل كل ده عشانكم... أخوك كويس يا أكرم بنت زينب هي اللي من ساعة ما قربت منها وبدأت تملي دماغك عن أخوك." فضحك كالمجنون وكأنه فاق من سكونه، ودار حول نفسه وهو يلتقط أنفاسه من أثر الضحك. "النهاية قربت يا أمي." ***
طالع ريان عمار الذي دلف من باب المطعم للتو، ليقترب منه عمار بهدوء ثم جلس قبالته. "قول اللي عندك عشان مش فاضي." فتنهد ريان وقبض على كفه الممدودة، وجلس ثانية على مقعدها. "ما زال طلبي قائم عمار... أريد الزواج من علياء." فتجمدت ملامح عمار وهو يسمع اسم شقيقته. "قلت لك طلبك مرفوض... ولو كنت فاكر عشان أختك مراتي يبقي هأوافق... أنا لو هجوز علياء لأي حد انت لأ." فضاقت عين ريان وهو يتمالك نفسه من فظاظة أسلوبه. "ما السبب عمار؟
فألتوت شفتي عمار بتهكم. "السبب سمعتك يا بشمهندس ولا أنت فاكرني مش عارف." وقبل أن يهتف ريان بشيء مدافعًا عن حاله. "عندي أجوز أختي لواحد على قد حاله بيخاف ربنا... أفضل مليون مرة من واحد زيك من كتر فلوسه مضيعها على الخمرة والقمار والستات... تحب أكمل؟ لأول مرة يشعر بثقل الإهانة، من قبل أن كان يفتخر بحب النساء له وحياته الماجنة، أما الآن تغير كل شيء. "عمار أنا تغيرت منذ صدقني... أعطيني فرصة وبعدها سأقبل بكل شيء منك...
حتى لو هسيب مصر." رغم صدق كلامه إلا أنه نهض وهو يركز عيناه عليه. "متحاولش تعرض طلب تاني." *** تجمعت كل من ريم ورقية بجانبها فوق الفراش، يتساءلون عن الحادثة. "تعرفي يامهرة أنا لو مكانك كنت موت فيها." قالتها رقية بمشاغبة، لتهتف ريم بأسى. "صعب اللي عيشتيه." كانت تسمعهم بشرود إلى أن تذكرت حمل ريم فأبتسمت. "مبروك على الحمل يا ريم." فأبتسمت ريم وهي تعانقه. "الله يبارك فيكي."
ولم يعلموا كيف انفجرت شفتيهم بضحكة عالية بعد أن هتفت رقيه. "كله عمال يقول مبروك... مبروك وأنا مش بيتقال لي ليه... أنا عايزة كمان أبقى حامل." فهتفت ريم بطيبة. "إن شاء الله ربنا هيرزقك يا رورو." فوكذتها مهرة بساقها. "مستعجلة على إيه... اعقلي الأول بس." وقبل أن تبدي رقيه ردة فعل، صدح رنين هاتف ريم فنظرت إليهم. "ياسر بيرن عليا." وأنصرفت بعد أن قبلتهم، متجهة لأسفل حيث ينتظرها ياسر. واقتربت رقيه من مهرة تهتف بعبوس.
"هحكيلك على حاجة بس أوعي تزعلي لي... بس انتي كويسة الأول." فضحكت مهرة وهي تربت على رأسها. "احكي يا رقيه عشان شكلك ميطمنش." وبدأت تقص عليها الرسائل وشكها بأمر طليقة مراد، ولكن. "حاولت أجيب بيانات الرقم من الشركة... طلع متسجل برقم واحدة كانت جارة مراد في شقته القديمة وكانت صاحبة إلهام... تفتكري كان مراد على علاقة بيها وهو متجوز إلهام؟ وتابعت وهي تضع بيدها على قلبها. "مراد هيطلع خاين وبتاع ستات."
ولم تجد مهرة إلا الوسادة الموضوعة خلف ظهرها، لتطرحها نحوها. "امشي يا رقيه من هنا... انتي لو قصدك تولدينا قبل ميعادي مش هتعملي كده... انتي عبيطة ولا هبله." فهتفت رقيه بعد أن ألقت الوسادة جانبها. "هبلة وعبيطة زيك يا مهرة." فنظرت إليها بمرارة كلما تذكرت الصفعة الأخيرة التي تلقتها. "وديه حقيقة مكدبتيش فيها." فشعرت رقيه بالمرارة في صوتها. "مهره انتي فيكي حاجة." فتنهدت وهي تعاود لتماسكها. "رقيه أعقلي وفكري كويس...
اللي زي إلهام وشخصيتها اللي حكتيلي عنها تقدر تعمل أي حاجة... احكي لمراد متخبيش عليه،" وتابعت بهمس. "متعمليش زيه." *** تسطحت على الفراش وما زالت في صدمتها لا تعلم أتخبره الليلة أم لا، وتذكرت حديث ناريمان معها اليوم عندما ألتقط بها بعد أن ذهبت لعيادة الطبيب لتتأكد منه. "ستضيعين حياتك من أجل طفل رفيف... سيربطك به أكثر... ألم يكن عمار مجرد نزوة بالنسبة لك... أم أحببته بصدق؟
والحقيقة التي لم تكن تعلمها أنها بالفعل أحبت عمار ولكنها كانت تبرر تصرفها من أجل وجهتها كامرأة ذات طبقة رفيعة راقية أنها تزوجته لتجرب حياة البسطاء وأن يكون لديها زوج لا يعيش إلا على راتب عمله. وشعرت بأنفاسه بالقرب من عنقها ثم لامس جسدها. "خلتيني أحبك ليه يا رفيف؟ فطالعته وقبل أن تحسم قرارها وتخبره بحملها كان يغرقها في بحور عشقه بعد أن هدمت بسحرها جميع حصونه. ***
نظر إليها بصمت بعد أن أخبرته بكل شيء عن الرسائل وبحثها وراء من تفعل ذلك بل وقصت عليه ظنونها بكل غباء، ليقترب منها مراد متسائلاً. "وإنتي صدقتي مش كده؟ فطالعته بارتباك وهتفت بتعلثم. "أنا حاولت أدور على الحقيقة." فعاد يسألها وعيناه مسلطة عليها. "ردي عليا صدقتي أني ممكن أكون على علاقة بالست دي... صح يا رقيه؟ وصرخ بعد أن ضاق صدره من تعلثمها. "لولا نصيحة مهرة مكنتيش جيتي قولتيلي." فهتفت به. "أنا كنت محتاجة حد يفهمني."
فأبتسم وهو يرفع حاجبيه ساخراً. "محتاجة حد يفهمك... إنتي طفلة يا رقيه حتى تفكيرك سطحي... بداية جوازنا شوفتيني راجل سادي هيعذبك قبل ما ياخد حقوقه منك... ودلوقتي راجل بتاع ستات وبيخونك." فطأطأت رأسها بندم. "أنا آسفة يا مراد... أوعدك هتغير." فضحك وهو يبعدها عنه بنفور. "الأطفال ما بيتغيروش يا رقيه غير لما يترحموا من الحاجة اللي بيحبوها... وأنا هعمل معاكي كده." فاتسعت عيناها بصدمة وهي تخشى حديثه. ***
استيقظت بخوف تنظر حولها، لتجد نفسها بين ذراعيه يضمها إليه، فرفعت يدها نحو وجهه. ظلت للحظات تحرك كفها على ملامحه، إلى أن فتح عيناه بنعاس. "مالك يا مهرة... فيكي حاجة وجعاكي؟ فأشاحت عيناها بعيداً عنه. "صحيت خايفة." فحرك وجهها نحوه ثم مسح على خدها ببطء. "متفتكريش إني ساكت... قريب أوي هعرف مين اللي اتجرء وعمل كده... متقلقيش يا حبيبتي." فحركت شفتيها تريد أن تبوح له ولكنه أنهاها كلماتها حين قبلها ثم ابتعد عنها.
"نامي يا حبيبتي... أنا جنبك." *** فتح ياسر عيناه وهو يلتقط أنفاسه متذكراً صراخ زوجته الراحلة وهي تستنجد به وتناديه، العرق أخذ يتصبب من فوق جبينه وهو ما زال يلهث من فرط ما عاشه في كابوسه. ونهض من فوق فراشه متجهًا إليها في غرفتها، فقد أصبحت هي من تفرض عليه حدود علاقتهما بدلال. ابتسم وكأنه عاد للحياة وهو يجدها غافية على الفراش براحة. أقترب منها يجلس على طرف الفراش ينظر لملامحها بحب هامساً: -انتي دوائي ياريم.
فتلملمت من فوق الفراش وبعثرت الغطاء، فانكشفت ساقاها وقد انحسر ثوبها لأعلى. فزفر متنهداً: -انتي بتعذبيني كده ليه. ولم يعد قادرًا على قوانينها ووعده أنه لن يقترب منها إلا عندما تصفح عنه. فاندس جانبها وجذبها نحوه، يدفن وجهه بعنقها الدافئ. فتحت عيناها باتساع لتجد نفسها محاصرة بذراعيه. -احنا متفقناش على كده. تملصت من تطويقه القوي، ثم بدأت تخور قوتها في بعده عندما سمعت صوته الراجي: -ريم أنا محتاج حضنك بس.. ارجوكي.
فأغلقت عيناها بألم وهي تعلم أنه مازال يصارع الماضي. وشعرت بملمس يده أسفل بطنها وهمس بتثاقل قبل أن يغفو: -مش هخسركم انتوا كمان. وقفت خلفه تستمع لمكالمته مع جاسم، الذي يقنعه بأن يعود لكندا بعد انتهاء علاقته بدبي التي ستنتهي غدًا. -مينفعش يا جاسم.. مش كفاية أنا آخر من يعلم بلي حصل لمهرة. فتسعت عيناها بخوف تسأله: -مالها مهرة؟
فأكمل حديثه مع شقيقه إلى أن أقنعه أنها بخير ولم يحدث شيء لها وللطفل، وأن الأعمال تحتاجه، وأغلق معه متنهداً. فعادت مرام تسأله: -مالها مهرة.. رد عليا يا كريم. فزفر أنفاسه، ثم أخذ يقص عليه الحادث. لتحرك رأسها بأسى: -ياحببتي يامهره.. الحمد لله عدت على خير.. هتصل أطمن عليها. وابتعدت عنه متجهة نحو الغرفة تبحث عن هاتفها. وقبل أن تمتد يدها إلى الهاتف، وجدته يعلن عن وصول رسالة. لتفتح الرسالة وعيناها مثبتتان على ما تقرأه.
وقفت علياء تنظر حولها بخوف أمام المعهد الذي تدرس فيه، ثم نظرت لريان الواقف أمامه. -يجب أن نتحدث علياء. فحدقت به، ثم بصديقتها التي أشارت لها برأسها أن تعطيه فرصة ليتحدث. -أنا وعدت عمار. وكادت أن تسير من أمامه، فأمسك ذراعها ثم تركه معتذراً: -آسف.. علياء أنا سأعود لكندا. فبهتت ملامحها بألم وهو يخبرها برحيله. -هتسافر.. هو انت كده بتحبني؟ فتنهد بأسى، فلم يعد يطيق البلد بأكملها.
تذلل لعمار لأول مرة بحياته، يتذلل لشخص أن يعطيه فرصة، حتى هي لا تعطيه فرصة يثبت لها أنه صادق بحبها. -تعالي معي علياء ونتزوج. فتسعت عيناها وهي تستمع لطلبه الذي صدمها، وسقطت دموعها. -انت جبان.. لو بتحبني هتعمل عشاني المستحيل. وانصرفت من أمامه تمسح دموعها. فوقف يحدق بها وصدا كلماتتها تتردد بأذنيه. طالعت عايدة الرسالة النصية التي بعثت إليها بأعين متسعة.
أخبرتها نرمين بكل ما حدث في آخر لقاء بينهما، حتى أنها تعجبت منها بعد أن أخبرتها أن تنظر حولها ولا تعلق عيناها على أمل ضائع. حقدها مازال قائمًا على مهرة ولم تحبها، ولكن أصبحت تشفق على شقيقتها من ذلك الحب البائس. فقد فعلت كل المحاولات وانتهت بالفشل. دقت ورد عيناها بجسد كنان بعد أن غادرت غرفة الطبيبة التي تتابع معها حملها بالمشفى. كان متجهاً نحو أحد الممرات وتسير بجانبه إحداهن تشعر وكأنها رأتها من قبل.
فتعلقت عيناها بهما وهي تسير خلفهم، ثم تذكرتها هاتفه باسمها "إيلا". طالعها بنظرة غامضة يبحث عن الحقيقة في عينيها بعد أن أنهى اتصاله مع الضابط المسؤول عن القضية. واقترب منها يتمعن في النظر إلى رأسها التي مازالت ملفوفة بالشاش الطبي. -الظابط المسؤول عن القضية لسا مكلمني.. ومستغرب من طريقة السرقة وكأن الشخص فاهم كويس مداخل الفيلا ودارس المكان. فأشاحت عيناها تهرب منه. هل تخبره أن شقيقها كان أحد اللصوص؟
فقد ضربها أحدهم على رأسها ولا تعلم من أين أتت الضربة لتفقد الوعي لبعض الوقت ليتمكنوا من الهروب. -مهره انتي شوفتي شكل حد من الحرامية. فانتبهت لسؤاله الذي تكرر كثيراً اليوم. -قولتلك لأ.. انت مش مصدقني ليه. فتعلقت عيناه بعينيها الهاربة. -مش معقول مش هصدقك يامهرة.. بس انتي مش شايفة الموضوع غريب.. الحارسين اللي بره اتحطلهم منوم في الأكل.. الحرامي كان عارف خطواته جوه البيت وعارف إنك لوحدك.
وعندما شعرت أن كل شيء بدأ بالظهور، عضت شفتيها بقوة وأغمضت عيناها قبل أن تخبره بكل ما أخفته عنه منذ ما حدث من يومان. ولكن رسالة نصية بعثت على هاتفه جذبت انتباهه. فأخرج الهاتف من جيب سترته، ناظراً لها ثم للهاتف، لتستقر عيناه على الرسالة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!