الفصل 31 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
32
كلمة
2,967
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

ابتسمت وهي مازالت بين الغفوة واليقظة، تظن بأنها بحلم جميل ترى فيه جاسم الحنون الذي تريده، وترى نفسها دون مشاعر مقيدة خائفة. مدت يداها نحو وجهه تتحسسه، ثم رفعت جسدها نحوه كي تحتضنه. -الحلم ده جميل أوي، وأنت حلو أوي فيه. فكتم ضحكاته بصعوبة وضَمَّها إليه أكثر هامساً: -فعلاً حلم جميل يامهرة، ياريت تفضلي تحلمي كده على طول. فأبتعدت عنه قليلاً واتسعت عيناها، فالوضع به شيء عجيب. ووضعت يديها على ذراعيه ثم وجهه.

-بسم الله الرحمن الرحيم. وهنا لم يقدر على كتم صوت ضحكاته التي صدحت عالياً، وطالعته وقد تيقنت أنه ليس حلماً بل حقيقة، وصرخت بكل قوتها: -اكدب عليا وقول إنه حلم. وأغمضت إحدى عينيها تنتظر منه أن يخبرها ما ترغب في سماعه، ولكن أملها قد خاب. -للأسف حقيقة يامهرة. وضحك بقوة وهو يطالعها، ثم غمز لها بمكر: -كنت أتمنى أكدب عليكي. فضاقت عيناها بصدمة مما تفوهت به، فيبدو أن هذا تأثير المسكن الذي تناولته قبل أن تغفو،

وتمتمت بأرتباك وتعلثم: -أنا... يعني... أصلاً... آه، هو الدوا السبب خلاني مش حاسة بنفسي. وحركت رأسها كي يتفهم الأمر، فابتسم بحنو: -خلاص يامهرة، أنا نسيت اللي حصل، اعتبريني حلم. فتنهدت براحة وكأنها اقتنعت، وعندما لمحت المكر في عينيه علمت أنه يجاريها وكأنها طفلة. وانتفضت من فوق الفراش: -أنت بتاخدني على قد عقلي مش كده؟ فتنهد بيأس منها: -مهرة، أنا جاي من السفر تعبان وحقيقي مش فايق ولا فاكر أي حاجة قولتيها، ارتحتي كده؟

فطالعته بصمت إلى أن وجدته ينظر إلى ذراعها متسائلاً: -حصلك ده إزاي؟ فحركت رأسها وهي تتحاشى نظراته الثاقبة نحوها: -متأخدش في بالك، ديه حادثة بسيطة. فزفر أنفاسه بحنق واقترب منها يحاوطها بذراعيه: -لاما بتروحي للمصايب برجليكي أو هي اللي بتجيلك. فضحكت رغماً عنها: -مقدرات كونية. فضحك على مشاغبتها وتمتم بهدوء: -سلامتك. كلمة واحدة منه حانية جعلتها كالضائعة، وكأن قلبها كان مشتاق لمجرد كلمة تسعده.

وطأطأت رأسها عندما شعرت بأن قواها خارت. ووجدت يده ترفع وجهها كي تعود لمطالعته، فأرتبكت وهي تتمتم: -هو أنت متأكد إننا مش في الحلم؟ فأبتعد جاسم عنها ضاحكاً بقوة، لتهتف بحنق: -أنت بتضحك على إيه؟ فتنهد وهو يتسطح على فراشها بعد أن خلع سترته: -بضحك على غلطة عمري. لم تفهم مغزى كلماته في البداية، واتسعت حدقتا عيناها بعدما فهمت ما يقصد، واندفعت جانبه على الفراش: -أنت تقصدني أنا؟ ولينهي هذا الجدال سريعاً تمتم بأرهاق:

-مهرة، أرجوكي، أنا جاي من السفر تعبان ومحتاج أنام. فأشفقت على حاله، فالإرهاق ظاهر على ملامحه: -خلاص مش هتكلم أه. ووضعت بيدها على فاها تطالعه وهو يغمض عينيه على وسادتها: -جاسم. ففتح عينيه لتنظر إليه ثم إلى الفراش: -أنت هتنام هنا؟ فحرك رأسه بنعم وأشار إليها بأن تقترب، فأقتربت منه ببطء: -تعالي جنبي يامهرة. فوقعت عيناها على المكان الذي يشير له: -لاء، هنا كويس. فتعالى صوته بضيق: -مهرة، ممكن بلاش عند النهاردة.

وانصاعت لأمره بهدوء، وجلست بالقرب منه لتجده يعتدل في نومته هاتفا: -عايز أنام في حضنك. ولم يمهلها الرد، لتجده يجذبها له، وتملصت من ذراعيه فتمتم بنعاس: -أهدي يامهرة ونامي. فهتفت بتذمر: -طب أنا مش عايزة أنام. ولكي يلهيها قليلاً بدأ يتجاذب معها الحديث: -احكيلي إيه اللي حصلك في غيابي؟ فأخبرته عما حدث من سرقة، ليهتف بغضب: -بعد كده تاخدي السواق معاكي، ربنا ستر المرة دي وعدت على خير. فزفرت أنفاسها ببطء ثم تسألت:

-كريم أخباره إيه وايه اللي حصل في القضية؟ فتنهد بارتياح: -القاتل اعترف بكل حاجة، كان سكران وحكى لعامل في الملهي الليلي اللي كان سهران فيه، والعامل راح بلّغ عنه. فحدقت به مهرة غير مصدقة: -سبحان الله، كويس إن خرج من الحكاية دي بالسلامة. ونست وضعها هذا بين ذراعيه، ورفعت كفها تداعب خصلات شعره بشرود، غير منتبهة لاستسلامها هذا. كان يغمض عينيه ويفتحهما متعجباً من هدوئها، بل وأيضاً الدفء الذي يشعر به بين ذراعيها،

ووجد نفسه يسألها دون وعي: -مهرة، إيه رأيك نسافر نغير جو؟ أعجبتها الفكرة بشدة، فالأول مرة تسمع تلك العبارة وأحد يخصها بها: -نسافر؟ وابتسمت بحماس: -موافقة، بس فين؟ فضحك على تعبيرات وجهها التي تتغير بتلقائية في دقائق: -اختاري أنتِ، إيه رأيك؟ فأسترخت في جلستها وأبعدت ومازالت تحرك يدها على خصلات شعره: -أقترح أنا. وسألت نفسها: -عايزة تروحي فين يامهرة؟ -أنا عايزة أروح مكانين، بس ممكن عادي نأجل واحد ونروح واحد دلوقتي.

فأبتعد عنها قليلاً وطالعها وهو يضمها إليه: -قولي اللي نفسي فيه وأنا موافق، استغلي سحر اللحظة دي. وضحك مع جملته الأخيرة، فأنتبهت أنه ابتعد عنها وقد حررها من ذلك الحصار الذي للأسف أعجبها بشدة وأشعرها بالدفء. -عمرة، عايزة أطلع عمرة ياجاسم، والغردقة. فأبتسم وهو يطالعها، وظنت أنه يرى ذلك استغلالاً منها: -أنا ممكن اتنازل عن الغردقة. فداعب ذقنه ومازال يحدق بها: -نفسك تروحيهم يامهرة؟ فحركت رأسها سريعاً:

-ماما كان نفسها أوي تروح عمرة. واتذكرت اليوم الذي وجدت والدتها تبكي فيه بعد أن علمت ذهاب والدها وسهير لأداء مناسك العمرة. كلماتها مازالت صدى في أذنيها: "كان نفسي أروح أوي يابنتي." -هعمل عمرة ليا وليها. وسألته وهي تتمنى أن يوافق: -موافق صح؟ فلمعت عيناه بحب: -حاضر يامهرة. وكادت أن تنهض من فوق الفراش كي لا يعود ويحاصرها بين ذراعيه، فجذبها مبتسماً: -تعالي هنا، ولا أنتِ بتاخدي حقك قطط وتهربي؟ فضحكت

وهي تخلص نفسها من ذراعيه: -اسمها زي القطط تاكل وتنكر. فأبتسم بخبث وهو يطالعها: -مش مهم، المهم العبي في شعري زي ما كنتي بتلعبي من شوية. فحدقت به بصدمة: -أنا لعبت في شعرك؟ امتى ده؟ فضحك بصخب وقد طار النعاس من عينيه ونسي إرهاقها: -لاء، الليلة دي لازم تتكتب في تاريخ حياتنا مع بعض. وانتهت الليلة وكل منهم يشعر بأنه ليس هو، فيبدو أن القلب أراد أن يستمتع قليلاً دون قيود. ***

انتقلت ريم لفرع الشركة الجديد وهي تشعر بالسعادة لأنها ابتعدت عن تسلط مديرة قسمها السيدة جيهان، وأيضاً تخلصت من حكاية نادين التي لازمتها في عملها وكيف وقفت زوجة صاحب الشركة معها، وكلام كثير بدأ يقال بها. واتجهت نحو مكتب مدير الفرع الجديد، كل ما تعرفه أنها ستكون سكرتيرة المدير، رغم أنها كانت تفضل أن تبقى في قسم الحسابات، ولكن المرتب والخبرة التي ستكتسبها كما أخبرتها مهرة جعلتها تفكر.

ونظرت لمكتبها فأبتسمت بسعادة، ولكن ابتسامتها لم تدوم وهي تجد ياسر يردف خلفها بعنجهيته، فالذراع الأيمن لجاسم الشرقاوي كيف سيكون. -أنتِ بتعملي إيه هنا؟ فأبتلعت ريقها بخوف: -أنا... أنا... فتنهد ياسر بسأم: -أنتِ إيه ما تنطقي. فطأطأت رأسها بتوتر: -أنا اتنقلت للفرع ده. فزفر ياسر أنفاسه بضيق: -وإيه اللي جايبك مكتب المدير؟

وضاقت عيناه بحنق، ثم انتبه توصية جاسم عليها، والتي تعجبها في البداية، ولكن عندما تذكر صداقة تلك الفتاة لمهرة علم لما تمت التوصية. -أوعي تقوليلي إنك السكرتيرة. فحركت رأسها له بصمت، ليضغط على يديه بقوة: -ملقوش غيرك انتي. وسار نحو غرفة مكتبه الجديدة متمتماً ببعض الكلمات بضيق، فهذه الفتاة بكل ما فيها يضايقه. لتطالع ريم خطواته بحزن، وسؤال واحد تتسائله: لما يكرهها هكذا؟ *** حدق بصديقه بصمت وهو يدق بقلمه على سطح مكتبه:

-وجود والدتي معانا يشغلني يا بشير، منذ متى ووالدتي تحب المكوث في البلد دون أن تسافر؟ فحرك بشير رأسه مفكراً: -حقاً أتعجب من فريدة خانو، فهي تعشق التنقل من مكان لآخر. ثم ضحك بعبث: -ولكن يبدو أن عاداتها تغيرت منذ أن تزوجت وأحبت العيش معكم. فتنهد كنان، زوجته لا تشتكي من شيء بل وتطلب منه أن يحسن معاملتها، ولا تعلم أن تلك تسمى أماً لا تحب إلا نفسها والمال الذي تأخذه منه.

-صحيح بشير، سيلا تريد أن تكون العارضة للمنتج، ما رأيك؟ فطالعه بشير ولم يعجبه عودة سيلا مجدداً في إطار حياتهم، فبراءة سيلا لا تستهويه، صديقه يعطيها فرصة بالعمل ويعرف أسبابه، فهو يشعر بأنه ظلمها بعد فسخ خطبته منها وزواجه من أخرى، رغم أنه لا يهتم بمشاعر أحد، ولكن يبدو أن ورد غيرت به أشياء كثيرة ظاهرياً وخارجياً. -افعل ما تريد كنان، ولكن احترس قليلاً من نوايا سيلا.

فطالعه كنان بصمت إلى أن صدح رنين هاتفه، لينظر لرقم زوجته، وفور أن فتح الخط هتفت بحماس: -كنان، والدتك طلبت مني أن أذهب معها للتسوق. وتابعت بسعادة: -أنا سعيدة جداً كنان أنها تريد أن تقترب مني. فوجد كنان بشير ينهض من مقعده مشيراً له بأنه سينصرف ليتابع أعماله: -كل هذه السعادة لأنك ستشاركين والدتي التسوق؟ فأتاه صوت تنهيداته: -أجل كنان، أموافق أنت على ذهابي أليس كذلك؟

فتمتم وهو يتمنى أن تنبسط في تلك الجولة مع والدته، ورغم قلقه إلا أنه لم يرد أن يكسر فرحتها: -اذهبي حبيبتي واشتري كل ما ترغبين به. فضحكت بصخب ومشاغبة: -سأجعلك تفلس حبيبي. فأبتسم بسعادة: -زوجتي حنونة ولا تفعل ذلك بزوجها، ولكن لكي ما أردتي حبيبتي. فتمتمت برقة وعشق: -أدامك الله نعمة بحياتي كنان. أسعدته جملتها البسيطة وتنهد بعشق، ثم لمعت عيناه بمكر: -ورد، لا تنسي شراء ملابس للرقص.

وعلى ذكرى تلك الليلة، أغلقت الهاتف بوجه، لتعلو ضحكاته بسعادة. *** عدت كل شيء بحماس لرحلتهم تلك، فجاسم أخبرها أن رحلتهم ستكون غداً. ووجدت هاتفها يدق وكان المتصل هو أكرم: -أيوه يا أكرم، أنت جاي دلوقتي؟ تمام، مستنياك. وبعد نصف ساعة كان يقف أمامها أكرم وقد طالت لحيته، فنظر إلى ذراعها الملفوف بالشاش الطبي: -إيه اللي حصلك يامهرة؟ اوعي تقوليلي مصيبة من مصايبك تاني. فدفعته برفق على صدره. -انت هتعمل زي جاسم؟

فضحك أكرم وقد نسي الهم الذي به. فوالدته مازالت على رفضها، بل وهددته أنها ستسحب منه كل شيء تحت سلطته من مال وسيارة وإدارة المتاجر خاصتهم، ولن تساعده بأي قرش في زواجه. -للأسف دي الحقيقة اللي جاسم بيقولهالك. وتساءل وهو ينظر حوله. -هو فين جاسم صحيح؟ فقادته نحو غرفة الجلوس وتمتمت. -لسه في الشركة.. بيحاول يخلص الشغل اللي عليه عشان مسافرين. فأبتسم أكرم وهو يجلس على أحد الأرائك. -مسافرين فين.. ومن ورايا يا مهرة؟

فضحكت بتسلية. -كنت هتصل بيك النهاردة انت وورد ومرام وريم ورقية.. أسألكم عايزني أدعيلكم بإيه. فاتسعت ابتسامته وقد علم برحلة سفرها واحتضنها. -فكرة جميلة أوي يا مهرة بجد.. أنا قولت هتسافروا باريس ولا أي مكان سياحي هنا.. بس مكنتش متوقع الرحلة دي. وأشتد في احتضانه فهتفت وهي تكاد تختنق. -أكرم أنا كده هموت في إيدك وشكلي مش هسافر أي مكان. فأبتعد عنها أكرم ضاحكًا وضربها برفق على جبهتها. -الله يعينك يا جاسم.

وعندما زمّت شفتيها باستياء.. ضحك وهو يهتف. -آسفين خلاص.. بصي بقى انتي تكثفي الدعوات أوي وأهم حاجة إني أتزوج ضحى يا مهرة.. ادعيلي أتزوجها وماما ربنا يهديها. فضاقت عين مهرة بضيق عندما تذكرت أن والدة شقيقها هي سهير التي لم تكره أحد مثلها بحياتها. وحركت رأسها وهو تربت على يده. -هدعيلك يا أكرم.. وإن شاء الله هتتجوزها. ورفعت كتفيها بثقة. -أنا معاك متقلقش. فأبتسم وهو يحتضنها بحب أخوي.

-جاسم محظوظ بيكي يا مهرة.. مع إنك مصيبة من مصايب الزمن. وعلى نطق تلك الجملة كان جاسم قد عاد واتجه نحوهم مبتسمًا. -مقولتش حاجة من عندي حتى أكرم شايفك مصيبة. لتدفع أكرم عنها.. ووقفت تنظر لهم بغضب وانصرفت من أمامهم بضيق. -بقي كده ماشي. فتسأل جاسم بعد أن تخطته. -خدي هنا رايحة فين؟ فألتفت نحوه. -رايحة المطبخ أقعد مع هدي وفوزيه هما أحسن منكم. فأنفجر جاسم ضاحكًا وهو يصافح أكرم الذي هتف بدعاء. -ربنا يعينك.

فأبتسم جاسم بحنو وزفر أنفاسه بتنهيدة عاشقة وقد تأكد أكرم أنه جاسم حقًا يحب شقيقته وليس ما تظنه شقيقته أنه تزوجها ليرد كرامته وكبرياءه من خطيبته السابقة. جلست ورد على فراشها تطالع الفراغ الذي أمامها بحزن. فوالدة كنان اصطحبتها للمتجر الخاص بصديقتها التي ظلت تنظر لها بضيق ونقد لملابسها وحجابها وأظافرها التي لا تطليها بطلاء الأظافر وبشرتها الخالية من مساحيق التجميل.

ولولا احترامها لأعمارهم لكانت قد ردت عليهم، ولكن تقبلت كل شيء بصمت، فتركتهم ينتقدوا ما أرادوا. فهي تعلم تمامًا أن ما هي عليه هو الصحيح. الدنيا التي يظنه خالده ما هي إلا رحلة ستنتهي يومًا ما، قريب أم بعيد ستنتهي ولن يبقى شيء إلا أعمالنا وطاعتنا لله. ووجدت فريدة تفتح باب غرفتها باندفاع وقذفت بوجهها الملابس العارية التي اشترتها إليها. -أيُعجبك مظهرك هذا؟ وضحكت ساخرة. -ما هذه الحشمة التي أنتِ بها يا فتاة؟

كيف زوجة رجل لامع لديه اسم في المجتمع تكون هكذا؟ وزفرت أنفاسها بغضب. -يا ربي يوم أن يتزوج ابني يتزوج من هذه! وانصرفت حانقة. لتغمض ورد عيناها بوجع. هي عكس شقيقتها، لا تتمرد، لا تهين من يهينها. وتسطحت على الفراش وغفت بملابسها. وبعد ساعة كان كنان يردف للغرفة، ناظرًا لحقيبة الملابس الملقاه على الأرض ثم إلى ورد الغافية على الفراش بطريقة غير مريحة. فجلس جانبها يداعب وجنتيها بأنامله. -ورد حبيبتي استيقظي.

ففتحت ورد عيناها واندفعت نحوه تحتضنه بقوة هاتفة. -كنان ضمني إليك. فأسعده طلبها وضمه بشدة هامسًا. -لك كل ما ترغبين به يا صغيرتي. أردف علي غرفتها وحدق بها وهي تدور هنا وهناك تسأل نفسها بصوت مسموع. -صوتها لم يعجبني.. يا ترى فيكِ إيه يا ورد؟ فضحك جاسم وهو يجدها هكذا وتأكل أظافرها. -مالها ورد؟ فحركت رأسها وهي لا تعلم سبب شعورها هذا. -إحساس عندي.. أصل صوته لم يعجبني. فأقترب منها جاسم ونظر إلى ذراعها وركبتها.

-جرح ذراعك ويدك خفوا. فهزت رأسها بيأس من كثرة سؤاله هذا. -أنت سألتني السؤال ده كتير قوي. فأبتسم بهدوء. -يا ربي عليكي، حد يكره الاهتمام؟ أنتِ مش طبيعية يا مهرة، أي ست بتفرح بالاهتمام والدلع. فلوت شفتيها بامتعاض وهي تضع بكلتا يديها على خصرها. -أنا استرونج ومان على فكرة.. وبعيش تحت ضغط.

فضحك باستمتاع وهو يطالعها واتجه نحوها.. وهدفه منصب على شيء لا تعرفه. كانت تخطو للخلف بقلق من نظراته الماكرة، إلى أن شهقت بفزع وهي تسقط على الأريكة التي بغرفتها. -آه يا ظهري. فمال نحوها جاسم باستنطاع. -مش شايف الاسترونج فين؟ عارفة يا مهرة، أنتِ بق على الفاضي.. أنتِ ماشية في الحياة دي بستر ربنا. وحرك رأسه بيأس منها ثم طالعها ضاحكًا. -قومي يا استرونج ومان. ونظر إلى الحذاء المنزلي الطفولي الذي ترتديه وأشار نحوه.

-فيه استرونج ومان بتلبس شبشب مقاس أطفال؟ فضاقت عيناها بحنق، وقبل أن تفتح فاها لترد عليه وجدته قد انصرف. فهو يجيد اللعب والمكر. وتمتمت بضيق وتذمر. -زي الثعلب المكار. دلال أغرقته به، بل وجعلته أسعد رجل بالعالم. لم يعد يفهمها ولكنه سعيد بهذا. -يا ريت تفضلي كده يا مرام. فأبتسمت له وهي تقترب لتقبله برقة. -بحبك. وكاد أن يغرق معها مجددًا في بحور الغرام والعشق. فأبتعدت عنه ونظرت له بارتباك. -كريم ممكن أطلب منك طلب؟

فأبتسم وهو يضمها إليه ويقبلها على عنقها. -اطلبي يا حبيبتي. فتمتمت وهي تشعر بملمس يديه على جسدها. -عايزة أكون مديرة القسم اللي أنا فيه. ليبتعد عنها كريم، ناظرًا لها بصمت. -أنا سمعت إن المدير هيتشال وواحد مكانه هيمسك.. إزاي أكون مراتك ومجرد موظفة؟ فلمعت عين كريم بصمت. زوجته تريد النجاح السريع. ورفعت كفيها تضم وجهه نحوها. -اطلب من جاسم أمر تعيني.. أنا عارفة إنه هو اللي بيختار مديري الأقسام ومش أي حد بياخد المنصب ده.

أيام جميلة قضوها وراحة شعرت بأنها تغللت بروحها. دعت كثيرًا أن يغفر الله لها تأخر ارتدائها للحجاب. دعت لوالدتها بالرحمة، ودعت لشقيقتها بالسعادة، ودعت لأكرم كما رغب، وأيضًا رقية وريم ومرام. ودعت لنفسها كثيرًا أن تسير في الطريق الصحيح وتجد سعادتها، ودعت لجاسم كثيرًا لدرجة تعجبت من نفسها. وانتهت رحلتهم في الأراضي المقدسة. وتفاجأت في المطار بتوجه رحلتهم الجديدة. -إحنا مش رايحين على مصر؟ فأمسك جاسم يدها وقادها.

-لأ هنروح مكان هادي وجميل. فتسألت. -فين؟ عند ورد؟ فضحك وهو يسير بها متشابكين الأيدي، فلا توجد أي ملامح لرحلتهم الجديدة ولم يجيب عليها. واتسعت عيناها وهي تجده ينهي الإجراءات وعلمت بوجهة رحلتهم. -إيه المالديف! رغم إرهاقها من رحلة السفر إلا أن عيناها زادت اتساعًا وهي ترى مظاهر الجمال الطبيعي في ذلك المنتجع السياحي الذي يطلع على المياه مباشرة. ووقفت أمام الشرفة في الكوخ الذي تم حجزه تتأمل المياه الصافية.

لتجد جاسم يقف خلفها. -الجو هنا جميل جدًا. فألتفت له بسعادة كالأطفال. -عمره وجزر المالديف.. أنت الفانوس السحري ولا إيه؟ فضربها جاسم برفق على جبهتها. -لأ أنا عفريت اللي كان جوه الفانوس. فضحكت وهي تتثاوب وتعلقت بعنقه. -بس برضه مش هتنازل عن الغردقة. فوجده يدفعها عنه برفق ضاحكًا. -الصبر من عندك يا رب. ووجدته يخرج ملابسه ويتجه نحو المرحاض. فقذفت بحذائها واتجهت نحو الفراش لتغفو في دقائق معدودة دون أن تبدل ملابسها.

نظرت رقية إلى والدها بصدمة. -عريس مين اللي متقدم لي يا بابا؟ فأبتسم والدها بسعادة. -ابن صديق ليا شافك معايا في مناسبة. لتتجمد ملامح رقية وهي تتمنى في تلك اللحظة مراد. -اتفقنا إمتى على الميعاد.. شوفي اليوم اللي يناسبك يا حبيبتي. فصمتت للحظات وهي تتذكر كل ما مرت به وأرادت أن تثأر لكرامتها من مراد. -شوف اليوم اللي يريحك أنت يا بابا. فضمها والدها بسعادة غير مصدقًا أن صغيرته قد كبرت.

مدت ذراعيها على الفراش لتنهض بفزع، فجاسم بجوارها بصدر عارٍ. فشهقت وتجمدت ملامحها بعد أن رأت نفسها ترتدي ملابس غير التي غفت بها. وصرخت وهي توقظه. -اصحى قولي مين اللي غير لي هدومي. فأستيقظ جاسم بفزع وتنهد بحنق. -العفريت يا مهرة، ارتحتي؟ فضربته على صدره. -مصحتنيش ليه.. وإزاي نايم جنبي كده؟ وأخذت تعول كالأطفال. -بس خلاص.. اللي يشوفك وإنتي بتصرخي مش يشوفك وإنتي كنتي حاسة وأنا بغير لك هدومك.

فأعتسعت عيناها وهي تحك على رأسها غير مصدقة. -إزاي ده، أنا مش فاكرة حاجة. فأبتسم بمكر وهو يعلم أنه كاذب. فهي من شدة إرهاقها لم تشعر به وهو يبدل لها ملابسها. -زي الحلم كده يا مهرة. وغمز لها بوقاحة وهو يتناول التيشيرت خاص به ويرتديه. لترتبك وتشيح عيناها عنه وهي تعصر عقلها بأن تتذكر أي شيء. فذلاتها أصبحت كثيرة معه تلك الأيام.

سارت خلفه وهي تنظر لروعة المكان. كانت تتعثر بخطواتها في الرمال الناعمة من شدة اندماجها في مطالعة جمال الطبيعة. فألتف نحوها وهو يزيح نظارته عن عينيه. -خدي بالك. وعلى أثر تلك الكلمة سقطت فوق الرمال لتصرخ بحنق. -لأ كده كتير. فضحك جاسم وهو يمد يده لها. -سبحان الله، كل ما بتزعليني بتحصلك حاجة. ورفع حاجبيه ضاحكًا. -أنا بركة. فدفعت يده بعيدًا ونهضت بمفردها وهي تتمتم داخلها. -أظاهر كده.

وحدق بها ليجدها تزم شفتيها كالأطفال، ثم أكملوا سيرهم. ونظرت إلى المنشفة التي يضعها على كتفه. فهيئته تدل على أنه سيسبح. -أنت هتعوم. فنظر حوله بارتخاء وهو يجلس على أحد المقاعد الخشبية الموضوعة على الشاطئ وتسطح قليلاً. -أكيد يامهرة. فجلست على المقعد الآخر تطالع جمال الشاطئ. لم يكن بتلك الساعة الكثير من السياح، فكان المكان هادئ. ورن هاتفها لتجد رقم ورد، فهتفت بسعادة. -ديه ورد.

ونهضت من جلستها لتسير بعيداً قليلاً لتحادثها وتخبرها عن بعض المشاعر التي تشعر بها حالياً. وعادت بعد دقائق لتجد أحدهم يضع أمامها مشروباً تزينه فواكه عند فوهته. وجاسم ليس موجوداً. فألتقطت التشيرت الخاص به ونظرت حولها، ثم جلست تخرج من حقيبتها الصوفية كتاباً وقررت أن تستمتع وتندمج. واتسعت عيناها وهي تجد البعض بدأ يتوافد على الشاطئ. فتمتمت براحة. -الحمدلله جاسم مش هنا. الثواب ضاع أه.

ووضعت الكتاب أمام عينيها بحنق واندمجت في القراءة. وبدأ هواء البحر ينعشها بل وأفاد مزاجها. وشعرت بالاسترخاء وهي تعيش مع سطور الكتاب الذي بين يديها. ولكن هل يترك أحد هذا النعيم وينسجم في القراءة؟ وزفرت أنفاسها بحنق، ثم جذبت كأس العصير الخاص بها وأرتشفت منه بتلذذ. -بحر وعصير مش عارفه اسمه إيه وف جزر المدليف كمان. أنا أكيد بحلم. وأرخت جفنيها بمتعة ونسمات الهواء تداعب وجنتيها.

واتسعت عيناها وفتحت فاها كالبلهاء وحدقت بالجسد الذي يخرج من المياه وينفض خصلات شعره. ومع كل خطوة كان يخطوها خارج مياه البحر، كان قلبها يخفق بقوة. هل هذا الرجل هو جاسم زوجها؟ ولمعت عيناها. وألتفت نحوها لتجد أحداهن تحدق به بل وتعبث بشعرها الأشقر وتتجه نحوه بجسد رشيق لا يستره إلا قطعتين. هدفها أصبح باتجاهين، مع تلك التي تتجه نحو زوجها برغبة، ومع زوجها الذي يستعرض وسامته ولياقته دون شعور منه.

لتلطم وجهها كي تفيق. وألتقطت المنشفة التي بجانبها وركضت نحوه تشير له بالمنشفة. -جاسم... جاسم. فابتسم وهو يجدها تركض إليه. ووقفت أمامه تحيطه بالمنشفة وعيناها على الشقراء التي طالعتها بضيق فقد خاب آمالها. -استر نفسك... استر نفسك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...