الفصل 30 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
32
كلمة
4,370
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

كان بعالم آخر وهو يراها كيف تقف أمامه بهيئتها تلك. ورد بزي شرقي للراقصات، كانت مغوية ببدلة الرقص الحمراء والتي يتوسطها حزام مذهب وأشياء تلمع. بدأت أعصابه تتلف فمسح على وجهه برفق هاتفا: -تحكم بنفسك كنان. ونظر إلى ورد التي تبتسم وتنظر له ثم تنظر إلى ما ترتديه: -صقف كنان لي. وهتفت بتذمر: -الم يعجبك ما ارتديه؟ ثم نظرت حولها: -أين الطبلة كنان؟ وضحكت وهي تذهب نحو طاولة مستديرة تتوسط حجرتهم مع أريكة أنيقة.

وانحنت وبدأت تطرق عليها وتضحك وتنظر إليه متعجبة من صمته ومطالعتها: -أنظر كيف أفعل أنا... هكذا نطرق على الطبلة. أنفاسه كانت تتعالى وهو يتوعد بمن فعل بها هذا. فيبدو أن المخدر كان مفعوله عالٍ وكان يريد له ولها الفضيحة. حزن عليها رغم أنه كان سعيدًا بما تفعله من إغواء له. واقترب منها يرفعها من الأرض ويبعدها عن الطاولة: -ورد حبيبتي هيا لتنامي وفي الصباح نرقص. لتنهض معه وتحرك رأسها بلا:

-أريد أن أرقص كنان مثلما شاهدت الراقصة تفعل ذلك في التلفاز. وهنا اتضحت له الرؤية فزوجته تفعل ما رغب به عقلها ولم تستطع تنفيذ ذلك لخجلها. وتأملت بدلتها: -مرام قالت لي أن أرقص لك كي لا تعجبك الفاتنات هنا فأنت وسيم. ونظرت لجسده وهي تعض على شفتيها: -وطويل وتشبه عارضي الأزياء بجسدك. ومدت يدها لصدره ثم أزاحت سترته: -ولديك عضلات. كان تأثير لمساتها عليه كالنيران ولكن ضمها إليه بحب: -أنتي أجمل شيء حدث بحياتي ورد.

فرفعت عيناها نحوه ومدت أناملها تتحسس وجهه وقد ظن أنها نسيت أمر الرقصة: -سنرقص أليس كذلك؟ فقبل جبينها وهو ينظر لما ترتديه متذكرًا ضيوفه المهمين: -عندما تعودي لوعيك حبيبتي سنرقص. فدفعته عنها ولم يعجبها حديثه وبدأت ترقص بطريقة مغوية ولكن مضحكة. كان يود أن ينفجر من الضحك ولكن تمالك نفسه حتى لا تحزن. ومرر يده على خصلات شعره... ليجدها تدفعه نحو الطاولة: -هيا اطرق على الطاولة وصفق. فضحك وهو يطالع هيئتها العابثة:

-الاثنان معًا ورد. فحركت رأسها ثم حركت خصرها يمينًا ويسارًا... لتتسع عيناه فيجدها تهلل كالأطفال: -فعلتها.. فعلتها. فتمتم كنان وهو لا يصدق ما يراه أمامه: -ماذا شربتي ورد؟ وصدح رنين هاتفه فيبدو أن بشير يستعجله من أجل ضيوفه. وكاد أن يلتقط هاتفه الملقي على الفراش إلا أن ورد مسكت يده لتجعله يدور بها: -ألقي عليا الأموال كنان... الرجل فعل ذلك مع الراقصة. فطالعها كنان بصدمة:

-ما هذا الفيلم ورد.. لا تشاهدي أفلام هكذا مرة أخرى. فخجلت منه وكأنها عادت إلى طبيعتها: -لن أشاهد.. كنان رأسي يدور وأشعر أني أطير. وضحكت وهي تتمايل حوله. وتعالى صوت رنين هاتفه مجددًا. فزفر أنفاسه وهو يطالعها ولانشغالها فيما تفعل ألتقط هاتفه: -بشير ابعث لي عظيمة بقهوة أو أي شيء.. لا أحضر الطبيب أفضل. وجد ورد تصعد على الفراش وتتعلق بعنقه وتقبله. وهتف بشير: -كنان الضيوف ينتظرونك ويسألون عنك.

فأرتبك كنان وهو يجدها تتعلق به وتقبله على خده قبلات طويلة: -تحجج بشير بأي شيء. وفجأة وجد نفسه يهوي على الفراش وقد تحولت ورد من راقصة لفتاة ليل واتسعت عيناه وهو ينظر لها. وشعر كنان بأنه فقد تعقله: -قوم بدوري اليوم بشير واعتذر عن وجودي.. وانس أمر الطبيب وعظيمة. ولم يمهل بشير الرد فقد أغلق الهاتف وطالعها وهي تحل أزرار قميصه: -أنت وسيم وسيم. كنان كان بعالم الصدمة زوجته الخجولة تفعل هذا. وتمتم وهو يجدها تنحني نحوه:

-يبدو أنكِ بعالم آخر ورد. *** تحركت بغرفتها دون هوادة تجلس تارة على الفراش ثم تنهض. فبعد أن انتهت العزيمة وعادوا للمنزل انصرف بسيارته دون أن يحادثها إلا بأشارة منه بأن تخرج من السيارة. وتنهدت بسأم وهي تشعر بالدوار من كثرة تحركها حول نفسها: -أنتي قلقانة كده ليه يامهرة منه؟ من امتى وانتي بتخافي؟ وذهبت نحو المرآة لتحادث نفسها: -أنا مبخافش منك ياابن الشرقاوي. *** هبطت الدرج بخطوات بطيئة وهي تستمع لصراخه بالهاتف.

فقابلتها هدى وهي تحرك رأسها بأنها لا تعلم شيئًا. وتمتمت داخلها: -ولا كأنه شايف كابوس بليل.. أنا أحسن حاجة آخد بعضي وأروح على الشغل. وشعرت بالجوع. فبالتأكيد الفطور قد تم تحضيره واتجهت نحو غرفة الطعام لتجذب قطعة من الخبز وتضع المربى عليها وتأكلها سريعًا وتذهب إلى عملها في مكتب الأستاذ فؤاد. كان جاسم قد أنهى مكالمته مع محامي شركته بكندا. فشقيقه تم استدعاؤه بمقتل مشيرة المرأة التي حذر شقيقه منها ومن سلوكها.

ونظر إلى مهرة وهي تقضم من قطعة الخبز وتقلب الشاي بعد أن وضعت معلقة من السكر. وسأل بتهكم: -الأستاذة العظيمة مستعجلة قوي كده ليه.. لدرجة معندهاش وقت تفطر؟ فأرتبكت من نظراته فيبدو أنه غاضب من شيء وهتفت بتعلثم: -آه مستعجلة جدا. وكادت أن تتخطاه وتنصرف فأوقفها صوته وطالع ساعة يده: -مكتب أستاذ فؤاد بيفتح الساعة تسعة يامهرة.. ومظنش أنك عندك قضية في المحكمة. فوقفت بتوتر لا تعلم سببه والتفت نحوه وقد طغى عليها فضولها:

-انت كنت بتزعق مع مين في التليفون؟ فحدق بها جاسم للحظات: -حساب امبارح لسا متحاسبناش عليه.. وحظك إني قرفان من المشاكل حاليا.. فهاجله. أغضبها أسلوبه البارد: -لأ خلينا نتحاسب دلوقتي أحسن. ووجدته يجلس على المقعد أمام الطاولة ويتناول قهوته لتقترب منه وتطرق على الطاولة بقوة لم تقصدها. هي كانت تريد أن تطرق بهدوء ولكن خانتها يدها. لتجد فنجان القهوة ينساب محتواه على بدلته الأنيقة وقميصه.

فانصدمت من غباء فعلتها فالفنجان على طرف الطاولة وقريب منه. ووجدته يرفع عيناه نحوها. لتبتلع ريقها بخوف: -أنا شايفة إني أمشي دلوقتي من قدامك أحسن. كان صمت جاسم عجيبًا. فحركت رأسها وهي تخطو للخلف: -بقعة بسيطة بس على البدلة.. لو عايز أنضفها معنديش مشكلة. وتابعت بتوتر وهي مازالت تخطو للخلف وتطالع: -هو انت مبتردش عليا ليه؟ ووضعت يديها على أذنيها بعد أن قرر أن يخرج أخيرًا من صمته وصرخ:

-ياريت تمشي من قدامي يامهرة عشان أنا ماسك نفسي بالعافية. فهتفت وهي تحدق به بقوة: -انت بتزعقلي كده ليه.. أنا هلم هدومي وأمشي من هنا.. أنا محدش يزعقلي. ولم تدرك بنفسها إلا وهي تصعد الدرج بخطوات سريعة بعد أن انتفض جاسم من فوق مقعده. ولسوء حظها بدلاً أن تردف من باب غرفتها قبل أن يلحقها. وجدت نفسها تحتضن الحائط. لتضغط بيدها على جبهتها صارخة بألم. أما هو وقف يطالع المشهد: -سبحان الله هي دي العدالة الإلهية...

تستاهلي يامهرة كل اللي بيجرالك. واقترب منها يطالعها ساخرًا ثم تخطاها ليبدل ملابسه قبل أن يذهب لعمله ويتابع مصيبة شقيقه. فلو لم ينته الأمر سيسافر له رغم أن المحامي طمأنه. أما هي وقفت تتألم ثم ضربت الحائط بقدمها: -غبية... غبية. *** انتهى التحقيق معه وهو إلى الآن لا يصدق أن مشيرة قد قتلت. وفور أن خرج من غرفة التحقيق وجد مرام تركض نحوه تحتضنه: -أنت كويس ياكريم؟ وبكت بخوف: -أنا كويس.. أنا كويس متعيطيش. وخرج

محاميه يزفر أنفاسه بتوتر: -القاتل شكله محترف.. معطل كل كاميرات المراقبة بتاعت المبنى والشارع اللي عايشه فيه. فتسألت مرام: -كريم هيخرج معايا مش كده؟ فحرك المحامي رأسه بنفي: -للأسف لأ.. لحد ما تسجيلات التليفون تظهر وتقرير الطب الشرعي. ونظر المحامي بأرتباك إلى كريم: -متقلقش يابشمهندس مفيش حاجة عليك.. لأنك وصلت بعد اكتشاف الحادثة بـتلت ساعات. كان كريم بعالم آخر وهو يحتضن مرام الباكية.

يكره القتل والحوادث بشدة فهذا يذكره بوفاة والدته وزوجها وشقيقته. *** كان يأخذ غرفة مكتبه ذهابًا وإيابًا وهو يحدث ريان صديقه بكندا وشقيق رفيف: -ريان اهتم بالأمر أرجوك. ليأتيه صوت ريان: -لا تقلق جاسم.. كريم مثل أخي يارجل. وأنهى جاسم الاتصال وأخذ يفرك رأسه من أثر الصداع. ليجلس على مكتبه بقلق. فشقيقه لوجود آخر اتصال بينه وبين القتيلة تم حبسه إلى أن يروا سجل المكالمات ويتم تشريح الجثة وتحديد وقت الوفاة بدقة.

وأردف ياسر إليه كي يطمئن على مجرى الأمور: -المحامي قال إيه؟ فزفر جاسم أنفاسه ونهض من فوق مقعده: -للأسف لسه بيحققوا في القضية.. ياسر احجز لي طيارة خاصة حالا.. مش هقدر أستنى هنا. فحرك ياسر رأسه بتفهم فهو يعلم مدى مقدار حب جاسم لشقيقه. وخرج من الغرفة يفعل اتصالاته. أما جاسم حمل هاتفه وارتدى سترته. فنهضت مني تتعجب من رحيله وقبل أن تسأله عن شيء: -أنا مسافر كندا يا مني.. ألغي كل الاجتماعات. وانصرف دون كلمة أخرى. ***

استيقظت ورد بآلم برأسها تشعر بالدوار. بعض اللقطات تسير أمام عينيها دون ترابط. لتنظر لساعة هاتفها فتجد الساعة قد تخطت الثانية ظهراً. فشهقت بصدمة. وكادت أن تنهض من فوق الفراش لتجد فريدة تندفع لغرفتها تلقي بوجهها المجلة: -ما هذا؟ فنظرت ورد للمجلة بخوف لتتسع عيناها وهي تجد نفسها وكأنها كالمخمورة: -أنتي حمقاء.. لا أعرف كيف تزوجك ابني. وتابعت فريدة بكره: -فتاة رخيصة.. وجدوا أهلها فرصة زواج لتعوض فقبلوا بها على الفور.

كلمات وكلمات كانت تلقيها عليها. وورد أحلى صامتة تنظر لصورتها وصداع يضرب رأسها بقوة: -جعلتي الصحف تتحدث عن ابني.. فضحتِ عائلتنا. لتنهض ورد بتشوش وتنظر لها: -أنا لا أتذكر شيئًا صدقيني. فدفعتها فريدة بقوة: -عودي لوطنك.. أنتي وباء على عائلتنا. كانت كلمات فريدة قاسية. وخرجت من الغرفة وهي تبتسم بخبث فاللعبة قد نجحت. وقد نشرت سيلا الخبر في المجلة التابعة لصديقها وستظهر سيلا الآن الملاك لكنان بعد أن تتدخل في الأمر.

فتلك المجلة الوحيدة من نشرت الصورة فجميع رؤساء المجلات يخشون من دعم كنان لهم فلا ينشروا شيئًا عن حياته إلا إذا رغب وعلم بالأمر أولاً. *** ألقى كنان المجلة على مكتبه. لينظر له بشير: -اهدأ كنان يبدو أنها لعبة من أحداهم.. اسأل الخادمات. فزفر كنان بضيق: -أتظن لم أفعل ذلك بشير... سأجن بشير من وضع لها مخدر في مشروبها. فطأطأ بشير رأسه. وتذكر أمر المجلة: -ماذا ستفعل مع تلك المجلة صحيح؟

لتضيق عين كنان وهو يشرد فيما صدر عن زوجته. "صدمة الظهور الأول بتركيا لزوجة رجل الأعمال كنان كمال الدين.. ويتساءلون هل هذه تليق بشخص مثله وأسألة كثيرة كيف تزوجها وهل سيستمر هذا الزواج." وانصرف بشير بعد أن أتاه اتصال. لتردف سيلا بتلك اللحظة وترسم على ملامحها الحزن: -كيف تسمح لهم بذلك كنان.. هل رأت ورد الخبر؟ ليتذكر أمر ورد فمنذ ساعة هاتف المنزل ليخبروه أنها لم تستيقظ بعد. -سأعاقب من نشر ذلك الخبر. فأقتربت منه

سيلا وربتت على كتفه بدعم: -اهدأ كنان أنا أعرف رئيس تلك المجلة.. وسأجعلهم يلغوا الطباعات الأخرى.. ويعتذروا من ورد. وتابعت بحزن: -حقًا لا أعرف من يفعل بها هذا.. ولكن أن تعلم مكانتك والراغبين بك كثر. فأطالعها كنان بصمت وهو يفكر فيما حدث. فقد شك بسيلا ولكن وجودها الآن ألغى شكه. وصدح رنين هاتفه. ليهتف بعجلة: -مابكي ورد؟ ووجدها تبكي: -رأسي توجعني كنان... أنا لا أتذكر شيئًا من ليلة أمس.

فأسرع كنان لخارج مكتبه دون أن يهتم بأمر سيلا الواقفة وقد استشاطت غضبًا: -أهدي حبيبتي.. فأنا قادم إليك. *** بكت رقية بحرقة وهي تخبر مهرة عما يحدث معها تلك الأيام: -قوليلي يامهرة ليه محدش شايفني مناسبة لمراد.. أنا وحشة. فوضعت مهرة يدها على جبهتها تتحسس الكدمة التي حدثت لها بالصباح. وصرخت رقية كالأطفال: -أنا وحشة يامهرة.. ردي عليا. وبكت كالأطفال. لتنظر مهرة حولها بحرج فكل الجالسين بالمقهى اتجهت أنظارهم نحوهم:

-بس فضحتِينا.. بعياطك ده فعلاً عاملة زي الأطفال. فذمت رقية شفتيها. لتضحك مهرة على أفعاله: -مشكلتك بتسألي الشخص الغلط في الأحوال العاطفية. فغمزت لها رقية بشقاوة وقد نست حزنها: -الشخص الغلط اللي وقع جاسم الشرقاوي... آه ما بيبان فعلاً أنك الشخص الغلط. وتابعت بتهكم: -داري انتي كمان على شمعتك. فضربت مهرة كفوفها ببعضهم: -تصدقي أني غلطانة جيت أقابلك.. استأذنت من المكتب بدري عشانك وعشان الزفت أكرم. ونظرت حولها:

-هو اتأخر كده ليه؟ لتشير لها رقية نحوه متمتمة: -شوفيلي حل يامهرة ماليش دعوة.. أنا عايزة مراد يحبني. فلوت مهرة شفتيها بأمتعاض: -اكبري وهيحبك.. استغفر الله العظيم.. رقية كملي الأيس كريم بتاعك يا حبيبتي. لتنظر رقية إلى كأس المثلجات خاصتها واندامجت معه بحماس وأخذت تأكل. ليقترب منهم أكرم بعبوس وجلس بالقرب من مهرة بعد أن حيا رقية برأسه: -مالك انت كمان؟ فتمتم أكرم بفتور: -ماما مش موافقة على ضحى يامهرة.

فعبست مهرة وتسألت ساخرة: -والوالد العزيز فين من كل ده؟ وعندما طالعها أكرم بنظرة يائسة علمت الإجابة التي تعلمها ولا تحتاج لسؤالها. وهتفت رقية بحزن وهي تأكل من المثلجات: -انت كمان مش عارف تتجوز اللي بتحبها. عمر أكرم رأسه بصمت. لتطالعهم مهرة بضيق هاتفه: -ياسلام عليكوا انتوا الاتنين... إيه اليأس ده. وأشارت نحو رقية: -انتي انشغلي بأي حاجة في حياتك وابعدي عن مراد لفترة.. أقولك حاجة سافري عند عمتك الكويت. وأشارت لأكرم:

-وانت أهدي وهنشوف حل.. بس اجمد كده مش بأول خبطة في حياتك تيأس وتستسلم. كانوا يحدقون بها بصمت محركين رؤوسهم بأنصياع. وحركت شفتيها بأستياء: -أنا بقيت أسامة منير على ايدكم... الله يسامحكم. *** وجدها تضع ملابسها في حقيبة سفرها: -لن أظل هنا ثانية كنان. وبكت كالأطفال: -أنا لا أليق بك. ليجذبها كنان نحوه برفق متذكراً ليلة أمس بقلب هائم وبمكر هتف: -تريدي تركي ورد.. أين حبك لي؟ فتمتمت بحزن:

-مازال موجود كنان ولكن لا أحد يحبني هنا. فضاقت عين كنان: -من ورد؟ وتذكر والدته وكيف تلمح له عظيمة بسوء معاملتها لها. -ورد أخبريني بكل شيء يحدث معك. فطأطأت رأسها وهي تتذكر حديث والدته القاسي لها. وبكت بحرقة فهي تعلم بعلاقة كنان ووالدته والتي لا تحتاج لهدم فإذا أخبرته بما تفعله فستخرب آخر طريق بينهم. ورفع كنان وجهها نحوه: -لا تحني رأسك ورد. وسألها وهو شارد: -ماذا شربتي أمس؟ فهتفت وهي تتمنى أن تجد الإجابة:

-عصير برتقال كنان ولم أشرب شيئاً غيره.. أنا لا أتذكر شيئاً وكيف فعلت ذلك؟ الحيرة أصبحت تضرب رأسه شك بسيلا ووالدته والخدم ولكن سيلا بفعلتها اليوم أزالت شكه. والخدم أقسموا أنهم لم يفعلوا ذلك. ووالدته لما تفعل هذا بزوجته. -أنا لا أشرفك في مجتمعك كنان أليس كذلك؟ وتابعت بألم: -إذا أردت أن تطلقني فأنا... ولم يترك لها تكملة الإجابة فقد ضمها إليه بعنف: -لا أريد أن أسمع منك تلك الكلمة مجددًا ورد. وابعدها عنه قليلاً ومسح

على وجهها وغمز لها بوقاحة: -كنتي رائعة حقًا ورد ليلة أمس. فاتسعت عين ورد وعقلها يسير أمامه مقاطع لا تجمعها. وحدقت به وهي تتساءل: -ماذا فعلت أمس كنان؟ فمال نحوها وهمس: -رقصتي لي.. قبلتني كثيراً وكثيراً.. قلتي لي إني وسيم. ومع كل كلمة ينطقها كانت تفتح فاها كالبلهاء وحدقتا عيناها تتسع بصدمة. وهتفت بتعلثم: -ماذا.. أنا.. فعلت هذا.. وقولت هذا؟ فلم يتمالك كنان ضحكاته. وانفجر ضاحكاً: -وارتديتي لي بدلة رقص حمراء ورد.

وتعلت ضحكاته وهو يجدها تنفجر في نوبة بكاء كالأطفال. *** تسطحت مهرة على الفراش وهي لا تصدق أنه سافر دون أن يخبرها بهذا. فقد علمت بسفره من هدى بعد أن أخبرتها أنها لن تتناول طعامها إلا عندما يعود. ليكون رد هدى المتعجب: "لكن جاسم بيه سافر يابنتي." وأخذت تتقلب على الفراش وهاتفها بجانبها تنظر من حين لآخر له لعله يهاتفه أو يبعث لها برسالة. وهتفت لنفسها: -أنسي أنه يفتكرك يامهرة.. أنتي منسية من كل اللي حواليكي.

ودمعت عيناها إلى أن غفت تردد اسمه على شفتيها. *** مر يومان على سفره شعرت خلالهما بالوحدة وافتقاده. قررت اليوم أن تذهب لريم بعد أن علمت بمرض والدتها. وقفت أمام شقة ريم المتواضعة وطرقت الباب ليفتح لها رجل بعمر والدها ويبدو أنه هو والد ريم لتشابه ملامحهم: -ازيك ياعمي.. أنا مهرة صديقة ريم. فأتسعت ابتسامة الرجل البسيط ورحب بحب: -اتفضلي يابنتي يا أهلاً وسهلاً.. أنتي متعرفيش ريم بتحكيلنا إيه عنك.

فخرجت ريم من حجرة والدتها غير مصدقة أن مهرة قد أتت لزيارتها. ونظرت لعباءتها المنزلية القديمة بخجل. فأقتربت منها مهرة تحتضنها: -تصدقي عندي منها واحدة شبهها بالظبط. فأبتعدت عنها ريم ضاحكة: -تقريبًا كان موديل ونازل السوق. فضحكت كل منهما. لينظر والد ريم لمهرة: -تعالي يابنتي اقعدي.. معلشي البيت مش قد المقام. فتقدمت مهرة وجلست على أحد المقاعد هاتفة بلطف: -مش قد المقام إيه بس ياعمي.. على فكرة أنا من السيدة زينب.

فأبتسم الرجل وأخذ يخبرها عن الأشخاص الذين يعرفهم وعن القهوة التي بحيهم. واندمج والد ريم بالحديث معها. لتخرج من الغرفة والدة ريم تتحرك ببطء وعندما رأته مهرة نهضت من مقعدها نحوه تمسك يدها: -تعبتي نفسك ليه.. ألف سلامة عليكي. فربتت والدة ريم على وجهها بحنو: -كان لازم أطلعلك وأشكرك على كل حاجة عملتيها مع ريم. لتخرج ريم من المطبخ تحمل كوب العصير: -أنا مش مصدقة نفسي إنك هنا. فأبتسمت مهرة بود وهي سعيدة بوجودها

بينهم وهتف والد ريم: -عصير إيه ياريم.. حضري الغدا يابنتي. فأرتبكت ريم فغدائهم اليوم لن يكون إلا عدس. -أصل يابابا... فهم والدها الأمر: -أنا هنزل أشتري سمك مشوي.. وأنتي اعملي الرز. فأعترضت مهرة. لتجد والده ريم تخبر زوجها: -أيوه ياحج أنزل اشتري السمك. وقبل أن يتجه والد ريم نحو الباب. اندفعت مهرة هاتفه: -أنا هاكل من اللي انتوا عملينه في البيت وكنتوا هتتغدوا منه غير كده أبداً والله. ومع إصرارها.

حدث ما أصرت عليه فهي لم تأتِ لتكلفهم. وبعد ساعة قد أتى الشقيق الأصغر لريم وألتفوا حول الطاولة ذات الأرجل القصيرة وتناولوا الطعام مع أحاديث مرحة. وكانت والدة ريم تجلس بينهم تأكل من شوربة الخضار الموصي بها الطبيب. ألفة أسرية هادئة والدة ريم ذكرتها بوالدتها ووالدة مرام. أما والد ريم لم يذكرها إلا بالسيد عادل بل وأكثر منه طبية. فهو رجلاً بسيط للغاية. وانقضت الجلسة وقد اندمجت مهرة مع "علي" شقيق ريم.

وفي النهاية وضعت لهم ظرف به مال. لتهتف والدة ريم بعزة نفس: -إيه ده يابنتي؟ فأبتسمت مهرة بحب لتلك السيدة: -أنا مجبتش عصير ولا فاكهه وأنا جايه.. ده واجب الزيارة ولا إيه. فأبتسمت لها المرأة ولم تستطع النطق. -متقلقيش ديه حاجة بسيطة خالص. وانصرفت بعدما ودعتها ريم وشكرتها. وهبط معها علي ليوصلها لأسفل بنايتهم. لتنظر ريم لوالدها الذي تمتم: -بنت حلال وطيبة أوي البنت دي. *** خرجت مهرة من الحي الذي تسكنه ريم.

فرن هاتفها لتظن بأنه جاسم فقد هاتفته صباح لتخبره بأمر ذهابها لريم واحتياجها لبعض المال. وكان رده مقتضبًا فعذرت لتوتره فاليوم سيصدر قرار أما خروج كريم أو استمرار حبسه. ووجدت رقم مرام ففتحت الخط سريعًا: -طمنيني يامرام.. بجد خرج بالسلامة. فهتفت مرام بسعادة: -أيوه يامهرة خرج الحمد لله.. أنا مضطرة أقفل هكلمك بعدين. وأغلقت معها الهاتف. وفور أن وضعت الهاتف بحقيبتها. دفعها أحدهم بقوة أرضًا بعد أن أخذ منها حقيبة يدها.

كانوا رجلان يقودون دراجة هوائية وبعدما أخذوا المال والهاتف قذفو بها. ليقف الناس حولها يساعدوها بأن تنهض. ذراعها قد جرح وركبتها اليمنى أيضًا. وجاء إليها أحدهم بحقيبتها يخبرها بأسف: -للأسف سرقوا الفلوس والتليفون يابنتي.. بس أوراقك الشخصية موجودة. فأخذت الحقيبة منه وهي تتألم وتنهدت بارتياح وهي ترى متعلقاتها الشخصية موجودة. وسمعت صوت إحداهن: -عوضك على الله بقي يابنتي.

وانصرف البعض والبعض الآخر وقف يضرب كفوفه ببعضهم مما حدث. وبعدما استطاعت الوقوف قليلاً. أوقفت سيارة أجرة. كان رجلاً كبيرًا بالسن وعندما رآها تتألم: -أوديكي على المستشفى يابنتي. فحركت رأسها وهي تنظر لجرح ذراعها. واغمضت عيناها بألم. تتمنى أن تعود للمنزل وتجد جاسم ينتظرها وتدفن جسدها بين أحضانه. لم يتركها السائق وظل معها إلى أن أوصلها. لتهبط من سيارة الأجرة بعد أن دخل من بوابة الفيلا: -هجيبلك الفلوس وأرجعلك.

ورغم ألم ركبتها صعدت الدرج سريعًا وهبطت بالمال. فشهقت هدى من رؤية ذراعها ملفوف وتعرج قليلاً. وعادت للداخل بعد أن حاسبت السائق وراضته بالمال. ووقوفه جانبها. وتسألت هدى بقلق: -مالك يامهرة إيه اللي حصل يابنتي؟ فقصت لها ما حدث: -الحمد لله جات على قد كده. وساعدته هدى للصعود لغرفتها بل ودللتها. وانتهى اليوم بمساوئه. وفي اليوم التالي. كانت نائمة تحلم بجاسم وهي تعاتبه لعدم اهتمامه بها وسؤاله عنها.

وشعرت بملمس شفاه على جبينها وظنت أنها تحلم. ثم كانت ملمس الشفاه على جرح ذراعها ثم ركبتها التي ظهرت من منامتها القصيره. وهي تظن أنها بحلم وهمست بعتاب وهي تفتح عيناها وقد تخيلت جاسم أمامها: -سافرت ومسألتش عني.. أنا زعلانة منك. كان يجلس جانبها بالفعل يحزن لرؤية جروحها فندم أشد الندم لتجاهله لها. ومال نحو جبينها يلثمه مجددًا: -أنا آسف يامهرة. لتبتسم له وهي تظن أنها مازالت بالحلم: -خلاص سامحتك... أنت طيب أوي في الحلم.

فضحك فالحمقاء مازالت تعتقد أنها تحلم. وأغمضت عيناها وفتحتهم ببطء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...