الفصل 55 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
34
كلمة
3,276
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

تقدمت بخطوات متوترة نحو غرف النوم بعد أن سارت في باقي أركان الشقة منبهرة من روعتها وفخامتها. فتحت فمها كالبلهاء وهي تتأمل الغرفة الكبيرة، فدَلَفَت داخلها تحادث نفسها. "معقول في شقق بالجمال ده." كانت الغرفة واسعة، فهي غرفة النوم الرئيسية. انتقلت بعينيها على الفراش الوثير، فاتجهت نحوه تلمسه بأنبهار. "شبه أوض النوم اللي بشوفها في التليفزيون."

واتجهت نحو كل ركن من أركان الغرفة، تنظر لكل ما تقع عليه عيناها بتدقيق. حتى كانت الصدمة أمام ملابسه وأحذيته. وقفت كالصنم بعد أن سمعت صوته خلفها. "أراكِ تتجولين بمنزلي.. ونسيتِ حدودك هنا." هتف بنبرة خبيثة ليحرك لسانها الذي اشتاق إلى لذاعته. فجف حلقها وتسمرت قدماها. فرغم سلاطة لسانها إلا أنها تخجل، فهي في غرفته وأمام ملابسه. لعنت نفسها وفضولها الذي أوصلها لهنا. يكفيها عملها في منزله وهي تعلم أنه أعزب.

"هل أكلت القطة لسانكِ يا آنسة علياء؟ فأستدارت إليه ببطء وهي تحرك لسانها على طرفي شفتيها، وبتعلثم هتفت. "أنا سمعت صوت.. فخفت يكون في حاجة.. قولت أطمئن." كانت عيناه تجول على خلجات وجهها المرتبك وكلماتها الكاذبة. فهو يعلم أن الفضول هو من دفعها لهذا الأمر. وأرخى ساعديه عن صدره واقترب منها محدقاً. "تكذبين يا صغيرة." فأستاءت من نظراته. "أكيد بكذب.. ما الحقيقة واضحة بتفرج على الشقة." وتابعت وهي تتخطاه.

"أصل بفكر أشتري واحدة زيها." أدهشه ردها، بل واستطاعت أن تتلاشى توترها سريعاً وأخرجت نفسها من حصاره بكل بساطة، جعلته يقف محتاراً من أمرها. لا يظن أنها تفعل كل ذلك بكنة لجذب انتباهه. علياء نوع لم يسبق أن صادفه يوماً. وسار خلفها يرسم على ملامحه الجدية حتى وصل للمطبخ فوجدها توضبه سريعاً قبل أن ترحل. "حضري الغداء قبل أن ترحلي.. وأتمنى أن تكوني قد طهيته جيداً لأنني أفكر في استبدالك بطاهية أخرى."

وقبل أن تهتف باعتراض، انصرف نحو غرفته مجدداً يبتسم ولا يفكر بشيء إلا الاقتراب منها حتى يفك شفرات قلبه الذي أصبح راغباً بشدة بها، ليس كرغبة جسدية إنما رغبة أخرى متلهفة.

نصف ساعة قضتها في التعرف على بعض المدعوين من قبل خالتها رقيه. وعايدة تنظر لها بضيق لا تعلمه. فهي تفرض روحها المحبة سريعاً. ومن وقت لآخر تتذكر الشارب الذي كان على صورتها وتتمنى أن تعرف من فعلها. أما مهره فمن حين لآخر تنظر لها مبتسمة بتحدي، وكأنها تخبرها أنها أقوى من أن تكون فأر جبان تقضي عليها بعض كلمات.

إلى أن بدأت الندوة وكانت الكلمة الأولى لرئيسة الجمعية وبعض الأعضاء. تصفيق وحماس، ورغم كل ذلك مجرد كلام تعلم أن القليل سيفعل به. فهدف الندوة كان عن التنمر وكيف نصبح مجتمعاً واعياً. وجاء دور كلمة "عايدة" والتي وقفت بفخر تسير بزهو نحو المنصة لتلقي كلمتها وعلى وجهها أروع ابتسامة. وبدأت حديثها بشكر. "أحب أشكر رئيسة وأعضاء الجمعية على الدعوة الجميلة دي.. موضوع فعلاً يستحق إننا نسلط الضوء عليه."

كلمات مرتبة ورائعة كانت تلقيها. فمن يرى عايدة الآن لا يظن أنها امرأة خبيثة تمثل التعاطف والدعم لمن يعانون من ظلم المجتمع. كانت عين مهرة ثاقبة عليها، تركز في كل كلمة تتحدث بها عن أشخاص دعمهم برنامجها التلفزيوني. إلى أن بدأ الحوار يذهب للمساواة ولا أحد يتميز عن غيره إلا بعمله الصالح ثم اجتهاده الشخصي.

اليوم فهمت معنى التنمق وعلمت لماذا الحية تبدل جلدها كل فترة. عايدة هانم تتحدث بالسلوك والأخلاقيات. ترغب بالضحك ولكن مهلاً لتنتظر إلى نهاية الحديث. وحملقت في أعين الجالسين منبهرين إلى أن فتح باب المناقشة معها. كانت هذه فرصتها لتخرج كل ما يقف في حلقها. فتلك الندوة ما زادتها إلا كرهاً للرياء.

فرفعت يدها تطلب السماح لها بالسؤال. فدارت أعين الكثير نحوها منتظرين أول من ستبادر بالسؤال "لـ عايدة الدميتري" السعداء بوجودها. فنظرت إليها عايدة بترفع. "اتفضلي اسألي، سامعاكِ." وارتشفت من كأس الماء الذي بجانبها ثم مالت نحو إحداهن تتحدث معها، ثم عادت تنظر إليها منتظرة بدء حديثها.

"حضرتك قولتي في كلامك إنك بتدعي للمساواة وضد العنصرية بكل أنواعها سوا اضطهاد معنوي أو مادي، وأنا كل متساوٍ. بصراحة يا مدام عايدة تستحقي أن الكل يصفق لك." فاتسعت ابتسامة عايدة بترفع بعد أن سمعت تصفيق الحضور. "أشكركم جميعاً." وتابعت مهره وهي تدقق النظر فيها، وأكملت في رفعها لأعلى درجات الزهو والفخر. "عايدة هانم الدميتري قدوة مشرفة في البلد." وابتسامة عايدة تنير وجهها إلى أن تلاشت فجأة.

"عشان كده دلوقتي أنا محتاجة إجابة لسؤالي. مدام إنتِ مع كل الكلام اللي قولتيه، ممكن نعرف سبب رفضك لجواز بنتك من مجرد شاب لسه على أول خطوات طريقه؟ مع إنه مستقبله كويس بس للأسف من عائلة بسيطة." فتعالت همهمات البعض، ووقعت عيناها على الفتاة الجالسة تحدق بها. فهي علمت أنها ابنتها. "مش لازم ندعم الشباب ونديهم فرص يختاروا طريقهم؟ وإلا إنتِ مع الفروق الطبقية يا مدام عايدة؟

فرفعت عايدة كأس الماء ترتشف منه وهتفت بتوتر. تخاف أن تخطئ، فهي دوماً تستعد للمواجهة ولا تستهين بخصمها، ولكن اليوم سقطت في الحفرة التي صنعتها. "لأ طبعاً، أنا كلامي بطبقه في حياتي قبل أي شيء." فأبتسمت مهره وهي تنظر للجالسين. "هايل، وهو ده اللي إحنا منتظرينه من إعلامية كبيرة زيك ورمز مشرف في البلد." ونظرت للأعين المحدقة بها. "أكيد إحنا معزومين على خطوبة بنتك الآنسة ميار."

ونظرت للفتاة مبتسمة. فبادلتها الفتاة بابتسامة خجلة فضحت مشاعرها. فالكل الآن تأكد من قصة الحب. أما عايدة فكانت تحدق بابنتها تود لو أن تصفعها. الكل بدأ بالتصفيق والمباركة لعايدة. رغم أن سيدات المجتمع الجالسات أغلبهم يسيرون على قاعدتها، إلا أن مدام الأمر ليس معهم لا بأس أن يظهروا تحضرهم. فالقليل هو من يعي كيف يكون التحضر قلباً وقالباً. وعندما وجدت عايدة أنها محاصرة ببعض الأسئلة، وقد نفعها أن هناك بالفعل من يكرهها.

"أكيد يا جماعة أنتم مدعوين." ونهضت من فوق مقعدها الذي كانت تجلس عليه بزهو وترفع، لتغادر القاعة سريعاً وكأنها تهرب من المأزق. لتتجه ابنتها نحو مهرة تمسك يديها مبتسمة. "مش عارفة أشكرك إزاي.. شكراً." وانصرفت الفتاة خلف والدتها تلحقها، لتتسلط أعين الجميع عليها.

نظر لها وهي تتهادى في خطواتها تصعد الدرج بزهو. ف للتو كان قد أنهى مكالمته مع عايدة التي هاتفته تخبره بفعله زوجته ووضعها أمام الأمر الواقع. إلى الآن لا يصدق زوجته فعلت ذلك. موقف لا يعلم أيضحك عليه أم ماذا يفعل. "مهره." فوقفت ترسم على شفتيها ابتسامة واسعة وألتفت إليه. "نعم يا حبيبي." فأشار إليها أن تتقدم منه. فعادت تهبط الدرج وعلمت أن الخبر وصل إليه. "حولت الندوة لفرح يا مهره." فطالعته ببرائة وهي تشير على نفسها.

"أنا أعمل كده.. أنا بس وفقت راسين في الحلال.. مش عايدة هانم الدميتري مؤمنة إن مفيش فروق طبقية وكلنا سواسية." فرفع حاجبيه وهو يتفرس ملامحها. "يعني تروحي تحطيها قدام الأمر الواقع وتقوليلها توافق على خطوبة بنتها من الشاب اللي بتحبه." فضحكت وهي تتذكر حال القاعة وما تحولت إليه من هرج ومرج، وما نفعها أن الندوة كانت تضم بعض الصحافيين أصحاب القلم الحر غير وجود ابنتها ومشاعرها التي أظهرت كل شيء. "إنتِ بتضحكي على إيه."

قالها بهدوء وهو يطالع سعادتها. فصفقت بيديها بحماس. "الكورة اترمت في الملعب.. وجات قدامي اديها ضهري ولا أجرب حظي وأدخلها في المرمى." فجذبها نحوه بحنق وضرب على رأسها بخفة. "ادخلي وجيبي أهداف يا حبيبتي." نظرت عايدة بقهر لابنتها التي تجلس على الأريكة أمامها تفرك يديها بتوتر، ثم نظرت لشقيقتها التي تضمها. "على آخر الزمن أنا أناسب ناس من الطبقة العاملة." وحدقت بأبنتها بقوة. "ديماً بتحبي الرمرمة زي أبوكي."

لتطالعها نرمين بضيق عما تفعله. "خلاص يا عايدة، مش عايزة توافقي متوفقيش. دي مجرد ندوة وكلام." فضغطت على شفتيها بغضب. "ده كان زمان.. لعبتها صح واختارت أنسب توقيت ومكان." وتابعت وهي تحدق أمامها بشرود. "إنتِ ناسيه انتخابات مجلس الشعب وإني هترشح فيها." وتابع وهي تجز على أسنانها. "أول مرة معملش استهان بحد.. البنت دي مطلعتش سهلة." فأبتسمت نرمين داخلها. فهي ليست حانقة منها رغم أنها عاشقة لزوجها.

وربتت نرمين على يد ابنة شقيقتها. لتهتف عايدة بعد تفكير. "قولي للولد اللي إنتِ بتحبيه ييجي يقابلني." فعادت نرمين تبتسم وهي ترى كيف التقطت ابنة شقيقتها الهاتف من فوق الطاولة وركضت لغرفتها كي تحادثه. انتهت أخيراً رحلة الزواج الذي لم يتذوق شيئاً من عسله. حتى ليلة عودتهم قضوها في منزل زوج خالته السيد مسعود. وقد قدر الأمر لأنه يعلم مدى تعلق رقية بوالدها. ودلفوا لشقتهم.

فاتجهت رقيه لغرفتهما بتوتر. حججها قد كثرت ومراد تحمل كثيراً ولكن هي خائفة. حديث إلهام صداه مازال بأذنيها. وشهقت بفزع بعد أن شعرت بيد مراد على خصرها وشفتيه تقبل عنقها. ولكن كالمعتاد ابتعدت عنه تلمع عيناها من الخوف. فحرك يداه على خصلات شعره بحنق. "لأ كده الموضوع فيه حاجة يا رقية.. لدرجة دي خايفة مني؟ هروبك وخوفك ده ليه أسباب وأنا صبرت كتير والنهاردة لتقولي إيه اللي مخوفك، لاما كل حاجة هتم حتى لو غصب عنك."

فأرتجفت بخوف. فتنهد بقلة حيلة فجذبها إليه يضمها بحنان رغم اعتراضها. "إنت ممكن تعمل فيا كده." فرفع وجهها إليه يمسح دموعها. "رقية إحنا قبل ما نتجوز عمرك ما خبّيتي عني حاجة.. إنتي بقيتي تداري عني حتى مشاعرك يا رقية.. أنا مش شاكة في أخلاقك لأن أنا عارف رقية كويس.. بس فيكي حاجة مقلقاني ولازم أعرفها." فأبتعدت عنه تنظر إليه طويلاً لتفجر آخر شيء كان يتوقع أن يسمعه منها. "إلهام قالتلي إنك سادي يا مراد."

الكلمة ترددت على مسمعه كالصفعة. رقيه صغيرته تظن به هكذا؟ تراه بشعاً لتلك الدرجة؟ تصدق حديث طليقته وتقف تبكي أمامه تنتظر منه الإجابة؟ فبعد ابتعادها عنه طيلة الأيام الماضية يكون هذا هو السبب؟ طلقة من زوجته ما كان إلا أنها امرأة خائنة. "إنت كده فعلاً يا مراد.. أنا مصدقتش كلامها بس أنا خوفت." لتنفجر شفتيه بضحكة صاخبة تحمل الكثير من الألم. "سادي.. أنا فعلاً سادي يا رقية." واقترب منها وهو يرى رعشة جسدها.

"للأسف لتاني مرة بختار الزوجة الغلط." وانصرف بعدها ليتركها تنظر في خطاه بأعين باكية. فقد أخبرته بسبب خوفها بكل غباء وهي أكثر الناس علماً بخبث طليقته. وقد أوقعته في اللعبة التي أرادت أن تثبتها له: أنه أخطأ في الزواج منها.

وقف عمار يطالع كل من شقيقته وزوجته في المطبخ يعدون الطعام. رفيف أصبحت تعتاد على حياتهم البسيطة، حتى ملابسها تغيرت بأكثر حشمة خارج غرفتهما. خوف سيطر عليه وهو يجد قلبه ينسى عيوبها. فأغمض عينيه ينفض تلك الأفكار من عقله، فلو أحبها سيحترق بنيرانها. وتنحنح بصوت صاخب لينتبهوا لوجوده. فألتفت رفيف على الفور ثم ركضت إليه تعانقه وتقبل وجنتيه. فأشاحت علياء وجهها خجلاً عنهم. "مرحباً حبيبي."

فطالعها عمار وأبعدها عنه برفق. فشقيقته مازالت صغيرة لتتفتح عيناه على تصرفاتها. "لقد أعددت نصف الطعام لك.. قولي له علياء." كانت تتحدث بحماس وسعادة. جعله يلعن اليوم الذي أوقعه في طريقها. وفاق على صوت شقيقته مؤكدة: -فعلاً ياعمار، رفيف بقت تتعلم بسرعة. ونظرت لرفيف تشاكسها: -والفضل يعود لخبرتي العظيمة.. آه، بحاول أعلمها رغم غبائها. فزمجرت رفيف بشفتيها ثم وكزتها على ذراعها:

-مش هعطيكي دروس في فن التسويق.. روحي خدي الكورسات. فوضعت علياء قطعة من الخيار بفمها: -كده يامرات أخويا يا جميلة أنتي. عادت مشاكستهم التي أصبحت روتين يومهم، وهو يقف متعجب من تقبلهم واعتيادهم على بعض. فقلّب عينيه بينهم بملل: -ما شاء الله، شايفكم اتعودتوا على بعض. فمدت علياء لرفيف تصافحها، ثم احتضنوا بعضهم وانظروا إليه: -رفيف دي مفيش منها اتنين.. جميلة وطيبة وبنت ناس.. ده حتى الست الوالدة اسمها جوليا.

فحملق عمار بشقيقتها، وضرب كفوفه ببعضهم: -والله أنا أكتر واحد سعيد بتحالفكم ده.. بدل الصداع اللي انتوا عاملينه ليا. وتركهم متجهًا لغرفته. وفور أن أغلق باب الغرفة خلفه سمع صياحهم سوياً، فتأكد أنهم لن يتفقوا أبداً. وبعد دقائق، وجد رفيف تدلف للغرفة. وما أدهشه أنها ساعدته في خلع سترته وقميصه: -رفيف هانم بذات نفسها بتساعد جوزها في تبديل هدومه.. لأ وكمان بقت تتعلم الطبخ عشانه.. لأ مش معقول أن ده سحر الحب.

قالها بتهكم جعل يدها التي عند آخر زر من أزرار قميصه تتخشب، فأبعدت عنه: -دومًا تراني كريهة ياعمار.. أنت مغرور ومتكبر. وألتفت لتخرج من الغرفة، إلا أنه أمسك ذراعها ليدفعها نحو الخزانة وعيناه مسلطتان نحو شفتيها.. وبدأ السحر يتغلغل في أعماقه رغم الحصون. ................................. مسحت بأكمام منامتها دموعها التي تنساب: -مراد مخاصمني من امبارح يامهرة.. اعتذرت منه ومسمحنيش، قالي إني طفلة ومينفعش أكون زوجة.

فهتفت بها مهرة بحنو وهي تفرد ساقيها وتضع قدميها فوق الوسادة وتعدل من وضع الهاتف على أذنها: -مش هيعمل كده من غير سبب يارقيه.. اهدي وفهميني عشان نلاقي حل. فصمتت.. وهنا علمت مهرة الإجابة.. رقيه المخطئة، وبالطبع تصرفت كعادتها دون تعقل.. رقيه مثال مصغر لها في شخصيتها. -مدام سكتي يبقى أنتي الغلطانة. فهتفت رقيه: -ضحكت عليا إلهام.

وأخذت تقص عليها لقاءها بإلهام قبل عرسها بيومين، لتزيد من خوفها من تلك الليلة. وأثمر حديثها بل وجاء بوقتها.. فقبل لقائهم بأسبوع كانت تقرأ عن السادية. وأنهت حديثها وعادت للبكاء: -من غير ما تأكدي على غلطي، أنا فعلاً غلطانة.. خلي مراد يصالحني. فتنهدت بأنفاس مسموعة: -ركزي معايا واعقلي كده... واسمعي. فأعتدلت رقيه في رقدتها فوق الفراش تركز في الحديث الذي تخبرها به:

-إحنا هنلعب على مراد بحبه ليكي كبنت خالته، البنت الصغيرة اللي رباها.. إنسي إنك مراته دلوقتي لأنه مش طايقك. وقبل أن تعترض على توبيخها أكملت: -تلزقي فيه مهما صدك.. تتكلمي معاه زي زمان وارجعي لحبك اللي كان بيظهر في عيونك يارقيه.. ولا إحنا لما بنوصل لهدفنا بننسى قد إيه كنا بنتمنى اللحظة دي. اقتنعت بحديثها إلى أن جاء دور الملابس.. هل تكون له امرأة مثيرة أم تظل له بالمنامات الطويلة؟ -اللبس هيكون إيه في خطتنا؟ وعندما هتفت

رقيه بملابس النوم القصيرة: -لأ، إحنا منفتحهاش أوي ولا نقفلها أوي.. البسي حاجات مغرية في نفس الوقت محترمة.. مراد هيصدك لما يلاقي دلوقتي فاكرة تلبسي ليه وهياخدها على كرامته.. اتعاملي معاه خطوة خطوة لحد ما يصفي ليكي. كانت رقيه تستمع لكل كلمة إلى أن انتهت مهرة في الحديث: -هنأجل الزيارة ليكي بقى أنا وريم لحد ما نقول مبروك بجد. فخجلت رقيه من مغزى الحديث، لتضحك مهرة بصخب: -ماشي يامهرة، بكرة تحتاجي.

فهتفت مهرة بها قبل أن تنتهي المحادثة الهاتفية بينهم: -نفذي الخطة بعقل يارقيه واحرزي الهدف. وألقت بالهاتف جانبها تزفر أنفاسها، لتتسع عيناها على قهقة جاسم الصاخبة فقد دلف للغرفة على نهاية مكالمتهم: -إنتي إيه حكاية الأهداف والخطط اللي بتعمليها الأيام دي؟ وجلس جانبها على الفراش: -قوللي يامهره ياحبيبتي، إنتي كان حلمك تنضمي لفريق كرة قدم. ورغم استيائها من حديثه، إلا أنها سايرت الأمر بهدوء:

-تصدق رجعتني للأحلام القديمة.. تعالا أحكيهالك. وجذبته إليها فضحك وهو يميل نحوها يقبل خدها: -سيبك من الأحلام وخلينا في الحاجات المهمة. فانتبهت له، ولكنه كالعادة كانت أهمية ما يريد إخبارها به.. هو عالمهم الصغير المفعم بالحب. ....................................

طرقت طرقة خافتة على باب غرفته ودلفت بعدها، فوقفت مصدومة وهي تراه جزعه العلوي عاري ويجفف خصلات شعره والمياه تنساب على طول عنقه لتكمل سيرها على صدره.. تعلقت عيناها به للحظة وأخفضت عيناها سريعًا تفرك يديها بتوتر. وانتظر أن يسمع صوتها، ولكن: -في حاجة ياريم؟ وعندما رأى رأسها المنخفضة أدرك الوضع سريعًا والتقط قميصه يرتديه سريعًا: -خلاص لبست القميص، ارفعي راسك.. ها، عايزة تكلميني في إيه؟ وابتسم وهو يجدها ترفع رأسها نحوه:

-أنا كنت جاية أبلغك إني هروح بكرة لرقية مع مهرة بعد الشغل أبارك لها. عيناه كانت معلقة على كل شيء بها حتى حركت شفتيها، فأقترب منها مبتسماً: -روحي، مافيش مشكلة.. محتاجة فلوس؟ وقبل أن تعترض أخرج لها المال ومد لها يده به، فنظرت للمال: -بس أنا معايا فلوس. فزفر أنفاسه ببطء وهو يطالعها: -ريم، خدي الفلوس من غير جدال.. إنتي مراتي دلوقتي ومسؤولة مني.. بلاش ديما تعترضي وتقولي معايا.

فأبتسمت وهي تعلم مدى ضيقه من تلك النقطة، ولكن تلك المرة كان تصرفها مختلف.. ألتقطت منه المال بمرح: -كده هاجيب هدية أغلى وأفلسك ومتجيش تحاسبني على الفلوس.. هخلصهم كلهم. ضحك من كل قلبه وهو يجدها تتحدث أمامه بتلقائية دون تحفظ، فيبدو أن الأيام أزالت الحواجز التي بينهم.. ووجدها تقف على أطراف قدميها وتقبل وجنته كما أصبحت تعتاد: -شكرًا.

وانصرفت بعدما بعثرت مشاعره، ليقف يمسح على وجنته يستشعر دفء قبلتها التي أدمنها.. قبلة شكر أصبحت تهدم حصن وراء حصن.. وهمس لنفسه: -هتعملي فيا إيه تاني ياريم؟ رغم أن عقله بدأ يلح على انفصالهم بأسرع وقت قبل أن ينجرف وراء مشاعره، لكن قلبه يقف مدافعاً بكل قوته: "لا تكن جبانًا." ................................

اتسعت عيناه جميعاً بعد أن علموا بالفيلم الذي اجتمعوا من أجله، بل ودعتهم ورد لرؤيته بالسينما، كان فيلمًا من أفلام ديزني. فنظر إلى ورد وجود الملتصقين ببعضهم يضحكون ويهتفون بصوت واحد: -بيطلقوا نار علينا بأعينهم. فمال يشير نحو كنان وقد دعته ورد من أجل عائشة، فمشاعرها تجاه أصبحت واضحة إلا كنان لم ينتبه بعد: -أنت متأكد إنها زوجتك وليست ابنتك ياكنان؟ فطالعه كنان بأسف: -لا أعلم.

كانت ورد منتبهة لحديثهم، لترفع حاجبيها نحوهم، فأبتعد بشير معتذرًا: -أعتذر يا زوجة أخي قبل أن تأكليني.. اذهبي لزوجك. وتعلقت عيناه بعائشة التي أخذت تتضحك، ثم أشاحت بوجهها خجلًا من نظراته: -ما تلك النظرة ياكنان.. أكنت تطمح بمشاهدة فيلم آخر؟ فوجد كنان كل من جواد وعائشة وبشير اتجهوا نحو قاعة السينما، فحاوطها مبتسمًا: -لا حبيبتي. وتابع بكذب: -ما أجمل أن تعود مع زوجتك طفلًا.

كانت تعلم أنه يكذب، فهو لا يستوي تلك الأفلام، دوماً يميل للأفلام البوليسية. وجلسوا بمقاعدهم، بشير اختار المقعد المجاور لعائشة. هي وجواد اندمجوا على الفور، أما هو جلس يعبث بهاتفه، فهمست: -أعتاد حبيبي، ستصبح قريبًا أبًا وستتولى كل شيء خاص بطفلنا. فعقد حاجبيه ساخرًا: -وماذا ستفعلين أنتي ياورد؟ فأبتسمت وهي تتذكر المكان المجاور لمطعم ليليان وقد اشتراه لها لتتشارك معها: -سأتفرغ لمطعمي وسأصبح سيدة أعمال.

فعبس بملامحه، ولكن بنظرة حانية منها أدرك أن ورد لا يليق بها إلا دور الأم والزوجة الحنونة. .................................. نظرت مرام إليه بآلم وهو يحادث تلك المندوبة التي أتت لشركتهم لبضعة أشهر.. دوماً يضحك معها، وها هو الاجتماع الذي يترأسه هو ينتهي وهي تقف كالغريبة مثلها كمثل بقية الموظفين.

متذكرة كيف كان يفعل سابقًا، بعد نهاية أي اجتماع للشركة يتجهوا لغرفة مكتبه يمازحها قليلًا ويقبلها وهي تضحك على أفعاله الصبيانية ثم تفر منه متجهة لمكتبها. كل شيء انسحب من تحت قدميها، ورغم وقوفها بجانبه لم ينظر إليها قط وانصرف بعدها مع تلك المرأة، تعلم أنها متزوجة، ولكن هجره له وعبوسه بوجهها يؤلمها، يضحك مع الجميع إلا هي. ...............................

منذ تلك الليلة التي أخبرها فيها مهرة أن تلتصق به، وهي كالعلقة له.. يترك لها الفراش فتتجه خلفه لتندس بين ذراعيه، بمنامتها القصيرة التي رغم حشمتها إلا أنها تفصل جسدها.. حالهم منذ أسبوع، وزفر أنفاسه بحنق: -رقيه، كفاية شغل عيال بقى.. أنا زهقت. فمسحت على وجهه معتذرة: -زهقت مني يامراد.. طيب قولي أعمل إيه عشان تسامحني؟ وانزاحت من بين ذراعيه، فكل يوم يجرحها بكلماته ونفوره منها، ولكن تتحمل العقاب.. وقبل أن تهبط

من فوق الفراش جذبها إليه: -رقيه، إنتي بقيتي زوجة دلوقتي.. لازم تفهمي إن حياتنا إحنا اللي بأيدينا نبنيها وبأيدينا نهدمها ومهما كان الحب ممكن تضيع كل حاجة.. استغلي حبي ليكي صح يارقيه. كلماته كانت حانية، هذا الرجل هو من أحبته في جميع مراحل عمرها.. وسقطت دموعها وحركت رأسها إليه: -أوعدك يامراد إني هكون الزوجة اللي بتتمناه. فأبتسم واقترب منها يمسح دموعها بشفتيه، لتبدأ أول ليلة يعلمها فيها كيف يكون الحب.

.............................. دفع أكرم شقيقه نحو الحائط متسائلاً: -بتشم بودرة ياكرم؟ فدفعه كرم بعيدًا عنه: -إنت مالك بيا ياأخي.. كل واحد وحر في نفسه. فعاد أكرم يجذبه إليه مجددًا: -أنا أخوك ياكرم وأكتر حد يخاف عليك.. هعالجك مش هسيبك. وما كان من كرم إلا أن دفعه بقوة كاد أن يسقط أرضًا: -ابعد عني.. دي حياتي وأنا حر فيها. ليخرج من الشقة غير مصدق تملك طريق الشيطان من شقيقه بتلك الدرجة. .............................

أصبحت سهير غائبة عن كل شيء يدور بحياة أولادها، فكل ما أمامها الآن هو العامل الذي ترى فيه الشباب.. طيلة الليل تحلم به، لتأتي للمتجر تطالع جسده بشهوة ورغبة. وكانت تلك هي بداية.. النهاية. ...............................

أصبح يأتي لمنزله قبل انصرافها ببعض الوقت.. كانت تكمل مهامها بارتباك، أما هو أصبح لا يعلم لماذا يفكر بها طيلة الوقت دون هدف منه، فريم كان لديه هدف منها، أما علياء رغم أنها لا تناسب طبعه إلا أن بها شيء خفي يجذبه. واتجهت إليه فحجرة الجلوس تخبره أنها ستنصرف: -أنا خلصت كل حاجة.. في حاجة تانية مطلوبة مني؟ فتمتم ريان بشكر وهو يلقي الجهاز اللوحي الخاص به على الطاولة التي أمامه: -شكرًا ياعلياء. فأستدارت بجسدها كي تنصرف:

-علياء. فعادت تلتف نحوه مجددًا، فوجدته يعطيها مالًا، فميعاد راتبها بقى عليه أسبوعًا: -إيه ده؟ فهتف وهو يقترب منها: -راتبك. فحدقت بالمال الكثير ثم به: -لسه ميعاد المرتب فاضل عليه أسبوع. فأبتسم إليه: -لا بأس علياء.. خذيه قبل موعده. فوقفت تفكر قليلًا، وظن أنها ستأخذ المال، ولكن صدمه جوابها: -افرض حصلي حاجة قبل الأسبوع ده.. يبقى ليكي أسبوع عندي شغل... لأ، هاخد حقي في وقتي. وانصرفت بعدها دون أن تنتظر رده.

عيناه كانت تتابعها إلى أن غادرت شقته. اليوم كان ذكرى رحيل زوجته.. عاد بعد أن قضى بعض الوقت في المقبره أمام قبرها يعتذر منها أنه كان السبب في موتها فلولا ذلك المقال اللعين ماكان خسرها. كانت تجفف شعرها بعد أن انتهت من استحمامها ولكن عندما استمعت لغلق باب الشقه.. خرجت من غرفتها راكضه إليه تطمئن على حاله. كانت هيئته مشعثه وعيناه حمراء. "ياسر انت فيك حاجه"

كان صوتها يأتيه كصوتها عندما كانت تصرخ تستنجد به.. واقتربت منه بقلق تربت على ذراعه. "انت فيك حاجه" فأغمض عيناه ثم طالعها. "انا كويس ياريم.. ممكن تسيبني لوحدي" وتركها تقف حزينه من بعده عنها.. فمهما تقدموا خطوة بعلاقتهما عادوا للبدايه من جديد ولكن قررت أن لا تتركه. فأتبعته لغرفته.. لتجده جالس على الفراش يضع بوجه بين كفوفه... فجلست جانبه. "انا بس عايزه اطمن عليك" لكن كان لا يأتيها الا صوت أنفاسه.

ومر الوقت وهي جالسه جانبه تنتظر أن يخبرها بمصابه ولما هو هكذا.. ومع صمته نهضت مدام جلوسها لم يأتي بفائده. ولكن يده اوقفتها.. لتلتف إليها.. ومضت اللحظات ولم تشعر بعدها الا وهي تهوى فوق الفراش يسحبها معه لعالمه المظلم. ومع لمساته ودفئ أنفاسه كانت تشعر وكأنها تحلق كالطير بالسماء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...