فتح عيناه وهو يفرد ذراعه نحوها ليجد الفراش جانبه خالي. فأعتدل في رقدته ينظر للظلام الذي يحاوط الغرفه ويفرك عيناه كي يفيق. ونهض بعدها من فوق الفراش هابطاً لأسفل يبحث عنها. فوجدها متكورة على نفسها تحاوط جسدها بشال ثقيل وتجلس على أحد المقاعد المطلة على ساحة الحديقة وترتشف مشروباً ساخناً. لا يعلم إلى الآن ماذا حدث له منذ ذلك العشاء، فبعدما أنهى مكالمته وعاد إليها كان الشحوب يحتل وجهها وصمته إلى أن عادوا للمنزل وهي على نفس صمتها وسكونها.
فقد بدأ في الآونة الأخيرة يشعر بانطفاء روحها. طبيعتها المشاكسة وتهورها بدأت شعلتها تنخمد، وهذا ليس من شيم طباعها. واقترب منها بخطوات قلقة، وعيناه لم تتحرك عنها إلى أن أصبح خلفها مباشرة. "مهره إيه اللي مصحيكي؟ وتابع وهو يسحب أحد المقاعد الخشبية ويجلس أمامها. "الجو ساقعة عليكي دلوقتي، قومي ندخل جوه." فأبتسمت وهي ترتشف من مشروبها. "متقلقش عليا، أنا كويسة، والجو جميل." فرفع كفيه يضم وجهها بدفء، يداعب بشرتها الباردة.
"لو مقلقتش عليكي هقلق على مين؟ ألمٌ جثم على قلبها. خوف، اهتمام، قلق، حب، وشخصٌ هي مسؤولة منه. لم تختبر كل تلك المشاعر يوماً. لم تعش الدلال، لم تفكر يوماً بحالها. وعندما بدأت الحياة تعطيها. نظروا لما في يدها ولم يفكروا هل عوض الله يأتي من فراغ. ووجدته يقترب بمقعده منها أكثر، ومال بوجهه نحوها حتى اختلطت أنفاسهم. "فين زوجتي المشاغبة؟ أنا مش متعود على هدوئك ده." فقلبت عيناها وهي تحدق به. "في سبات عميق."
فتعالت ضحكاته في سكون الليل. "طب صحيها، عشان قلبي بدأ يقلق." طاب أوجاعها وعادت معه بروحها المرحة رغم جروح قلبها. إلا أن كلمات سهير كانت دوماً تقف في حلقها كالعلقم. فلم تنسَ يوم عزاء والدها، ولا حديثها بأنها لا ترى فيها إلا والدتها وسيكون مصيرها مثلها، امرأة هجرها زوجها فعاشت خلف الأطلال تبكي بصمت. واندفعت نحو أحضانه بعد أن كان يشاكسها قليلاً. "جاسم هو أنا ليه حبيتك؟
قالتها ببكاء. فأبعدها عنه وهو يعلم أنها ليست بوعيها. "ينهار منيل يابنت زينب، بتقولي لجوزك ليه حبيتك؟ أومال عايزة تحبي مين؟ انطقي." فأبتعدت عنه ببطء تنظر إليه وتحسست جبينه. "منيل وينهار... إنت متأكد إنك جاسم جوزي؟ فأنفجر ضاحكاً. "لأ مش متأكد ياحببتي، يمكن أكون عفريته مثلاً." وانقلب الوضع في لحظات بسيطة لتجد نفسها تضحك وتشاكسه، بل وأخذت تقبّل وجنتيه بقوة. "بقيت جميل أوي ياجاسم."
وجاسم يضحك على طفولتها. وكل يوم يدرك أن قلبه اختار من يراضيه ويسعده. *** حملقت رفيف للأطباق الموضوعة بالحوض بحنق، ثم نظرت لعلياء التي تقف جانبها تعد وجبة الغداء قبل أن تنصرف للمعهد الذي تدرس فيه. "سأجلب خادمة تقوم بمهامي وسأدفع لها الراتب." فألتفت إليها علياء حانقة. "وإيدك راحت فين؟ ما أنا واقفة جنبك بحضر الأكل اللي هاجي أطبخه." فطالعتها رفيف بأستياء، ثم عادت تنظر للاطباق التي بالحوض ولم تُجلَ أمس.
"أنا لست خادمة هنا، إنتي تريدي أن تكوني خادمة فالأمر لك، أما أنا فلا." لترفع علياء حاجبيها، ثم صفقت لها بقوة. "حلوة المحاضرة دي، ما علينا هتغسلي الأطباق يارفيف؟ أنا كل يوم بقوم بشغل البيت بدالك وبضحك على عمار وأقوله بتساعدني، وإنتي كل اللي وراكي يا أما بتخرجي أو بتكلمي صحابك الفرافير." فأتسعت عين رفيف بعدما سمعت نعت صديقاتها اللاتي يعدون من صفوة المجتمع. "أصدقائي فرافير؟ ماذا تعني فرافير ياعلياء؟
فوقفت علياء تفكر قليلاً كي تشرح لها معنى الكلمة. "أفهمهلها إزاي دي؟ واقتربت منها تحاوط كتفيها بلطف. "بصي يارفيف عشان نعدي الأيام اللطيفة مع بعض، انسى حياة هوانم جردن سيتي وعيشي حياتنا." فحدفت بها رفيف بعينيها الزرقاء. "لا أعرف كيف تعجبكم تلك الحياة." فأبتعدت عنها علياء زافرة أنفاسها بضيق. "مالها حياتنا؟ الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا بكتير، أنا فقدت الأمل فيكي وهتتعلمي شغل البيت يعني هتتعلمي شغل البيت."
وقبل أن تدفعها للحوض، نظرت إلى هيئتها. "بذمتك ده منظر واحدة هتشمر وتقف على الحوض؟ روحي يابنت الناس اقلعي الماركات اللي بتلبسيها دي وألبسي حاجة من عندي تليق بالمقام." فتهجم وجه رفيف ونظرت لهيئة ملابسها التي لا تعلم أهي ملابس للبيت أم للخروج. "أنا أرتدي منك إنتي؟ فأغمضت علياء عيناها تهدئ من روعها، ثم عادت تفتحهما. "أمسكها من شعرها دلوقتي ولا أعمل إيه؟ فمالت رفيف نحوها تسألها. "ماذا تقولي ياعلياء؟
فحملقت بها علياء بسماجة. "بقول كل خير، عايزاكي زي الشاطرة كده تحضري الغدا النهارده لجوزك." وأشارت لوجبة الطعام التي جهزتها للطهو. "ورّينا شطارتك النهارده." وتحركت بعدها تجمع كتبها وتضعها في حقيبتها، وهي تستمع لسباب رفيف الذي لم تفهم معناه إلا كلمة واحدة تعلم ترجمتها تماماً. وأغلقت باب الشقة خلفها وهي تهتف بنفاذ صبر. "أنا غبية يا أم لسان معوج، ده أنا أساس الذكاء." ***
نظرت سهير للطعام الموضوع أمامها على طاولة، وأكرم ابنها يمدح فيما صنعته والدة ضحى. الطعام كان لذيذ وشهي، ولكن مع سهير لم يروق لها شيء. فمضغت سهير الطعام بأمتعاض وهي تستمع لوالدة ضحى تخبر ابنها أن ضحى من طهت الطعام. "ضحى هي اللي طبخت الأكل كله." فأبتسم أكرم لخطيبته التي تجلس أمامه متوردة الوجه. "تسلم إيدك ياضحى." فأزداد امتعاض سهير، لتلوي شفتيها بتهكم. "مش بطال الأكل، بس المفروض مدام في ضيوف بنتك متجربش فيهم."
فأحتقن وجه أكرم. لتنظر والدة ضحى تجيب عليها. "كلك ذوق ياست سهير، بس أنا بنتي مبتجربش في حد، وحتى لو جربت، هي بتجرب في ناس غريبة، ما إنتي في مقامي ولا إيه؟ فشعرت سهير بدلو ماء يسكب عليها، ولم تعرف كيف تتحدث. وضاقت عين أكرم بغضب ونظر إلى والدته. "ماما." وتابع بلطف. "أنا آسف يا جماعة." وأخذ يعتذر منهم وداخله يحترق من أفعال والدته. فماذا سيفعل معها؟ فقد فعل الكثير، ولكن هي لا تتغير.
وعبست ملامح سهير وهي تراه كيف يعتذر منهم، وصمتت من أجله بحنق. فلا شيء يأتي مع تلك العائلة، وكأن ابنها كان الفانوس السحري لهم. فشعرت ضحى بيد والدتها على يدها تربت عليها تدعمها. تحمد الله أن زوجها ليس هنا. فلولا حب ابنتها لذلك الشاب لكانت أنهت كل شيء بلحظتها. ونظرت إلى أعين ابنتها الداعمة، لأكرم الذي كان يطالعها بكل أسف واعتذار. *** تذوق الطعام ببطء وابتلعه بصعوبة، وهو ينظر لرفيف التي تسأله كيف يبدو الطعام. "ما رأيك؟
أنا قد صنعته." فحدق عمار بها ثم بالطبق الذي أمامه، وهو لا يعلم بماذا يجيبها. ليسمع صوت علياء وهي تتقدم نحوهم بعد أن أبدلت ملابسها وجلست على مقعدها. "يادي الهنا اللي أنا فيه، رفيف عاملة لينا الأكل." وفور أن وضعت الملعقة بفمها، انسكب الطعام منه. "إيه ده؟ فطالعتهم رفيف وهي تتناوله. "ما رأيك علياء، إنه لذيذ أليس كذلك؟ فمسحت علياء فمها وابتلعت أكبر قدر من الماء. "اسمها إيه الأكلة دي؟
فتحمست رفيف وهي تخبرها اسم الأكلة ووصفتها بالفرنسية. لتطالعها علياء بأعين متسعة. "عمار هو مين اللي فتح نشرة الأخبار الفرنسية؟ وانتفضوا الاثنان بعد أن ضرب هو الطاولة. "ساعة هدخل أريح لو ملقتش أكل يفتح النفس، بلاش أقولكم هعمل فيكم إيه." ومال نحو رفيف يحدق بها بقوة، وكأنه يخبرها أن الحديث لها. فأرتعش جسدها بخوف. ونهض وهو يتمتم. "الواحد بقى يرجع من الشغل ملهوش نفس يدخل البيت." وعاد يدور بعينيه بينهم.
"صوت مسمعهوش، مفهوم." ودلف لغرفته. لتفتح رفيف عيناها. أما علياء نظرت لها بضيق. "أنا مالي، إنتي مراته يشخط ويزعق فيكي براحته." ونهضت هي الأخرى، لتركض خلفها رفيف. "علياء مين سيطهو الطعام؟ فنظرت لها علياء وقبل أن تخبرها أنها هي من يجب أن تعده. "أرجوكي علياء حبيبتي، إنتي طعامك رائع." وأخذت تمدح بها وبطعامها وجمالها ورقتها. فأبتسمت علياء بفخر وهي تنحني بطريقة درامية. "شكراً، شكراً لا داعي للمدح يا زوجة أخي."
فقبلتها رفيف على وجنتها بعدما علمت بأي طريقة تكسبها. "إنتي تستحقي ذلك ياعلياء." *** جلست رقية مندمجة مع عائلة كنان تقص عليهم كل جولاتهم بطرافة. رغم أنهم لا يفهمون العربية بقوة، إلا أنهم اندمجوا، حتى فريدة اندمجت بل أعجبتها مرح رقية ورقتها. ومراد وكنان يجلسون بعيداً عنهم يتحدثون بأمور الأعمال والاقتصاد. دعوة عشاء كانت لفتة طيبة من عائلة كنان الذي أصر على مراد كثيراً أن يدعوه في منزله، ولكن مراد اعتذر بلطف.
وانتبهوا على صوت الخادمة تخبرهم أن العشاء قد تم تقديمه. فهمست رقية التي كانت ملتصقة بورد. "أخيراً، أنسيت أني سأتعشى، ياا أنا جعانة بشكل." فدفعتها ورد برفق متمتمة. "إنتي طول عمرك جعانة يارقيه." فتذمرت رقية بطفولة لتضحك عليها ورد. وأشارت بحماس نحو ليليان التي تتقدم منهم مع شقيقها بشير، تبتسم لها بسعادة لأنها تلاقت بها مجدداً.
وبدأوا يتناولون الطعام بإنسجام. ومراد من وقت لآخر ينظر لرقية وداخله يود خنقها، ولكن صبراً إلى أن يعودوا للوطن. ودفعت رقية ساقها بساق ورد، وعيناها تدور بين نظرات عائشة وبشير. "شكلنا هنقول مبروك قريب." فوكظتها ورد بذراعها ونظرت إلى عائشة التي ترتشف الماء بأرتباك. "الله يعينك يامراد." فأحتقن وجه رقية بعبوس، متمتمة بنبرة خافتة قد سمعها مراد الذي يجلس جانبها. "هو كل حد يقولي الله يعينك يامراد؟ فمال نحوها مراد مبتسماً.
"الكل حاسس بالمعاناة اللي أنا فيها." وقبل أن يصدر ردة فعل منها، وجدت فريدة تسألها عن مدة إقامتها هنا وتطلب منهم أن يظلوا معهم للغد. *** تجمدت عين نرمين بعدما أخبرها جاسم أن من ستذهب معه لمقابلة الشركاء الإيطاليين هي زوجته. كانت كلماته رسمية. وعاد جاسم يطالع بعض الملفات، ثم رفع عيناه نحو نرمين. "في حاجة تانية عايزة تبلغيني بيها يانرمين؟ فتمالكت دموعها وهي تحرك رأسها بالنفي متمتمة. "لأ يافندم."
فأشار إليها بجدية وهو يعود لمطالعة ما أمامه. "طب اتفضلي على شغلك." فوقفت قليلاً تطالعه بألم. فيبدو أن حلم الوصول إليه صعب، ولكنها تعشقه وستتحمل إلى أن تصل إليه حتى لو تزوجها سراً. قلبها لم يعد يرى غيره. وخرجت من غرفته مطأطأة الرأس، تخشى أن تلاحظ من عيونها الدامعة. فرفع جاسم عيناه نحو الفراغ الذي تركته متنهداً. بدأ يلاحظ أنها تأخذ تقديره وافتخاره بها بشيء آخر.
دلف ياسر للشقة بإرهاق، فوجد ريم تجلس تشاهد أحد المسلسلات الأجنبية بحماس وعيناها ثاقبة على التلفاز. فانتبهت لقدومه وأغلقت التلفاز لتقترب منه بقلق. "أتأخرت كده ليه؟ كان قلقها ظاهرًا في عينيها الحانية. فابتسم لها بلطف. "مشاكل في مصنع الإنتاج." فلم يجد منها إلا حنانًا رغم جرحه لها. "ادخل غير هدومك وأنا هحضرلك العشا." واتجهت نحو المطبخ دون كلمة أخرى. لينظر ياسر لخطاها بدفء، واضعًا بيده على قلبه معاتبًا.
"بدأت تتحرك.. بدأت تطالب بالارتواء." ثم وضع يده على هديته المخفية داخل سترته واتجه لغرفته يخلع سترته واتبعها بقميصه متجهًا بعدها للمرحاض لينعش جسده بالماء. وبعد وقت لا بأس منه، وجدها قد أعدت الطعام وتجلس تنتظره ليتناولوه سويًا بصمت أو بعض الكلمات المختصرة عن أحوالها بالعمل. لتنهض ريم بعد أن شبعت تسأله. "أعملك شاي؟ فأبتسم ياسر وهو ينهض يحمل الأطباق معها كما اعتادوا منذ بداية زواجهم. "ياريت ياريم."
لتتحرك من أمامه بخفة تداري ارتباكها من نظراته. فأحيانًا تراه رجلاً تريد أن تغرق بين ذراعيه تخبره أنها تعشقه، وتارة تريد الهروب من قسوته وبرودة عينيه. وقفت تعد الشاي وتنظف الأطباق شارده. لتأخذ أنفاسها بشهقة خافتة وهي تجده يميل نحو عنقها ورائحة صابون الاستحمام تغزو رئتيها. "ريم أنا عارف إني بأسي عليكي كتير... يمكن من ساعة ما عرفتيني وأنا بأسي."
كانت تغمض عيناها وهي تسمعه، تود أن تفر منه هاربة. فلم تعد تحتمل خفقان قلبها. وابتعد خطوة للوراء. فشعرت بعدها بشيء بارد على جيدها لتفتح عيناها ناظرة لما يطوق به عنقها. كانت سلسال من الذهب الأبيض على شكل فراشة. فوضعت يدها على السلسال بعد أن أغلقه. "الهدية دي ليا أنا؟ هتفت بها بحماس وسعادة. فأبتسم وهو يجيب عليها. "طبعًا ياريم. أتمنى إنها تعجبك." فلم تعرف كيف تصف له فرحتها لتعانقه بتلقائية. "شكرًا.. أنا بجد فرحانة."
وابتعدت عنه قليلاً تنظر للسلسال مجددًا ثم عادت تطالعه بحب وعانقته ثانية وهو يربت على ظهرها ضاحكًا من تكرار شكرها له. "على فكرة دي هدية بسيطة. إنتِ تستحقي أغلى من كده." فأنسابت دموعها وقلبها يخبرها أنه لا يريد شيئًا أكثر منه. فهي لم تفرح بالهدية أكثر ما فرحت بتذكره لها. وعندما رفع وجهها إليه ودموعها تنساب على وجهها. "ريم إنتي بتعيطي؟ فحركت رأسها بالنفي رغم انسياب دموعها على وجنتيها. ليضحك وهو يمسح دموعها بأنامله.
"باين إنك مبتعيطيش." فضحكت هي الأخرى. "أصل أنا لما بفرح بعيط." فضمها إليه بقوة ممازحًا. "إنتي على طول بتعيطي ياريم." لتتملص من ذراعيه ولكن حصاره عنها محكم عليها. ومع رغبتها في دفئه وضحكاتهم، بدأ اللحن ينساب ببطء.
جلست نرمين بجانب شقيقتها مطأطئة الرأس تقص عليها نبذة لها في اللقاء الخارجي بالوفد الإيطالي ومعاملته لها في الشركة. فحتى الملاطفة ومدحه الدائم لها تلاشى. حديثه معها أوامر ليس أكثر. فلو كانت رأت طفيفًا، بسيطًا منه من قبل، الآن أصبحت لا ترى إلا كونها موظفة لديه ليس أكثر. حتى أنه بدأ يتلاشاها من الأعمال الخارجية بالشركة ويصطحب سكرتيرته معه. "إنتي ليه خليتيني أحلم يكون ليا ياعايدة...
أنا أضعف إني أتحمل كده. ألم الحب صعب أوي." فاحتَدت عين عايدة بجمود. "فوقي لي كده وبلاش ضعف. مراته مش سهلة وباين عليها بتعرف تسيطر على كويس." وتذكرت مشهد يوم أن طعنتها ببعض الكلمات وانصرفت. وعاد هو للطاولة وجدته يميل نحوها يمسك يداها بقلق. وبعد دقائق نهضوا وهو يضمها إليه بتملك وعشق.
نيران اشتعلت داخلها. تكره أن ترى أحدًا يعيش بسعادة، وخاصة الأزواج. فهي فشلت في علاقتها بزوجها. فما زال نعته لها بأنها لا تصلح أن تكون زوجة أو امرأة تحب يقتحم عقلها وقلبها. "بيحبها ياعايدة.. هو ده الحب اللي أنا بتمناه. نفسي أتحب زيها." وتنهدت وهي ترفع عيناها نحو شقيقتها. "جاسم هو فارس أحلامي. بس للأسف فارس الأحلام طلع متجوز." ترمقها عايدة بوجوم هاتفة. "بكرة يزهق منها. بس بلاش تبقي خيبة وتنهزمي من أول محاولة."
وتابعت وهي تنظر إليها متذكرة سائقها الذي لم تبقيه إلا لتحصل على بعض المعلومات منه. وقد عرفت اليوم منه حقيقة مجهولة عن سبب عملها معه قبل أن يتزوجها. فشقيقها لم يكن إلا سارقًا. ولكن مهلاً للأمر. وقفت في الشرفة تضع بيدها على بطنها تتنفس نسمات الهواء. فوجدته يحاوط كتفيها بذراعيه ويضمها إليه بحب. "بما تفكرين حبيبتي؟ فأبتسمت ورد وهي تتمايل بين ذراعيه. "استمتع كنان.. حقًا المنزل رائع."
وعادت تضحك وهي تتذكر عندما أخبرت رقيه للمرة الخمسين أنها تأكدت أن جنس المولود فتاة. وهي تهتف لها. "لا اضحكي عليا." ومال نحو خدها يلثمه. "لماذا تضحكين... اضحكيني معك." فالتفت إليه تسأله بمشاكسة. "كنان لو رزقنا فيما بعد بولد وأصبح شاب ورغب بالزواج من وطني.. ستوافق أم ما؟ وضحكت وهي تطالعه. "الإجابة سريعًا من فضلك." فنظر إليها ثم ضحك. "ما هذا التحالف ورد.. ستغزون وطني بأولادي؟ فتعلقت بعنقه بدلال.
"الغزو يثمر بثمار نافعة زوجي العزيز." وابتعدت عنه قليلاً تشير على نفسها بزهو. "تنكر أنني ثمرة نافعة؟ فضمها إليه وصوت قهقهته يعلو. "لا أنكر ولكن كفى. أنتِ حبيبتي. اتركي أولادي لوطنهم." فرفعت عيناها تنظر إليه بعبوس مصطنع. فضحك على هيئتها. "أصبحتي شرسة ورد." فدفعته عنها ضاحكة بعد أن زال عبوسها. ليميل نحوها راغبًا في تقبيلها ولكن توقف وهي يسمع صوت الصغير جواد. "ماذا تفعلون؟
ليلتفوا نحوه. فكانت عين جواد محدقة بهم كأنه يخبرهم أنه منتظر الإجابة. عادوا من ذلك العشاء وهو يضحك على أفعالها المرحة. فطوال عودتهم تخبره عن الدعوة التي أعطاها لها السيد ألفونس بأن تزور إيطاليا وتكون تحت ضيافته. فهم إلى الآن لم ينسوا حسن استقبالها لهم في الجولة السياحية التي أرادوها داخل شوارع القاهرة والبرنامج الذي فعلته لهم ولا أطباق الكشري الذي لم ينسوا طعم مذاقه. "كفاية تمجيد في نفسك."
قالها ضاحكًا وهو يدلفان للمنزل سويًا. "سيبني أفتخر شوية في نفسي. بلاش تبقى عدو النجاح ياسيد جاسم." فضحك جاسم وهو يحتوي خصرها بذراعه. "افتخري ياحبيبتي. أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق انبهارهم العظيم بجولتك ولا بمعلوماتك التاريخية اللي أنا شاكك فيها." فزمجرت بصوت حانق وهي ترفع عيناها نحوه. "شوفت أه إنت عدو النجاح. وبتشكك في قدراتي." فأبتسم وهو يرى عبوسها. "وليه متقوليش إني بحب أشوفك كده؟ ومسح بكفيه على وجنتيها برفق.
"بشبهك بأمواج البحر. من هدوئها بتسحرك وأول ما موجها يعلى بتغرق معها." كان يتحدث بهمس وبنبرة دافئة جعلتها تميل برأسها على أحد كفيه ليداعب وجنتيها اليمنى بحنان. "وإيه كمان؟ فأتسعت ابتسامته ثم قرص وجنتها بلطف. "كفاية النهارده كده وخلي باقي الكلام الحلو ليوم تاني." وضحك وهو يتأمل ملامحها الحانقة. فضمها إليه. "ممتعة ياحبيبتي ولذيذة ونفسي أكلك أكل." وعض خدها. فتأوهت. "لأ أنا عايزة رومانسية وكلام حلو. مش أتاكل."
ودفعته عنها برفق وهي تصعد أمامه الدرج. "إنت مش طالع معايا؟ فحرك يداه على وجهه وهو يتذكر أحد الملفات التي يجب أن يدققها. "للأسف ورايا شغل في المكتب ياحبيبتي. اطلعي ارتاحي إنتي." فعادت إليه تسحب يده. "شغل إيه؟ واتضيع اللحظة الحلوة. تعالا أما أحكيلك عن خططي لما أسافر إيطاليا وممكن نجهز الشنطة من دلوقتي." وبعد صراع داخله بين العمل واتباعها. ربحت هي وصعد معها.
وبعد وقت كان ينام على أقدامها وهي تمسح على خصلات شعره ومتكئة للخلف تحلم برحلة إيطاليا بعد ولادتها. "طبعًا بعد ما أولد هاخد إجازة شهرين أو تلاتة أقول أربعة وأستجم مع نفسي. عشان أقدر أعود للملاعب من جديد." فرفع رأسه عنها. "ملاعب؟ انسى. إنتي هتخلفي من هنا هنجيب طفل تاني علطول. هي سنة استجمام وحلو عليكي." فحدقت به ببطء. "إنت بتهزر.. ومستقبلي المهني.. أه أخلف وأقعد في البيت؟
وعندما وجدها تأخذ الأمر بمحمل الجد. تنهد بهدوء واعتدل في رقدته. "ومين قالك إني هلغي مستقبلك يامهرة؟ كنت عملت كده لما اتجوزتك. مكتب المحاماة اللي وعدتك أفتحهولك بعد تدريبك مع الأستاذ فؤاد موافق. وحتى مكتبك في الحارة موافق تكملي فيه. بس مدام مفيش تأثير على حياتنا." وكادت أن تبدأ بالجدال معه إلا أنه أوقفها بيده.
"مهرة أنا سني بيكبر. أنا مش في العشرينات عشان أقول أجل الخلفه. أنا راجل في التلاتينات. عايز يبقى عندي ولاد أعرف أربيهم في عمري وأشوفهم بيكبروا قدامي." لم تعلم كيف جعلها تصمت بل تفكر بالأمر وتقتنع. فضحك على تعبيرات وجهها. "حاولي تقتنعي ياحبيبتي عشان قلبي يرضى عنك." ومن صمتها أخذ يتفرس ملامحها. "نفسي أعرف ليه بتنامي في وسط الحوار." ففاقت من شرودها فيما يناقشه. "بفكر في كلامك." فضحك وهو يتأملها.
"هو إنتي التفكير عندك كده؟ أنا بحس إنك بتنامي مني." فضاقت عيناها وهي تنظر إليه. "شوف أنا كنت هرفع إيدي وأقول اقتنعت. بس بعد الكلمتين الحلوين اعترض وبشدة. ولو قولتلي بتعترضي على إيه هقولك معرفش. بس أه بعترض وخلاص." ولم تكد تكمل ثرثرتها فوجدت كفه على فمها. "كفاية اعتراض. وخلينا في المهم." وقبل أن تسأله عن الشيء المهم الذي يريده. علمت الإجابة. فالمهم لم يكن إلا الارتواء بين دفء ذراعيه.
كان اليوم الثاني لعملها كطاهية. كانت حانقة من الأمر في البداية ولكن مع انفرادها بالمطبخ المتسع المجهز بكل شيء مثلما ترى في التلفاز. أحبت عملها. ونظرت إلى قائمة الطعام الأسبوعية التي أعطتها لها سكرتيرته عندما اصطحبتها للشقة ثم أعطتها المفتاح أمر من ريان. اتفاقهم كان أن تأتي لتطهو وتنصرف قبل ميعاد مجيئه وليس لها علاقة بباقي الشقة. وجهتها المطبخ فقط.
رغم أن فضولها يقتلها أن تذهب للتأمل الشقة إلا أنها تمنع نفسها بصعوبة. تركز على الوجبة التي ستصنعها اليوم. واند ت في المكونات التي يجب عليها أن تخرج منها وجبة رائعة. رغم أنه لم يعلق أمس على الطعام ليأتي ظنها دون محله. فقد لمحت أخيرًا الورقة الملتصقة على الثلاجة لتجد فيها ملاحظته. "الطعام مالح. قللي الملح." فنظرت لمحتوي الورقة بأمتعاض. لتقبض على الورقة بضيق.
"مافيش كلمة شكر. عامل زي أخته. ده إيه العيلة اللي طلعت لنا في الشخت بخت." مسح كريم وجهه بالمنشفة بعد أن انتهى من حلاقة ذقنه. فأنعكست صورتها بالمرآة. كانت تقف خلفه برداء نوم قصير قد اشتراه لها من قبل، ولكن لم تبدِ به أي اهتمام رغم أنها أخبرته عن رغبته في رؤيته به. ووجدها تطوق خصره. -امتى هتسامحني يا كريم؟ انت عارف أنا كام مرة اعتذرت منك.
فأغمض عينيه وهو يشعر بملمس يداها على جزئه العلوي العاري. ما زال غاضبًا منها ومن نفسه قبلها. أزاح يداها عنه والتف نحوها. -أنا ما طلبتش منك اعتذار يا مرام. المفروض تعتذري لنفسك مش ليا. بداية نجاحك ظهرك، ومتقلقيش، هتبقى سيدة أعمال ناجحة. وتخطاها ثم وقف. -مبروك على التريقة الجديدة. وكاد أن يكمل سيره، فجذبت ذراعه تخبره بصدق. -محسيتش بالنجاح من غير حبك. وحشني حضنك واهتمامك. أنا مش عايزة النجاح ده من غيرك.
اهتزت مشاعره وهو يجدها تبكي. أراد أن يضعف، ولكن لو ضعف الآن لن يحقق شيئًا. وشعر بملمس شفتيها بجانب شفتيه. وكأنها تدعوه لامتلاكها. وبعد ساعة كان ينهض من فوق الفراش وهي تغطي جسدها مذهولة من ابتعاده عنها. يرتدي قميصه وتحدق به. حتى مشاعره أصبح يبخل بها عليها. فدومًا كان معطاءً حنونًا، يحتويها بدفء وحب وليس رغبة. -كريم. فندم أشد الندم على ضعفه وأعطاها ظهره. -لتقولي إني هجرك بعد المبادرة اللي قدمتيها.
وغادر الغرفة لتسقط دموعها، تدفن وجهها بين راحتي كفيها. غير مصدق أنه اقترب منها ليلبي رغبتها به. وكان أول سؤال يقتحم فؤادها: ألهذا الحد حياتهم وصلت لرغبات الجسد؟ *** تنهد مراد بسأم وهو يجدها تتثاءب بعد يوم طويل في التجول في شوارع إسطنبول والتصوير. فهي لم تترك مكانًا إلا وصورته. -الواحد تعب بشكل.. بس صورت صور حلوة. واتجهت إليه تسأله. -مالك يا مراد؟ انت بتبصلي كده ليه؟ فطالعها وهو يحرك يده على وجهها.
-ببص عليكي من خبتي يا رقيه. فنظرت إليه دون فهم. -لاء، انت فيك حاجة غريبة. حتى ديما مخنوق مني. هو أنا مزعلاك في حاجة؟ فربت على وجهها وهو يتودد لها داخله. فهو سيتركها تنعم بالرحلة كما تشاء. -حاولي تفكري كده وهتعرفي الإجابة لوحدك. وتركها متجهًا للمرحاض لينعش جسده من إرهاق اليوم، متذكرًا حديث والدته كلما هاتفته تسأل عنها. فأما تكون نائمة أو تستحم، وفي النهاية تختم والدته اتصالها: "براحة على البنت يا مراد."
وبعد دقائق خرج من المرحاض ينفض شعره بالمنشفة، لتتسع عيناه عندما وجدها نائمة على الفراش بملابسها. -أنا حاسس إني اتجوزت طفلة. واقترب من الفراش ومال نحوها يدفعها برفق على جسدها. -رقيه قومي غيري هدومك. ولكن كالعادة، ذهبت مع أحلامها، تاركة إياه يكتوي طيلة الليل وهو يطالعها كيف تتميل على الفراش إلى أن تصل لأحضانه. فتلتصق به فيضمها إليه بحنو ويقبل رأسها. ***
استيقظت على رائحة فطور شهي. فاتجهت نحو المطبخ لتجده يقف يعد لها عجة البيض التي تعشقها. -صباح الخير. فالتف ياسر نحوها مبتسمًا. -صباح النور. لحد ما تجهزي هتلاقي الفطار جهز. فتقدمت منه وبتلقائية اعتادت على فعلها مع والديها، قبلته على خده برقة. -تسلم إيدك. وانصرفت بعدها راكضة نحو غرفتها، لتتجمد ملامحه ودفء شفتيها على خده. ولكن للحظة تبدل كل شيء بعد ملمس على قبلتها، ليبتسم وهو يهتف داخله يقنع قلبه:
"مجرد قبلة شكر لا أكثر." *** اليوم الخامس لها في عملها، لتجد ورقة كل يوم لتقرأها بحنق. "قللي التوابل." فمزقت الورقة كمثيلتها. -مافيش كلمة شكر حتى. وبدأت تندمج في وجبتها، فالعمل ممتع. فلا أحد يقف على رأسها، حتى أنها أصبحت تشعر بالراحة. فريان لم تراه منذ اليوم الذي عرض عليها العمل. ومع مرور الوقت أنهت الوجبة سريعًا، لتنظر للوقت في هاتفها تفكر بالتجول في الشقة وخاصة غرف النوم، فلم تعد تسيطر على فضولها. ***
ذهبت مهره للنادي بعدما تلقت دعوة ندوة ستقام تحت رئاسة الجمعية التي تترأسها خالة رقيه. ووقفت أمام الصالة التي سيتم فيها الحضور لتجد صورة "عايدة" فهي ضيف الشرف المستضاف. فأحتقن وجهها بتهكم. -لو كنت أعرف بوجودك مكنتش جيت. كانت تحبها كوجه إعلامي تراه من خلف شاشة التلفاز، ولكن بعد لقائهم أدركت كم هي منافقة، وتيقنت من الأمر عندما علمت من رقيه أنها رفضت أن تزوج ابنتها لمن تحبه لأنه من أسرة لا تناسب أسرتها العريقة.
وفتحت حقيبتها تخرج قلمًا، ثم التفتت حولها فلم تجد أحدًا مهتمًا بمطالعتها. ومالت نحو اللوحة المعلقة بها صورتها. وبعد دقائق اتسعت ابتسامتها وهي ترى اللوحة الفنية التي أصبحت عليها صورتها. ودلفت للقاعة بثقة تكتم ضحكاتها على الشارب الضخم الذي فعلته لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!