لمسات حانية كانت تداعب وجهه. يتظاهر أمامها أنه مازال غافي، وهي ما زالت على وضعها نائمة بقربه. تبتسم من حين لآخر، لا تصدق أنها وهبته حتى جسدها بكل رضى وحب وأصبحت امرأته. لمست يدها كانت تحرقه، لا يستطيع فتح عينيه فترى فيهما الخواء.
ومرت الدقائق وهم هكذا، هي لا تكف عن مطالعته بابتسامة صادقة وأعين تلمع بها سعادتها، وهو مغمض العينين يصارع أفكاره وقلبه الذي أصبح يريدها بشدة، ولكن ظلام الماضي ما زال بداخله. وبسببه أدخلها معه لحياة لا تستحقها. وقرر فتح عينيه أخيراً، وتمالك مشاعره ببرودة قاسية. ولكن قبضة قوية اعتصرت قلبه وهو يرى ابتسامتها الحنونة، وسؤال واحد يدور بداخله: هل تستحق منه الألم ليشعرها أنه ندم على تلك الليلة التي أتت بسبب ضعفه؟
انتظرت منه سماع أي شيء، ولكنه كان يطالعها بصمت. فتبدلت ملامحها وقد فهمت الإجابة، فهو ندم على علاقتهما أمس. وقبل أن تحاول لملمت شتات نفسها حتى لا يرى ضعفها، وجدته يبتسم لها. -صباح الخير يا ريم.. نمتي كويس؟ ثلاث كلمات نطقهم بابتسامة جاهد على رسمها، أحيوا قلبها من جديد، وعاد وجهها يشرق ثانية. لو أحداً سأله عن معنى الألم تلك اللحظة،
لكانت الإجابة حاضرة: أن تجده من يحبك بكل ظلامك وعيوبك، بل ويقدم لك حياته كلها بوجه مبتسم راضٍ بالقليل. فابتسمت وهي تتورد خجلاً من تذكرها ما حدث بينهم. -صباح الخير. الكلمات لم تكن تستطيع إخراجها من حلقها من شدة خجلها. تنتظر سماعه، ولكن لا شيء قاله إلا أنه نهض من جانبها متمتماً: -اتأخرنا على الشغل.. حاولي اجهزي بسرعة عشان أوصلك في طريقي.
فتعلقت عيناها به وهو يسير نحو المرحاض. عمل، سيذهبوا إليه بعد أول ليلتهم. ولكن تلاشى حزنها سريعاً، متنهدة تقنع قلبها: -ما انتوا مأخدتوش إجازة يا ريم.. بطلي كسل واقومي اجهزي عشان تحضري ليكم الفطار. ونهضت بعدها بنشاط. ليمر الوقت، ووقفت تعد الفطور سريعاً، ثم حملته تضعه على المائدة. فقد صنعته بكل حب اليوم رغم ضيق الوقت، ووضعته بحماس، إلا أنه أتاها صوته وهو يحمل مفاتيحه الخاصة. -ريم مافيش وقت، عندي اجتماع بعد ساعة.
أراد أن يهرب بعيداً عنها، لعله يرتب مشاعره. ولا يعرف أن العقل بدأ يصور كل تلك اللحظات، رغم أن القلب ما زال غافياً بعشقه. فنظرت للطعام الذي أعدته، ثم نظرت نحوه وهو متجه نحو باب الشقة، لتحسم أمرها وتتبعه بعد أن حملت حقيبة يدها. طيلة الطريق جلست ويداها تتلاعب بحقيبتها بتوتر، تسأله إذا كان سيعود مبكراً أم لا، وهو يجيبها بعبارات مختصرة. وأوقف سيارته أمام الشركة التي تعمل بها، ثم التفت إليها. -خدي بالك من نفسك.
قلبها يرفرف من مجرد كلمات لا تعني شيئاً في قاموس المحبين. يلقيها عليها ليرضي ضميره، وعندما يرى سعادتها يصرخ قلبه ويهتف: "راضية، عاشقة، محبة بفقر ما تعطيه لها." وودعته بابتسامة مشرقة تنير وجهها المستدير، ليظل واقفاً بسيارته يطالع خطواتها وقلبه راغب بجذبها نحوه. ريم أتت إليه بالترياق، ولكن ما يفعله هو كالمريض الذي لا يرى أملاً بنفسه، فيلقي بالدواء بعيداً.
وبدأت أنفاسه تتعالى، ليسند برأسه على عجلة القيادة، زافراً أنفاسه. -مش قادر أتحمل حبك يا ريم. بحبك وخايف عليكي من الماضي اللي مقدرتش أتخلص منه. حتى السنين ما داوتش الوجع ولا شعوري بالذنب. ............................. اجتمعوا في منزل رقيه، فقد أتوا للمباركة لها بعد تأجيل زيارتها أسبوعين من عودتها. -مهرة مش معقول بطنك كبرت. ده أنا كنت قربت أشك إنه حمل كاذب. ألقت رقيه مزحتها، لتضحك ريم وهي تضع طبق الحلوى على الطاولة.
فحدقت بهم مهرة بحنق. فقد تركت العمل بمكتب السيد فؤاد بسبب وضعها هذا، إلى أن تلد لتعود مجدداً لمهنتها التي تعشقها، وأشارت إليهم. -عقبال ما أفرح فيكم انتوا الاتنين. فرفعت رقيه يديها عالياً. -آمين. أنا عايزة أبقى بطيخة كده. مرح وسعادة رقيه كان يظهر بوميض مختلف، وميض الحب الذي تحياه مع مراد.
ولكن ريم ابتلعت غصة بحلقها. طفل ومن ياسر أمنية بعيدة. فمنذ تلك الليلة وهو لا يقترب منها. رغم أنها بعد ليلتهم تلك أعدت له عشاء جميلاً وارتدت من الملابس التي كانت تخفيها، ولكن ياسر هاتفها واعتذر، فهو مع أحد أصدقائه بالمشفى. ليلتها أطفأت الشموع، ومعها انطفأ شيء بداخلها، ولم يكن الشيء إلا حلماً جميلاً رسمته معه.
ولكن في الصباح، ومع إرهاقه، نسيت كل شيء وعاد قلبها ينبض بحبه. وأسبوع مضى منذ تلك الليلة، ولم تعد تراه إلا ليلاً عندما يحملها من فوق الأريكة التي تغفو عليها بعد ساعات من الانتظار. لتستيقظ على قبلته الدافئة التي يلثم بها جبينها، وبعدها يمسح على وجهها يخبرها أن تغفو، ويترك بعدها الغرفة. وفاقت على صراخ رقيه بعد أن قذفتها مهرة بالوسادة الخاصة بالأريكة التي تجلس عليها.
-كفاية تريقة، هو أنا أخلص من تريقة جاسم وأكرم تتريقي انتي عليا. فضحكت رقيه وهي تنظر لريم. -بقت شرسة أوي. فابتسمت ريم وهي تشاركهم الحديث. -لأ، مهره طيبة وحنينة يا رقيه، متقوليش عنها كده. فأسبلت مهرة أهدابها برضى، ولكن لم تكتمل لحظة الإطراء. -بس انتي تجنبي تضغطي على زر الشراسة اللي عندها. وما كان من رقيه إلا أن طرقعت بكفها مع كف ريم. -مكدبتش ولا ريم كدبت.
واتجهوا نحو بعضهم يحدقون بها، وهي تطالعهم بشراسة حقيقية، وكادت أن تنهض لتريهم شراستها، إلا أن عادت تجلس ثانية. -لأ، مش قادرة، تعبانة. المرة الجاية أبقى أعرفكم إزاي تتريقوا عليا. وألتقطت طبق الحلوى الذي أمامها وأخذت تلتهمه باستمتاع، وهم يطالعوها بأعين متسعة، لينفجروا بعدها ضاحكين. ............................. أنهوا طعامهم بصمت. ونهض عمار قبلهم متمتماً بحمد. -الحمد لله. الأكل طعمه جميل، تسلم أيديكم.
فطالعته رفيف بسعادة. -لقد أعددته بمفردي. فنظر هو لشقيقته التي نهضت تحمل طبقها. فحركت رأسها بتأكيد. -أيوه يا عمار. رفيف هي اللي طبخت النهارده وبقت تتعلم بسرعة. كان عمار سعيداً بما يسمعه. فلو أنكر علاقتهما التي بدأت تسير كالزوجين، لن ينكر قلبه الذي بدأ يخفق من تغيرها. تغيرها أصبح يعطيه مبرراً قوياً لتصديق مشاعرها نحوه. وطالعها مبتسماً. -تسلم إيدك يا رفيف.
فاتسعت ابتسامتها، ونهضت هي الأخرى تعاون علياء في توضيب الطاولة. ليقفوا بالمطبخ، علياء تجلي الأطباق ورفيف تعد الشاي ليحتسوه سوياً. رفيف اندمجت مع حياتهم البسيطة. رغم أن ما زالت عيوبها كما هي، ولكن مع تلك العائلة فهمت معنى الدفء العائلي.
نشأت في عائلة ثرية، أموال، دلال، لكن لا أب ولا أم. تربت على يد المربيات. تزوج والدها والدتها بعد علاقة غير شرعية، ثم طلقها ليعود بعدها لزوجته أم أولاده. والدتها كانت أمريكية مغنية في أحد الملاهي الليلية. وفي صفقة عمل بأمريكا فاز بليلة ماجنة، ولشعوره بالذنب تزوجه، ثم تم الطلاق بينهم. فحبه كان لزوجته أم أولاده وابنه ووطنه. ورغم عدم تقبلها لها، إلا أنها سمحت لها بأن تتربى بين أولادها، فلا مفر من وجودها.
وفاقت على فوران الشاي. فنظرت لها علياء بتسأل. -سرحانة في إيه؟ فحركت رفيف رأسها بعد أن فاقت من شرودها. -لا شيء يا علياء. وحملت الصينية بعد أن وضعت عليها الكؤوس. لتطالعها علياء، ثم عادت تكمل مهامها كي تلحقها كي ترتشف الشاي معهم. فقد اشتاقت لشقيقها وجلساتهم تلك. ............................ عادت ريم من زيارتها لرقيه سعيدة من تجمعهم الذي بدأ يجعلها تخرج من قوقعتها.
لتجد أنوار الشقة مضاءة، متعجبة أن ياسر عاد أخيراً مبكراً. فألقت بحقيبتها على أقرب شيء قابلها، ثم اتجهت نحو الغرفة. وقبل أن تتفوه بشيء، وجدته يعد حقيبة سفر ويضع بها ملابسه. -انت مسافر؟ هتفت بنبرة مذبذبة. فالتف نحوها ببطء. فرغم وجود بديل لرحلة عمله، إلا أنه وافق على الفور. أراد البعد قليلاً، أراد أن يختبر بعدها عنه كما قال له الطبيب النفسي في زيارته له بعد ليلتهم:
"إذا أردت أن ترى مقدار تعلقك بشيء أخفيته من حياتك، ابتعد. لحظتها ستعلم هل بعدك أنساك أم ما زادك إلا شوق." وجاء الحل سريعاً عندما عرض عليه ريان رحلة العمل التي من المفترض أن يذهب هو، ولكن ياسر وجدها فرصة. الرحلة كانت للجزائر، حيث فرع الشركة الجديد لهم هناك، والمدة أسبوعين. -لازم أسافر يا ريم. هما أسبوعين، مش هتأخر. فتجمدت عيناها عليه، ثم على حقيبة ملابسه. -أسبوعين.. دول كتير أوي.
ألم يكفها وجع جفائه، فضاف لوجعها البعد. -انت بتبعد عني عشان اللي حصل بينا صح؟ انت ندمان. وسقطت دموعها ببطء. -ليه بتعمل فيا كده؟ فأقترب منها سريعاً، وقلبه يدمي من الألم، واحتضنها بقوة. -هنتكلم في كل حاجة لما أرجع.. تمام. وبعدها عنه يمسح دموعها. -أنا لو ندمت لحظة من عمري، فهندم على معاملتي ليكي وألمك. مع كلماته ولمساته على وجهها، رضي القلب بما يمنح إليه. ................................
ابتسم وهو يرى الرسائل التي تبعثها له، وهي جالسة جانبه على الأريكة، ولكن كل منهما يجلس على طرفها. رسالة وراء رسالة ترضي بها رجولته وتذبذب ثباته أمام أنوثتها الطاغية. رفيف أنثى بمعنى الكلمة، شكلاً وأفعالاً. أحياناً يشعر بالاختناق من تحررها هذا الذي مارسته مع العديد من الرجال، وأحياناً أخرى يجد عقله في سبات عميق وقلبه يتقافز بين أضلعه. -بعدين بقى في شغل المراهقات اللي بتعمليه ده.
هتف بجمود رغم سعادته بالأمر. لتنظر إليه بعبوس. -ما دخلك أنت؟ فأنا أفعل ذلك مع زوجي. كانت تتحدث بمشاكسة اكتسبتها من طباع علياء. فلم يجد عمار رداً، إلا أنه ابتسم، فظهرت غمازتيه. فأقتربت منه رفيف تقبله على كلتيهما. وهو جلس مدهوشاً من فعلتها. -أعشقهم بك يا عماري. صفارات إنذار من عقله، ولكن القلب دفعه ليعود إلى سباته العميق. وبدأ القلب يتراقص إلى أن جلست على قدميه تحيط عنقه وتتدلل عليه.
فوقفت علياء تتدارى عيناها المختلسة بعيداً عنهم. لم تقصد التجسس، ولكنها كانت ذاهبة نحوهم تشاركهم الحديث، ولكن لم يعد وجودها مناسباً، وألم انغرز بقلبها، فشقيقها لم يعد لها وحدها، بل أصبح له زوجة، حتى لو كان زواجاً لم يرغب به. وظلت بالمطبخ تنظف ما نظفته مجدداً، تخفي حالها منهم. فلو اتجهت لغرفتها ستقطع عليهم لحظتهم. -أين علياء؟ وجه عمار سؤاله بعد أن أزاحها عنه. -بالمطبخ. فأمتعض منها عمار وعاد إلى رشده.
-خدي بالك من تصرفاتك قدام علياء يا رفيف. واوعاكي تنسي أن هي اللي جوه وانتي بره. فاتسعت عيناها بغضب. -ماذا تقصد؟ أنت تطردني؟ أنا أحب علياء صدقني، ولكن إهانتك تلك المرة قاسية يا عمار. ودون التفاتة منها إليه، نهض متجهاً للمطبخ، ناظراً لظهر شقيقته. -انتي لمعتي المطبخ؟ كفايه تنضيف. فهتفت وهي تداري عنه ملامحها الحزينة، وحاولت أن تعود لطبيعتها المرحة. -انت عارفني بحب أعمل كل حاجة بضمير. فضحك وهو يقترب منها يمازحها.
-بتحطي ضميرك في كل حاجة إلا المذكرة. ومع مزاحهم وحضنه الدافئ إليها. وجدت نفسها تنفض رأسها من وسواس الشيطان لها بأن شقيقها سينساها. نظرت لنرمين التي صعدت لسيارتها وانصرفت لخارج الفيلا وزوجها يقف ينظر لها فاتحا لها ذراعيه بعد أن وجدها تخرج من السيارة. فتجاوزت عبوسها جانبا واتجهت إليه. -هي نرمين كانت هنا. فأبتسم وهو يطالعها وأجاب بهدوء.
-كان في مشاكل في الأوراق الصفقة والمفروض بكرة هنقدم ورقها ومافيش وقت. فتناقشنا فيها وريان كان موجود بس مشي ربع ساعة. كانت تستمع إليه، تسير ببطء جانبه إلى أن صعدوا لغرفتهما. وفور أن دلفوا للغرفة، ألقت بجسدها على الفراش تضع بيدها على بطنها المنتفخة. -بقيت أتعب بسرعة. فين أيام ما كنت كتلة من النشاط. فضحك على تعبيراتها وجلس على الفراش جانبها. -قصدك كتلة من المصايب. وقبل أن تبادر بأي ردة فعل، هتف وهو يضحك على عبوسها.
-معزومين آخر الأسبوع على فرح شهاب الدميتري. أكيد طبعاً مننسنوش. فتبدلت ملامحها. -هو حد ينسى حضرة الظابط برضه. وتمتمت بهمس بعد أن نهض من جانبها. -العيلة دي ورايا ورايا. فاضل يطلعولي في الحلم. *** قفزت رقيه بسعادة من فوق الأريكة الجالسة عليها بعد أن سمعت صوته. -رورو.. كائن الوطواط بتاعي فين. فوقفت بعد أن كانت تركض إليه تعقد ساعديها أمام صدرها. -خد بعضك وارجع مكان ما كنت فيه يا مراد. أنا وطواط.
فتقدم منها ضاحكاً يحتضنها. -مراتي وأدلّعك براحتي. في مانع يا ست أنتِ. فأبتعدت عنه ترفع أطراف قدميها وتعانقه. -موافقة بس مع كل دلع ميعجبنيش هتدفع غرامة. فحرك حاحبيه بمكر. -غرامة. بقيتي مستغلة أوي. وعلى العموم أنا عارف غراماتك من زمان. لتتذكر كيف كان يراضيها، لتجده يخرج من جيب سترته نوعان من قطع الشوكولاتة التي تحبها للتقافز متعلقة بعنقه حتى كاد يختنق. فربت على ظهرها بحنو.
-رقيه أنا كده هتخنق. عبّري عن سعادتك بالشوكولاتة بطريقة الأزواج يا حبيبتي. فأبتعدت عنه تنظر إليه مستفهمة. -اللي هي إزاي ديه يا مراد. فسحب يدها خلفه غامزاً لها. -تعالي وأنا أقولك. *** جلس يتأملها وهي تصنع له قالب الكعك الذي أراده. فقد أصبح دائم العودة مبكراً قبل انصرافها. وتحولت ملاحظته من الورق الذي كان يعلقه على باب الثلاجة إلى ملاحظات شفوية وهو يتذوق الطعام أمامها بالمطبخ. عيناه كانت تدور بينها وبين شوكة الطعام.
-اليوم الطعام ممتاز. فرفعت علياء عيناها نحوه وهي تزين قالب الكعك. -الحمد لله إني أخيراً أخدت درجة ممتاز من ريان باشا. كانت تتحدث بطريقتها التي اعتاد عليها، فقهقه بصخب وهو يمسح فمه بالمنديل. -أردت أن أجبر خاطرك اليوم. فطالعته بتذمر وهي تلوي شفتيها بامتعاض. -شكراً.
رغم عبوس وجهها إلا أنه كان سعيد بكل شيء يعيشه معها حتى لو كانت مجرد دقائق معدودة. لينظر إليها وهي تركز في تزين الكعكة التي أوشكت على الانتهاء وهو يتمنى أن يلتهمها هي وليست الكعكة، فهو لم يكن يوماً من محبي الحلوى، ولكن لم يجد شيئاً يؤخرها عن موعد انصرافها إلا أن يطلب منها أن تصنع له كعكة يتناولها بعد طعامه متذكراً. ***
نظر بشير نحو العائشة التي تجلس أمامه متوترة في المطعم الخاص بشقيقته، وأعين ورد وليليان تنظر إليهم بفضول. فانتبه بشير لزوج العيون المحدقة به. -لم يتبقى سوى كنان لأكون محاصر. فأبتسمت عائشة بخجل ليتأملها بشير بحب. فهو أراد محادثتها اليوم ليخبرها بمشاعره وخطوته في إخبار كنان بكل شيء حتى يتقدم لخطبتها. -أصبحتي جميلة بالحجاب يا عائشة. فوضعت عائشة بيدها على حجابها تتلامسه بسعادة.
-ورد وليليان أخبروني بهذا. أنا سعيدة بهذا الأمر. كان قلب بشير يتراقص وهو يراها بهذا الحماس، لتقع عيناه على شقيقته وهي تعزف له بيدها بحالمية وكأنه تحمل الكمان بين ذراعيها، فعض على شفتيه بحنق. -انهضي يا عائشة لنبحث عن مكان آخر. وحدق بقوة بشقيقته وورد التي أخذت تضحك على أفعال ليليان، لتلف عائشة نحوهم فتضحك هي الأخرى. -ثلاث مجانين اجتمعوا ليكونوا أصدقاء. قالها بشير بهمس لنفسه، ليتنهد متمتماً بخفوت.
-لماذا الأمر صعب هكذا. اهدأ يا بشير وأخبرها سريعاً بمشاعرك. ومن دون مقدمات هتف. -عائشة أنا أحبك وأريد الزواج منك. فألتفت نحوه ببطء متسعة العينين، بعد أن كانت عيناها نحو الجهة الأخرى. ولكن تصفيق عالٍ أتى من خلفه وصوت ساخر. -حب وزواج سيد بشير. لذلك تهرب مني. كانت عين كل من ورد وليليان عالقة نحو سيلا التي عادت لاسطنبول بعد رحلتها وتقدمت من عائشة مالت نحوها. -كان يحبني وأنا خطيبة شقيقك. وبعدها تلاعب بكي أنتِ.
الصدمة كانت متسعة بعينيهم. -سيلا. فألتفت نحو صوت كنان الغاضب فلم تجد إلا صفعة على وجهها. -اخرسي. الكل وقف صامتاً، فوضعت هي يدها على وجنتها متألمة تنظر إليه. -أنتِ أسوأ اختيار قمت به بحياتي. واقترب منها بحقد. -كنت أعلم بالأمر. لست أنا من تتلاعب به النساء. لا أريد رؤيتك في عائلتي مجدداً. فحدقت به بغل وسارت من جانبه لتهمس بجانب أذنه كفحيح الأفعى. -إيلام هنا ومعاها طفل بالعاشرة.
لتتجمد ملامحه من ذكرى الماضي، لتقف عيناه على ورد الواقفة تطالعه بترقب. *** وقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها حانقة، فبكت وهي تتذمر. -الفستان ضاق. بقيت شبه الفيل. وأخذت تدور حول نفسها تنظر لبطنها البارزة، ثم تحسست وجهها لتقع عيناها على أنفها واقتربت من المرآة أكثر محدقة. -هي مناخيري كبرت ولا أنا بيتهيألي. كان قد جهز نفسه من زمن وانتظرها بالأسفل ولكن صعد بعد أن بعث لها هدى مرتان وتعود لتخبره بأنها دقائق وستأتي.
فالدقائق مرت وهي لم تهبط، ودلف للغرفة ليقف مصدوماً وهو يجدها تحادث نفسها حانقة. -أعمل إيه دلوقتي في مناخيري ديه. فانفجر ضاحكاً وهو يقترب منها. -أنتي اتجننتي يا مهرة. فطالعته بوجوم وحركت رأسها له تخبره أنها بالفعل قد جنت. فعادت ضحكاته تتعالى. -هنتأخر يا حبيبتي. فتذكرت المكان الذاهبين إليه بضيق، ستتلاقى بعايدة ونرمين بالتأكيد فهذا عرس شقيقهم ونظرت إليه تسأله. -جاسم حاول تكذب عليا وقولي إنّي طالعة حلوة. ثم نظرت لجسدها.
-قولي إني قوامي ممشوق. وجسمي جسم غزال. فتعلقت عيناه بها، وتحرك للخلف يحدق بها. -يعني لما أقولك كده هتصدقيني. فحركت رأسها له بحماس، فأقترب منها يقبل جبينها ثم ابتعد عنها مبتسماً. -قمر يا حبيبتي. أنتي ماليكان يا قلبي. فأستنكرت حديثه. -أنت بتكذب عليا. وما كان منه إلا أن ضرب كفوفه ببعضهم. -الصبر يارب. قوليلي طيب أعملك إيه. فدمعت عيناها، ليزفر أنفاسه ببطء.
-أنا بقيت حساسة أوي يا جاسم، وأنت السبب. هما قالوا إن الست لما تتكتئب يبقى السبب من جوزها. ولم تشعر بعدها إلا يجذبها من مرفقها بعد أن ألتقط حقيبتها وهندم لها حجابها. -ده أنا اللي جالي اكتئاب. وبعد نصف ساعة، كانوا يدلفون لحفل الزفاف تتعلق بذراعه وترسم على شفتيها ابتسامة هادئة وتمازحه بلطف وهو يبتسم.
وأول من تقدمت نحوهم عايدة التي رمقتها بنظرة لطيفة لأنها بجانبه، ولكن داخلها يود أن يحرقها مما فعلته، فأبنتها قد خطبت لذلك الشاب الذي تحبه وقد ربحت الجولة. وتقدمت ابنتها بخطيبها تعرفه عليها، لتقف عايدة تحادث جاسم وعيناها تشع نيران من الغضب نحو مهرة وجاسم يستمع لكلمات الشكر من الفتاة والشاب لزوجته فيزداد فخره بها. ومر الوقت لتجلس هي على إحدى الطاولات تنظر حولها.
مشاهير، إعلاميين، وفنانين، ورجال أعمال. الكل يضحك ويجامل الآخر بنفاق. وعايدة تتهادي بخطواتها وفستانها المجسم من حين لآخر أمامها، ولكن هي كانت تنتظر ظهور واحدة، نرمين. ووقعت عيناها أخيراً على نرمين، كانت رائعة بفستانها أعين الكثير من الرجال انتقلت نحوها. ووجدتها تتجه نحو زوجها، فعلمت أن هدف كل تلك الأناقة والابتسامة المتسعة ليس إلا لجاسم. وسمعت ضحكات عايدة التي جلست جانبها على المقعد المجاور لها.
-شايفة لايقين على بعض إزاي. مش عارفة إزاي جاسم مقتنع بيكي زوجة. ده حتى أنتِ نسب ميشرفش بأخوكي الحرامي وأمك اللي كانت فاتحة محل بقالة. دخلتي عالم مش بتاعك. لم يوجعها كلامها المسموم إلا حديثها عن والدتها، والدتها المرأة المكافحة. عار، هل كان الفقر والعمل في يوم ما عاراً يسئ لصاحبه؟
وتجمدت يداها على كأس العصير القابع بيدها. أرادت أن تسكبه بوجهها ولكن عندما نظرت لزوجها وهو من حين لآخر يطالعها تمالكت نفسها. ما يمنعها عنها هو، لا تريد لأحد أن يعيب بها. وألتفت نحوها ببطء. -حاجة واحدة بس اللي منعتني عنك. لولا جاسم وإني عرفت السبب اللي بيخليكي تعملي كده. وابتسمت وهي تنقل عيناها على زوجها. -عايزة تظهري للناس إني إنسانة همجية. وارتشفت من كأسها وهي تطالع زوج عايدة وهو يقف مع زوجته الأخرى.
-بصي على جوزك وهتعرفي سبب جوازه من واحدة دون المستوى. ولما تعرفي الإجابة منه تعالي قوليلي أفيديني ونعرف ليه الزواج بيسبب بنات الحسب والنسب ويروح يدور على الناس الدون مستوى. كانت عين عايدة جاحظة على زوجها وهو يقف مبتسماً مع غريمته رغم أنها نبهت عليه أن لا يأتي بها اليوم معه. وعندما رأت حالتها تلك، نهضت مهرة بهدوء. -هروح أشوف جوزي بدل ما واحدة من عائلات الحسب والنسب تفضل تلف وتدور حواليه.
لتقع عين عايدة على شقيقتها وقد فهمت مقصدها. *** جاء تعبها في صالحها. قلة الطعام وضعف بنيتها جعل جسدها يبدأ في الهزلان ومع الأجواء الباردة أصابتها حمى ونزلت برد قوية. مال نحوها يضع يده على رأسها يتحسس جبينها. -الحمد لله. الحرارة نزلت. وتنهد براحة، لتبتسم وهي تميل بجسدها نحو الوسادة لتتسطح. وكاد أن ينهض من جانبها. -خليك جانبي يا كريم. فظل بمكانه ينظر إليها، فأغمضت عيناها، ليمد كفه يمسح على وجهها برفق.
كان قلبها يخفق بقوة. كريم مازال يحبها ولكن يعاقبها بسبب جرح كبريائه وسقطت دموعها ببطء وهي تضم كفه بيدها. -بتعيطي ليه دلوقتي. كانت تبكي بصمت، فخرج صوتها ضعيف.
-وحشتني حنيتك عليا يا كريم. أنا عارفة إني أنانية وبنسى ساعات اللي حواليا بسبب حبي لنفسي. صدقني غصب عني يمكن عشان اتربيت إن كل حاجة مجابه ليا رغم ضيق حال أهلي إلا إنهم كانوا بيعملوا على قد ما بيقدروا. دخلت الجامعة الأمريكية وكان عالم جديد عليا بصيت لفوق. عيني بدأت تلمع على حاجات عمري ما شفتها. بس رغم كل عيوبي كنت صادقة في حبك. سمعها بحب وقلبه يألمه على قسوته معها الأيام الماضية.
وزفر أنفاسه بعد صراع طويل بين قلبه وعقله، فمال نحو جبينها يلثمه. "خفي عشان أخدتِ انتي والولاد فسحة حلوة." وكان الصفح على هيئة كلمات. *** الأسبوعان قد أوشكوا على الانتهاء. كل يوم يهاتفها يسأل على حالها وحال والديها. دقائق معدودة ثم ينتهي الحديث.
كانت جالسة على الفراش بإنهاك بعد أن وضبت المنزل ولم يتبقَّ سوى غرفته. لم تذهب للجلوس في بيت والديها بعد سفره، بل ظلت في الشقة تنام على فراشه. تقضي اليوم بعملها ثم تذهب لبيت والديها لتعود ليلاً للنوم. لا تعرف لماذا أرادت البكاء، ولكن قلبها بدأ يؤلمها. وجدت الرجل الذي كانت تنتظر ملاقته، ولكن لم تجد حبه بل الألم. معه صدقت كلمات "نزار قباني" عندما قال في أحد أشعاره: "أحبك جداً وأعرف أني أعيش بمنفى وأنت بمنفى وبيني وبينك
ريح وغيم وبرق ورعد ... ونار" وعندما وجدت بكاءها قد طال، مسحت دموعها وتذكرت غرفته التي يجب عليها تنظيفها بإتقان. *** تقدمت منه تحمل فنجان القهوة، وعيناها مسلطة على الفندق الذي يطالع تخطيطه قبل وبعد التنفيذ. فظلت على وقفتها مائلة تنظر لشاشة حاسوبه الشخصي وتغير من وضع فنجان القهوة على الطاولة حتى كاد أن ينسكب. فسألها وهو يختلس النظرات إليها ويكاد أن يضحك: "ما الأمر يا علياء؟ فتعلقت عيناها بصورة الفندق بعد الإنشاء.
"جميل أوي شكله." وبدأت تثرثر دون شعور منها: "تعرف أنا كان نفسي أبقى مهندسة بس الظروف حكمت أدخل معهد." شعر بحزنها ببعض الكلمات. "لما لم تدخلي ما رغبتي؟ فطالعته ثم طالعت الفندق مجدداً. "محبتش مجموع. بابا وماما ماتوا في نفس السنة الأخيرة ليا في الثانوي. الدنيا ساعتها انتهت من حياتي."
ألم اعتصر قلبه وهو يسمعها. لأول مرة يتألم من أجل أحدهم. أحب قربها وحديثها. فاستغل انبهارها بما تشاهده وأسئلتها عن المعمار. فجلست على طرف الأريكة التي يجلس عليها لتستمع له. يتحدث ويغرق في ملامحها التي تتحول من الانبهار للاستفهام والتفكير. ولم يقطع حديثهم إلا رنين جرس المنزل، لتنهض على الفور من فوق الأريكة مدركة خطأها. "أنا قعدت هنا إزاي؟ فضحك وهو يطالعها. "كنتي غافية يا علياء. اذهبي للمطبخ لترَي وسأرى أنا من الطارق."
واتجه كل منهما لوجهته. ففتح ريان الباب لينصدم من وجود نريمان أمامه. "هالو ريان. اشتقت لك." فتهجم وجه ريان. "ماذا تريدين يا نريمان؟ سمعت بخطبتك من ثري خليجي. ألن أتخلص من وجودك؟ فحركت شفتيها بإثارة. "لا عزيزي، لن تتخلص مني." ودلفت لداخل الشقة، تنظر حولها. "انتقلت لشقة أخرى. ذوقك دوماً ممتاز." فزفر أنفاسه بحنق، وأغلق الباب بقوة وسار خلفها بضيق. فاتجهت بأنظارها على أركان الشقة وجلست على أحد المقاعد تضع ساقاً فوق الأخرى.
"جئت أتحدث معك في مشروع يا ريان." فجلس ريان هو الآخر ينتظر سماع حديثها إلى أن بدأت في إخباره عن المشروع. ولكن توقفت وهي تجد علياء تدلف إليهم تتنحنح بحرج وعيناها عالقة على ناريمان بفستانها القصير. "أنا خلصت شغلي." فنهض ريان واتجه إليها. "تمام. لا تأتي الفترة المقبلة حتى تنتهي امتحاناتك." وانصرفت بعد أن حركت له رأسها بالإيجاب. فصفقت ناريمان بيدها. "ريان يعامل خادمة بكل لباقة وذوق. أرى تقدماً هائلاً في حياتك عزيزي."
فرمقها ريان بأعين جامدة، لتهتف: "أخبرني ما رأيك بالمشروع؟ *** ألبوم من الصور، وجريدة. كل هذا أمامها منذ ليلة أمس. ياسر كان متزوجاً قبلها. كانت لديه زوجة قُتلت. وانتقلت عيناها نحو الفتاة الجميلة، تتأملها للمرة المئة. وتلتقط من حين لآخر دبلة زواجهم وحذاء صغير وردي. صندوق وجدته أسفل الخزانة لم يكن مغلقاً. فيبدو أن ياسر لم يغلقه. لتأتي لها كل الحقيقة دون ترتيب. وسقطت دموعها ببطء. "هو ده الماضي يا ياسر." ***
قذف الجهاز اللوحي الخاص به بقوة على مكتبه بعد أن رأى ما نُشر على الكثير من المواقع الخاصة بتداول أخبار صفوة المجتمع. "رجل الأعمال جاسم الشرقاوي تزوج من أخت سارق اقتحم فيلته. وسؤال يطرحونه: كيف أحب أخت سارق؟ ولماذا تم إخفاء هذه الحقيقة؟ ولماذا عملت لديه بشركته ثم تزوجها؟ لتدلف مهرة في تلك اللحظة غرفة مكتبه تبتسم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!