الفصل 35 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
32
كلمة
2,385
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

قبلها بعمق على جبينها ثم ضمها بقوة إليه مبتسمًا وهو يتذكر كل ما حدث. بعد أن رآها بتلك الهيئة، نسي صبره ونسي حتى تعقله. في البداية تعامل معها برغبة واشتهاء، ولكن ارتجافها ورجائها بأن يتركها جعله يتوقف. وكلمة واحدة خرجت من بين شفتيه أنهت كل شيء، بل وجعلتها تترك له نفسها. أرضى قلبها بكلمة تمنت سماعها: "بحبك يامهرة". وهنا سقطت حصونها وحصونه، وبدأت تلك الليلة التي كان فيها هو المعلم وهي التلميذة.

فتحت عينيها ببطء بعد أن شعرت بيده على كتفها العاري ثم أنفاسه الدافئة على عنقها. -عارف أنك صاحية. فضمت نفسها لأحضانها وهي إلى الآن لا تصدق ما حدث. هي وجاسم أصبحا زوجين حقيقيين، وسألت بتشتت: -هو ده حصل إزاي؟ فضحك من كل قلبه وهو يستمع لسؤالها العجيب، ورفع وجهها نحوه بمكر: -لو حبه نعيد.. نعيد من تاني، معنديش مانع. فدفعته عنها وهي تتحاشى نظراته. فماذا سيعيد؟

إلى الآن هي في حالة مشتتة، ولكن هناك شيء بداخلها ينبض بقوة وبجنون ومتعة. وشعر بتشتتها ليبتسم وهو يضمها إليه أكثر بحنو: -يوم ما جيتيلي مكتبي أول مرة تدافعي عن مرام وضربتي كريم بالقلم، مكنتش شايفك غير إنك واحدة عايزة ترسمي الدور وتاخدي شوية فلوس. ويوم حفلة جواز كريم ومرام شعوري ناحيتك اتحول لمقت، ولما بدأت طرقنا تتقابل تاني اتحول شعوري لكره.

كانت تسمعه بصمت، أما هو كان شاردًا يعبث بخصلات شعرها ويتحدث بابتسامة مرسومة على شفتيه. وأكمل حديثه عن مشاعره التي تغيرت بمراحل نحوها: -بقيتي تتمردي عليا، بس تمرد كان ممتع ولذيذ، تمرد الضعف. وشعر بتجمد جسدها بين ذراعيه عندما اكتشف سرها. فهي بالفعل ضعيفة. -ضعفك نابع من خوفك على اللي حواليكي.. بس عينيكي كانت بتصرخ بالاحتياج. وعند نطقه لتلك الكلمة، مال عليها ينظر لها بعمق ومشاعر هائجة:

-جاسم الشرقاوي مكنش هينفعه غيرك انتي. ولم تشعر بعدها إلا وهي غارقة معه بعالم جديد تتعلم فيه فنون العشق. ضحك على ارتباكها وهي جالسة بجانبه تتناول فطورها. يعلم أنها تخجل من نظراته، فقد أصبحت ملكه وله وامرأته. -لاء، جو الصمت والهدوء ده مش متعود عليه منك. فتساءلت بأنفاس متعلثمة: -أنا. فضحك جاسم بمتعة وهو يغمز لها بوقاحة بارع فيها، ولكن كان يؤجلها إلى أن ينهي جولة صبره معها أولًا. -إيه الرقة دي؟

أنا بقول يولع الشغل وتعالي يلا. فتجمدت عيناها وهي تطالعه، ووقفت اللقمة التي تمضغها بحلقها. -يلا فين؟ فهتف مبتسمًا باستمتاع: -أوضتنا ياحبيبتي. فأخذت تسعل بقوة. ليلتقط كأس الماء الذي أمامها ويعطيه لها ضاحكًا: -اصفرّيتي واخضرّيتي وشنقتي وكل ده عشان شوية كلام.. أومال لما نراجع على ليلة امبارح إيه اللي هيحصلك؟ وهنا انسكب الماء من فمها وعاد السعال، لتنهض من فوق مقعدها. -بس كفايه، انت لو قاصد تحرجني مش هتعمل كده.

فنهض خلفها ليجذبها من مرفقها قبل أن تهرب، واحتوى وجهها بين كفيه بابتسامة متسعة: -أحرجك إيه ياعبيطة؟ سيبي نفسك ياحبيبتي واتعودي على كلامي عشان لو فضلتِ كده هتموتي ياسوسو. لتدفعه عنها وهي لا تصدق من هذا الرجل الذي أمامها. فجاسم أصبح رجلًا عابثًا. -لاء، أكيد انت شربت حاجة.. أو سخن. وعادت تقترب منه لتتأكد من سخونته لتجد لا شيء. فتساءلت وهي تنظر إليه: -لاء مش سخن.. انت شربت إيه غير القهوة؟ فانفجر ضاحكًا

وهو يطوق خصرها بذراعيه: -شربت المر كله على دماغي منك. وانحنى ليقبلها، ولكن لم يجد إلا الهواء فقد تملصت من بين ذراعيه. ووجدها تركض نحو الأعلى. -مهرة تعالي هنا. وكاد أن يركض خلفها ليجد هدى أمامه تقف تطالع مهرة الراكضة، ثم جاسم الذي وقف يحرك يده على شعره بيأس متمتمًا بغيظ: -ماشي يامهرة.. أما حبستك يوم كامل في الأوضة.

وانصرف نحو الخارج، ووقف بجانب سيارته ونظر لأعلى ليجدها تطالعه من الشرفة. فغمز لها، فابتعدت عن الشرفة سريعًا تضع بيدها على قلبها الذي يدق بعنف. وقف أكرم مصدومًا وهو يرى شقيقه الذي لم يفكر يومًا بالعمل يجلس على مكتبه ويتحدث بالهاتف، ويمدد ساقيه على المكتب. لينتهي كرم مكالمته ويهتف باسم والدته وهو يحادث شقيقه: -سهير قلبت عليك.. معلش بقي يا أكرم لازم أنفذ أوامرها وأمسك مكانك بدل ما تقلب عليا أنا كمان.

فجلس أكرم على أقرب مقعد غير مصدق. لينهض كرم متجهًا إليه: -اعقل يا أكرم واسمع كلامها. وهنا جاءت سهير تنظر نحو أكرم بغضب. فكلما تذكرت حديثه معها أمس بأنه حدد موعد خطبته تكاد تنفجر من شدة غضبها. فوالده لا يعصي لها أمرًا، فكيف يفعل ذلك هو؟ وحدقت بكرم بغيظ: -اقعد على المكتب.. ومن هنا ورايح انت الكل في الكل. فتأفف كرم بحنق، فهو لا يهوى هذا العمل ومتابعة الزبائن. حياته كلها لهو وعبث.

ولكن ما بيده شيء إلا أن يطاوع والدته قليلًا حتى لا يخسر الأموال التي تعطيها له كما يشاء دون أن تحاسبه. وعاد يجلس على المقعد الذي كان لأكرم، فأكرم هو من يدير كل شيء مع والده ووالدته. وقرر أن يأخذ دور المتفرج. لتربت سهير على كتف أكرم الجالس ينظر لشقيقه بحزن، فقد تمنى دعمه كما فعلت مهرة، ولكن تربية والدته ماذا سيكون؟ -دي قرصة ودن بس بسيطة مني عشان تعرف إزاي تعصاني. وفتحت كفها: -هات مفاتيح المحل.. وعربيتك.

تحجرت عيناه وهو يحدق بها غير مصدق أن والدته تفعل به ذلك، بل وأهانته ونسيت كل ما يفعله من أجلها. ونهض وهو يعطيها ما أمرت مع ضحكة ساخرة: -دي ضريبة عصيان سهير هانم.. الخروج من جنتها العظيمة. وتابع وهو ينظر لها بأسف: -يا خسارة ياما. وانصرف من أمامها بعد أن تملك دموعه بصعوبة، لتنظر سهير نحوه بوجع. وسمعت صوت كرم يهتف بملل: -ما تسبيه يتجوز البنت اللي بيحبها ياسهير. فالتفت سهير نحوه بغضب:

-قوم فز يازفت انت من كرسي أخوك.. أقوم أمشي من وشي. فوقف كرم ضاربًا كفوفه ببعضهم: -عالم توجع الدماغ. ونفض يده بضيق وترك لها المكان، وهي مازالت لا تستوعب أن أكرم رحل، فقد كانت تظن أنه سيخضع لها كالعادة. نظرت رفيف نحو ضالتها وهي تبتسم بسعادة. فأخيرًا وجدت الرجل، فلم يعد "عمار" يعمل مع جاسم، بل أصبح يعمل كحارس شخصي لرجل أعمال آخر. وألتمعت عيناها بمتعة، وهي تشير نحوه للجلوس بجانبها في سيارتها: -أريد كل شيء عنه.

ليومئ لها الرجل برأسه بصمت. أنهت مهرة دوام عملها في مكتب السيد الفؤاد واتجهت نحو حيها لتطمئن على والدي مرام ومحل البقالة وتنظف الشقة وترى مكتبها الصغير الذي ينعته جاسم دومًا بجحر الفأر. حدق ريان بجاسم الجالس بجانبه يناقش معه مشروعهما الجديد، وسيكون هو المسؤول عنه. ليتساءل ريان متعجبًا من رغبة جاسم في إنهاء العمل سريعًا ومطالعته من حين لآخر لساعة يده: -ما الأمر جاسم؟ أراك وكأنك متعجل على المغادرة.

فطالعه جاسم بهدوء، وداخله يتوق أن ينهي أعماله سريعًا ويذهب إليها يغرق معها في النعيم الذي ذاقه معها أمس. وتنحنح جاسم بجمود عملي: -خلينا نكمل مراجعة الأوراق والمشروع، أنت عارفني مبحبش الأخطاء في شغلي. ذهبت مرام لرحلة العمل التي تطمح بها، وتركت طفليها تحت رعاية المربية وبسمة. فالفرص أصبحت تتقدم لبسمة دون جهد. ومرام غائبة في عالم الصعود سريعًا دون النظر لطفليها وزوجها.

جلست بسمه بإرهاق على أحد الأرائك بعد أن اهتمت بتحميم الصغيرين. لتجد كريم يردف لداخل المنزل منهكًا. وفور أن رأته وقفت، فهي أصبحت تشعر نحوه بمشاعر حقيقية، تريد أن تنعم بحنانه الذي يغدقه على زوجته التي لا تشعر بشيء. -مكنش في داعي تيجي تطمني على الولاد.. مربيتهم موجودة. فأقتربت منه ببطء وهمست برقة: -مرام وصتني عليهم، وحقيقي أنا مبسوطة بوجودي معاهم.

فأبتسم كريم وداخله يشعر بالحنق من زوجته التي فضلت السفر عن صغيريها، فهم بالغربة ومن سيرعاهم غيرها. وهمت بسمه بأن تنصرف، إلا أن كريم أخبرها: -استني أوصلك. فرفضت الأمر وهي تتمنى داخلها أن يصر، وبالفعل فعل كريم ذلك وأوصلها. هبط جاسم من سيارته وهي يتمنى خنقها. فكان ينهي عمله سريعًا من أجل أن يجدها بالمنزل، ولكن جاءت إلى حيها. فرفع عينيه نحو شقتها ليجدها مضاءة، ومن ثم سمع صوت حسين المرحب:

-أهلًا أهلًا المنطقة نورت يا أستاذ جاسم. فألتف إليه جاسم بهدوء مصافحًا إياه: -إزيك يا أستاذ حسين؟ فتمتم حسين بالحمد ثم دعاه لورشة والده في أمر هام جعله يقلق قليلًا، ولكن زالت جميع مخاوفه وهو يستمع لطلب حسين ويرى نظرات الحاج إسماعيل له بانبهار. فحسين يريد استثمار ماله في مشروع صغير. -يعني انت شايف أمشي في مشروع العقارات أحسن دلوقتي؟ فحرك جاسم رأسه بالموافقة: -بس أهم حاجة تكون أنت حابب الموضوع ده. فتنهد حسين بيأس:

-الصراحة أنا خايف الفلوس تضيع.. انت شايف حال البلد، ودي تحويشة عمري. فربت جاسم على ذراعه بتفهم ثم نهض معتذرًا منه: -شوف انت هتقرر إيه وأنا هساعدك في حكاية الدعاية والتسويق. لتتهلل أسارير حسين واحتضنه سريعًا وهو يخبره أنه رجل نبيل وكريم. فتحت له باب الشقة بعد أن تأكدت بهوية الطارق. لينصدم جاسم من مظهرها المبلل وأغلق الباب سريعًا خلفه: -انتي مجنونة؟ إيه اللي عملاه في نفسك ده؟ وأشار نحو ملابسها المبتلة:

-ولو تعبتي دلوقتي ياهانم.. روحي غيري هدومك ويلا بينا. فأتسعت عينا مهرة وظلت واقفة أمامه تتساءل داخلها: -هو خايف عليا لدرجادي؟ أنا مهمة كده عند حد؟ وشعرت بيد جاسم على وجهها وينظر لها بحنق: -مش وقت سرحان وغيري هدومك. فحركت يدها على شعرها بتشتت.. ثم فرت من أمامه. ووقف يطالع المكان حوله إلى أن ارتدت ملابسها، وفور أن وصلت أمامه عطست بقوة. ليصفق بيديه حانقًا: -شوفتي؟ أهي البداية. فرفعت عيناها نحوه: -في إيه يا جاسم؟

ما أنا متعودة على كده.. عادي يعني.. الشقة كانت عايزة تتمسح وتتنفض.. وطبيعي أعطس. فضاقت عيناه وهو يطالعها بمراوغة: -وطبيعي تبقي حلوة كده النهارده. فأرتبكت وأشاحت عيناها عنه، ووضعت كفوفها على وجنتيها تتحسس سخونتهما. ووجدته يضمها إليه: -وحشتيني.. وبعد الدقايق اللي نرجع فيها البيت و.. وقبل أن يكمل باقي عباراته هتفت: -لاء كفاية كده. رجع جاسم اللي بيشخط من تاني. وصاحت بصوتها عاليا: -أنا مش متعودة على الكلام ده.

وانتحبت بطريقة الأطفال ولكن باصطناع. فأنفجر ضاحكًا: -يا مجنونة. فابتسمت وهي تتمايل بين ذراعيه: -جاسم أنا جعانة أوي. فتمتم وهو يضبط لها وضع حجابها: -تحبي ناكل برة قبل ما نرجع البيت؟ مع إننا هنضيع وقت يعني. فوكظته برفق على ذراعه: -بس بقى.. بدل ما أفضل هنا وأنت تروح لوحدك. فلمعت عيناه وهو يبتسم: -أبقى كده.. طب يلا قدامي عشان لسانك بدأ يتعوج. فتشبثت بذراعه وأخذت تترجاه كالأطفال: -عايزة أكل كشري من محل الحج زعتر.

فرفع حاجبيه باستياء: -زعتر يا مهرة.. الصبر يا رب. *** نظرت ورد إلى كنان الصامت ويتناول طعامه بشرود. وفريدة من حين لآخر تطالعهم بسعادة، فهي سعيدة ببعدهم عن بعض. فوضعت ورد يدها بحنو على يد كنان متسائلة: -ما بك يا كنان؟ فطالعها كنان بهدوء: -أنا بخير يا ورد، لا تقلقي.

وعاد يشرد ثانية في الصباح عند لقائه بالفتاة بغرفة مكتبه. لم يسألها عن مؤهلاتها، بل كل أسئلته كانت عن عائلتها وحياتها وأصولها، حتى أن الفتاة تعجبت من أسئلته، ولكن كانت ترد عليه من أجل ألا تخسر تلك الوظيفة التي لم تظن أن تحصل عليها بمؤهلاتها البسيطة. وفاق على تحريك ورد مقعدها ومغادرتها بحزن. ليزفر أنفاسه وينهض هو الآخر. فحدقت بهم فريدة، التي فورًا أخذت هاتفها تهاتف سيلا. -ما الأمر يا فريدة خانو؟

عالم بها سيلا ببرود، لتخبرها فريدة عن فتور علاقة كنان وورد. -سيلا اسمعيني جيدًا، هذا هو الوقت المناسب لتعودي لكنان. وضحكت بصخب، ثم عادت تتحدث بهمس: -قريبًا سيمل منها ويطردها.. كنان بدأ يرى نواقص زوجته. لتتنهد سيلا بيأس من ذلك الأمر. فهي قد نسيت أمر كنان والآن تمنح نفسها فرصة القرب من بشير، فالفرصة قد أتت بعد أن تم نقلها ونقل بشير لأحد الأفرع الخاصة بالشركة. وظلت تستمع لخطط فريدة دون مبالاة إلى أن أنهت فريدة المحادثة.

*** نظرت ريم إلى هاتفها الذي يدق برقم ياسر. فشعرت بالأمل، ففي الصباح علمت بأمر نقلها نهائيًا إلى مكتب ريان. ريان ذلك الرجل الذي تهابه مثل جاسم. وفور أن فتحت الخط سألته: -هرجع أشتغل مع حضرتك من تاني صح؟ فضحك ياسر من قلبه، فهي منذ أن علمت بأمر نقلها وهي تترجاه أن تعمل مؤقتًا كما أمر من قبل مع ريان ثم تعود للعمل معه.

-للأسف لأ يا ريم.. أنا متصل أبلغك تهتمي بتعليم السكرتيرة الجديدة لمكتبي نمط الشغل معايا والملفات اللي تم مراجعتها.. عايزك تفهميها الشغل تمام. فهتفت ريم بحزن وهي تنظر لهاتفها: -حاضر. وأغلق ياسر بعدها متنهدًا وهو يتذكر طلب ريان بأن تعمل ريم معه. *** ضحك جاسم من كل قلبه وهو يتنافس معها في وضع الشطة. رغم أنه أصبح يعتاد على طريقة طعام معينة، إلا أنه قرر أن يفعل لها ما ترغب. وأنهت مهرة طبقها قبله وضحكت

بسعادة وهي تصفق لنفسها: -كسبت. فترك جاسم معلقته وهو ينفخ بقوة داخل فمه كي يبرد قليلًا: -نافستيني على حاجة للأسف مبحبهاش. فضحكت بمتعة: -في حد مبيحبش الشطة؟ فأرتشف الماء لينظر لها بامتعاض: -آه أنا. فابتسمت وهي تعطي له المنديل ليمسح فمه. فسعادتها اليوم لا توصف. *** أغلقت بوجهه الهاتف مبتسمة. لتجد بعد مدة والدها يعطيها هاتفه: -ردي على مراد. لتأخذ منه الهاتف بتأفف وهتفت بضيق مصطنع: -نعم.. خير.

فتنهد مراد بضيق، فهو يود قتلها على أسلوبها البارد هذا. وتمنى داخله لو تعود قطته الوديعة له. -ده رد واحدة على خطيبها. فابتعدت عن والدها ولوت شفتيها بامتعاض: -أنا ما وافقتش على خطوبتنا.. ومش هوافق. فقبض مراد على يديه بقوة وهمس لنفسه: -أهدي يا مراد واصبر عليها. وهتف بهدوء: -طيب ممكن نتقابل بكرة يا رقية في المطعم؟ فصمتت رقية للحظات وهي تفكر: -للأسف مش فاضية. فعاد يقترح ميعاد آخر وهي تتعلل بالحجج إلى أن صدح صوته

بغضب قبل أن يغلق الهاتف: -بكرة هعدي عليكي الساعة خمسة يا رقية ولو مخرجتيش من البيت وقابلتيني هجيب المأذون وأتجوزك. لتنظر رقية للهاتف بعينين متسعتين. وابتسمت وفردت ذراعيها بتهلل. واعين والدها عليها بسعادة، فهو يتمنى لها مراد كي يطمئن عليها. *** أردف جاسم للمطبخ فور أن عادوا يطلب من هدي كأس من الحليب البارد، فلم يعد يحتمل ألم معدته. لتعطيه هدي الكأس متسائلة: -أحضر العشا يا جاسم بيه؟

فأعطاها الكأس الفارغ بعد أن ارتشفه أملًا أن يهدأ ألم معدته وتذكر ما أكله. -لأ يا هدي.. إحنا اتعشينا بره. وخرج من المطبخ متجهًا لمكتبه يطالع الملف الذي سيناقشه غدًا مع ريان. ومنه يتركها تحادث ورد. فوورد هاتفتها وهم عائدون، ولكن لم تعرف تتحدث معها، فطلبت منها عندما تصل تهاتفها. *** نظرت مهرة لهاتفها بحنق، فهاتف شقيقتها أصبح مشغول. وجلست على الفراش تبتسم بسعادة.

ونهضت من فوق الفراش نحو المرآة تنظر إلى وجهها الذي يلمع لمعان عجيب. وانتبهت لشرودها واتجهت بعدها نحو المرحاض تنعش جسدها ثم تهاتف ورد. وبعد خمسة عشر دقيقة كانت تخرج من المرحاض راكضة بثوب الاستحمام وهي تسمع رنين هاتفها يعلو. وفتحت الخط سريعًا، وكان هذه المرة حديثهما صوتًا فقط، فورد لم ترغب في رؤية مهرة ملامحها الحزينة. -معلش يا مهرة كنت بكلم ليليان صاحبتي اللي حكتلك عنها. فتنهدت مهرة براحة:

-صوتك مش عاجبني، مالك يا ورد؟ كنان مزعلك؟ فتمتمت وهي تزفر أنفاسها: -بالعكس، كنان بيعملي كل حاجة نفسي فيها، بس أنا تعبانة يا مهرة، عندي ديمًا إحساس بالنقص في شكلي وجسمي. لتتسائل مهرة بقلق: -حماتك السبب مش كده؟ فصمتت ورد. لتتنهد مهرة بضيق: -المهم جوزك يا ورد، ركزي مع جوزك سامعاني يا حبيبتي؟ وإياكي تخلي حد يقلل منك أو تحسي بالنقص أبدًا. كنان اختارك وعمل المستحيل عشان ياخدك.

واسترخت مهرة على الفراش ومدت ساقيها، وقد نسيت أنها بثوب الاستحمام. وأخذت تخبر ورد ببعض النصائح. -خليكي ناصحة وواثقة من نفسك، سامعة؟ فلمعت عين ورد بحنين وحب: -حاضر. فابتسمت مهرة وهي تلوي خصلات من شعرها على أصابعها: -روحي تظبطي وألبسي كده حاجة حلوة لـ كنان، ولا أقولك ارقصيله، جوزك شكله بيجي بالرقص. فنهرتها ورد بخجل، لتضحك مهرة على شقيقتها وأغلقت بعدها الهاتف. لتنسى نفسها وتتسطح على الوسادة وغفت دون شعور.

وبعد ساعة كان جاسم يردف للغرفة ووقعت عيناه عليها فأبتسم. وأبدل ملابسه ثم اندس جانبها وأخذ يتأملها وهي غافية، ليعبث بيده على وجهها ثم مال عليها يقبل عنقها ويهمس باسمها. -مهرة اصحي.. ما هو أنا مفضلش صابر طول اليوم وفي الآخر تنامي. ففتحت عيناها وطالعته ثم طالعت نفسها وشهقت بصدمة: -أنا نمت كده إزاي؟ وحاولت دفعه ولكنه كان يحاصرها بذراعيه وينظر إليها بنظرة عابثة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...