الفصل 34 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
30
كلمة
2,703
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

في اللحظة التي انفتح بها الباب، انغلق فوراً بارتباك وخجل من أغلقه. نظرت مني إلى نرمين المرتبكة، وقد أصبح وجهها كتلة من الاحمرار. كانت عائدة لأخذ الملف الذي تناقشوا فيه وقد نسته. أما بالداخل، اعتدل جاسم في وقفته وأخذ يحرك يده بتشتت على خصلات شعره. نظر إلى مهرة المبتسمة، التي كانت تكتم ضحكاتها بصعوبة. حدق بها بضيق. -عجبك الحرمان العاطفي اللي بقيت فيه. فضحكت بأستمتاع، فلم تعد تتحمل كتم ضحكاتها. -جاسم صفر، مهرة واحد.

فطالعها بأستياء وضربها على جبهتها برفق. -قومي اعدلي هدومك وحجابك، ويلا عشان نخرج نتغدى بره. وعندما وجدها ما زالت تضحك، ضحك هو الآخر. الوضع كان حقاً محرجاً، وهو يحاول تقبيلها بشتى الطرق. من يراهم في تلك اللحظة يظن أنهم غارقون في نعيم العشق، ولكن القبلة كانت قبلة ظمأ. -بس كفاية ضحك، بدل ما أعمل اللي نفسي فيه وبزيادة كمان ومش هيهمني إننا في الشركة ولا وضعي حتى.

فهندمت ملابسها سريعاً، وهي متيقنة أنها إذا ازدادت في الأمر، سينفذ تهديده. تذكرت أمر أكرم شقيقها ولقاءهم. -أكرم عايزني في موضوع مهم، أنا قلت أجي الأول ليك وبعدين أقابله. فأرتدي جاسم سترته بهدوء. -عادي، خليه يجي يتغدى معانا. فابتسمت وأخرجت هاتفها من حقيبتها لتخبر أكرم بوجهتها هي وجاسم. عادت تتذكر ما حدث بعد أن هاتفت أكرم، فضحكت ثانية وهي تضع يدها على فمها. لينظر لها جاسم بحنق. -انتي اللي جبتيه لنفسك.

لم تفهم مقصد كلامه إلا عندما دفعها نحو الحائط. بخطوة واحدة، كان سيأسر شفتيها بين شفتيه، ولكن طرق خافت على باب غرفته جعله يبتعد عنها بحنق هاتفا. -لأ كده كتير، إيه الحصار ده. وهتف بصوت جامد. -ادخل. لتردف مني إلى المكتب، ونظرت إلى مكان وقفتهم مبتسمة. -ده الملف اللي أمرت بمراجعته.

فأخذه منها على مضض ليطالعه. فحدقت مني بمهرة التي وقفت مرتبكة تخرج أنفاسها بتوتر. ومع غمزة من مني، كانت مهرة تشيح عيناها بعيداً عنها، فقد أصبحوا مفضوحين وانتهى الأمر. *** جلس أكرم بحزن يقص لهم عن همه، وأن ضحى قد أعطته فرصة واحدة، إما أن يتخذ قراراً ويقنع والدها، أو ستوافق على طلب ابن عمها في التقدم لخطبتها.

كان جاسم يستمع للأمر بهدوء وهو يرتشف من قهوته بعد أن انتهوا من تناول الطعام. أما مهرة، فتمسك يد أكرم بحنان. كان أغلب الوقت يركز جاسم على ملامحها المتأثرة والحزينة على شقيقها. وتنهد أكرم وهو يطلب برجاء من جاسم. -جاسم، أنا بعتبرك أخويا الكبير، ممكن تيجي معايا المرادي؟ بابا مافيش أمل منه طول ما ماما رافضة.

فنظر إليه جاسم للحظات بصمت. فظنت مهرة أنه من الممكن أن يرفض رجاء أكرم، وهو معه كل الحق، ولكن هي تريد الوقوف بجانب شقيقها. فأكرم أصبح قريباً منها لدرجة كبيرة بعدما سافرت ورد. -جاسم، خلينا نروح معاه المرادي، ممكن؟ كانت نظرات عيناها له تحمل الكثير من الرجاء. فتنهد بعدم اقتناع. ففي النهاية، والد حبيبته معه كل الحق بأنه يريد والدي أكرم. فماذا سيفعل هو في هذا الأمر العائلي. -خلاص يا أكرم، شوف الميعاد اللي هتحدده وبلغني.

فهتفت مهرة بحماس. -هاجي معاكم. فضحك جاسم على لهفتها وتمتم بمشاكسة. -لأ يا روحي، انتي أي حاجة بتدخلي فيها بتبوظ. فكشرت بوجهها لتجد أكرم يضحك بعدما كان عابس الوجه. -انت بتضحك يا أكرم، بدل ما تقوله أختي حبيبتي معايا في أي مكان. فوضع أكرم يده على قلبه بدراما. -إلا المشوار ده يا مهرة، لو ضاع الأمل الأخير، قلب أخوكي حبيبك هيكسر. فحدقت به بأستياء، ثم نظرت لجاسم الذي يطالعها

مبتسما وكأنه يقول لها: أسمعتي. وكانت ستدفعه بقدمها وتكرر نفس الأمر وتدهس على قدمه أسفل الطاولة، ولكن وقعت عيناها على مشهد حميمي دافئ. امرأة تطعم زوجها بشوكتها وزوجها يبتسم لها، وطفلتهما ذات العامين تطالعهم بتحديق وكأنها تفهم ما يدور بين والديها. جاسم وأكرم كانوا يتحدثون في الأمر مجدداً، وهي كانت غارقة في جمال هذا المشهد، ولم ينتبهوا لسبب صمتها وعدم مجادلتها في الأمر مرة أخرى. ***

جلست فريدة بالنادي الرياضي تثرثر مع صديقاتها من نفس طبقتها الاجتماعية. تنظر من حين لآخر للوقت، منتظرة قدوم ورد للنادي، لتدمجها مع وسطهم. ففي النهاية، اكتشفت أن لعبتها ستجعلها تخسر كنان وأمواله. ففي آخر لقاء بينهم، أخبرتها أنه مدرك لألعابها، حتى أنه علم أنها من وضعت المخدر لزوجته. ولكن لا يمانع أن تلعب معها قليلاً وتهينها وسط صديقاتها وتقلل من شأنها. وأخيراً، لمحتها آتية من بعيد، لتشير لها بملل.

فأقتربت منها ورد بأرتباك وهي تأمل أن تتحسن علاقتهما. وعندما أصبحت ورد أمامها، هتفت فريدة بضيق. -لماذا تأخرتي هكذا؟ فهتفت ورد بخجل وهي ترى نظرات صديقات فريدة لها ويتهمسون مع بعضهن. -كان لدي عمل كثير اليوم. فضحكت فريدة بسخرية وهي تنظر لأصدقائها. -عمل ماذا بالطهي وسط الأواني. لتهتف إحداهن دون تصديق. -ماذا وكيف كنان يوافق على ذلك يا فريدة؟

وأخذوا يلقونها لبعض بالكلمات الجارحة. ومنهم من تخبرها بالأعمال التي تليق بوجاهتهم وعراقتهم الاجتماعية، ومنهم من تعلق على ملابسها، ومنهم من تعلق على جسدها، وفريدة تجلس بزهو وانتصار. فقلبها يتراقص وهي تراها هكذا. كانت ورد تقف حزينة ولا تعلم لما فريدة تحب إهانتها أمام صديقاتها. وسمعت صوت ليليان التي أوصلتها للنادي، ولكن ذهبت لتبديل ملابسها بملابس رياضية. -ورد.

وفور أن وقفت ليليان بجانبها، سألوها عن والدها ووالدتها ومدحوا في مطعمها والأطعمة التي تطهوها. فما الفرق بينها وبين ليليان؟ لتهتف فريدة بخبث. -جسدك رائع يا ليليان. فتمتمت ليليان بهدوء. -أشكرك على إطرائك يا فريدة خانوم. ونظرت فريدة نحو ورد بتهكم. -يعجبني المرأة التي تحافظ على رشاقة جسدها. وتابعت بعد أن رأت تغير ملامح ورد. فجسد ورد ليس مثالياً ك ليليان، ولكن ليست سمينة. -انظري يا ورد وتعلمي.

لتدرك ليليان خبث فريدة، فضمت ورد إليها بمحبة صادقة. -ورد لا تحتاج لأحد ليعلمها، هي فقط تحتاج للإرشاد. وضحكت وهي تنظر لورد وهتفت بدعابة لطيفة ولكن بمكر. -مدام كنان يرغب بهذا، ف لنفعل، ولكن كما أعلم، كنان يحب ورد هكذا ومهما أصبحت. فابتسمت وهي تسمع كلمات ليليان التي أصابت هدفها. ف فريدة أشاحت بوجهها بحنق. أما أصدقاؤها، ابتسموا على حديث ليليان، ففي النهاية هم نساء ويفضلون الزوج الذي يحب زوجته بكل حالاتها. ***

غادر أكرم منزل ضحى بسعادة لا توصف، وكل لحظة يعانق جاسم بحب ويشكره. -أنا مش مصدق نفسي يا جاسم، باباها وافق، انت فعلاً عظيم يا راجل. فابتسم جاسم، فأكرم أصبح الآن وكأنه يمتلك العالم كله، وكأن حياته كانت تقف على موافقة والد ضحى. وربت على كتفه بأخوة. -انت زي كريم يا أكرم، وأنا سعيد أن والد ضحى وافق واقتنع أخيراً. فاتسعت ابتسامة أكرم بفخر. -وجودك كان فعلاً ليه تأثير كبير النهارده. أوعدك أول طفل ليا لو كان ولد هسميه جاسم.

فضحك جاسم بصخب وفتح سيارته المصطفة جانباً. -هتيجي معايا تطمن مهرة؟ فأحتضنه أكرم وما زال لا يصدق الأمر. -لأ، أنا هروح أقابل صديق ليا محتاجني في موضوع خيري هنعمله. ليسأله جاسم. -إيه هو الموضوع، وأنا ممكن أساهم معاكم. لتتسع ابتسامة أكرم وهو ينظر له دون تصديق وعاد يحتضنه. فضحك جاسم وهو يربت على كتفه. -ده انت حضنتني أكتر ما أختك حضنتني يا أكرم، كفاية أحضان وشكر. فأبتعد عنه أكرم ضاحكاً.

-انت هتقولي دي مهرة، كان الله في عونك. ثم تابع بحب. -بس حقيقي مهرة طيبة وحنينة جداً، مش عشان هي أختي، إحنا سنين كنا بعاد عن بعض، انت محظوظ بيها يا جاسم. فابتسم جاسم بهدوء وهو يعلم ذلك. -تعالا بقي اركب معايا أوصلك لصاحبك وتفهمني إيه موضوع المشروع الخيري اللي هتعملوه. *** فور أن عاد من مشواره مع أكرم، وجدها تندفع نحوه وأخذت تتساءل دون توقف. -ها، طمني، عملتوا إيه؟ وافق؟

لأ شكلك بيقول موفقش، أنا قلت لو كنت أخدتوني معاكم كنت هقنعه، بس انتوا اتهونتوا بقدراتي. كانت تصعد خلفه الدرج وهو يسير دون أن يعطيها إجابة واحدة. ووصل إلى غرفته وجلس على الفراش بأرهاق وهي ما زالت تتحدث. -شايف وجودي كان هيفرق. لينظر لها جاسم مبتسم بتشفٍّ بها. -وافق يا مهرة، وقرينا الفاتحة كمان والخطوبة بعد شهر، وكويس إننا وفرنا قدراتك العظيمة لحاجة تانية أكبر. ونهض من فوق الفراش واقترب منها يربت على إحدى وجنتيها برفق.

-مخلينك للتقيلة يا وحش. وهنا انتفضت بسعادة، حتى أنها نسيت تهكمه عليها وأحتضنته بأمتنان. -بجد يا جاسم وافق؟ أنا مش عارفة أشكرك إزاي. ولم تكتفِ بالأحتضان، بل قبلته على خده، ثم ابتعدت عنه تهتف بحماس وسعادة. -هروح أتصل بأكرم. وأنصرفت نحو غرفتها، لتتركه واقفاً كالهائم في فعلتها مبتسماً. *** تفاجأ كريم بالأمر الذي تخبره به مرام، وقد اتخذت قرارها بل وأيضاً رتبت لكل شيء. -كريم، في مؤتمر أسبوع في أمريكا، ومهم جداً.

فطالعها كريم بأستياء. -عارف بالدعوة دي واتكلمنا قبل كده إن سفر لأي مكان لأ، إنتي ناسيه مسؤوليتك اتجاه أولادك. فحدقت به مرام بحنق. -أيوه لما كنت لسه موظفة مبتدئة في الشركة، أما دلوقتي مديرة القسم اللي أنا فيه، ولازم أسافر وأحضر مؤتمرات. واقتربت منه بدلال وقد نسيت مسؤولية صغيريها. -كريم، إنت وعدتني هتساعدني أوصل لأحلامي. فأشاح كريم عينيه عنها بضيق. -أحلامك دي هتدمر حياتنا يا مرام، أنا مبقتش فاهمك.

فابتسمت وهي تقبله على شفتيه. -ده اسمه طموح يا حبيبي، ودلوقتي أنا مرات كريم الشرقاوي، أخو جاسم الشرقاوي، يعني لازم أكون حاجة تشرف. لم يعجبه حديثها، ولكن مع لمساتها المغوية بدأ يلين قليلاً، إلى أن هتف بهمس بعدما عانقته. -افتكري إن انتي اللي عايزة الحياة دي يا مرام. *** وقف كنان مصدوماً وهو يرى نسخة من شقيقته المتوفاة، وكأن هازان عادت من جديد في ملامح تلك الفتاة. نفس العينين، نفس لون الشعر والملامح البريئة.

وحدق بخطواتها ليجدها تخطو نحو مكتب الموارد البشرية، فيبدو أنها متقدمة لطلب وظيفة في شركته. *** وقفت ريم تخبره عن ميعاد ذهابه لمصنع الإنتاج الخاص بالشركة. رفع ياسر عيناه نحوها وهو يشفق على تعثّم صوتها، فقد أصبحت تخشاه بشدة. هو لم يكن يفعل معها ذلك إلا ليجعلها تتعلم كيف تواجه الحياة وتدافع عن نفسها، ولكن نسي أن الفقير يخاف على مصدر رزقه حتى لو داس على كرامته.

وعندما طالعها وجدها تخفض رأسها سريعاً. فتنهد بيأس، فيبدو أن ريم لن تتغير مهما عاملها بجمود وقسوة. "اقعدي ياريم وأهدي وبلاش خوف." فرفعت عيناها نحوه ونظرت إلى المقعد الذي أشار نحوه، وعاد يهتف: "اقعدي." فجلست سريعاً. ليضحك ياسر، فتعجبت منه، بل واتسعت عيناها دون تصديق. ليغلق ياسر الملف الذي أمامه وهو يزفر أنفاسه. "هتفضلي في عدم الثقة والارتباك ده لحد امتى؟

ريم، انتي مش بتشتغلي في شركة عادية. أي فرع من فروع مجموعة الشرقاوي ليها اسم ووضع في البلد." فطأطأت رأسها بخزي من حالها. "أنا عارفه إن مكاني مش هنا.. بس غصب عني أنا بحاول اتعلم." واتجهت بعينيها نحوه. "لو حضرتك شايفني مش واجهة إني أكون سكرتيرة مكتبك، انقلني أي قسم تاني، معنديش مشكلة." فزفر ياسر أنفاسه بضيق. "آه، اللي بيخليني أعاملك بأسلوب قاسي ضعفك ده.. أنا مبحبش اتعامل أو اشتغل مع حد ضعيف."

كانت نبرة صوته قاسية، فهو يكره الضعف الذي منعه يوماً من أخذ حق زوجته وطفله الذي كان في أحشائها، فقد قتلت في إحدى الحوادث المدبرة بعد أن نشر كطبيعة عمله كصحفي عن فضيحة تجارة الأعضاء وصرح بأسماء مهمة ودلائل. لاحت الذكرى أمام عينيه، ليغمض عينيه قليلاً كي يهدأ. "هحاول إني مبقاش ضعيفة.. بس ممكن حضرتك متهنيش." فأبتسم ياسر على حديثها الطفولي وتنهد بهدوء يتخلله بعض الجمود.

"دلوقتي عندك مهمة جديدة وياريت متخذلنيش قدام مستر ريان." فنظرت له برهبة من مهمتها الجديدة. "كل ملفات المشاريع اللي في مكتبك تروح لبشمهندس ريان وتفهميه كل حاجة اتوصلنا ليها والاتفاقات.. كل حاجة تخص المشاريع الجديدة بشمهندس ريان يطلع عليها." لترتبك ريم قليلاً، ثم حركت رأسها له بتفهم. فعملها الجديد سيكون مع المدير الجديد الآخر. ***

أردفت مهرة معه بداخل المطعم الفخم، ولأول مرة تظهر معه وسط معارفه. لم تعلم بأمر العزيمة إلا منذ ساعات، لتشعر بالتخبط داخلها، فهي لا تحب تلك الأجواء ولا الرسميات والتحفظ في الحديث. ووصلوا للطاولة المعدة لاستقبالهم، وكانت الصدمة لها رفيف هنا، وريان صديقه الذي أتى منزلهم أمس من أجل التحدث مع جاسم في بعض أمور العمل، وقد تعرفت عليه وعلمت أنه صديق جاسم وشقيق رفيف.

وما زاد الأمر سوء سماعها لصوت نرمين أيضاً، التي أتت معتذرة عن تأخيرها. "بعتذر عن التأخير." فطالعها جاسم بابتسامة ودودة، وهو ما زال واقفاً هو وهي. "مافيش تأخير ولا حاجة يانرمين.. هما بس اللي جايين بدري." فضحك كل من الضيوف وريان، الذي هتف بمزحة: "هذا هو جاسم الشرقاوي." ونظر نحو مهرة مخاطباً: "أشفق عليكي مدام مهرة من هذا الزوج."

فعادت ضحكاتهم تصدح مجدداً، إلا رفيف، التي كانت ترمقها بكره، فهي من انتصرت عليها، ولكن هي الآن بمصر من أجل شيء آخر، من أجل أحد رجال جاسم. "عمار." وجلسوا على مقاعدهم ليبدأ العشاء والحديث في العمل. وهي تجلس بينهم بملل، لا تفهم في مشاريع البناء ولا التسويق شيئاً، رغم عملها بالشركة.

ومر الوقت، ورفعت أطباق العشاء ليأتي دور التحلية واحتساء القهوة. ونظرت نحو جاسم تريد أن تسأله متى سيرحلوا، ولكن جاسم كان مندمجاً بشدة بالحديث مع نرمين. حتى أن ريان لاحظ ذلك وأخذ يتحدث معها قليلاً. ولكن ريان أتاه اتصال، فأعتذر ونهض. لتجلس رفيف باسترخاء، تطالعها بابتسامة خبيثة، وكأنها تقول لها: أنتِ لا شيء ولن تستمر زيجتكم تلك. نظرات متحدية كانت بينهم، وطالعت مهرة زوجها الغارق بالحديث مع نرمين، التي تحادثه بكل لباقة.

*** تسطحت ورد بجانب كنان واقتربت منه كي تنام على صدره، وأخذت تخبره بسعادة عما فعلته اليوم في العمل. "ليليان فعلت لي عضوية بالنادي ياكنان.. وسألعب رياضة لأحافظ على جسدي." ورفعت جسدها وبدأت تحادثه عن المناطق التي شعرت بزيادتها، ولكن كنان كان في عالم آخر، كان مع تلك الفتاة التي أمر شخصياً بتوظيفها بعد أن علم أي وظيفة بشركته تقدمت لها. وكانت الدهشة أنها تقدمت بوظيفة المساعدة الشخصية له. وشعر بيد ورد على وجهه.

"مابك ياكنان؟ يومان وأنت شارد هكذا." فأبتسم لها كنان وتمتم وهو يغمض عينيه. "مرهق ياورد.. هيا للنام." فحركت رأسها بتفهم، وعادت تنام على صدره، ثم رفعت رأسها قليلاً لتقبله على خده قبلة دافئة. *** قفزت مهرة على الفراش بسعادة وهي تهلل من فكرتها العبقرية بادعاء المرض. فور أن أخبرته بصداع رأسها وعدم تحملها ذلك العشاء الذي أثار حنقها وغيرتها، استجاب لطلبها واعتذر من شركائه وانصرف، واهتمامه كله منصب عليها.

ووقفت على الفراش بأنفاس متقطعة، وهي تجده يفتح الباب، وكان سيسألها عن شيء آخر تريده من أسفل مع المسكن، ولكن وجدها تتقافز على الفراش وكأنها كالقرد. وعقد ساعديه أمام صدره مبتسماً، وهو يرفع حاجبيه متسائلاً. "شايف إن الصداع خف وبقيتي زي الحصان؟ فأرتبكت، وهي ما زالت بوضع الانحناء، فقفزتها لم تكتمل. إلى الآن لا تعرف أتجلس على الفراش أم تقف معتدلة. ووضعت بيدها على رأسها بألم مصطنع.

"أصل قالوا عشان الصداع يخف لازم تتنطط شوية.. قولت أجرب النظرية." فضحك جاسم بأستمتاع واقترب منها ببطء. "تصدقي ديه نظرية عظيمة." فحركت رأسها سريعاً وهي تؤكد كلامه. "فعلاً نظرية هايلة.. الصداع بدأ يخف أه." وأنفتح فاها بشهقة قوية، وأتسعت عيناها بعدما دفعها على الفراش بيده. "وحياتك لهعرفك النظريات الصح النهارده عملي ونظري.. وهركز على العملي يامهرة." وغمز لها بوقاحة، لتبتلع ريقها بخوف وهي تراه ينحني نحوها ببطء قاتل.

كانت على وشك الاستسلام له، فهي أصبحت تحب ما يفعل بشدة، جعلها مدمنة لكل شيء يفعله، لمساته وأنفاسه، وأيضاً تهديداته. لعب لعبته بهدوء وجعلها كالمدمنة لجرعاته. "جاسم... أنا... كانت ستخبره أنها لا تستطيع أن تتنفس وأن قلبها يخفق بقوة، ولكن رنين هاتفه قطع كل شيء. ليبتعد جاسم عنها زافراً أنفاسه بغيظ، وألتقط هاتفه ليجد رقم نرمين، فتذكر أنه طلب منها أمر ما تفعله. "جاسم بيه أنا بعت البيانات اللي طلبتها على إيميل حضرتك."

فنظر نحو مهرة التي ما زالت مسطحة على الفراش تجمع شتات نفسها. "تمام يانرمين.. أنا هشوف الإيميل دلوقتي." وخرج بعدها من الغرفة، وما زال يتحدث مع نرمين في الهاتف. لتعتدل في رقدتها، وحدقت أمامها بأعين شارده، وداخلها يتآكل من نيران الغيرة التي لأول مرة تعرفها. ثم ضربت على الفراش بقبضتي يديها بقوة، وعقلها يعود إلى ذلك العشاء واندماجهم معاً. *** نظرت رقية إلى مراد الجالس، وكان متأنقاً بشدة، ثم تساءلت. "فين العريس؟

بابا قالي أنه طلب يقعد معايا مرة تانية عشان نعرف ناخد قرار." فأبتسم مراد وهو ينتظر إجابة زوج خالته السيد مسعود، الذي كان يقف يتابعهم بعينيه. "مراد طلب إيدك مني يارقية.. وأنا موافق." فحدقت بهم رقية بتحدي، وقبل أن تخطو نحو غرفتها هتفت. "وأنا مش موافقة." لتتجمد عين مراد عليها. فنظر مسعود باتجاه ابنته التي انصرفت بعد أن أخبرتهم بردها، ثم نظر إلى مراد الواقف مصدوماً، فقد ظن أن رقية ستطير من السعادة عند سماعها ذلك الخبر.

"الدور عليك دلوقتي يامراد.. جيه الوقت اللي تجري وتتعب أنت شوية عشان توصلها." قالها مسعود وهو يجلس على الأريكة مطالعاً مراد الذي ما زال واقفاً يطالع أمامه بصمت. فصغيرته قد كبرت. *** نظرت إلى الملابس المبعثرة أرضاً، في الآن لم تجد شيئاً ليس فاضحاً. كل الملابس التي لم تفكر يوماً النظر إليها، الآن تفكر كيف سترتديها. كانت تنظر لكل قطعة وهي تخبر نفسها. "لازم أملي عينه.. رفيف ونرمين أحسن مني في إيه."

ونظرت للقطعة التي بيدها بانبهار، رغم أن النظر لها مخجل، إلا أن لونها جذب عيناها وحرك فيها رغبة أن ترى نفسها بذلك الثوب الحريري القصير، وهتفت لنفسها. "أنا هلبسك أجربك بس.. بعدين أرجع تاني لهدومي المحترمة.. لحد ما بكرة أجيب حاجات طويلة ومؤدبة.. مش زي اللي هو جايبها." وضحكت وهي تسبه داخلها بقلة الحياء. وبعد دقائق، كانت تقف تنظر لنفسها بصدمة. هل هذه من تقف؟ مهرة ذو القمصان الصبيانية والنظارة وعقدة الشعر.

فشعرها الآن كان متحرراً من ربطته، وملست على الثوب الناعم القصير ومدحت نفسها. "قمر يا ناس." ونفضت رأسها سريعاً، ثم لطمت وجهها كي تفيق من تلك الحالة. "لأ أنا لازم أقلعك بسرعة كده هتعود على الحاجات ديه وعيب." ومجرد أن مالت أن تلتقط منامتها ذو الأكمام الطويلة، وتجمع بعض الأغراض من الأرض. وجدت جاسم يردف للغرفة، فقد كانت غير متوقعة قدومه بذلك الوقت.

وأنحبس الهواء في رئتيها. أما هو، كان يقف مذهولاً مبهوراً مما يرى. واقترب منها بهدوء، وأعين تحدق بكل تفاصيل جسدها بجراءة. وكانت هيئتها هذه دعوة صريحة منها ببدء زواجهم قولاً وفعلاً، هذا ما ظنه. لتهتف بتعلثم وخجل وهي تغطي جسدها بالملابس التي بيدها. "أنا كنت بجربه بس... ارجوك غمض عينيك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...