جلست بينهم تتناول طعامها دون شهية وترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة وهي تستمع إلى الحديث الدائر بين شقيقتها وجاسم. كانت تشاركهم الحديث من حين لآخر إلى أن لاحظ جاسم شرودها، فوضع كفه على يدها يداعب أناملها بحنان متسائلاً: -مالك ياحبيبتي؟ ثم نظر لطعامها فوجدها لم تأكل إلا القليل منه. -شكل الأكل مش عاجبك.. لو حابة أغير النوع. ونظر إلى ورد مبتسماً، فهو وورد من اختاروا لها وجبتها بعد أن تأخرت في المرحاض.
فأشارت إليه برأسها وهي تتحاشى النظر لعينيه. -لأ، الأكل حلو وعجبني. فداعب جاسم وجنتها وضحك بحب. -طب كلي ياحبيبتي. فابتسمت لهم ورد وهي سعيدة برؤية جاسم يدلل شقيقتها التي تستحق أن تحب وتحصل على السعادة. فكلتاهما عانوا من الحياة ما يكفيهم. وعادوا إلى طعامهم.. وهي مازالت كما هي، صامتة هادئة. وانتهى الغداء كما انتهت تحليتهم، وخرجوا من المطعم لتقف ورد تطالع ذلك الواقف أمام سيارته يطالعها، ثم تقدم منها.
-أريد الحديث معكِ يا ورد. أوجعها رؤيته هكذا، فلحيته قد طالت والسواد يحيط عيناه من قلة النوم. كنان زوجها الذي يعشق الاهتمام بأناقته يقف أمامها وكأنه يحمل هموم الدنيا على عاتقه، وهو في الحقيقة أصبح كذلك. والدته التي كانت تعيش حياتها كما يحلو لها أصبحت قعيدة الفراش. شقيقته إلى الآن محاطة بالخطر من قبل طليقها وزوجته، بعيدة هي وطفله الذي في أحشائها، ومشاكل بالعمل.
أعباء وأعباء تراكمت. لو عادت معه لاستطاع أن يصمد أمام كل شيء. وتمتم برجاء: -أرجوكي تعالي معي. فالتفت ورد نحو جاسم ومهرة اللذان وقفا يتابعان الموقف. جاسم يخبرها بعينيه أن تذهب معه ويتحدثوا، ومهرة كانت تقف شارده معهم وغير معهم. ونظرت إلى كنان الذي يطالعها برجاء. وحسمت قرارها، ستذهب معه وترى ما يريد إخبارها به. وعندما خطت خطوة للأمام ابتسم كنان وهو ينظر لجاسم الذي أخبره عن وجودهم هنا بذلك المطعم.
وانصرفت ورد، ليضم جاسم زوجته الشارده إليه مبتسماً. -أول مرة تسكتي على حاجة ومتعترضييش. لم تفهم سبب سؤاله وسألت عن ورد. -هي ورد راحت مع كنان؟ فابتسم جاسم، ثم سألها بحيرة من شرودها هذا. -آه ياحبيبتي.. مالك يامهرة؟ قادها نحو سيارته وهو مازال يضمها إليه، يخبرها عن خطته في إكمال باقي اليوم بالمنزل والاستجمام سوياً. كانت فكرة رائعة، ولكن مع ما حدث اليوم لم تكن رائعة. فحديث المرأتين حرك داخلها أشياء تخاف حدوثها. ***
نظرت ورد للشقة التي اصطحبها إليها، فوقفت تتأمل الشقة قليلاً، فارسمت ابتسامة راضية على شفتي كنان واقترب منها متسائلاً: -أتمنى أن تكون بالفعل أعجبتكِ يا ورد. فالتفت ورد نحوه، فتابع كنان: -شقتنا هنا بمصر يا ورد، اشتريتها من فترة عن طريق صديق لي يعمل في العقارات. فسارت بخطوات هادئة تتأمل الشقة، كانت أنيقة وراقية. -إنها ملك لكي يا ورد وعقدها باسمك.
وشعرت بيديه على ذراعيها يلامسها بنعومة، ثم انحصرت أسفل معدتها وأنفاسه الدافئة تلفح صفحات وجهها بعد أن مال برأسه على كتفها. -اشتقت لكِ يا ورد.. اشتقت لكِ كثيراً. كانت لا تقل شوقاً مثله وذابت مع لمساته، حتى أنها لم تشعر بيديه وهو يزيل عنها حجابها، ولكن أدركت الوضع سريعاً وابتعدت عنه. -كنان أرجوك. فجذبها إليه وهو يزفر أنفاسه بقوة صارخاً بها: -ماذا تريدين أن أفعل يا ورد أكثر من ذلك؟ ماذا أفعل؟ أخبريني.
وسقطت دموعها بصمت وهي تتألم من قبضة كفه على ذراعها. نعم تشتاق إليه بشدة وتريد أن تغفر، ولكن كيف ستغفر وهي لم تتعاف من آلامها وهاجس الخوف الذي عاشته معه. خذلانه معها ذكرها باليوم الذي خذل فيه أباها والدتها. ذكرها باليوم الذي خذلها فيه خطيبها السابق وقد كان أول حب تفتح عليه قلبها.
-كفي يا كنان، كفي. أنت السبب في كل هذا. لو لم تكن عائشة شقيقتك، كنت ستعيش معي رجلاً مشتتاً بجسدك فقط. كنت ستتركني يا كنان.. مثلما تركت سيلا عندما وجدتني.
ألجمته عبارتها الأخيرة كما ألجمتها هي أيضاً، ووضعت بيدها على فمها وهي لا تصدق أنها قالت ذلك. فهي تعلم أن علاقته مع سيلا كانت منتهية قبل أن يحبها، فالسيدة عظيمة أخبرتها بكل هذا. فبعد موت هازان ترك كل شيء وظهرت سيلا على حقيقتها من امرأة عابثة، حتى أنها لم تقدر حزنه على شقيقته. -لم أقصد يا كنان. وتنهدت بضيق من حالها وهي تجده يبتعد عنها. -أنت تعلم أنني لم أقصد. قلت لك اتركني لبعض الوقت يا كنان.
فالتف إليها ثانية ناظراً لها بعمق. -إلى متى يا ورد؟ كفي دلالاً. تردد الكلمة بأذنيها قليلاً، حتى ضحكت وهي تعيدها على مسمعه. -دلالاً؟ أنا أتدلل؟ أنا لم أتذكر أنني تدللت يوماً على أحد يا كنان.
وتابعت وهي تشرد بذاكرتها حينما كانت تمر على متجر والدها تخطف بعض النظرات إليه خلسة وترى كيف يسير برفقة سهير زوجته. متاجر ضخمة يمتلكها والدها وهي وشقيقتها يعانون نظرات البؤس من جيرانهم، حتى خطيبها تركها لأن والدته كانت تراها دون المستوى. -أنا لم أتدلل يوماً إلا على شقيقتي. أما الدلال فلا أعرفه. حتى أنت لم أطلب منك إلا حبك يا كنان، والآن تسمي بعض تمردي عليك دلالاً.
تألم لرؤيتها هكذا لأنه أكثر من يعلم طبيعة زوجته الهادئة، ووجدها تقترب منه وأخذت تدفعه على صدره بقوة. -ومدام ما أفعله دلال، سأتدلل يا كنان. *** وقف يطالعها وهو لا يعلم أيضحك عليها أم يضحك على حظه. فقد خطط أن يقضي اليوم بأكمله يضحكون ويستمتعون ويشاكسها، ولكن في النهاية ضاعت جميع خططه. فمنذ أن وصلوا وهي تجلس تطالع التلفاز وتبكي على بطلة الفيلم التي تعاني من المرض وتكافح من أجل البقاء وقد خذلها حبيبها.
فيبدو أن حتى التلفاز تعاون مع حالتها. واقترب منها بهدوء وهو يرسم على شفتيه ابتسامة هادئة. -مهرة. فرفعت عيناها الباكية إليه فسألها: -مالكِ يا مهرة؟ فتمتمت وهي تلتقط المنديل تزيل به دموعها. -مفيش حاجة بس مندمجة مع الفيلم. فنظر للفيلم ثم إليها. -سكونك ده أنا أكتر واحد عارف إنه لما بيجي وراه عواصف ومصايب، أو بالك مشغول في حاجة. وألتقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز وأطفئه، ثم نظر إليها بتحديق. -احكي، أنا أسمعك.
فلمعت عيناها وهي تتذكر حديث المرأتين، لم تحزن من كلماتهما بقدر ما حزنت أنهم يستكثروا زوجها عليها ويروها أنها لا تستحقه ولا تليق به. واندفعت نحوه سريعاً تدفن وجهها بصدره وتهرب من الإجابة. -جاسم، أنا بحبك أوي. فضحك وهو يربت على ظهرها. -وإنا كمان بحبك يا مهرة... بس هي دي الإجابة اللي أنا عايزها، ولا إنتي بتهربي من الموضوع؟
فابتعدت عنه قليلاً تطالعه وتفكر هل تخبره بما سمعته أم تصمت. وقررت الصمت، ولكن داخلها قرر المحاربة. وأشاحت عيناها بعيداً عنه كي يصدق ما ستخبره به. -أظاهر إن عندي اكتئاب حمل.. وحاسة إني مش طايقة حد. فانفجر ضاحكاً مما تخبره به، رغم أنه يعلم أنها تكذب، ولكن لم يرد أن يضغط عليها. -فاشلة حتى في الكذب ياحبيبتي. فارتبكت بعد أن كشف أمرها. -هو إنت مش مصدقني؟ فأقترب منها يحرك وجهه على وجهها مستمتعاً، نافياً بحركة رأسه. -لأ.
أثارتها حركته، فابتسمت ثم ضحكت بعد أن داعبت لحيته بشرتها الناعمة. -جاسم، احلق دقنك بتشوكني. فضحك وهو مستمتع بضحكها وتذمرها وهبط بوجهه نحو عنقها مداعباً إياه. -بكرة هبقى أحلقها.. بس حالياً أنا مستمتع. كان صوت ضحكاتهما يعلو، حتى أنها نسيت كل شيء كان يزعجها، وكأن القلب قد سكن العقل بترياق نشوته. ولم يفيقوا من مداعبتهم تلك إلا على نحنه خجلة. فقد كانت ورد تقف مرتبكة. فأبعد جاسم عن مهرة التي تساءلت على الفور.
-عملتي إيه مع كنان؟ فطأطأت ورد رأسها وهي تتذكر ما أخبرها به. -كنان مسافر بكرة الصبح. فتفاجأ جاسم بالأمر، لتنظر ورد لشقيقتها التي تحدق بها. -اتفقنا إني هقعد هنا فترة أريح أعصابي.. مجرد وقت. فتنهدت مهرة براحة، فهي تريد معاقبة كنان ببعد شقيقتها قليلاً، ولكن لا تريد إنهاء زواجهم. فهي تعلم عشق شقيقتها لزوجها، كما أن أصبح بينهم طفل. ***
وضع وجهه بين راحتي كفيه وهو إلى الآن لا يعلم كيف نطق بتلك الكلمات. ورفع وجهه ليسند ظهره على الأريكة. فقد فهم اللعبة. فـ هناء اعترفت بكل شيء. اعترفت بأن ناريمان وعدتها أن تعطيها وظيفة مرموقة أخرى بكندا هي وخطيبها. ظنوا أنهم يتعاملون مع رجل سهل، فهو لديه أساليبه. لديه وجه آخر يداريه حول الرجل الذي هو عليه. بالأصح، هو لديه أوجه عديدة أصبح يعرف يستخدمها متى أراد.
الزمن علمه كيف يكون وكيف يضع خيوط لعبته بين أصبعه. ولكن سؤال محير مازال لا يعرفه، لما ناريمان فعلت تلك اللعبة وعاونتها رفيف عليها؟ هذا ما ينتظر إجابته التي سيعرفها بالتأكيد. فهو منتظر عودة ريان حتى تكون الصورة واضحة أمامه وهو يسمع أفعال شقيقته وعشيقته. وتذكر هيئة ريم الشاحبة وهي تستمع لكلماته. فضغط على فكه بقوة وهو يلعن رفيف وصديقتها. ومر الوقت وهو يفكر بذلك الوضع الذي دخل إطاره دون إرادة. وأخيراً انتهى قراره الحاسم.
سيتزوجها ثم يطلقها وانتهى الأمر. ونهض من فوق الأريكة يلتقط مفتاح سيارته. *** صعدت ورد إلى غرفتها كي ترتاح، فاليوم كان متعباً للغاية بالنسبة لها. وجاسم اتجه لمكتبه يطالع بعض الملفات، ومهرة جلست أمام حوض السباحة تفكر قليلاً فيما ستفعله لتدافع عن زوجها وحقها فيه. ولكن نهضت بحنق من فوق المقعد الذي تجلس عليه وضربت جانب فخذيها بضيق. -طب وليه أنا عمالة أفكر في حلول وممكن أروح أحكيله ونخلص خالص وينقل نرمين من الشركة.
وحركت رأسها لتؤكد على قرارها هذا وسارت بخطوات سريعة نحو مكتبه لتطرق الباب ثم أردفت. ليلتف نحوها مبتسماً ويكمل حديثه في الهاتف مع نرمين، والتي يبدو عليها تخبره عن آخر التطورات التي حدثت في رحلة عملها وجاسم يتحدث معها بعملية. فندفعت نحوه تحاوط خصره من الخلف بتملك وتضع رأسها على ظهره. أخبرت نفسها أنه لها هي زوجته. وبعد أن كانت اتخذت قرارها بأن تقص إليه ما سمعته، قررت أن تعود لقرارها الآخر.
وأنهت الحديث مع نرمين، ثم ابتسم على تشبثها القوي به. فهتف ضاحكاً: -مهرة، أنا مش ههرب منك ياحبيبتي. فارتبكت بعد أن أدركت أنها بالفعل متشبثة به كالعلقة. وأرخت ذراعيها عنه وتساءلت: -خلصت شغل؟ فضحك على فعلتها والتف نحوها حتى أصبح وجه أمام وجهها. -أمرك يحير ياحبيبتي، شوية قاعدة مع نفسك سرحانة. شويه مكتئبة. شويه بتضحكي. ثم غمز لها مبتسماً. -ودلوقتي عايزة إيه بقى؟ فتمايلت بين ذراعيه مبتسمة. -عايزة أدلعك.
فأتسعت عين جاسم وهو لا يصدق ما تهتف به. ومال للخلف وهو يضع بيده على قلبه بطريقة درامية. -مش معقول مراتي أخيراً قررت تدلعني. لاء أنا بحلم فضحكت ليضحك هو الآخر وضمها إليه. -لاء، اظاهر إن الحمل هيعمل معايا أفضال كتير. وأبعدها عنه ثم ربت على بطنها حيث موضع طفلهما. -أنا بشكرك على مزاج ماما ده.. خلي مزاجها عند نقطة الدلع دي بس، أصل بابا طيب وابن حلال ومحتاج يدلع كتير. لم تعد تحتمل ما يتحدث به مع طفلهم وانفجرت ضاحكة بقوة.
-هدلعيني بإيه بقى؟ سألها بمشاغبة وعينان تلمعان بما أصبحت تجيد فهمه. -هعملك مساج. عبست ملامحه بعد أن كان متحمسًا.. فضحكت على تذمره. -مساج تاني منك، لاء. وضربها على مؤخرتها حانقًا من اقتراحها الذي لم يرغب به. -خدي بعضك وامشي يامهرة.. ديما مضيعة حماسي. فضحكت باستمتاع وهي تتعلق بعنقه وتجذبه إليها كي يميل نحوها ويصبح بمستوى طولها. -اسمع كلامي بس، ده تمهيد لحاجات حلوة كتير.
وغمزت بعينيها فجعلته يبتسم، ولكن سرعان ما تذكر مساجها الذي فعلته من قبل. -متحاوليش يامهرة.. انتي مبتعمليش مساج يريح عضلات الجسم، انتي بتنفضي سجادة ياحبيبتي. ومع تذمره وإصرارها انتهى الأمر وهي تتعلق بذراعيه صاعدين إلى غرفتهم. ***
أردف والد ريم لمنزله بسعادة وهو لا يصدق ما حدث. فقد كان جالسًا على المقهى القريبة من منزله في حارتهم ليتفاجأ بأحدهم يسأل عنه. أدهشته فخامة الرجل وهيئته التي جعلت الجالسين ينظرون إليه، فهيئته المنمقة لا تدل أنه من منطقتهم ولا من المناطق المجاورة. وفاق على صوت زوجته تخبره بحزن: -معرفش ريم مالها.. أنا قلقانة على بنتي. فنظر إليها زوجها مبتسمًا دون مقدمات.
-مديرها في الشغل جالي على القهوة وطلب إيدها مني.. راجل محترم وابن ناس باين عليه.. ربنا استجاب لدعائي وهطمن عليها أخيرًا. وتابع بسعادة: -بكرة جاي البيت يتقدم رسمي. فحدقت به زوجته وهي تستوعب الأمور بصعوبة. -مين ده اللي جاي يا حج؟ فتخطاها زوجها وهو يهتف: -ركزي يا أم العيال.. عريس جاي لريم. ألقى جملته الأخيرة واتجه نحو غرفته... لتقف زوجته تستوعب ما أخبرها به ببطء ثم انصرفت خلفه.
غير مدركين لابنتهم التي تقف خلف الباب تستمع لحديثهم وتبكي وهي تعلم أنه هو آتٍ ليتزوجها مشفقًا عليها ليس أكثر. كانت تتمناها بل ودعت الله كثيرًا أن يكون لها، أن يراها بعين المحب ويحبها. وبكت بحرقة وهي تكتم صوت شهقاتها متذكرة تلك الدائرة التي دخلتها وسط عالم كبير على عالمها وأحلامها الصغيرة. *** هتف متذمرًا وهو متسطح على بطنه. -انتي بتعملي إيه؟
واتجه بعينيه نحوها حانقًا وزفر أنفاسه بقوة، فهو لم يكن يريد إراحة عضلات جسده ولا شيئًا من كل هذا. -بتفرج على الخطوات.. سيبني أركز عشان أكمل شغل. فلوي شفتيه باستنكار. -عضلات جسمي بالنسبالك شغل.. أنا كده هبرد يامهرة. فطالعت نصف جسده العلوي العاري ثم عادت تطالع هاتفها على القناة التي تعرض شرح عمل المساج. وشهقت بفزع وهي تجده يلتقط منها الهاتف وجذبها إليه. -بلا مساج بلا خطوات.
لتضيع باقية شهقاتها مع قبلاته التي أغمرها بها. *** جلست مرام أمام بسمة باكية. فلم تجد أحدًا غيرها تقص إليه ما تعيشه. كريم لا يرد على اتصالاتها، خشيت أن تحادث جاسم وتخبره بالأمر كي يجد لها حلاً، ولكن جاسم نبهها كثيرًا على تصرفاتها حتى مهرة. فوضعت بسمة كفها على يد مرام بارتباك تهدئها. -أهدي يامرام، أكيد شوية زعل بسيط وهيروح. فطالعتها مرام ببكاء.
-أنا بحب كريم أوي يابسمة.. أنا مقدرش أستغني عنه.. بس كريم مش هيسامحني على اللي عملته. لم تكن تعلم بسمة بفعلتها.. وجف حلقها وهي تستمع إلى سبب خلافهم. -أنا متأكدة إن كريم بيعاقبني. فاتسعت عيناها بصدمة.. ألهذا السبب كريم عرض عليها الزواج؟ عقاب لزوجته لما كانت تفكر في الطفل الذي نبت بأحشائها وأرادت التخلص منه. ونظرت إليها بسمة طويلًا ولكن زادت أنانيتها في إتمام ذلك الزواج. وطأطأت مرام رأسها.
-أنا مستعدة أتغير عشانه.. بس ميضيعش مني.. أنا عارفة إني أنانية بس بحبه. ونظرت لبسمة برجاء. -ساعديني يابسمة. ولمعت فكرة بعينيها بلهفة. -إيه رأيك أسافرله لندن؟ تعالي اقعدي مع الولاد، أنا عارفة إنك بتحبيهم أوي ومبثقش غير فيكي. فتبدلت ملامح بسمة.. أتساعدها وتخسر فرصتها؟ وهتفت أخيرًا بتعلثم. -لاء يامرام، أنا شايفة إنك تسيبيه يهدي ده أفضل ليكي وليه وبعدين تتفاهموا. فنظرت إليها مرام طويلًا وهي تفكر بالأمر.
-انتي شايفة كده أفضل؟ أستنى؟ فحركت بسمة رأسها سريعًا مؤكدة. -أيوه طبعًا. *** استقبلت عائشة كنان بأسف وندم على ما فعلته بحياة شقيقها. -أسفة يا كنان.. حقًا أنا آسفة، لم أكن أقصد كل ذلك. وتابعت بندم أكبر. -أنا مستعدة إن أروح مصر واعتذر من ورد. فضمها كنان إليه.. هو يعذرها مهما كان، فهو المخطئ في البداية ولو كان مكان عائشة وعاش ما عاشته لتحول مثلها لشخص حاقد. -لا تعتذري يا عائشة ولا تتحدثي كثيرًا، ما زال جرحك لم يطب.
وأبعدها عنه لينظر لصديقه الذي استضاف شقيقته لديه واعتنى بها. -شكرًا بشير.. شكرًا على كل شيء. فأبتسم إليه بشير ثم نظر إلى عائشة، وهو الذي يريد أن يشكرها.. إقامة عائشة لديها حركت مشاعر لم يختبرها من قبل، حتى سيلا التي أحبها يومًا. وجاء بذهنه أمرها، فهي تستجم في فرنسا قليلًا لدى شقيقتها وقد أراحه ذهابها والتفافها حوله في الآونة الأخيرة. ***
ابتسمت ورد فقد أخرجتها رقية قليلًا من حزنها لرحيل كنان. فقد كانت تود لو أخذها رغماً عنها حتى لو معصوبة العينين، ولكن نفذ لها رغبتها. أصبحت تعيش مشاعر متخبطة. وطرقّت رقية أصابعها أمامها هاتفة بمرح. -أكيد سرحانة في أبو عيون ملونة. فضحكت ورد على مداعبة رقية لتتابع رقية حديثها بحماس وتستنشق الهواء ببطء. -اعملي حسابك إنك لو جبتي ولد. ورفعت يديها عاليًا داعية. -يارب تخلف ولد عشان أجوزه لبنتي.
فتعلت ضحكات ورد ونظرت لها مستفهمة. -بنت! انتي اتجوزتي وخلفتي يارقية؟ لاء فين مراد عشان أحكيله؟ فأعتدلت رقية في استرخائها. -مستقبلاً يعني... المهم أنا عقدت معاكي الاتفاق، يجي ابنك بقى يقولي لاء بنت بلدي أحلى وبنات بلدي عيونهم ملونة وبينوروا في الضلمة.. هياخد البنت يعني هياخدها. كانت مهرة متجهة إليهم في تلك اللحظة وسمعت الحديث الدائر فضحكت هي الأخرى باستمتاع. -مش قولتلك مافيش غير رقية هي اللي هتفرفشك.
وضربت مهرة بخفة على رأسها. -الله يعينك يامراد. فحركت ورد رأسها فهي بالفعل لا تضحك إلا مع رقية بأفعالها وحديثها. وجلست مهرة جانبهم وتسألت. -اخترتي فستان فرحك؟ فلمعت عين رقية وأخرجت تنهيدة طويلة ونظرت إليهم ثم حركت ذراعيها بأن يقتربوا منها. وأخرجت هاتفها متمتمة. -تعالوا أفرجكم على الفستان اللي اخترته.
فاقتربوا منها ونظروا إلى الفستان الذي أمامهم وتعلقت عين مهرة بورد باتساع ثم نظروا إلى رقية التي كانت منتظرة أن تعرف رأيهم. -فستان أسود يارقية. نطقوا بها بصدمة.. لتهتف رقية باعتزاز. -عايزة أكون مختلفة. *** نظر ياسر إلى ريم التي تفرك يديها بتوتر وتنظر إلى الأرض منتظرة حديثه. -ريم ممكن ترفعي راسك. فرفعت رأسها.. لينظر لها وهو يتألم من انكسارها هذا. -والدك قالك أكيد على عرضي.. أحنا لازم نتجوز في خلال الشهر ده ياريم.
فتعلقت عيناها به وقاومت ذرف دموعها من تلك المهانة التي تعيشها. -أنا معرفتش أقول إزاي لوالدك إني عايزة أتزوجك في أسرع وقت... لأنه أكيد هيشك في الحكاية. دمعت عيناها وهي تستمع إليه وعادت تنظر للأرض مجددًا. -ريم جوازنا عشان سمعتك عشان تقدري ترجعي الشركة راسك مرفوعة من تاني. ترددت الكلمات بأذنيها.. مرفوعة الرأس.. فرحة والدها بذلك العريس وسعادة والدتها وسط جيرانها وقلبها الذي يريده. ونهضت من أمامه تنهي كل ذلك. -أنا..
ولم تكمل باقي كلماتها فوجدت والدها يتجه نحوهم مبتسمًا. -نورت وشرفتنا يابني. وجلس جانب ياسر بسعادة يربت على ذراعه بفخر. *** أخذ يحضر حقيبة سفره بحماس. فغدًا سيعود إلى مصر وسيذهب ليتقدم لخطبة تلك الفتاة التي أراقت فكره.. فأنتهى وقت التفكير. وتذكرها مبتسمًا وهتف باسمها. -فريدة من نوعك ريم. ***
نظر كريم إلى صور صغيريه وهو متسطح على الفراش في الفندق الذي يقيم فيه حتى تنتهي رحلة عمله.. ينسى كل شيء وهو يطالعهم.. تتدفق مشاعر الأبوة إليه ويراجع قراره آلاف المرات. وأخذ هاتفه يضيء برقم بسمة.. وفتح الاتصال الذي كان على أحد البرامج الحديثة ذو الصوت والصورة. لتظهر بسمة أمامه بقميص نومها. -وحشتني يا كريم.
هتفت برقة وهي تتلاعب بخصلات شعرها ثم أخذت تخبره بحماس عن الفستان الذي اختارته لعقد قرانهم، وهو يستمع لها ويرد عليها ببعض الكلمات المقتضبة. أشعرته بالبغض من حاله.. فغضبه من زوجته أعمى ليدخلها في الأمر ويلعب بمشاعرها. *** تفاجأ جاسم بمهرة التي تقف في منتصف الحجرة ترتدي أحد فساتين السهرة العارية ويبدو من ملامحها أنها مستاءة من شيء. واقترب منها ينظر إليها بهدوء هاتفا. -إيه الجمال ده ياحبيبتي.
فهتفت باختناق من ضيق الفستان عليها. -عجبتك ياحبيبي؟ فأبتسم وهو يتأملها من بداية الحذاء العالي إلى خصلات شعرها التي صبغت بعض خصلاتها. -انتي عجباني في كل حالاتك. وضمها إليه، فضاقت أنفاسها بقوة.. ولم تعد تحتمل ضيق الفستان. -جاسم أنا محتاجة أتنفس.. الفستان ضيق أوي. فأبعدها عنه ونظر إليها وهي تحرك يدها للخلف نحو سحاب الفستان وصدحت صوت ضحكاته عاليًا. -ولَبستيه ليه مدام ضيق؟ فهتفت بحنق وهي تحاول سحب سحاب الفستان.
-عجبني شكله.. أنا لازم أخس عشانه. ومدت شفتيها بامتعاض وهي تستمع لضحكاته. -شوفت أنا عاملة إيه عشانك وانت بتضحك. فأدارها اتجاهه وما زال يضحك وأزال السحاب ببطء. -كل اللي انتي عملاه ده شكليات ياحبيبتي. فأبتعدت عنه لتنظر إليه دون فهم. -قصدك إيه؟ فأبتسم وهو يحتوي وجهها بين راحتي كفيه ثم مال عليها يخبرها بوقاحة مقصده.. لتتسع عيناها. فدفعته عنها.. ليضحك على فعلتها. -ما خلاص ياحبيبتي.. ده انتي بطنك بدأت تظهر.
وقرص وجنتيها بخفة وهو يشاكسها. -مهرة انتي نمتي؟ كانت تطالعه بثبات إلى أن خطت نحوه ودفعته حتى سقط بجسده على الفراش، وانكبت عليه تلتقط لياقة قميصه. -فين الكلام الرومانسي اللي بيقولوه في الوقت ده؟ فين رقصة السلو؟ فين كاظم الظاهر اللي المفروض يظهر فيك؟ فين الشعر؟ طالعها في البداية بصدمة إلى أن رنت قهقهته بأرجاء الغرفة وحاوط حضنها بذراعيه. -لأ ده انتي بقيتي مسلية خالص يا حبيبتي.. وأنا بعشق التسالي.
وجذبها نحوه أكثر فأصبحت بين ذراعيه وقبضتي يديها على صدره. وتنفست ببطء وهي تشعر بملس يده على ظهرها. -إحنا مش هنرقص؟ فداعب أنفها بأنفه. -بكرة نبقى نرقص يا حبيبتي. ولكن طرقات على باب حجرتهم وبكاء ورد وانقطعت تلك اللحظة الساحرة ونظروا لبعضهم بقلق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!