كان وكأنه في عالم آخر، عقله مغيب وحرارة جسده تزداد. صراخ يأتي له من بعيد، بكاء وتوسل. فتح عينيه والعرق يتصبب من فوق جبينه ليجد نفسه يحاول تقبيل إحداهن، ولم تكن إلا آخر امرأة يريد إيذاءها بحياته. العقل كان يرغب بها، فهو من يهيئها له بطريقة مغرية، ولكن قلبه يرفض، بل وأصبح يتألم وهو يسمع أنينها ويديها الصغيرة تدفعه عنها وتطلب منه أن يتركها.
ابتعد عنها سريعًا لينظر إلى هيئتها، فحجابها كان على وشك أن يزيله عنها، وملابسها يبدو عليها أثر عبث يديه. ارتد للخلف بخطوات مذعورة وهو يشعر بالعطش أكثر إليها. فأبتعد أكثر عنها وصوت بكائها وأنينها يعلو. ليتجه نحو أقرب أريكة يتمدد عليها، ثم أغمض عينيه لعله يفيق مما هو فيه. ليزداد اضطراب أنفاسه وعرقه الذي بدأ يتفق بغزارة. وقفت تائهة في مكانها ترتجف بخوف. لأول مرة ترى الرجل الذي أحبته هكذا، لأول مرة تخافه.
لحظة أدركت فيها معنى أن تسقط من حافة الهاوية وترى مصيرك أمام عينيك. وضمت ذراعيها على جسدها وبكت بحرقة وهي تتخيل ما كان سيحدث لولا ابتعاده عنها. لحظات مرت وهي تقف بضياع وعيناها مثبتة نحو الفراغ. استردت أنفاسها بصعوبة. لتتحرك قدماها للداخل، فرغم كل خوفها منه إلا أنها أرادت أن تطمئن عليه. فالرجل الذي كان أمامها منذ قليل ليس مديرها الذي تعرفه، ليس ياسر الرجل الذي أحبته رغم جمود قلبه.
وسارت بخطوات بطيئة مرتجفة ويداها مازالت مضمومة على جسدها. ووقفت على بعد يمكنها من رؤيته، فوجدته ممددًا على الأريكة مغمض العينين. أرادت أن تقترب منه، ولكن مشهد ما كان سيفعله بها جعلها تفر هاربة من شقته وتضم حقيبتها لصدرها وتبكي بصمت. ووقفت في الناحية الأخرى من الطريق تطالع البناية. فعاد قلقها عليه يقتحم قلبها المحب وأخرجت هاتفها بأيد مرتعشة لتبحث عن رقم مهرة. وفور أن علا الرنين ردت مهرة. "ريم"
وقبل أن تسألها عن حالها، سمعت صوت أنفاسها الهادر. فهتفت مهرة بقلق وهي تنظر لجاسم الذي يقود السيارة ويصطحبها للغداء. "ريم مالك، فيكي إيه؟ انتبه جاسم للحديث، ولكن ظلت عيناه مثبتة على الطريق. وأخيرًا خرج صوت ريم بتعلثم. "مهرة... خلي جاسم بيه يلحق مستر ياسر في شقته، شكله تعبان أوي." كانت مهرة على وشك أن تسألها كيف علمت بذلك. فانقطع الخط، وعادت تدق عليها، ولكن الهاتف قد انغلق. فنظرت مهرة لجاسم بقلق.
"جاسم، ياسر تعبان وفي شقته." فأوقف جاسم سيارته، متسائلاً بحدة. فمنذ عمل ياسر معه وهو دوماً يجد فيه الموظف المخلص، حتى أنه أصبح يعطيه المناصب بشركته ويتولى أشياء كثيرة عنه، لأنه يعلم أن ماله في يد آمنة. "وريم عرفت ده إزاي؟ ده كان لسه مكلمني من ساعتين." فحركت رأسها دون فهم، ناظرة إلى هاتفها. "معرفش حاجة، ده الكلام اللي ريم قالته وتليفونها اتقفل." وطالعته وعقلها يدور بأشياء بعيدة. ***
أغلقت الباب على نفسها سريعًا بعد أن دارت شحوب وجهها ودموعها عن والدتها. جسدها كان يرتجف، وأغمضت عيناها بألم وهي تكتم صوت شهقاتها. مازالت تشعر بأنفاس ياسر الساخنة على وجهها، مازالت تتذكر يديه التي كانت تضمها وقربهم المتلاصق. وانهارت على البساط القديم خلف باب غرفتها وبكت وهي تلوم نفسها مرددة. "إزاي أوافق أروح بيته... أنا الغلطانة." ***
انصرف الطبيب بعد أن طمأنه على حالة ياسر وأن ما به ليس إلا أنه تحت تأثير مخدر من الأنواع المنشطة. وقد قالها الطبيب مبتسمًا بمغزى فهمه جاسم على الفور. فهو في الأصل طبيب صيدلي، ولكن أخذ عقله يدور بنقطة ياسر ومنشط، كيف هذا؟ ياسر لا يهوى النساء، يعيش على ذكرى زوجته، رجل كل حياته في العمل. ولمعت عيناه عندما تذكر ريم. لتتجمد ملامح وجهه، ريم وياسر ومنشط.
ودار عقله بجميع الاحتمالات، فخرج من غرفة ياسر بعد أن أعطاه الطبيب حقنة تجعله يغفو براحة حتى يعود إلى كامل وعيه. ومر الوقت وهو جالس بالخارج ينتظر استيقاظه. *** عاد جاسم ليلاً ينظر إلى زوجته الجالسة على الفراش تقضم أظافرها بتوتر. فخلع سترته بإرهاق متسائلاً. "فين ورد؟ فوقفت على أقدامها وهتفت. "ورد خرجت مع أكرم." وتابعت بلهفة. "طمني، إيه اللي حصل؟ ريم عرفت إن ياسر تعبان إزاي؟
فأتجه نحو المرحاض ينعش جسده بالماء البارد بعدما أخذ ملابسه. "الإجابة عند ريم يا مهرة." وتركها دون أن يضيف كلمة أخرى، متذكرًا ما حدث مع ياسر وما أخبره به. فهو لم يتناول غير القهوة مع رفيف التي أتت تناقشه في بعض الأوراق وبعدها انصرفت، لتأتي إليه ريم وقد كان بغير وعيه. ومن نظراته فهم أنه قد حاول أن يعتدي عليها لولا سيطرته على نفسه والدوار الذي شعر به بعد أن انخفض ضغط الدم لديه.
وخرج من المرحاض يجفف شعره، ليجد مهرة تقف أمام المرحاض تنتظره بلهفة وفضول. وقبل أن تسأله هتف. "مش هتلاقي غير الصمت لو سألتي، فغيري الموضوع يا مهرة." وكادت أن تجادله، إلا أن إشارة من نظرة عينيه جعلتها تصمت. فلو لم يخبرها، فستهاتف ريم غداً لتلتقي بها وتعرف منها ما حدث. وأقنعت نفسها بالأمر، لتنظر إليه وهو يعدل من هندام قميصه القطني ويمشط خصلات شعره بأصابعه. ثم هتف بنبرة حازمة قبل أن يغادر الغرفة.
"اللي حصل في الشركة ده يا ريت ميحصلش تاني." كانت تظن أنه نسي أمر ما فعلته مع كنان، ولكن يبدو أن زوجها يخزن لها ما اقترفته لنهاية اليوم. وبعدها تركها تنظر إليه متسعة العينين من مزاجه تلك الليلة. "لأ شكل الليلة دي محتاجة سيطرة على لساني، ده مش طايق نفسه ولا طايقني." *** لم يتناول العشاء معها وأردف لغرفة مكتبه يتابع عمله وينظر للإيميلات التي كان عليه مطالعتها بالشركة. ومر بعض الوقت وهو جالس هكذا.
ولكن شرد قليلاً وهو لا يصدق إلى الآن أن رفيف من وضعت لياسر المخدر. فمن سيفعل ذلك؟ فهي من أعدت القهوة، ولكن نفس السؤال الذي لم يجد له إجابة، لماذا تفعل ذلك؟ وعاد بذاكرته لبضعة أشهر قبل رحيل عمار لديه، وقد اعترف له لما حدث مع رفيف معتذرًا منه. وابتسم ساخرًا على حاله، ففي يوم كان معجبًا بها وبجمالها وثقافتها ويريدها زوجة له.
وانقطع حبل أفكاره وهو يجد مهرة تحمل طبقين بهم قطع كعك وبجانبهم أكواب من الشاي. وهتفت بحماس كي تلطف الجو المشحون بينهم. "لقيت نفسي قاعدة لوحدي وانت مرضتش تتعشى، قولت أجيب الكيكة اللي عملتها ونقعد نتسلى ونأكل ونشرب الشاي ونرغي شوية." فطالعها بفهم وهو رافع حاجبيه. "نرغي، وأكيد في نفس الموضوع." وتابع وهو يعود لمطالعة ما أمامه. "خدي بعضك وامشي، أنا ولا جعان ولا فاضي أتسلّى." وفجأة وجدها أمامه تجذبه من ذراعيه.
"أبدا، ده أنا مش ماشية غير لما تدوق من الكيكة اللي عملتها، دي كيكة بمقادير تركية يا جاسم عملتها مع ورد وقولت لا يمكن آكلها إلا لما جوزي حبيبي يجي." وجذبته بقوة أكبر كي تحركه من مقعده. "يلا نقص الشريط." وضحكت وهي تتابع. "قصدي ناكل الكيكة وتقولي رأيك." ونهض معها مرغمًا وجلس جانبها، فهو يعلم أنها ستستدرجه لتعلم ما حدث، ولكن سيلتزم الصمت. ونظر لشكل الكعكة مضيقًا عينيه. "إنتي متأكدة إنك إنتي اللي عملاها؟
فابتسمت وهي تعطيه طبقه. "إنت ليه شاكك في قدراتي المطبخية؟ فضرب جبهتها بعد أن تناول منها الطبق. "قدرات مطبخية... مصطلحاتك ديما بتبهرني يا حبيبتي." وأخذ يستطعم بشوكته الكعكة، فقد كان طعمها لذيذًا، ولكن لا يصدق أنها صنع زوجته. "هحاول أصدق إنك إنتي اللي عملتيها من غير مساعدة ورد."
فضحكت وهي تأكل القطعة التي بشوكتها. وشهقت فجأة بعدما وقفت القطعة بحلقها وأخذت تسعل. إلى أن أعطاها كأس الشاي خاصتها سريعًا ناظرًا لها بقلق. وارتشفت بعض قطرات الشاي وعادت تأخذ أنفاسها بعدما هدء السعال. ونظرت إليه ثم هتفت باعتراف. "مش أنا اللي عملت الكيكة دي، ورد." فطالعها جاسم للحظات ثم انفجر ضاحكًا من اعترافها، وكأنها خافت من كذبتها. ودفعته على صدره برفق. "متضحكش."
فوضع الطبق الذي يحمله وأخذ منها كأس الشاي وابتسم وهو يحدق بها. "تعرفي إني بحب جنونك على هبلك ده." فابتسمت باستحياء، ثم اتسعت عيناها وهي تتذكر أنه يذمها. "أنا مجنونة وهبلة." فمال نحوها يعبث بخصلات شعرها ضاحكًا. "ده مميزات فيكي وأنا بذكر دلوقتي مميزاتك." ولثم وجنتيها بقبلات دافئة وامتدت يداه يعبث بلياقة منامتها. فسألت. "هو إيه اللي حصل مع ياسر وريم؟ فرفع يداه نحو وجنتيها يداعبهم وحدق بشفتيها مبتسمًا.
"حصل كل خير يا حبيبتي." فتمتمت وهي تجد شفتيه تتحرك ببطئ نحو شفتيها. "عايزة أعرف حصل إيه." وصدح صوت أكرم عاليًا بالخارج وهو يصرخ بورد على تركها المطعم بعد أن انضم لهم كنان. فنظر جاسم إليها وأخذ يزفر أنفاسه بقوة على وجهها، وهي تكتم صوت ضحكاتها حتى لا يفتضح أمرهما. "بتضحكي على إيه؟ على خيبتك." فانفجرت ضاحكة بخفوت وهي تطالعه كيف ابتعد عنها. "بصراحة بقيت تصعب عليا... بس متقلقش، كله في ميزان حسناتك يا حبيبتي."
ونهضت من فوق الأريكة راكضة لخارج الغرفة بعد أن طالعها بنظرات حانقة. واتبعها وهو يجدها تقف بينهم تسألهم عن سبب صراخهم، وورد تهتف بضيق. "الأستاذ بيقولي مبسوطة ومقضياها خروج وهو هنا قاعد في قلق، ومدام نفسيتي ارتاحت أرجع معاه على تركيا. ده كان عايز يخدني معاه على المطار يا مهرة ومجهز كل حاجة وهو اللي قايله يخرجني." وصعدت لأعلى تبكي على كلمات كنان وهو ينعتها ببرودة القلب وهو لا يقدر على بعدها. لتنظر مهرة لأكرم معاتبة.
"ليه عملت كده؟ ورد هترجع كده كده لـ كنان بس محتاجة وقت تهدي وتريح أعصابها." فنظر إليها أكرم متأسفًا. "الراجل بيحبها يا مهرة وسايب شغله وحياته وجاي وراها يتحايل ويعتذر وندمان، كفاية كده عليه." فتهكم وجهها، فهو من فعل ذلك فليتحمل. وسمعت صوت جاسم مؤكدًا. "أكرم عنده حق يا مهرة، كنان ندمان." فوقفت تحدق بهم هم الاثنان، ثم تركتهم وهي تهتف. "خليه يندم أكتر وأكتر." *** نظرت رفيف لناريمان التي اقتحمت مكتبها وهتفت بسعادة.
"نجحت خطتنا، أليس كذلك؟ فابتسمت إليها رفيف. "لم يأتي للعمل ولم تأتي هي أيضاً، يبدو أنها كانت ليلة حافلة." فأتسعت ابتسامة ناريمان وهي تتذكر ريان عندما يعرض الزواج على ريم وترفض، فكيف ستقبل الزواج به بعد ما حدث بينها وبين ياسر وغير سمعتها التي ستتولى تلك المهمة هناء سكرتيرة ياسر. ففي كل الاتجاهات، عند عودة ريان من سفره، سيدرج أن ريم ليست الفتاة التي يظنها. سيثيروا الشكوك بين علاقتها بـ ياسر. وزفرت رفيف أنفاسها بحنق.
"ماذا فعلتي مع السيد عدنان؟ هل قبل منحك عمار كحارس شخصي لكي؟ فحركت ناريمان يدها على خصلات شعرها وهي تتذكر ليلة أمس وهي تقضيها مع عدنان والذي يعمل عمار حالياً حارساً له. "لا تقلقي." سيعمل لدي من بعد غد. ضحكت بأستمتاع. -وستسير خطتنا كما اتفقنا. فنهضت رفيف من مقعدها وانحنت نحو صديقتها. -ريان لن يتزوجك. ناريمان لا تحلمي بهذا الشئ. وأنا فعلت ذلك معك لأني أعلم بحب ياسر لريم، ولكن لن يعترف بشئ وسيظل هكذا. فأردت تحريكه.
وابتعدت عن صديقتها. فأخذت ناريمان تطالعها بضيق من أخبارها الدائم بأن شقيقها لن يتزوجها. فهي تعلم ذلك وليست بحاجه لمعرفتها، ولكن تأمل في يوم أن يدرك ريان حبها. ولكن مدام لن تجعله يتزوج تلك الفتاة التي هي متأكده أنه إذا تزوجها ستمتلكه لها وحدها، عكس زوجته السابقه التي كانت نسخه منها ومن رفيف.
نظرت بسمه للفستان الأبيض الذي انتقته لكتب كتابها وعرسها في نفس الوقت. لم يكن فستان زفاف، ولكن رغبت أن ترتدي مشابه له. وأخذت تتأمل تفاصيل جسدها بابتسامة واسعه. بعد عدة أيام ستسير زوجته وستعطيه كل ما يريد. ستكون زوجة معطاءه عكس مرام. فقد علمت نقاط ضعف مرام ولن تصبح مثلها وتخسره. وفي دوامة سعادتها نسيت خطتها القديمه مع مشيرة وكيف دخلت إطار حياتهم.
حمل كريم حقيبة سفره. فرحلة عمله التي أجلها في تلك الليلة بعد ما حدث مع مرام وبعد ما مر به. ووجد مرام تقترب منه متفاجئة. -أنت مسافر يا كريم؟ فطالعها ببرود اعتادته منه. -أنتِ شايفه إيه؟ واتجه نحو غرفة أولاده يقبلهما وهي تتبعه متسائلة. -دي رحلة لندن اللي اتأجلت مش كده؟ فخرج من غرفة صغيريه ولم يعد يحتمل اهتمامها هذا، فهتف ساخرا. -آه رحلة لندن اللي اتأجلت عشانك. واقترب منها بفحيح وهو يحدق بها.
-كنتِ عايزة تجهضيه. وأه اتحققتلك أمنيتك في نفس الليلة. وحمل حقيبته بعدها وانصرف ليتركها تقف مصدومة من معرفته. ووضعت بيدها على شفتيها تكتم شهقتها ثم ركضت خلفه تهتف باسمه، ولكن قد رحل. تغيبت عن عملها أمس، فأخذت والدتها تسألها عن السبب. أخبرتها عن عدم ذهابها لعملها مرة أخرى، فهتفت والدتها بقلق. -حصل حاجة في شغلك يا ريم؟ اتطردتي يا بنتي؟ ومن دون إجابة ضربت على صدرها.
-هندفع فلوس الجمعية منين اللي دخلناها عشان عملية أبوكي؟ وأخذت تذكرها بقيمة المرتب وحالهم وأن والدها لم يعد قادرًا على العمل. ولكن عندما رأت الدموع بعين ابنتها، احتضنتها مشفقة. -خلاص يا بنتي مش مهم. ربك مبينساش عباده تدبر. وخرجت والدتها من غرفته. فجلست على فراشها باكية متذكرة المسئوليات التي أصبحت على عاتقها. صحيح لم يحدث شئ لها من ياسر، ولكن قلبها يؤلمها كلما تذكرت أنها لولا رحمة الله بها لحدث ما لم تريد تذكره.
ونهضت من فوق فراشها تذهب لعملها، فهي بحاجة لذلك المرتب. وقف ياسر يرتشف من فنجان قهوته وهو ينظر من شرفة شقته مفكرا فيما حدث. ويتوعد داخله لرفيف. ولكن قرر الصمت هو وجاسم حتى لا تتأذى سمعة ريم. وقرر أن يبتعد عن الفرع الإداري ويمسك إدارة أحد المصانع التابعة للمجموعة. وأغمض عيناه بندم وقد قرر أن يعتذر من ريم. ونظر لساعة يده فكانت تسير ببطء، وهو لن يذهب لعمله إلا على الظهيرة، فليست لديه رغبة بالعمل.
وسارت من أمامه صورة ريم وهي تبكي وتدفعه عنها بضعف كي لا يفعل بها شئ. فقبض على يده بقوة متمتما. -حسابك معايا يا رفيف، بس الدنيا تهدى وهعرف آخد حقها منك. تمطت مهرة على الفراش بتكاسل وهي تنظر نحو جاسم الذي تأخر للذهاب لعمله بعد سهرتهم سويا ليلة أمس. ووجدته يلتف نحوها مبتسما. -هنتغدى بره النهاردة وابقي شوفي ورد. فنهضت من فوق الفراش بثوبها القصير وعانقته. -فكرة حلوة، وأه بدل الغدا اللي اتأجل من يومين.
ولمعت عيناها عندما تذكرت ذلك اليوم وإلى الآن جاسم لم يخبرها عما حدث وريم هاتفها مغلق. -أنت مش هتقولي على اللي حصل؟ أنا قلقانة على ريم يا جاسم. فضحك على أفعالها، فهي تدور حول ذات الموضوع منذ ذلك اليوم. فحدقت به بضيق. -على العموم أنا هروح لها بيتها أطمن عليها لو ما فتحتش التليفون بتاعها. فتنهد جاسم وهو لا يريدها أن تعرف السبب الذي بالتأكيد حكايته لن تكون مكتملة، إلا إذا شرح ياسر الأمر لريم وأوضح لها كل شئ.
-مهرة، ريم لو عايزة تقولك حاجة هتيجي وتحكيلك. بلاش فضولك ده. فحركت رأسها بضيق وهي تعلم صحة كلامه، ولكنها تخاف على ريم وتعدها كشقيقة لها. وانحنى نحو جبينها يلثمه بقبلة حنونة ثم داعب وجنتيها. -بحبك وأنتِ بتسمعي الكلام. وانصرف من أمامها لتقف هاتفه بحنق. -مبقولش غير اللي عايز يقوله.
منذ بداية دوامها هذا الصباح وهي تستمع إلى همهمات الموظفين وخاصة النساء. لم تضع في بالها أن تعرف بما يتحدثون فيه، ولكن اتضح كل شئ لها وهي تجلس في استراحة العمل وترتشف فنجان قهوة من أجل الصداع الذي يدق رأسها كالطبول. واقتربت منها إحداهن تسأله بخبث. -وهيتجوزك على كده؟ ثم تابعت. -لأ، طلعتي شاطرة. وقعتي واحد من المديرين. ووقفت تصرخ دون وعي. -أنتِ بتقولي إيه؟ لتتعالى الهمهمات واحداهن تهتف. -إن الله حليم ستار.
وأخرى تنظر لها باشمئزاز ويتحدثون عن ذهابها لشقة مديرهم وما بينهم. فتذكرت هناء، فهي بالتأكيد من لديها الحقيقة لهؤلاء. فهناء من بعثتها من يومين. وتحركت بخطى سريعة لمكتب هناء، ولكن وجدتها تقف في بهو الشركة أمام ياسر الذي قد جاء للعمل ووقف يزيل نظارته عن عينيه وبجانبه أحد محامين الشركة. فجذبت يد هناء قائلة لها برجاء وهي تتحاشى نظرات ياسر. -هناء تعالي معايا، قوليلهم إن انتي اللي بعتيني بالملف لمستر ياسر.
ونطقت اسمه بصعوبة. لتتسع عين ياسر وهو ينظر لهناء التي وقفت مرتبكة، ثم صاحت بها. -أنا بعتك يا ريم؟ ده انتي اللي اتحيلتي عليا عشان تروحي. فنظرت إليها ريم بصدمة من كذبتها، فهي ذهبت من أجلها لأنها كانت تريد الانصراف مبكرا من أجل والدتها. ووجدته ينظر لياسر يخبرها بكذب أنها من رغب بذلك.
صدمتها كانت كبيرة، هي تدرك أنها في غابة حقيقية، غابة بها بشر. ووقف ياسر يستمع لهم وعيناه تدور بينهم، وبعض الموظفين انتبهوا للحديث الدائر، فخرج صوته صادحا بجمود. -وفيها إيه لما تيجيلي شقتي؟ أنا وريم جوازنا بعد شهر ومن يومين كتبنا الكتاب، وما أظنش أننا لازم نوضح كل حاجة لأي حد. ونظر إلى يدها التي تعلقت عين هناء عليها، فأكمل وهو يطالع تلك التي وقفت متخشبة بمكانها.
-قولتلك يا حبيبتي ألبسي خاتم جوازنا. أنا عارف إنك أكيد نسيتيه. ورسم ابتسامة على شفتيه، فأبتسم البعض وتحولوا لمهنئين، ليتقبل ياسر التهنئة بملامح جامدة. أما هي فوقفت لا تشعر بأي شئ يدور حولها. وقفت خلف باب المرحاض تكتم صوت أنفاسها بعد أن استمعت لاسم زوجها في الحديث الدائر بين المرأتان ولم ينتبهوا لوجودها. كان جاسم قد اصطحبهما لمطعم فخم ليتناولوا طعام الغداء. ولكن حديث المرأتان جذب أذنيها. -شفتي مرات جاسم الشرقاوي؟
عادية خالص، بيقولوا كانت موظفة عنده. فضحكت المرأة بتهكم وهي ترد على صديقتها. -ولا استايل حتى. تقريبًا نزوة وهيزهق منها قريب. فتابعت الأخرى وهي تهندم خصلات شعرها. -الفرصة قدام نرمين سهلة أنها تتجوزه، بس الهانم رافضة تخرب حياتهم. فتعالت ضحكاتهم لتكمل وهي تضع أحمر الشفاه على شفتيها. -خليها معجبة بيه في صمت كده، لحد ما تخسر فرصتها. وغادروا بعدها ولم يعوا أن طعناتهم وصلت لمن يعنوها دون تخطيط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!