أندفع واقفا وهو يرى حالتها تلك ونظر لذراعها بقلق. -إيه اللي حصلك؟ فأرتبكت مهرة من نظراته، ومسحت على ذراعها برفق. -مجرد حادثة بسيطة. وأقترب منها وهو يحرك رأسه بيأس. -حادثة ولا مصيبة عملتيها يامهرة؟ فأتسعت عيناها ثم أشاحت وجهها بعيداً عنه متمتمة بحنق. -أنا بعمل مصايب. وأبتسم وهو يمسك ذراعها يفحصه برفق، فتأوهت وهي تسحب ذراعها. ليطالعها جاسم بضيق وهو يبتعد عنها.
-من ساعة معرفتك وإنتي يا إما بتدخلي للمصايب برجلك أو هي اللي بتجيلك. ولم يجد منها رد إلا نظرة الأستياء التي ظهرت على ملامحها. -ردي عليا، غلطان أنا؟ فهمهمت بصوت هامس لم يسمعه، فمال نحوها متسائلاً وهو يرفع أحد حاجبيه. -سمعيني صوتك. فأزداد حنقها وهي تشعر بوجع جسدها. -مدام مني قالتلي إنك كنت عايزني.
ونسي توبيخها حتى حنقه منها، لا يعلم لما تحول مقته وغضبه منها لشعور آخر عجيب، شعور يترجمه عقله أنه ليس إلا تقدير وفهم لنواياها. -احكيلي الحادثة دي حصلت إزاي. فلمعت عيناها وهي تتذكر كيف في البداية وصلت لمكتب صاحب الشركة باسمه وأقحمته في الأمر. وشحب وجهها وهي تتخيل الرجل يخبر جاسم باستغلالها اسمه. -هحكيلك بس. وحدقت به قليلاً وهي تود أن تتراجع، ولكن جاسم اعتدل في وقفته منتظراً أن يسمع ما ستخبره به.
واستدارت بجسدها لتهرب من نظراته. -ولا أقولك بلاش. ليهتف جاسم بقوة جعلت جسدها يرتعد. -مهرة. ففركت يداها بتوتر وهي تلتف إليه مجدداً، تنظر إلى ملامح وجهه لترى إذا كان هادئاً أم لا. وبأنفاس سريعة أخبرته كل شيء، ثم وضعت بيدها على قلبها، تنتظر إعصار غضبه، ولكن ما حدث عكس ذلك، فرغم تبدل ملامحه ونظرته الجامدة، إلا أنه اتجه نحو مقعده وجلس عليه، ينظر أمامه ولا تعلم إذا كان ينظر إليها أم لشيء آخر.
وأخذت تدور بعينيها في المكان متسائلة وهي تشير للباب. -أمشي. ولم تجد منه رداً، فقررت أن تغادر من نفسها، فيبدو أنه لا يطيق وجودها حالياً. -أنا سمحتلك تمشي. فتجمدت في وقفتها من نبرة صوته الغاضبة. -ردي. فتمتمت بضيق. -لأ. ليتنهد جاسم بيأس منها ومن حماقتها. -مني قالتلك عن ناصر ده إنسان سيء، روحتِ شركته ليه؟ وكادت أن تبرر سبب ذهابها، إلا أنه تابع بقسوة. -هتفضلي متهورة لحد إمتى؟ مب تفكريش في النتائج اللي ممكن تحصلك؟
فحدقت به بضيق، هي تعلم أن حساباتها هذه المرة أخطأت بها، فلم تجمع المعلومات الكافية عن خصمها ولم تملك السلاح القوي لمواجهته. -عارفة إني اتسرعت، بس دي مشكلتي أنا، هقدر أحلاها. فنهض جاسم من مقعده وهو ينظر إليها من رأسها لقدميها. -مهرة ناصر المحمدي راجل تاجر سلاح، شركته دي مجرد غسيل أموال. وتابع وهي يتذكر اقحامها لاسمه. -هنسى إنك قابلتيه باسم شركتي وهعدي الحكاية دي. وتابع وهو ينظر إليها. -بلاش عند وسيبي القضية دي.
فتهجم وجهها وأخذت تنظر إليها بجمود. -مش هتخلي عن القضية دي، ذنب إيه أسرة تتشرد عشان راجل معندوش ضمير؟ وأقتربت وهي تحدق به بنظرات متحدية. -وشكراً على نصيحتك. وخطت خطوة مبتعدة عنه، إلا أنها وجدت يده تجذبها بعنف. -دماغك دي هتقضي عليكي في يوم. فدفعت مهرة يده عنها، وهي تضغط على أسنانها بقوة. -مش مهم، المهم يوم ما أموت أموت وأنا قضيت حياتي صح. ونظرت نحوه لتجده مغمض العينين وأنفاسه تتسارع من شدة مجادلته معها.
-يبقى مش هتتصرفي خطوة إلا وإنتي مع أستاذ فؤاد المحامي. قالها وهو يمسح على وجهه بفتور. -أكيد عارفاه طبعاً. فلمعت عيناها بسعادة، فؤاد منصور أستاذها الجامعي الذي أحبت مهنتها بسببه، أشهر وأنزه محامي في البلد، تمنت لو أن تصبح مثله يوماً. وعندما وجدها صمتت علم بموافقتها، فزفر أنفاسه بإرهاق. -روحي ارتاحي ولو عايزة إجازة معنديش مشكلة.
وعاد يجلس على مقعده يتابع عمله، وفاقت من شرودها وانصرفت لتنصدم بياسر الذي كان على وشك الدخول لجاسم. -مالك يامهرة؟ سألها ياسر متعجباً من هيئتها. -حادثة بسيطة يا أستاذ ياسر، متقلقش. فحرك ياسر رأسه بتفهم، ثم أردف لجاسم. فنظرت لها مني متسائلة. -هتروحي ولا هتقعدي؟ فأتسعت ابتسامة مهرة وهي تتذكر أجازتها. -لأ، أنا إجازة. وأشارت لمني بيدها. -سلام يا مدام مني. فضحكت مني وهي تطالع طيفها ثم عادت لعملها.
رفع جاسم عيناه عن الأوراق بعد دخول ياسر. -مهرة مش عاجبة رفيف خالص. وضحك وهو يجلس على المقعد الذي أمامه. -النهاردة الصبح فضلت تسألني إزاي بقيت مساعدة ليك وبتشتغل في مكتبك إنت مش حد تاني من مدراء الأقسام. فطالعه جاسم بحنق من تصرفات رفيف. -رفيف مش عارف ليه حاطة مهرة في دماغها. فأبتسم ياسر وهو يخبره. -بتغير منها.
فتعجب جاسم من رد ياسر، رغم أن ياسر موظف لدى جاسم إلا أن خلال فترة عمله جعلت بينهم ود واحترام متبادل، فأصبح ياسر عقل ومستودع أسرار جاسم، كما أن ياسر قد رشحه السيد عماد له مما زاد ثقته به. -رفيف بتغير من مهرة إزاي؟ وضحك بتعجب. -طب تغير من أي حد تاني، أما مهرة عجيبة. فطالعه ياسر وهو يحرك رأسه باقتناع. -أنا فهمتها وجود مهرة فترة في الشركة وعقد عملها هيخلص.
فتجمدت ملامح جاسم عندما تذكر ذلك الأمر، فوجود مهرة جدد بداخله أشياء كثيرة. وأنتبه لسؤال ياسر. -الذكرى الخامسة لافتتاح مجموعة الشرقاوي بعد أسبوعين. أتسعت عين ورد بصدمة وهي ترى ذراع شقيقته تربط الرباط عليه برفق بعد أن دلكته بالمرهم. -مهرة إيه اللي حصلك؟ فنظرت مهرة إليها تطمئنها بعد أن أحكمت ربط رباط الضغط عليه. -متقلقيش يا ورد، ده شرخ بسيط، أسبوع وهبقى تمام.
فأقتربت منها ورد تحتضنها بقوة وقد نست أمر ذراعها، فتأوهت مهرة بألم، لتبتعد عنها ورد بقلق. -أنا آسفة يامهرة، مأخدتش بالي. فأبتسمت مهرة بحنان وهي تفتح لها ذراعها الآخر تضمها إليها. -احكيلي إيه اللي حصل؟ وقصت لها ما حدث، فورد إن لم تعرف، ستنقلب إلى مذياع قد علقت بطاريته. ففزعت ورد بما حدث لشقيقتها. -إزاي يرموكي كده؟ هما فاكرين نفسهم مين؟ فتمتمت مهرة بضيق وهي تتذكر كيف ألقوها. -رموني ولا كأنهم بيرموا كيس زبالة.
وتابعت وهي تنظر لقبضة يديها. -بس عارفة يا بت يا ورد أنا اللي مريحني نفسياً إني ضربت واحد فيهم بوكس في بطنه. فضحكت ورد على سعادة شقيقتها الحنقاء من ضربها لأحدهم وقد نست ما فعلوه بها. كان يبتسم مع كل كلمة تنطقها، يتناول الطعام بمتعة. طعام رائع، موسيقى هادئة، واطلالة على مياه النيل ووجه حسن كرفيف. كل شيء بها يفتنه، قدومها جعل اضطرابه يزداد.
ففي الفترة الماضية شعر بأن لهفته بها انطفئ بريقها، أما الآن العين والعقل يرغب، أما القلب به شيء راقد لم يعد يخفق. ومسح شفتيه بالمنديل بعد أن أنهى طعامه، ونظر لساعة يده. فمسكت رفيف كفه بنعومة. -ما زلنا في العاشرة جاسم. ونظرت لساحة الرقص الفارغة. -أريد أن نرقص. وبعد إلحاح منها، نهض معها على مضض. ووضعت رأسها على صدره بعد أن شعرت بتجمد جسده قليلاً، ومدت يدها نحو عنقه تداعبها بإغراء.
ليجد نفسه دون شعور يسترخي ويحاوط خصرها وقد انبعث سحرها يزلزله. نظر أكرم بصدمة لوالدته وهي تخبره بأنها جلبت عريساً لمهرة، والعريس ما هو إلا صبحي صديق والده ويماثله في العمر. -إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟ وتابع بقسوة. -مش كفاية رمينهم كمان عايزة تتحكمي في حياتهم؟ فأمتعضت سهير من صراخه بها. -أبوك موافق على الجوازة، وأه نسترها. وتابعت وهي تحرك يدها على أساورها الذهبية. -وبعدين مالك زعلان كده ليه؟ هو الحج صبحي في حاجة تتعايب؟
ده جزار أد الدنيا. فتنهد أكرم بيأس قبل أن ينصرف من أمامها. -ده عمر أبوها. الشاطئ الخاص بالمنتجع قد تم تجهيزه، فأصبح المكان كلوحة فنية، نظرت ورد للمكان بانبهار وهي تمسك يد جواد. -المكان جميل أوي. فتمتم معاذ وهو يتناول كف خطيبته حسناء. -كل التجهيزات دي بملايين، المشروع ده يمتلكه السيد كنان ومستثمر تاني إماراتي. فطالعته ورد وهو يحادثها وكيف يحدق بخطيبته بهيام، فمعاذ اليوم أتى بها هنا بعد أن أخبر كنان بالأمس بالأمر.
وبعد أن علم كنان بخطبته كانت السعادة واضحة على وجهه. -هيا جواد نلعب ونترك العصفورين مع بعضهم. فأبتسم معاذ على حديث ورد، ليهتف جواد بطفولة. -مين هما العصفورين ورد؟ ليضحك معاذ وحسناء على فكاهة الصغير، فتبتسم ورد له بحب وهي تسحب يده خلفها. -لما تكبر، هتفهم لوحدك. وبدأوا يفترقون، ورد مع جواد يركضون على الشاطئ برماله الناعمة، ومعاذ مع حسناء يلتقطون بعض الصور هنا مبتسمين لبعضهم بحب.
وكلما التفتت ورد حولهم يزداد تمنيها لهم بالسعادة. ومر الوقت وهم هكذا، ويأست من قدوم كنان رغم أن جواد أخبرها أنه سيأتي فور أن ينهي عمله. ولم تنتبه للحفرة الصغيرة التي فعلتها هي وجواد فور أن بدأ مرحهما، فتعثرت قدمها بها، لتسقط على وجهها. كان كنان قادم، يبحث عنها بعينيه فقد لمح جواد مع معاذ وحسناء يصورهم، وأتسعت عيناه بعد أن لمحها منكبة على الأرض. فأسرع راكضاً نحوها وهو يهتف. -ورد. وأصبح أمامه فوجدها تتألم قليلاً.
-مابكِ ورد؟ فتمتمت ورد بارتباك. -أنا بخير لا تقلق. فجثى على ركبتيه، وقد وجد بعض التراب على وجهها، ومد يده يمسحه لها، فأنتفضت من لمسته. -سيد كنان لا يصح هذا. فلم يعد كنان يفهم نفورها. لمعت عيناه باتساع وهو يجدها تربت على حجابها. ففهم أخيراً وابتسم. وكاد أن يتحدث، إلا أن اقتراب معاذ وخطيبته وجواد جعله يتراجع. نظرت مهرة إلى شقيقتها وهي تعرج على قدمها. "أيه اللي حصلك انتي كمان؟ فضحكت ورد وهي تجلس على الأريكة تفرد قدمها.
"التواء بسيط، متتخديش في بالك." وسمعت طرقات على باب الشقة. فنظرت مهرة لورد. "طبعاً هفتح أنا." فابتسمت ورد وهي تسترخي بجسدها على الأريكة. "أكيد مش هقوم وأنا بعرج." وازداد طرق الطارق. فذهبت لتري من وجدت حمادة، صبي الحاج إسماعيل. "المعلم بيسأل مين اللي كان بيوصل ست ورد." وتابع بانبهار وهو يتذكر ماركة السيارة. "هو إنتوا وصلتوا ولا إيه يا ست مهرة؟ فالتفتت مهرة نحو شقيقتها تحدق بها بجمود.
فهي تعلم أن الشركة توصلها إلى أقرب موقف، ثم تكمل هي بعدها حتى تصل إلى حيهم. فألسنة الناس لا ترحم، وخاصة هم. وتمالكت نفسها بعد أن وجدت ورد تنهض بصعوبة من على الأريكة. "دي عربية الشركة يا حمادة. رجلي اتلوت ومكنتش عارفة أروح." فنظر لها حمادة، ثم تمتم قبل أن ينصرف. "معلش يا ست الأستاذة، إنتوا عارفين المعلم بيحب يعرف كل حاجة، وبالذات لو شاف نوع عربية لسه نازل السوق."
وهبط الدرجات بحنق من معلمه الذي حين يرى سيارة تعجبه يتلهف في فحصها. وأغلقت مهرة الباب لتنظر لورد التي أخفضت عيناها أرضاً. "أنا آسفة يا مهرة.. أنا والله طلبت من السواق ينزلني على أول الشارع، بس السيد كنان أمره أنه ينزل عند البيت." لتتنهد مهرة بضيق. "متصلتيش بأكرم ليه يجيبك؟ فضاقت عين ورد بألم. "تليفونه كان مقفول." وعندما وجدت دموع ورد تنساب، اقتربت منها بلهفة وضمتها إليها.
"إنتي عارفة أنا بثق فيكي إزاي يا ورد.. بس غصب عني يا حبيبتي." وربتت على ظهرها بحنان وهي تقضم على شفتيها بقوة. "أنا اللي يجيب سيرتك بحاجة وحشة أقطعه." فرفعت ورد عيناها الدامعة وهي تبتسم لشراسة شقيقتها حينما يتعلق الأمر بها. نظرت مهرة إلى هاتفها وهي لا تصدق أن من كان يحادثها منذ قليل يطمئن عليها جاسم الشرقاوي. وفاقت من مطالعة هاتفها على جرس الباب. فنهضت بملل.
فورد بعملها رغم أنها طلبت منها أن تستريح، ولكنها أصرت على الذهاب. أما هي، قررت أن تجلس بالبيت وتأخذ أجازتها. وفتحت الباب لتتسع عيناها وهي تجد زوجة أبيها وأباها أمامها. ودخلت سهير دون أن تنتظر منها أن ترحب بوجودها. لينظر عزيز لـ مهرة. "إزيك يا بنتي." فطالعته بجمود وقد تجمدت مشاعرها نحوه. "بخير طول ما إنتوا بعاد عني وعن أختي." لتشهق سهير وهي تلوي شفتيها. "شوف بجاحة البت.. حد يقول لأبوه كده." ثم تمتمت ساخرة.
"فعلاً زينب عرفت تربي." لتلتف نحوها مهرة وهي تضغط على أسنانها بقوة. فتتراجع سهير بخوف. وكادت أن ترد عليها، فسمعت صوت أحدهم. "هي دي العروسة يا عزيز؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!