الفصل 29 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
31
كلمة
4,248
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

لم تدري بنفسها إلا وهو يهبط الدرج خلفه، ويقبض على يدها بقوة. لا تعلم كيف انصاعت لأمره بأن تتبعه في صمت. وخرجا سوياً لتجد كلا من حسين وزوجته يقفان ينتظرانها. ليتفاجأ حسين من وجود جاسم واقترب منه مبتسماً يصافحه. "مكنتش أعرف بوجودك. مهرة لما جات الحي كانت لوحدها." فحرك جاسم رأسه ثم صافحه بهدوء، والتف نحو مهرة. "معلش هقطع سهرتكم اللي كنتوا مرتبنها النهارده." فأبتسم حسين وهو يجذب زوجته نحوه.

"كنا ناوين نسهر النهارده أنا ومريم والبنات ونحتفل بالضيف الجديد اللي هيشرفنا." لم يفهم جاسم مغزي كلماته. لترتبك مريم الواقفة في صمت. أما مهرة فكانت في عالم آخر وهي تنظر لحسين وهو يحتوي زوجته بعشق، ويقفان بجانب بعضهما بسعادة. وهتف حسين والفرحة تلمع بعينيه. "أصل مريم حامل." ليختلس جاسم النظرات نحو مهرة التي تحركت شفتاها أخيراً لتتمتم. "مبروك ياحسين.. مبروك يا مريم."

وأقتربت منها مريم تحتضنها بحب، تخبرها أنها كانت تريد حقاً أن يسهروا سوياً وتشاركهم احتفالهم الصغير. "مبروك يا أستاذ حسين." هتف جاسم بهدوء. لتهتف مريم بخجل بعد أن حدقت بمهرة مبتسمة بلطف. "العقبي لكم سيد جاسم." لتقع عين جاسم على مهرة التي اتجهت نحو السيارة بصمت. فأتبعها بعد أن بارك لهم مجدداً. ***

فور أن فتحت لهم هدى الباب ورحبت بهم، صعدت مهرة الدرج سريعاً وأردفت لغرفتها وسقطت بعدها على الفراش تائهة في حياتها. مازالت صورة حسين وزوجته والحب الذي في عينيهم يقتحم مخيلتها. هي لا تحقد عليهم، بالعكس أنها تشعر بالسعادة وهي تراهم أزواج سعداء. ليعلو رنين هاتفها، فألتقطت حقيبتها لتخرج هاتفها فوجدت رقم ورد. وكالعادة اتصال ورد يكون بخاصية مكالمات الفيديو. وأبتسمت وهي تجد ورد تزداد جمالاً كل يوم والسعادة واضحة على ملامحه.

"وحشاني أوي يامهرة.. تعرفي إني حلمت بيكي امبارح." فأتسعت ابتسامة مهرة ونسيت كل ما مرت به اليوم لتظهر أمامها مبتسمة. "وحلمت بإيه بقي؟ أو عي يكون حلم وحش أدبحك." فتعالت ضحكات ورد وغمزت لها بشقاوة. "حلمت إنك هنا في تركيا إنتي وجاسم." فضحكت مهرة وهي تعلم أنه ليس حلماً وإنما رغبة شقيقتها في لقائها. "واضح أوي إنه حلم." فتعالت ضحكات ورد. "تعالي بقي يامهرة إنتي وجاسم وقضوا كام يوم هنا." وهمست بخجل.

"كنان عنده مزرعة في أنطاليا حلوة أوي.. هتتبسطي إنتي وجاسم جدا." وعندما ارتسمت الحالمية والهيام على وجه ورد، ابتسمت مهرة. "فين كنان ياسندريلا هانم؟ وسمعت صوت كنان ويبدو أنه قد أتى للتو. "كيف حالك مهرة؟ فتمتمت مهرة وهي تطالع زوج شقيقتها يحتضن شقيقتها ويقبل وجنتها بحب. "بخير كنان." وضحكت وهي تستمع لتذمر ورد. "ابعد كنان." فأشار كنان لمهرة. "أترمي مهرة كيف تعاملني شقيقتك؟

فأبتسمت مهرة بسعادة. وكيف لا تسعد وهي ترى كيف يعامل كنان شقيقته. ليتسأل كنان ويداه تحاوط خصر ورد الحانقة. "كيف حال جاسم.. وأين هو؟ فأربكت وهي تنظر لشقيقتها عبر الهاتف. "صحيح يامهرة فين جاسم.. نفسي في مرة أكلمكم سوا مع بعض." فهتفت وهي تتحاشى نظراتهم. "في غرفة المكتب وراه شغل مهم." وابتعد كنان بعد أن قبل ورد مجدداً على وجنتها. "سأهاتفه غداً ليصطحبك لهنا في عطلة." وفور أن أصبحت ورد بمفردها هتفت بلهفة.

"أخبار جاسم معاكي إيه؟ وتابعت ورد بأمتنان. "تعرفي يامهرة ديما يتصل يسأل عني.. ويوصي كنان عليا. بجد أنا بعتبر جاسم زي أكرم أخويا." ورفعت أصبعها بتحذير. "أوعي تزعليه سامعة.. هقف معاه ضدك." وضحكت بعدها. لهتف مهرة بحنق. "كده ياورد تبعيني؟ فأبتسمت ورد بمشاغبة. "إنتي أختي وأنا عارفاكي."

وانتهى الحديث بعد أن وصتها ورد بنصائح لا تعلم من أين اكتسبتها شقيقتها. فيبدو أن الحب له سحر خاص. وعادت تستلقي على الفراش بعد أن أزالت حجابها وأغمضت عيناها لتغفو بعدها دون شعور. *** جلس في غرفة مكتبه شارداً، متسائلاً هل هذه هي الحياة التي تمناها. يريد أن يعيش براحة زوجة تحبه ويحبها وأطفال ينجبهم ويعوضهم عما رآه هو بحياته. واغمض عيناه بأرهاق ليسمع طرقات على باب غرفته. فهتف. "أدخل." لتردف هدى متسائلة.

"أحضر العشاء يا جاسم بيه." فأجاب جاسم وهو ينهض. "لأ أنا خارج ياهدي.. ابقي شوفي مهرة واطمني عليها." وانصرف بعدها، لتنظر هدى له متعجبة من هيئته المرة تلك. *** وجد والديه جالسين يرتشفون الشاي ويشاهدون إحدى المسلسلات القديمة ومندمجين. ثم تعالت ضحكاتهما. ليقترب أكرم منهم دون سلام وجلس على الأريكة المقابلة لهم. فتلوي سهير شفتيها بأمتعاض. "الناس تقول سلام عليكم.. مساء الخير."

ليرفع أكرم عيناه. ثم نظر إلى والده المندمج في المسلسل. "أنا هنقل لشقتنا القديمة." فأنتبه عزيز له ثم حدق بزوجته التي لطمت على صدرها. "وتبعد عن أمك حبيبتك يا أكرم." فتسأل عزيز. "ليه كده يابني.. مش كفاية أخوك مبنشوفهوش غير على النوم." لتنهض سهير متجهة نحوه. "ياميلت بختك ياسهير في ولادك.. ربيتي وكبرتي وابنك عايز يسيبك."

وأخذت تولول على حالها إلى أن سقطت مغشية عليها. فصرخ عزيز وهو يرى زوجته ساقطة على الأرض وانتفض أكرم بفزع واقترب منها هاتفا. "ماما فوقي." ليدفعه عزيز. "اطلع شوف الدكتور اللي قصادنا أمك هتروح مني." *** حاوطها كنان بحب وهم يشاهدون إحدى المسلسلات التركية والتي تحكي عن تراثهم وتاريخهم. وكلما سألته ورد عن شيء أجاب بأعتزاز وحب لتاريخ وطنه. لتشعر ورد بالحنين إلى وطنها هاتفة. "نحن أيضاً لدينا تاريخ عظيم."

وابتعدت عنه قليلاً ليصبح وجهها مقابل لوجهه. "مصر جميلة جداً كنان." فأبتسم كنان وهو يعلم شعورها. "أعلم حبيبتي." واحتوى وجهها بين راحتي كفيه. "وأحببتها عندما تزوجت." فعقدت ساعديها أمام صدرها وابتعدت عنه قليلاً. "ماذا تقصد؟ أنت لم تكن تحب مصر؟ فضحك وهو يحرك رأسه ويجذبها له مجدداً. "صراحة لا.. أنا أحب الدول الأوروبية أكثر لتحضر عقولهم." لتدفعه عنها. "ابتعد كنان.. كيف تخبرني بهذا." ونهضت وهي تهتف بتذمر.

"كيف لا تحب مصر.. وأنا لا أحب تركيا." فضحك وهو ينهض نحوها. "قلت لم أكن.. أما الآن أنا أعشقها وأحبها ومغرم بها." وقبل عنقها مع كل كلمة ينطقها وتمتم. "ما بالك اليوم ورد؟ فأبتعدت عنه بحنق. "اشتقت لوطني.. أنا هنا أشعر بالغربة كنان، لا أحد معي." فضمها كنان بحب. "سأعرفك على ليليان شقيقة بشير صديقي." وتذكر أمر الحفل. "صحيح ورد أريد أن أخبرك بأمر." مالت انتبه ورد وقد نسيت كل شيء وهي سارحة في عينيه. "ما هو الأمر حبيبي؟

لينسى كنان نفسه ويميل نحوها ليحملها. "غداً أخبرك حبيبتي.. فكما تقولون الصباح رباح." *** استيقظت مهرة بفزع من نومها وهي تجد نفسها بنفس ملابسها التي خرجت بها بالصباح. وأخذت تحرك يدها على وجهها وهي تتذكر وجه والدتها الحزين وهي تخبرها أنها حزينة منها وعليها. "ليه زعلانة مني يا ماما."

وألتقطت هاتفها لتجد أن وقت أذان الفجر قد اقترب، فنهضت من فوق الفراش بتكاسل واتجهت نحو المرحاض لتنعش جسدها بالماء الفاتر وتبدل ملابسها ثم تتوضأ وتنتظر أذان الفجر. ***

هبطت الدرج وهي تشعر بالجوع، فبعد أن صلت واستغفرت شعرت بالراحة وأيضاً بالجوع. فضحكت على حالها وهي تدبدب على بطنها. لتتجه نحو المطبخ وتفتح الثلاجة لتبدأ في تحضير وجبة خفيفة لها. وبالفعل أعدت طبقين وبدأت تأكل بنهم. إلى أن شعرت بخطوات خلفها لتجد جاسم بملابس الأمس ويبدو أنه أتى للتو من الخارج. واقترب منها. لتتوقف عن الطعام. "كملي أكلك يامهرة.. أنا جاي أعمل لنفسي قهوة وهخرج." لتنظر إليه بأشفاق فالأرهاق ظاهر على ملامحه.

"تعالى كل معايا الأول وبعدين أعملك قهوة." وكاد أن يرفض ولكن عندما مدت يدها له بالخبز مع ابتسامة استغربها منها قرر مشاركتها. "إيه كمية الطماطم اللي في الأكل ديه؟ فضحكت بمتعة وهي تأكل. "بيض بطماطم.. وجبنة بطماطم.. بس إيه رأيك؟ فتناول جاسم لقمة. "من زمان أوي مأكلتش الأكل ده." فحركت رأسها وهي تأكل. "هتسيب الجبنة الرومي والكيري واللنشون والزيتون والبسطرمة وبيض الأومليت وتاكل ده يعني؟ فضحك على عباراتها. "أنا باكل كل ده."

فتمتمت وهي تأكل. "آه نسيت القهوة اللي ليل نهار بتشربها." فأبتسم وهو يمسح فمه بعدما قضمه لقمتان. "نمتي ليه وانتي جعانة؟ فرفعت عيناها نحوه. "مكنش ليا نفس آكل.. صحيت صليت وبعد كده نزلت أشوف حاجة آكلها." وتسألت. "انت كنت فين؟ فتنهد وهو يغمض عيناه. "قابلت صديق ليا." ولا تعلم لما أرادت أن تسأله ذلك السؤال. "انت بتصلي يا جاسم؟ فضحك ساخراً. "هو أنا مش مسلم؟ فأشاحت وجهها عنه بخجل. "مقصديش بس في ناس كتير مسلمين بالاسم بس."

فأبتسم وهو يميل نحوها. "بصلي من وأنا طفل على فكرة.. والدي الله يرحمه من عمري أربع سنين كان بيوديني المسجد أحفظ قرآن. وبعد ما مات استمريت على كده." وابتسم وهو يشعر بالحنين نحو والده واغمض عيناه. "كان ديما يقولي إن المسلم الصح لازم يوازن بين دينه وعلمه.. النجاح ميبقاش نجاح وانت جاهل دينك."

فتعجبت من ذلك الأب الذي رغم أنه رحل وتركه وهو لم يتعدى الثانية عشر إلا أن كل شيء مازال مترسخ في عقل ابنه بل ويتحدث عن والده بكل حب وفخر. ماهذا الأب الذي ظلت ذكراه محفورة إلى اليوم. وشردت في والدها فأرتسمت الحسرة على شفتيه. لتجد نفسها تسأله دون وعي. "وكنت هتجوز رفيف إزاي وهي يعني؟ فأبتسم وهو يعلم مغزى سؤالها. "الدنيا بتاخد الواحد يامهرة ومن وقت للتاني بنحتاج اللي يقومنا ويمسك ايدينا." ومال نحوها وهي ينظر لعينيه.

"كلنا تايهين في الحياة يامهرة.. وبندور على نفسنا الضيعة والمحظوظ فينا اللي بيلاقي طريقه." فأبتسمت بأرتباك ثم طأطأت رأسها. "أنا قبلت حسين قبل ما اطلع الشقة وعزمني إني أسهر مع أخواته بعد ما عرف إني طالعة أقعد مع أبلة صفاء وأستاذ عادل وإنك جاي تاخدني بس متأخر." فمد جاسم يده نحو وجهها ولامس خدها بحنان. "أنا واثق فيكي يامهرة.. وفاهمك كويس بس أحيانا الضغوط بتخلينا نلغي تفكيرنا ومتنسيش اللي عملتيه في الشركة."

فحدقت به متذكرة اهانته لها. "قولتلي إنك مبتحبش الفضايح ومعناها كان واضح أوي." ودمعت عيناها لتجده ينهض ويضمها إليه. "إنتي أخذتي ليه الكلمة عنك.. أنا كنت أقصد عموماً. وعلى العموم متزعليش." وبعد برهة ابتعد عنها مبتسماً. "بتشمي في إيه؟ فرفعت عيناها نحوه ضاحكة. "هعترفلك بحاجة بس متضحكش عليا.. أنا بحب ريحة البرفان بتاعك أوي من أول يوم قابلتك فيه." فتعالت ضحكات جاسم بدهشة. "من أول يوم قابلتيني فيه وجيتي تهدديني؟

فحركت رأسها متمتمة. "أصل ريحة البرفان مميزة أوي." وبعد يوم مرهق وشد وجذب انتهى بضحك. وأشرق الصباح وهم مازالوا جالسين بالمطبخ يحتسي هو القهوة وهي ترتشف من كأس الشاي خاصتها. "ريم هي البنت اللي حكتلك حكايتها قبل كده وساعدتني ليشرد جاسم قليلا ثم حرك رأسه بتذكر. "على العموم أنا هنقلها الفرع الجديد اللي هيتفتح.. عشان تبعد عن نادين وميحصلش تصادم بينهم من تاني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...