الفصل 49 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
40
كلمة
3,116
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

أستيقظ علي لمسات ناعمة من يديها. فتح عينيه ببطء مبتسمًا وهو ينظر إليها بحب. -صباح الخير. فاتسعت ابتسامتها بخجل، متذكرة ليلة أمس. فقهقه جاسم بصخب، ووقعت عيناه على صينية الفطور الموضوعة على ساقيها. -ده إيه الهنا اللي أنا فيه النهارده؟ فطار لحد عندي، وهدوء ونعومة ورقة من مراتي حبيبتي. فأسبلت جفنيها بطريقة مضحكة. -ميرسي يا حبيبي.

نظر طويلًا إليها، ورغم ذكائه الشديد في عمله وحنكته، إلا أنه إلى الآن لم يفهم طباع زوجته. ليلة يشعر وكأنها أنثى كاملة، وليلة أخرى طفلة صغيرة واجب عليه إرضاؤها، وليلة يريد خنقها. ولكن مع كل هذا، يحبها. وداعب أنفها بإصبعه مبتسمًا. -شوفتي الهدوء والرقة ليهم سحر حلو إزاي؟ فوجدها تمد يدها تطعمه وتحرك كتفيها بغنج. -بحاول وبعمل قصارى جهدي عشان أكون زوجة رقيقة، بس أنت اصبر عليا. كانت تهتف بمزاح، إلا أنه ابتسم بدفء وحنان.

-انتي عجباني في كل حالاتك يا مهرة.. وأكتر حاجة بتغفر لك مواقفك معايا إن كل حاجة بتعمليها بتعمليها بعفوية. وقضم لقمة الطعام الممدودة له وشاكسها بتذوق. -عسل بليل وعسل الصبح.. لأ أنا حد كان بيدعي لي. ضحكت من قلبها على مغزى مزاحه وأكملت إطعامه. -شوفت الأرنب والجزرة واللكلوك أبو فار عملوا إيه؟ فضحك هو الآخر وهو يمسح فمه. -وتسريحة القطتين.. لأ كترّي من البيجامات دي، الاحتشام طلع حلو وبينتهي بحاجات أحلى.

قالها ضاحكًا وهو يغمز لها بخبث. قد فهمته سريعًا. فدفعته بخفة على صدره. -جاسم. هتفت باسمه بنبرة حازمة يتخللها الخجل. ليبتسم على هيئتها. -أنا زوج وقح يا حبيبتي.. أقول اللي أقوله براحتي. سبيني آخد حقي من الأيام اللي فاتت عشان أشحن بطارية صبري. وانحنى يقبل خدها بلطف ونهض من فوق الفراش. لتسأله وهي تحدق به. -رايح فين؟ مكملتش فطارك. فأتسعت ابتسامته وطالعها قبل أن يتجه للمرحاض.

-عندي اجتماع بعد ساعتين.. ولو فضلنا قاعدين القاعدة دي، انتي عارفة إيه اللي هيحصل. ألقى كلماته مبتسمًا بمكر، وأكمل طريقه. لتطالعه وهي تتنهد بسعادة لإسعاده لها. فعندما استيقظت قبله بعد ليلة حالمة يشعرها فيها بكل مشاعر الدفء والحنان، ووجدته يضمها إليه يغفو براحة، مطمئنًا. لحظتها أدركت أنها معه مكتملة.

وبعد مرور الوقت، كان يقف أمام المرآة ينظر إليها وهي تزرر له أزرار قميصه بحب ويشاكسها بيديه، أما يعبث بخصلات شعرها أو يحرك كفه بحنان على وجنتها، ثم يقرصها بخفة على خدها، ثم يطبع بقبلة عليه. -يا جاسم اقف مؤدب يا حبيبي. قالتها وهي تضحك على أفعاله. فضحك هو الآخر بحبور. -أنا مستمتع كده.. مراتي وأنا حر. فضحكت على عباراته بشدة وهي تهتف. -تصدق إنك أقنعتني.

فأبتسم بحب وداعب ذقنها بأنامله برقة. لتساعده في ارتداء سترته، فهتف بمزاح مضحك. -قلبي راضي عنك النهارده يا مهرة يا بنت زينب. وانفجروا ضاحكين. ليضمها إليه بحب وانحني يقبل قمة رأسها. -عشان الدلع والحاجات الحلوة دي كلها، قولي نفسك في إيه. فأبتعدت عنه تضع بيدها أسفل ذقنها تفكر بحماس. -بما إنك عرضت.. فهستغل العرض. فضحك وهو ينظر لوقفتها المضحكة. -اطلبي. العرض ساري لحد باب الأوضة.. طلعت من هنا اتسحب العرض.

فأخذت تحرك حاجبيها بمكر، ووضعت بيديها على عنقه تحاوطه بدلال جعله يبتسم. -عايزة فلوس. قول كده مثلا أربعين ألف. فضحك على طريقة طلبها، ثم نظر إليها بهدوء. -اسحبي من الحساب المفتوح ليكي. وتابع ضاحكًا. -ده حتى الفلوس مبتقلش فيه.. زوجة مؤدبة انتي يا حبيبتي، طلباتك مش كتير. فضحكت وهي تتميل عليه بخفة. -لأ بس أنا عايزة الفلوس دي منك. ومدت يدها نحوه بمشاكسة. -هات الفلوس. فضرب يدها بكفه بخفة.

-هات إيه.. ما تسحبي من رصيدك. ما أنا كده كده بحولك فلوس يا مستغلة. وعادت ترفع يدها مجددًا إليه، حتى أنها وضعتها أسفل عينيه. -هات ومش هتندم والله.. بتاجر بفلوسك متخافش. فداعبها ضاحكًا بمتعة. -بتاجري بفلوسي يا مهرة.. وإمتى الربح بقى؟ فأبتسمت وهي تعود لمعانقته. -في الآخرة إن شاء الله هتلاقيهم، وفي الدنيا برضه.. يلا بقي يا جاسم هات الفلوس.

ليقهقه عاليًا وهو يخرج دفتر الشيكات الخاص به. ليضع لها رقم المال الذي طلبته ويوقع إمضاته، ثم ناولها إياه. -اتفضلي ياستي. فتناولته منه بسعادة حقيقية، ثم عادت تتعلق بعنقه كطفلة صغيرة. -شكرا يا حبيبي.. وع فكرة الفلوس دي لدار مسنين. أنا بتاجرلك مع ربنا في فلوسك. فأبتسم بحب لها وضمها إليه.

-هو أنا بستحمل جنونك وهبلك من فراغ.. بس إيه السر اللي بيخليكي تيجي تاخدي مني الفلوس مع إن في فلوس موجودة في حسابك وتقدر تسحبي منها من غير ما ترجعيلي؟ فأبتعدت عنه تطالعها بأعين متمردة. -بعيدًا عن مدحك الجميل ليا بالهبل والجنون.. بس هقولك يا سيدي. فضحك وهو يقترب منها خطوة للأمام. -قولي يا سيدي. لتلمع عيناها وكأنها طفلة صغيرة. -كان نفسي أجرب الإحساس ده مع بابا.

وأخذت تقص عليه أحد المواقف عندما كانت ترى مرام تركض نحو أبيها تطلب منه المال ليعطيها بحب، حتى لو كان آخر قرش معه. حينها تمنت لو كان لديها أب مثل السيد عادل. ومسحت دموعها التي سقطت على وجنتيها. -أول حب حقيقي بيكون للأب يا جاسم.. وأنا معشتش الحب ده.. ف بعيشه معاك. ورغم أنه عانى فقدان الأب ورحيله من الحياة، إلا أنه ضمها بقوة إليه. -يا حبيبتي أنا كلي ليكي، زي ما انتي بقيتي كل حاجة ليا. وأبعدها عن حضنه يشاكسها بتلذذ.

-واتأخرت على الشركة بسببك. لتتسع ابتسامتها، ثم تأوهت بألم عندما قرص وجنتها. -آه إيدك تقيلة. فتحرك من أمامها ضاحكًا. -دي ضريبة التأخير يا حبيبتي. *** وقفت مرام خلف زوجها وهو يربط ربطة عنقه ببطء، متذكرة ليلة أمس عندما أتى كانت تنتظره بشوق، ولكن أطفأ كل هذا بجملة واحدة. "كل حاجة حلوة بينا انتهت يا مرام." واقتربت تلامس جسده، ولكنه نفض ذراعيها عنه وانصرف دون كلمة. فسقطت دموعها بعجز. ***

كانت بسمة تجلس متلهفة للقائه. فبعد عدة ساعات ستصبح زوجته، ولكنه بعث لها رسالة صباحًا يخبرها أنه يريد الحديث معها. ووجدته يتجه نحوها. فأاتسعت ابتسامتها بإشراق. وجلس أمامها يحضر الكلمات المناسبة التي سيخبرها به. وهي تنتظر بلهفة ما سيقوله وترسم داخلها أحلامًا وردية. ولكن مع مرور الوقت وصمته.. جف حلقها. -بسمة أنا مش هقدر أكمل معاكي ونتجوز.

كلمات قالها في جملة واحدة. سقطت على قلبها كسوط. وتلاشت بسمتها واهتزت يدها وهي تنظر إليه بصدمة وهتفت بصعوبة. -ليه يا كريم؟ فتأملها كريم بألم وهو يطأطأ رأسه أرضًا. -أنا عارف إني آذيت مشاعرك.. بس مش هقدر أذيكي معايا لحد كده. أنا بحب مرام ودي حقيقة مش هقدر أهرب منها. وتابع وهو يشفق عليها أكثر.

-بس بحب ولادي أكتر يا بسمة. مش هاذيهم الأذى ده. أنا جربت شعور اليتم. رباني راجل غريب، صحيح هو عاملني زي ابنه، بس في النهاية مكنش أبويا. شوفت جاسم إزاي عاش حياته بعد جواز ماما وبعدها عنه. وتذكر شقيقه الذي رغم مسامحته لوالدته قبل وفاتها، إلا أنه كان يعاتبها بنظراته اللائمة. دموعها أخذت في الهطول بصمت. تحرك له رأسها وكأنها تخبره أنها كانت تعلم ذلك. لينهض من فوق مقعده ناظرًا إليها طويلًا قبل أن يرحل من أمامها.

-آسف يا بسمة. عاد من ذلك اللقاء وعندما وجد مرام تجلس تطعم الصغيران بحزن، تقدم نحوها ونظر إليها طويلًا واتجه بعدها نحو غرفته التي نقل ملابسه إليها من أجل الابتعاد عنها. *** نظر ريان إلى ريم التي أتت الشركة كي تقدم استقالتها. فقد اتخذت قرارًا أنها ستعمل في مكان آخر بعيدًا عن كل هذا. وفور أن دخلت مكتبه عندما استدعاها من شؤون العاملين، جاءت إليه مطرقة الرأس. لينظر لها ريان بصمت، ثم سألها دون مقدمات.

-زواجك من ياسر بسبب ما حدث أم كنتي تحبيه يا ريم؟ فاجأها سؤاله. لترفع عيناها إليه وتقف الكلمات على طرف شفتيها. لحظتها علم أن حديث شقيقته حقيقي. هي تحب ياسر وقد جاء كل ما حدث كفرصة. ليلتف بظهره خافضًا رأسه مفكرًا، ولكن تلك المرة ليست بأنانية. -أتمنى لكي السعادة يا ريم. ***

ضحك مراد وهو يتأمل رقية التي تجلس بجانب والدته تأكل بغل من طبق الحلويات الذي أحضرته لها. وبعدما نهضت والدته من جانبها، كما نهض والده هو الآخر كي يتركهم بمفردهم. اقترب منها مراد يجلس على مقربة منها متسائلًا. -هتفضلي زعلانة كده لحد إمتى؟ فرفعت شوكتها أمام عينيه تحركه بشراسة وهي تتذكره عندما كان يلتقي بطليقته التي تريده أن يعود إليها، بل استنكرت كيف سيتزوج منها. وعادت صدي جملتها الخبيثة تتردد في أذنيها.

"هتتجوز رقية الطفلة اللي ربيتها." ثم تابعت بتهكم. "أنا دلوقتي عرفت سبب نظراتها ليك وكرهها ليا لما كنا متجوزين." كلماتها مازال صداها داخلها، ولولا احترامها له وتعقلها في ذلك الوقت لكانت أخرجت لها الطفلة التي داخلها. وفاقت من شرودها عندما ألتقط مراد إحدى قطع الحلويات من طبقها لتضربه على كفه بحنق. -ده طبقي على فكرة.. خد من طبقك. فقهقه مراد عاليًا. -أخيرًا سمعت ليكي صوت. فزمت رقية شفتيها بغضب.

-مش هنسالك لقاءك بيها يا مراد. فتنهد مراد بقوة وقد يأس من شرحه له. -لو كنت قولتلك إني هقبلها كانت ردة فعلك هتبقى زي كده دلوقتي.. أنا نفسي أفهم انتي مضايقة ليه. دي مقابلة عادية، ما أنا عارف إنها اتطلقت من زمان. لو كنت عايزها كنت رجعتها. قالها صراحة كي ينهي ذلك النقاش الذي أرهقه، ونهض من جانبها. -وبتصرفاتك دي هتخليني أتأكد إن مينفعش أحكيلك حاجة. فأخفضت عيناها نحو طبقها بغضب، ولكن حديث خالتها أخذ يدور بعقلها.

"إن تنشئ لها كيان داخل قلبه. إن تريه رقية المرأة الناضجة وليست الطفلة. مدام تحب فلتربح جولتها." ونهضت هي الأخرى من فوق الأريكة بعد أن وضعت طبق الحلويات على الطاولة التي أمامها وحملت حقيبتها، لتتخطاه مندفعة من أمامه. -رقية انتي رايحة فين.. استنى أوصلك. ولكنها أكملت سيرها دون أن تستمع لندائه، ووقفت فجأة والتفتت إليه تطالعه وهو يلتقط مفاتيحه الشخصية كي يتبعها. -أنا موافقة نتجوز آخر الشهر. ومن أجلش الفرح تاني.

واكملت سيرها لتفتح الباب وتخرج من منزل خالتها، تتنفس ببطء غير مصدقة ما تفوهت به. كان مراد مازال واقفًا لا يصدق ما أخبرته به للتو. لتتسع ابتسامته وهو يهتف ويلحق بها: -هتجنيني يارقية. *** وقفت بسمة أمام المرآة، ترتدي الفستان الذي اختارته من أجل تلك الليلة التي حلمت بها، وسقطت دموعها بانكسار. كريم رفضها، عاد لحياته، فاق من غفوته. أما هي فلا شيء، كانت مجرد محطة عابرة عبر من فوقها.

وانسابت دموعها بغزارة وقهر حتى لطخت وجهها بكحل عينيها، لتسقط على الأرض تضرب موضع قلبها بألم: -ليه بيحصل معايا كده.. ليه أنا حياتي كده؟ ليمُر شريط حياتها أمام عينيها، ولكن مقطع واحد وقف أمامها. ماهي أيضًا مخادعة، كم رجل دارت حوله وهدمت منازل كانت معمورة. عاشت تظن أنها مظلومة فقط، ولم تفكر أنها ظالمة أيضًا. ***

هبط جاسم من سيارته أسفل بناية والدة زوجته. فمهرة قررت أن يتناولوا العشاء مع ورد ويقضوا سهرتهم هنا معها حتى لا تبقى بمفردها. وقبل أن يردف لداخل البناية، سمع صوت أحدهم يهتف باسمه، ولم يكن إلا حسين الذي تقدم منه بترحيب، بل واحتضنه شاكرًا: -أخيرًا اتقابلنا. فابتسم جاسم إليه، رغم أنه مازال يشعر بقليل من الغيرة منه لأنه كان أول شخص تميل إليه زوجته، ولكنه اعتاد أن يسير مع الأمور بحنكة. -ازيك ياحسين.. عامل إيه في مشروعك؟

لتتسع ابتسامة حسين، فمشروعه قد ربح وبدأ اسمه ينتشر بالسوق. -أنا مش عارف أشكرك إزاي.. بعد فضل ربنا عليا، لولا مساعدتك مكنتش نجحت. وربت على كتف جاسم بحفاوة، ليبتسم جاسم من فعلته التي تدل على مدى سعادته وحماسه. -إنت قولت ده فضل ربنا.

وبدأ يسرد له إنجازاته في تلك الفترة ومن تعرف عليهم بالسوق، وأنه انتقل من الحارة هو وزوجته منذ فترة. وانتهى حديثهم عندما خرج الحاج إسماعيل والد حسين ينظر إلى سيارة جاسم، ورغم أنه رآه بها من قبل، إلا أنه اقترب من السيارة يتفحصها بعينيه. -سيارة صناعة ألماني. وظل يدور حول السيارة، ليضحك حسين على أفعال والده، أما جاسم فقد اعتاد الأمر. -أبويا بيعشق العربيات.. معلش يا أستاذ جاسم. فأبتسم جاسم إليه وهو ينظر للحاج إسماعيل:

-أنا اتعودت على كده منه.. ربنا يبارك لك فيه. وانصرف بعد أن صافح حسين متمنيًا له التوفيق. ليدق على باب الشقة. لتفتح له مهرة الباب وتحتضنه: -اتأخرت كده ليه.. أنا شفت عربيتك من نص ساعة. فابتسم وهو يردف للداخل مطالعًا الشقة، ناظرًا إلى ورد التي خرجت من المطبخ. -ازيك يا ورد. فبادلته ورد السلام، وعاد ينظر لزوجته يخبِرها بالإجابة التي تنتظرها. -طلعت لأستاذ عادل ومدام صفاء اطمن عليهم الأول.

فحركت مهرة رأسها بتفهم. ثم نظر إليها وإلى ورد التي وقفت تضحك على شقيقتها. -مين اللي عمل فيكوا الأكل؟ وأشار لورد وهو يعلم أن في النهاية ستكون ورد هي من فعلت الطعام. -أكيد ورد.. أنا عارف قدرات مراتي. فضحكت ورد وهي ترى نظرات شقيقتها نحو زوجها وكأنها توعد له. -لأ يا جاسم إنت كده ظلمت مهرة.. ده هي اللي عملت كل حاجة، أنا المرادي كنت بشجع بس. فضحك وهو يدور بعينيه بينهم. -يعني طلعت أنا كده ظالم.. آسفين يا حبيبتي.

ومسح على وجهها وهو يضحك من طريقة وقفتها الملتوية ونظراتها الممتعضة. -خلاص هقدم اعتذار لنقابة المحامين كلهم.. عشان ترضي عني.. حلو كده؟ كانت ورد تقف تطالع مشاكستهم بسعادة وحنين إلى زوجها، متذكرة لحظاتهم السعيدة. وضحكت وهي تجد شقيقتها تجذب جاسم نحو المطبخ بعد أن جعلته يخلع سترته. -عقابًا ليك هتعمل السلطة. وجاسم يلتف لورد حانقًا منها. -ورد تعالي أنجديني من أختك الشرسه.

وفي النهاية وقفت هي تقطع السلطة وهو يقف خلفها يبتسم بزهو. -طيبة وقلبك أبيض ياحبيبتي.. ياسعدك وهناءك يا جاسم. وفجأة وجدها تحمل الأطباق وتضعها بين يديه. -خد بقي جهز السفرة ياحبيبي.. أنا عفوت عنك في السلطة آه.. بس إنت اللي هتحط الأكل. وتأوهت بألم بعد أن ضرب جبهته بجبهتها. -أنا جاسم الشرقاوي يتعمل فيا كده. فردت له ضربته بخفة على جبهته فقد كان مازال مائلًا نحوها. -بلاش غرور ونافخة كدابة.. ما إنت في الآخر اتجوزتني.

ليضحك بصخب حقيقي على كلماتها. -عندك حق.. صومت صومت وفطرت... وقبل أن يكمل باقي تعبيره، نظرت له بشراسة. -جاسم. ليبتعد عنها بوداعة ممسكًا الأطباق يخرج بها من المطبخ. وفور أن وجدته ورد أمامه تقدمت منه كي تأخذ الأطباق. -بلاش يا ورد لتعمل لينا محضر. وأنقضى اليوم بمتعته وضحكاته، حتى أنهم حادثوا مرام التي كانت ستبكي أمامهم، ولكن تمالكت نفسها حتى لا يشعر جاسم بشيء. واكتملت نهاية ذلك اليوم بآخر شيء كانوا قد توقعوا حدوثه.

لتقف ورد مصدومة وهي ترى ليليان وجواد وامرأة أخرى تعلم هويتها "عائشة". فآخر شيء كانت تتوقعه عندما اتجهت صوب الباب لتري من الطارق، وفاقت من صدمتها على صوت جواد. -ورد اشتقت لكي وللنونو الجديد. واندفع نحوها يعانقها، فانحنت نحوه سريعًا تعانقه وتقبله على وجنتيه، وهو يخبرها أنه أتى كي يأخذها. وهمس بأذنها حتى لا يسمعه أحد: -خالو أصبح نحيف ولحيته كبرت كثيرًا ودومًا غاضب.

كان صوته مسموعًا رغم أنه حرص على أن لا يسمعه أحد، فحتى مهرة التي تقدمت بترحيب من ليليان وعائشة سمعت ما حدث وضحكوا على دعابته التي هي الحقيقة. لتعتدل ورد في وقفتها تحتضن ليليان بشوق. أما عائشة فوقفت تطالعها بخجل. ثم اقتربت منها مطأطأة الرأس. -آسفة يا ورد. *** طالعت مهرة الطريق بسعادة وهي لا تصدق تلك المبادرة الجميلة من أهل كنان. -كده ورد هترجع معاهم.. أنا مبسوطة أوي أنهم بيحبوها.

فنظر إليها جاسم بطرف عينيه وهو يقود سيارته، فقد كانت مفاجأة غير متوقعة. -فعلًا خطوة حلوة منهم. ورغب في ممازحتها قليلًا. -كويس أنك مقولتيش أُقعد معاهم.. وروح أنت يا جاسم. فابتسمت وهي تحدق به بمشاكسه. -وأسيبك يا حبيبي.. ده حتى عيبة في حقي.. ده أنا واخداه منك فلوس الصبح.. لأ انت ليك أسبوع عندي دلع وحاضر ونعم. لِيلتف نحوها بعبوس مصطنع. -وأنا اللي كنت فاكر حاجة غير كده.. ده المتوقع منك يا حبيبتي.

ثم ضحك وهو يطالع الطريق بتركيز. -ياريت متبقيش صريحة أوي واكذبي عليا. *** وقفت ريم تطالع الكارت الذي أعطاه لها ريان من أجل وظيفة بشركة أخرى. ففي آخر لقاء لها معه بالشركة وقبل أن تخرج من غرفة مكتبه، قدم لها الكارت. مدام لم تعد ترغب بالعمل هنا. وابتسمت وهي تشكره داخلها على مساعدته التي لن تنساها قط. وتقدمت نحو مبنى الشركة من أجل مقابلة العمل.

وبعد ساعة كانت تخرج من الشركة بسعادة حقيقية غير مصدقة أنها حصلت على تلك الوظيفة بسهولة. ووقفت ساكنة بعد أن سمعت صوته يهتف باسمها. -ريم.. إنتي بتعملي إيه هنا؟ فالتفتت نحوه، ويبدو عليه أنه كان بنفس الشركة من أجل اجتماع ما، وأجابته ببساطة. -كنت بقدم على شغل فيها واتقبلت الحمد لله. لينظر لها ياسر بضيق. -قولتلك مافيش شغل غير معايا وبس.. غير كده لأ. دام الصمت للحظات قبل أن يرى فتاة أخرى أمامه غير ريم التي يعرفها.

-وأنا هشتغل هنا ومش هفضل البنت المنطوية اللي مستنية حماية وكرم أخلاق حد يا أستاذ ياسر. وانصرفت بعدها من أمامه، لتتجمد ملامح ياسر ووقف يتابعها بعينيه وهو لا يصدق أن من كانت تقف أمامه "ريم". *** نظر عمار إلى رفيف التي تجلس أمامه بعدما انصرف الضابط الذي كان يلتهمها بعينيه. -أرايت عمار من يقف أمامي، أفعل ماذا به؟ فنظر لها عمار بنفور وغضب. -كنت حاسس إنك وراها.. بس ليه كل ده عشان رغبة حقيرة؟

فوقفت رفيف على الفور وتقدمت منه. -أريد الزوج منك يا عمار.. أنا أريدك. ليبصق عمار جانبه، فلم يعد يتحملها. -ده إيه البجاحة اللي إنتي فيها.. روحي اقضيلك ليلتين مع راجل غيري. فتجمدت عيناها تطالع اشمئزازه منها، وما زادها إلا رغبة أكثر به. -أنقذي نفسك من السجن يا عمار وإلا أجعلك تقضي بضعة سنوات به.. وتذكري شقيقتك. وعندما ذكرته بشقيقته، لمعت عيناه بجمود. -أوعى تقربي منها. وقبض على عنقها بقوة حتى اختنقت. -عمار يكفي.. سأموت.

ليدفعها عنه متمتمًا وقد لمعت عيناه بقسوة. -موافق أتزوجك. *** وفي نفس التوقيت كانت تردف داخل مكتب ريان شقيقة عمار، تلتقط أنفاسها بصعوبة بعد أن اقتحمت مكتبه، وسكرتيرته الجديدة تردف خلفها قائلة بخوف. -اطلب لها الأمن يا فندم. فصرخت بهم علياء بضيق. -أختك هي السبب. وتقدمت من ريان بأعين حادة. -أخويا في القسم دلوقتي بسببها.. طالعتوه حرامي.. منكم لله. ليقف ريان مصدومًا مما يسمع، هاتفا بحنق اسم شقيقته. -رفيف.

وأشار لسكرتيرته بأن تنصرف، فيكفيه فضائح منها. لا تريد أن ترحل من مصر، ولكن يبدو أنها تريده أن يبعثها غصبًا حتى لو ربطها بالحبال. -إنت يا أستاذ.. إنتوا مش تيجوا من بلدكم وتقرفونا.. خد اختك عديمة الحيا ديه وربيها. ليلِتف إليها ريان مصدومًا مما يسمع وكأنه بالسوق. -صوتك مزعج يا فتاة. لتلوي علياء شفتيها باستياء. -مزعج وفتاة إيه.. نشرت الأخبار اللي خرجت لي منها. ليحتقن وجه ريان وأجلسها عنوة على أحد المقاعد أمامه.

-قولي ما عندك لأسمعه وأرحلي. لترفع علياء رأسها نحوه تستنكر الحديث معه، فهو وكأنه مترجم للغة العربية التي لا تسمعها إلا في برامج الكرتون. -قولي وارحلي. نطقت كلماته بتهكم، وأخذت تخبره بجدية عن فعلت شقيقته وما فهمته من المحامي الذي وكلته لشقيقها. لينظر لها ريان وقد بدأ يفهم لعبة شقيقته، تريد أن تساوم الرجل على الزواج منها. وزفر أنفاسه بقوة لتهتف هي. -هتطلع راجل جدع وتساعد أخويا مش كده؟

فحدق بها ريان وهو لأول مرة يرى فتاة مثلها تتحدث وكأنها أتية من الشارع. -أتمنى ألا أسمع صوتك.. إذا سمعته لن أفعل لكِ ولشقيقك شيئًا. فوضعت علياء بيدها سريعًا على شفتيها تحت نظراته المتفحصة لها. *** صرخت سهير بأكرم الذي يطالبها بأن تنفذ وصية والده وتعطي شقيقاته حقهن. -يا ماما حرام عليكي.. ده حقهم. لتنهض سهير من فوق مائدة الطعام حانقة.

-حق مين.. ده حقكم إنتوا.. كل الخير ده من فلوس أبويا.. أبوكم مكنش حيلته حاجة.. أنا اللي كبرته وساعدته. وانصرفت من أمامه تتمتم ببعض الكلمات. ليقف أكرم مصدوماً، حتى موت والده لم يؤثر بها إلا بضعة أيام، وقد عادت والدته إلى طباعها. ليجد كرم يردف المنزل هاتفا بضياع. -صباح الخير يا أخي العزيز. فأقترب منه أكرم يشم أنفاسه، ليجد رائحة الحشيش تفوح من ملابسه وأنفاسه.

-يا أخي اتقي الله في نفسك، أبوك لسه ميت وأنت راجعلي الصبح ولا على بالك. فدفعه كرم بخفة واتجه نحو غرفته غير مبالٍ بشيء. -الحزن في القلب مش في المزاج. ليتنهد أكرم دون رضى عن حال شقيقه، وهو يتمنى ألا يفيق بعد فوات الأوان، فالنصح أصبح لا يفيد معه. ***

يومان مرا على وجود شقيقه كنان وليليان وجواد بمصر، وقرروا التجول قليلاً في البلد ثم يرحلوا بورد لتركيا، فقد قررت ورد ألا تطيل البعد أكثر من ذلك، خاصة بعد قدومهم إليها، وخصوصاً جواد. وكانت مهرة ترافقهم جولاتهم. لتهبط الدرج بعد أن ارتدت حذاء مريح لجولة اليوم. واقتربت من جاسم، وقد كان يرتشف من فنجان قهوته الصباحي ويطالع الجهاز اللوحي الخاص به يتفحصه. وانحنت نحوه تقبله على وجنته. -صباح الخير يا حبيبي.

فأبتسم لها وترك الجهاز من يده. -صباح الخير. ثم سألها باهتمام. -جولتكم فين النهارده؟ وقبل أن تخبره عن وجهتها، صدح رنين هاتفه، ليتلقط الهاتف ويتحدث وهو ينهض من فوق مقعده. -ثواني يا ياسر خليك معايا. واتجه نحو غرفة مكتبه وأردف داخلها، ليتأكد من وجود ملف ما لديه. وتذكرت حفلة الأمس التي دُعي إليها، وجاءها فضول أن تنظر في الجهاز اللوحي وتتفحصه قليلاً.

لتقع عيناها على بعض الصور المبعوثة لحسابه الشخصي، فلم تهتم بأمرهم إلا صورة واحدة، زوجها يضم خصر نرمين بذراعه، ونرمين تعانقه وكأنها تخشى السقوط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...