تجمدت عيناها على هذا الموقف وصوت ضحكاتهم مازال يتردد في أذنيها. وقفت نرمين من فوق مقعدها عندما رأتها. أما جاسم، نهض بشوق ظاهر في عينيه وفتح ذراعيه لها. "مهرة... تعالي يا حبيبتي." الغيرة كانت تحرقها من الداخل حتى قدميها. أبت أن تتحرك من مكانها كعيناها التي مازالت تحدق بهم بصمت. صحيح أن الوضع ليس به شيء مريب، ولكن هي تغار بشدة عليه. وأخذت تتفحص نرمين المرتبكة من قمة رأسها لأسفل قدميها.
وتحركت ببطء نحو جاسم حتى أصبحت أمامه، فضمها بشوق هامساً: "وحشتيني... لولا أن كان لازم آجي على الشركة ضروري، كنت جيت فوراً على البيت." وطبع بقبلة دافئة على جبينها. ونرمين مازالت تنتظر أمر جاسم، هل تظل ليكمل مطالعة العقود أم تنصرف. كانت مهرة تختلس النظرات نحوها بحنق وتتفحص ملابسها ورقة وجهها. نرمين مثال للأنثى ذات الوجه الرقيق الذي يجذب الأعين. وتنهدت داخلها: ستستخدم دهاءها الأنثوي النابع من غيرتها.
"وأنت وحشتني أكتر يا حبيبي... مقدرتش أستنى لما مني قالتلي إنك وصلت." وقبلته على وجنتيه ثم داعبت عنقه بلطف. ليبتسم جاسم. وهتفت بدهشة مصطنعة بعدما ابتعدت عنه وركزت بنظراتها على نرمين: "أوه، ما أخدتش بالي إن آنسة نرمين موجودة معانا يا حبيبي." كان جاسم يحتوي خصرها ويكاد أن ينفجر من شدة الضحك. فعيناها ستقتلع نحو نرمين وهي تقول له أنها لم تنتبه لوجودها.
وشعرت نرمين بالخجل من وجودها بينهم، وخاصة بعد تلك الجملة. فتمتمت معتذرة وهي تمد يدها نحو مهرة لتصافحها: "منورة الشركة يا فندم." ونظرت لجاسم برقتها الطبيعية: "أستأذن أنا يا فندم... وهفضل موجودة في مكتبي أكمل الشغل اللي طلبته." فحرك جاسم رأسه باعتراض، واحدي ذراعيه كانت تضم تلك التي وقفت تطالعهم بملامح هادئة عكس ما بداخلها. "لأ، روحي ارتاحي...
المفروض كنتي رحتي من المطار طول. حقيقي بشكرك يا نرمين، انتي اثبتي جدارتك في وقت قصير." وابتسم وهو يطالعها بتقدير. "هتبقي سيدة أعمال ناجحة." فابتسمت له نرمين بخجل. فأطراؤه كان فخراً لها. وكادت أن ترد عليه، ولكن نظرات مهرة المتفحصة نحوها أربكتها. فأخذت الأوراق التي كانت تناقشها معه وتمتمت وهي تنصرف: "شكراً يا فندم." وأخيراً انتهى المدح والابتسامات اللطيفة، وانغلق الباب. لتنفض مهرة ذراع جاسم الذي يحاوطها متسائلة:
"هو سؤال واحد وتجاوب عليه." فابتسم جاسم وهو يعود لمقعده: "اسألي يا حبيبتي... أنا برضه كنت شاكك في هدوئك واللطافة اللي كنتي فيها من شوية." فقبضت على يديها بقوة ثم طرقت على طاولة مكتبه بغضب: "نرمين كانت معاك." فطالعها ثم عاد يطالع الأوراق التي أمامه: "آه كانت معايا... وأكيد مش واخدها نتفسح، ده شغل يا مهرة." فتذكرت مديح نرمين للرحلة وسعادتها. فرفعت حاجبيها بضيق وقلدت صوتها بحنق: "دي أجمل رحلة أنا روحتها." وتابعت بغيره:
"دي كانت رحلة عمل ولا فسحة بتستجموا فيها." فرفع جاسم عيناه نحوها بملل: "تعرفي أنا بقالي يومين مبنمش... ومش مستحمل يا مهرة." وسألها بجمود: "انتي جيتي الشركة ليه؟ مش المفروض تستنيني في البيت زي أي زوجة بتستنى زوجها، ولا جاية تحقق معايا." وقبض على الأوراق التي أمامه بغضب. فارتخت أهدابها وقاومت دموعها وهي تتذكر سبب قدومها. أتت لتخبره عن حملها، عن الجنين الذي داخل رحمها، عن سعادتها وترى سعادته بالخبر.
وحملت حقيبة يدها بصمت ونظرت له وهو يحرك يده على وجهه بإرهاق. "صح، أنا جيت ليه... معلش قطعت شغلك المهم." وكادت أن تنصرف من أمامه. فنهض يجذبها إليه بحنان: "مهرة يا حبيبتي، بلاش التسرع اللي انتي فيه ده... نرمين موظفة عندي لا أكتر ولا أقل. وجودها كان لازم معايا، ده شغل يا مهرة. الرحلة عجبتها فده رأيها هي... نرمين إنسانة هايلة وعملية. غيرتك منها ديه ملهاش داعي ولا أسباب." وأبعدها عنه برفق وابتسم ثم مسح على وجهها العابس:
"روحي على البيت يلا، وأنا هخلص شوية حاجات في الشركة وهاجي وراكي." بعد أن كان حديثه لطيفاً وأهدأ غيرتها، انقلبت ملامحها مجدداً. فهو يمدح نرمين أمامها. ونظرت له طويلاً، ولم تجد شيئاً تخرج فيه غضبها. فالتقطت قلمه الموضوع جانباً وكسرته بغل. ورحلت. ليقف يحدق بها بيأس ثم انفجر ضاحكاً: "يامجنونة." وتنهد بحب وعشق حقيقي. ***
خرجت من الشركة نحو السيارة التي خصصها لها جاسم حانقة منه وقد انطفأت فرحتها. نرمين تلك التي تشغل بالها دوماً، وخاصة بعد مشكلة إحدى زميلاتها في مكتب السيد فؤاد وما فعله زوجها وزواجه من أخرى تعمل معه. طيلة الطريق عقلها شارد وهي تقضم أظافرها بضيق وتحادث نفسها: "هفضل أحرق في دمي كده كتير... لأ، والبه بيمدحها قدامي." وضغطت على شفتيها بحنق ثم عادت تقضم أظافرها. والسائق يطالعها من مرآة السيارة مندهشاً.
إلى أن وصلت الفيلا ووجدت هاتفها يعلو رنينه برقم أكرم. "مهرة محتاج منك مساعدة... بس عشان خاطري، وافقي." فتنهدت وهي تردف لداخل المنزل وتصعد الدرج: "أنت مختار اليوم اللي أنا مش تمام فيه وتطلب مساعدتي." ثم زفرت أنفاسها وهي تسقط بجسدها على الفراش: "قول يا أكرم." فشعر أكرم بضيقها: "مالك يا مهرة؟ حد زعلك؟ سيبك مني أنا خالص دلوقتي." فابتسمت لإحساس شقيقها بها وتمتمت بحب: "لأ، قول محتاجني في إيه... متقلقش عليا، أنا كويسة."
فخجل أكرم من الأمر، ولكن لا أحد سيخدمه في ذلك الأمر إلا هي. فقد كان طلبه رفقتها ليوم كامل في منتجع كنان. فقد أهداه كنان يومان يفعل فيهما ما يشاء هناك هو وخطيبته التي فور أن علمت بالأمر رحبت به بشدة. فتلك فرصة ليلتقطوا صور خطبتهم هناك ويستمتعوا. ولكن والد ضحى رفض الأمر. فطلب منه أن ترافقه شقيقته كي تكون معهم ويطمئن قلبه. فلو ضحى كانت لديها شقيقها لأخذها.
استمعت للعرض بصمت. لم يروق لها الأمر في البداية، ولكن عندما تذكرت جملة نرمين وسعادتها بالرحلة، قررت أن تأخذ هي أيضاً رحلة لنفسها تستجم بها حتى لو ليوم واحد. "مهرة، انتي معايا؟ جاسم مش هيوافق صح؟ أنا عارف إن جاسم لسه مسافر الإمارات." لم يكن يعلم أكرم أن زوج شقيقته قد عاد من سفره اليوم. "لأ، متقلقش. أنا بس بفكر... خلاص، عدي عليا يا أكرم، أنا جايه معاك." فتهللت أسارير أكرم وضحي التي كانت تجلس بجانبه تنتظر كلمة الموافقة.
*** وضع النادل الطعام أمامه ثم اتجه لعائشة التي كانت تطالع ماحولها بسعادة. هذه هي حياة الترف التي حرمت منها وتمتع بها غيرها. كان كنان يطالعها بسعادة حقيقية. كانت تظن أنها وصلت لهدفها لاهتمامه بها الشديد هذه الأيام، ولكن لا تعلم أن كنان بات يعلم بكل شيء، ولكن أراد أن يعوضها ثم يخبرها أنه لو كان علم بأمرها لبحث عنها. صحيح هو ابن فريدة، ولكن تولى تربيته "جديه". "مبسوطة يا عائشة؟ فاتسعت ابتسامة عائشة وحركت رأسها سريعاً:
"أنا لسه لا أصدق أنني عملت كمساعدة شخصية لك سيد كنان." فوضع كنان بيده على يدها وأراد أن يقول لها ناديني بأخي، ولكن تراجع عن الأمر. "كنان فقط يا عائشة." لترتبك عائشة من الوضع. وأبتسمت داخلها بأن خطتها بدأت تنجح على شقيقها وطأطأت رأسها متمتمة: "سيد كنان، لا يصح هذا." فأبتسم لها كنان بهدوء ورفع يده عن يدها ليشرع في تناول طعامه. "نحن الآن أصدقاء يا عائشة ولسنا بالعمل." وبدأ يأكل، مخاطباً لها: "هيا تناولي طعامك."
فطالعته عائشة مبتسمة وبدأت تتناول طعامها ومن حين لآخر تختلس النظرات نحوه. *** بعثت له رسالة تخبره أنها سترافق أكرم وخطيبته للمنتجع الخاص بكنان. ثم أغلقت هاتفها وابتسمت براحة. تعلم أنها ستقلب عليه حين تعود. وصعدت سيارة أكرم وصافحت ضحى التي كانت سعيدة بالأمر. ليسألها أكرم قبل أن يقود سيارته: "جاسم وافق؟ فأشارت له بأن يتحرك: "اطلع يا أكرم ومتسألش كتير." فنظر لها أكرم للحظات ثم تحرك بسيارته. "أنا قلقان منك...
بس نطلع وماله، حد يلاقي استجمام ويقول لأ." *** نظر جاسم لهاتفه بغل وبغضب. يعلم أنها فعلت ذلك عناداً به وضغط على أسنانه بقوة. "مش هتتغيري يا مهرة بأفعالك المتهورة." وخرج من مكتبه بخطى سريعة ويهاتفها، ولكن الهاتف أصبح مغلقاً. وقبض على هاتفه يتوعد لها بالعقاب. وقرر أن يهاتف أكرم، ولكن هاتفه لا يعطي إشارة. ***
نظرت ليليان لورد التي تأكل طعامها بشرود، ثم نظرت لشقيقها الذي يتناول طعامه بضيق من أفعال صديقه. فماذا كان سيحدث إذا أخذه زوجته معه. "ورد." فانتبهت ورد لصوت ليليان التي تسألت بداعبة كي تجعلها تخرج من شرودها هذا: "لم يمر سوى أيام على سفر كنان وأنتي أصبحتي هكذا. لهذه الدرجة يا ورد... المرة القادمة علقي بعنقه كالطفلة ولا تتركيه." فأبتسم بشير. لتبتسم ورد هي الأخرى: "تفعليها أنتِ ليليان مع زوجك مستقبلاً."
فحركت ليليان كتفيها بمشاكسة ونظرت لشقيقها: "نعم، سأفعلها حتى لو دخلت داخل حقيبة سفره." فضحكوا ثلاثتهم. فليليان تستطيع تغيير الأجواء بلطافتها. وأخذوا يثرثرون وقد اندمجت معهم ورد وهي تعد الساعات لتعود للمنزل وتحادث كنان الذي لا يكلمها سوى دقائق، ولكن هذا يكفيها. فهي تعذره، فالعمل بالتأكيد شاق عليه. ***
تجولت مهرة في المنتجع مع أكرم وضحي التي اكتشفت اليوم أنها ذات طبع فكاهي وبشوشة الوجه. الشمس قد اقتربت على المغيب والظلام بدأ يسدل ستائره. وبدأت تنسى حنقها من جاسم. ومع المعاملة الرائعة التي يتعاملوا بها، كان كل شيء يروق لهم. "أكرم، أنا تعبت من المشي. تعالوا نقعد ونتغدى... انتوا مش جايبني عشان أجوع." فضحك أكرم عليها وضمها له: "عنينا ليكي ولا إيه يا ضحى." فابتسمت ضحى لهم هاتفة بسعادة:
"طبعاً، ده لولا وجودها معانا بابا مكنش وافق على الدعوة ديه." واتحمست ضحى بشدة عندما وجدت عروس تزف في المجتمع ويبدو أنها ستلتقط هنا صور عرسها. فالمكان فخم ورائع. وبعد دقائق كانوا يجلسون بالمطعم وأتى معاذ مخصوص لهم يرحب بهم وأخبرهم أن الغرف معدة لهم. وانتبه أكرم لهاتفه الذي يرن برقم جاسم. وعندما نطق باسمه، ارتجفت مهرة بخوف: "أيوه يا جاسم... آه، مهرة قاعدة قدامي أهي." مش عارف تليفوني ماله، الظاهر إنها من الشبكة.
-انت رجعت مصر النهارده؟ ونظر إلى شقيقته بعتاب. -أنا مكنتش أعرف إنك هتوصل النهارده، لو كنتِ عارفة مكنتش أخدت مهرة. كان الحديث يدور بين جاسم وأكرم، الذي استشعر بوجود خطب ما بين شقيقته وزوجها. وضع أكرم هاتفه جانباً بعد أن أنهى مكالمته مع جاسم. -جاسم جاي المنتجع ربع ساعة ويوصل. فاتسعت عين مهرة ونهضت فزعا. -إيه! جاسم جاي! وأخذت تلتف حول نفسها. فنظر لها أكرم بشك. -مهرة، في إيه بينك وبين جاسم؟ وعملتي مصيبة إيه؟
فأستاءت من آخر جملة نطقها شقيقها. -أكرم، أنا عايزة أروح أوضتي أرتاح. وسارت من أمامه متجهة نحو الفندق، وهي تتخيل ردة فعل جاسم لها. وحركت يدها على عنقها، وهي تهتف داخلها: -أكيد هيخنقني. فوقف أكرم يحدق بها متمتماً بحنق من تصرفاتها وينظر إلى خطيبته. -أكيد في بينهم مشكلة. ...........................................
تفاجأت ورد بالضيوف الموجودين بالمنزل والموسيقى الصاخبة وصوت الضحكات تتعالى. كانت تمر بجانبهم وهي تنفر من الحياة التي تعيشها والدة كنان والتبرج الذي لا ترى فيه الحرام. ووقعت عين فريدة عليها، فاقتربت منها بضيق. -لا أريد رؤيتك في الحفل، مفهوم ورد؟
فأشاحت ورد عينيها بعيداً عنها. فهي تمقت الحياة التي تعيشها وتمقت حفلاتها وأصدقائها. ولولا خوفها من الله لكانت هاتفت كنان الآن وأخبرته عن كل صغيرة وكبيرة تفعلها والدته، ولكنها تكتم داخلها حتى لا تزيد الفجوة بينه وبين والدته. -أنا أكره حفلاتك فريدة خانو، فلا تقلقي لن أخرج من غرفتي. فابتسمت فريدة بزهو وتركتها لتذهب إلى أحد ضيوفها وتعلقت بذراعه. والرجل كانت يده تعبث في جسد فريدة التي أخذت تضحك.
فوضعت ورد بيدها على فمها تكتم صوت شهقتها وصدمتها، وصعدت راكضة لأعلى وأغلقت غرفتها عليها لتنهار بعدها في البكاء من تلك الحياة التي دخلتها بقدميها. وبعدما جفت دموعها، قررت أن تهاتف كنان تطمئن عليه وتتحدث معه قليلاً. -ورد حبيبتي، ما به صوتك؟ فتنهدت ورد بضيق متذكرة مشهد فريدة المقزز. -لا شيء كنان، اشتقت لك كثيراً. كان كنان يقف يحادثها وعيناه على عائشة التي تبتاع أحد الأشياء لها، ولكن أحدهم اقترب منها وحدث بينهم صدام.
-سأغلق وأهاتفك بعد قليل. وأغلق دون أن يسمع ردها، لتنظر ورد للهاتف بقلق. وقررت أن تنتظر مكالمته. .................................. فتحت له باب الغرفة سريعاً ثم ركضت نحو الفراش تتسطح عليه وتسحب المفرش الذي يعلوه وتغطي به كامل جسدها. -أنا تعبانة وهنام. وازاحت الغطاء قليلاً عنها. -هنام تمام. فنظر لها جاسم بصمت ثم تقدم من الفراش وأزاح عنها الغطاء بقوة صارخاً: -قومي اتعدلي!
بقي أنا يا مهرة تعملي فيا كده وتخليني آجي لحد هنا! وتذكر رسالتها. -تبعتي الرسالة وتقفلي تليفونك، ومفهمة أخوكي إن الطرطور جوزك لسه مسافر. وجذبها من ملابسها والشر يتطاير من عينيه. -أنا حالياً نفسي أرميكي في صندوق زبالة، ولا أقولك أرميكي من البلكونة وأرتاح منك ومن عقلك اللي بيفكر زي الأطفال. نسيت توبيخه وكل شيء حتى تهديده، وأشارت نحو نفسها. -أنا عقلي زي الأطفال. فدفعها نحو الفراش، لتسقط عليه متألمة من دفعته القوية.
-عملتي كده ليه؟ فنظرت إليه ثم أشاحت وجهها عنه. -كنت مخنوقة ولقيتها فرصة. فسأم من ردودها التي تظنها تهدئ الوضع. -لأ، رد مبهر الصراحة، ومستنتيش أرجع ليه من الشركة واختارتي اليوم اللي رجعت فيه من السفر تعملي كده فيه. وتابع بتهكم. -وطبعاً عشان تعاقبيني. وكادت أن ترد عليه إلا أنه أشار لها بأن تصمت. -مش طايق أسمع صوتك، كل مبرراتك وتصرفاتك سخيفة، انتي متنفعيش تبقي زوجة يا مهرة.
ضغط على كلمته الأخيرة كي يوجعها، وبالفعل ظهر الألم على محياها. -أنا مينفعش أبقى زوجة، طب اتجوزتني ليه وانت عارف شخصيتي كويس؟ فزفر أنفاسه بحنق وهو يطالعها. -كان عندي أمل إنك تتغيري، بس كل يوم بكتشف إنه مستحيل تتغيري، حياتك لسه في إطار البنت اللي عايشة دور الراجل. وألتف بجسده ليرحل وهو يهتف بجمود. -خليكي مع أخوكي واتبسطي على قد ما تقدري.
لم تكن تصدق أن فعلتها ستصل بهم إلى هذا الأمر، كانت تظن أنه سيتغاضى عما فعلت كما يفعل كالمعتاد. وفتح الباب، ولكن كلمة واحدة أوقفته ليقف يلتقط أنفاسه ويغمض عينيه وهو يستشعر تلك الكلمة. -أنا حامل يا جاسم. ................................. كانت ريم تتأكد للمرة العاشرة عبر الرسائل من ياسر هل حقاً سيذهب برفقة السيد ريان أم ما سمعته خطأ. وياسر يضحك على تصرفها الطفولي ويرد عليها بلين غريب عليه.
وبعث رسالته الأخيرة والتي انتهت بجملة بالنسبة لها ككلام العشاق: "المعلومات اللي وصلتك صح، أنا هكون معاكم في رحلة شرم وهناء السكرتيرة بتاعتي واستاذ رحيم المحامي، تصبحي على خير يا ريم." نسيت كل ما كتبه وأخبرها به، وأخذت تردد بحالمية وهيام. -تصبحي على خير يا ريم.
وضمت بعدها الهاتف بالقرب من موضع قلبها، وانتفضت بعدها. فإلى الآن هي لم تخبر والديها ولم يتبق سوى ثلاثة أيام على رحلتهم تلك التي تم تأجيلها من قبل، وقد فرحت كثيراً حتى تجد حلاً، ولكن عندما علمت بالموعد الجديد وأن السيد ياسر سيكون برفقتهم تحمست للأمر وقررت أن تخوض تلك التجربة وتترجى والديها حتى لو بكت لهم وتوسلت. .....................................
توسدت مرام صدر كريم الذي ضمها إليه بحب، ثم طبع بقبلة دافئة بالقرب من شفتيها. -بشتقلك حتى وأنتي في حضني. فابتسمت مرام ودفنت وجهها بصدره. -وأنا كمان يا كريم. وطبعت قبلة على صدره، فأبتسم بحب وهو يداعب خصلات شعرها. -إيه رأيك ننزل مصر أسبوع تشوفي أهلك وأنا أشوف جاسم؟ فأعتدلت من وضع نومها ونظرت إليه برفض. -لأ، أنا مش فاضية الفترة اللي جايه، ما أنت عارف وضعي حالياً في الشركة يا كريم. وأتسعت ابتسامتها بزهو.
-الأول كنت موظفة في القسم، دلوقتي أنا مديرة قسم. انقلبت مرام المرأة التي كانت منذ قليل بين ذراعيه مغرمة بلمساته وهمساته، إلى مرام العملية التي أصبحت تفضل عملها عن رؤية والديها. وألتف بجسده فأصبح ظهره لها. -اللي يريحك يا مرام. فعادت تتسطح جانبه تتلاعب بخصلات شعرها. .....................................
تسطحت على الفراش جانبه بعد أن أنعشت جسدها بالماء الدافئ من هذا اليوم الطويل الذي كان بدايته حماس وترقب ثم شوق وسعادة وتحول لغضب وحنق وعتاب كان سينتهي بخصام. -جاسم، أنت لسه زعلان مني؟ فتنهد بأرهاق وهو يطالعها بهدوء. -هبقى كداب لو قلت إني نسيت، بس مش هضيع فرحتنا بالخصام والزعل. وجذبها نحوه برفق وحب. -أنا سعيد جداً يا مهرة فوق ما تتخيلي. وقبل رأسها بدفء ثم ضمها إليه ويده تتحسس موضع بطنها.
-عيشت أغلب حياتي لوحدي، نعمة جميلة يكون للواحد أسرة وعيلة. شعرت بنبرة حزنه وهتف بصدق. -هعوض ولادي كل المشاعر اللي اتحرمت منها. كانت تشعر به، فهو افتقد حنان والده الذي كان يبدو أب رائع عكس والدها. وافتقد حنان والدته حين تخلت عنه وتزوجت وأخذت معها كريم. مشاعر تفهمها لأنها عانت منها بسبب والدها ثم فقد والدتها الحنونة. وابتسم وهو يجدها تبكي، ثم انحنت تقبل خديه بحب. -أنا آسفة. ثم اتبعت عبارة أسفها. -أنا بحبك أوي.
............................................ نظرت بسمة نحو كريم الذي تتعلق بذراعه مرام وتمشي بجانبه بزهو وتباهي. لم ينتبهوا لها لأنها كانت تسير خلفهم على بعد لا بأس منه. هيئتهم كانت تجعلها تتحسر على حالها. أرادت العودة للوطن ولكن جملة قالتها لها والدتها أمس زالت كل شوقها لوطنها. "هترجعيلنا هنا بفضحتك، إحنا مصدقنا الناس تنسى حكايتك، وبصراحة كده يا بسمة جوزي يا حبيبتي ممكن يطلقني."
كلمات كانت كنصل السكين، زوج والدتها الذي تخشى عليه أمها هو من دمر حياتها، وياليتها استطاعت أن تخبرها بالحقيقة وتصرخ بوجهها أنها هي من أضاعت حياتها. ......................................... أخذ كرم المخدر يستنشقه بلهفة، إلى أن استرخى جسده وأغمض عينيه وهو يتلذذ من المتعة التي تسير بجسده من ذلك المخدر اللعين. كان نادر يقف يطالعه مبتسماً وجلس جانبه. -ارتحت دلوقتي؟ فهتف كرم براحة. -جداً.
وكاد أن يخرج له المال ولكن نادر أوقفه يعرض عليه طلباً يريده. -اعتبر الأسبوع ده كله عليا ومش عايز تمن البودرة. فطالعه كرم منتظراً سماع طلبه، فهتف نادر مبتسماً. -أختك تتوسط لي عند جوزها يشغلني في فرع من فروع شركات، مش معقول يبقى صاحبي أخته متجوزة جاسم الشرقاوي ومش لاقي شغل. .........................................
تنهد بشير بضيق بعد أن كانت البسمة تعلو شفتيه مع شقيقته وورد، وأشاح عينيه بعيداً عن سيلا التي تقدمت نحوهم مبتسمة. -لا أصدق أنكم تتناولون العشاء هنا. ونظرت إلى ورد. -أصبحتي تتعرفين على مجتمعنا ورد. ونظرت إلى ليليان التي استاءت من وجودها. -كنان سيشكرك بالتأكيد يا ليليان لاهتمامك بزوجته في غيابه وانشغاله مع مساعدته الشخصية. ونظرت إلى بشير الذي حدق بها بقوة، ولكن أكملت.
-اتعلمي ورد، مساعدته الجديدة تشبه هازان شقيقة زوجك بشدة. ثم طالعت ليليان التي لم تكن تعرف بالأمر. -حقيقة لم أراها غير مرة واحدة، ولكنها فتاة رائعة. كنان هكذا سيعود لنفسه وذكرياته مع شقيقته، وربما تصبح حبيبته. لم يتحمل بشير ما تنطقه سيلا وصدى كلماتها ظهر على ملامح ورد التي أخذت تطالعه وكأنها تسأله أحقيقة هذا أم كذب. وجذب بشير سيلا من يدها بقوة هاتفا. -هيا سيلا، يبدو أنكِ لستِ بوعيك.
وألتفتت عينا ورد وليليان نحو بشير الذي غادر المطعم بسيلا. وارتعشت يد ورد وعيناها تجمدت نحو باب المطعم وهي لا تصدق ما سمعت. ............................... وقفت مهرة بعيداً بعض الشيء عن الحفل التي تحضرها مع جاسم ترتشف العصير وتطالعه بصمت وهو يقف وسط بعض الرجال ونرمين تقف معه تتحدث بلباقة وتلفت أنظار الرجال لها بجمالها.
وتقدم نحوها ياسر غير مصدق أنها أخيراً قررت الظهور مع جاسم واعتذر منها كي يحادث أحد الأشخاص. ثم ظهرت رفيف التي كانت عيناها مركزة على أحد الأشخاص ويبدو أنهم رجال صاحب الحفل. كانت تطالع كل فرد بملل وداخلها يكاد ينفجر، ولكن قررت أن تعقل. وسمعت صوت إحداهن الساخر. -أنتِ. لتلتف نحوها مهرة وتذكرتها، فقد كانت نفس المرأة التي أسكبت عليها العصير بعد أن أهانت شقيقتها في عرس مرام.
عاد شريط الذكريات يمر أمامها والأخرى تقف تحدق بها بمكر. كل منهم أخذت تطالع الأخرى بضيق. إلى أن قررت مهرة أن تبتعد عنها وتذهب لجاسم، فقد ملت. وخطت مهرة خطوة للأمام لتسقط بعدها أرضاً، والأخرى تقف تبتسم بزهو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!