الفصل 38 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
31
كلمة
2,366
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

وقفت تحدق بنظراته المبهمه والتي فهمت سببها فور أن جاءت هدي مطأطأة رأسها أرضًا، فيبدو أنها أخبرته عن وجهتها بعد أن سألها عنها. ولكن الحقيقة، في الوقت الذي كان يهاتفها ويزفر أنفاسه بحنق عند سماعه الرسالة الصوتية المسجلة بأن الهاتف الذي يطلبه غير متاح، كانت هدي تضع أمامه قهوته في غرفة مكتبه. قلقت عليها، فأخبرته عن مكانها، وها هم الآن يقفون ثلاثتهم. ولكن هدي انسحبت عندما اطمأنت على قدومها، وحزنت لما أصابها وسيصيبها من بطش جاسم.

-كنتي فين؟ سألها بهدوء وعيناه معلقتان على قدميها. اقتربت منه ببطء بسبب قدمها وأخبرته الحقيقة كاملة. -كان نفسي أقدر أساعدها يا جاسم.. وأوصل رسالتها لابنها. وتابعت وهي تنظر إلى ملامحه الجامدة. -انت أكيد فاهمني. فطالعها هو ساخرًا. -انتي فاكرة نفسك إيه بتهورك ده؟ انتي ليه ديما بتنسي أنك زوجه وإنسانة مسؤولة؟ ثم تابع بتهكم. -طب اتصلي بجوزك المغفل اللي قاعد قلقان عليكي.. واحكيله عن بطولتك العظيمة يا أستاذة.

وربت على وجهها ببرود. -مهرة ياريت تختفي من قدامي حالًا. فهتفت برجاء وهي تعلم أنها أخطأت، ولكنها قد اعتادت على تلك الحياة. -جاسم أنا مغلطتش. فأشار لها بأن تصمت. يكفيه قلقه عليها، يكفيه رؤيتها بتلك الهيئة. يكفيه تخيل الكثير من السيناريوهات وهي في بيت أناس لا تعرفهم، بل وذاهبة من أجل رجل. والآن تخبره أنها لم تخطئ. -مهرة اطلعي أوضتك ممكن.. ولا أقولك حاجة أحسن، أنا خارج. وانصرف من أمامها، لتطالعه بعدم تصديق أنه تركها.

فوجدت هدي تقترب منها بخجل. -صدقيني يابنتي غصب عني.. لما لقيته قلقان عليكي اضطريت أقوله.. أنا كمان قلقت عليكي. ونظرت لهيئتها. -واهي النتيجة. كانت مهرة مازالت تنظر للفراغ الذي أمامها وكيف تركها جاسم هكذا. ومدت هدي يدها إليها كي تساعدها، فصعدت معها لأعلى وعقلها مشغول معه. ***

عاد ليلًا بوجه مرهق ومازال حقده من فعلتها لم يذب. وأردف للغرفة بوجه عابس، ليجدها تمد قدمها المصابة على الوسادة وتنتظره. وأول ما رأته اعتدلت في جلستها. -جاسم انت اتأخرت كده ليه؟ قلقتني عليك. لم يرد على سؤالها وأخذ يزيل سترته ثم بدأ يفك أزرار قميصه بصمت. -انت لسا زعلان مني؟ خلاص أوعدك هقولك كل حاجة قبل ما أعملها.

صمته زادها إحباطًا وحزنًا. فلو كان الأمر في الماضي ما كانت حزنت، ولكن قلبها الآن معه. نهضت من فوق الفراش وحيلة ظريفة لمعت بعقلها سريعًا. رغم أن قدمها ووجعها قد هدآ، إلا أنها قررت أن تسقط نفسها من فوق الفراش وهي تنهض. -آه. كان يوليها ظهره متجهًا لغرفة الملابس، ولكن عندما سمع تأوهها التف سريعًا نحوها بقلق. وبخطى سريعة كان يجثو أمامها. -انتي إيه اللي خلاكي تقومي من على السرير؟ فهتفت بعبوس. -عشان أصالحك.

فابتسم ثم عادت ملامحه للجمود مجددًا، فهو يريد أن يعاقبها على تهورها الذي يخاف عليها منه. وحملها برفق ووضعها على الفراش متسائلًا بحنان. -بتوجعك أوي؟ فحركت رأسها كاذبة وداخلها يتراقص من الفرح لاهتمامه. -أوي أوي. فمسح على وجهها معاتبًا. -ومدام بتوجعك أوي كده متصلتيش عليا ليه؟ ثم مسك يدها. -تعالي غيري هدومك نروح المستشفى.. يمكن يكون كسر. كانت سعيدة بل وتريد أن تقفز من السعادة بأن حيلتها قد خالت عليه.

-لاء أنا كويسة متقلقش.. ده التواء ومع المرهم والراحة هيخف بسرعة. فرفع قدمها إليه وبدأ يدلك برفق وهي تجلس منسجمة مما يفعل. -آه براحة يا جاسم. لحظة دلع ودهاء قررت أن تسير بهم. فيبدو أن فوائدهم تأتي بثمار رائعة. ووضعت بيدها على يده التي تدلك قدمها بلين. -خلاص أنا بقيت كويسة. فنهض من جانبها ونظر لها وكأنه يخاطب طفلة. -شوفتي آخرت تهورك. فطأطأت رأسها وأخذت تحركها بأن الحق معه.

وكل ما عاتبها على شيء، تحرك رأسها دون كلمة. فلعبة الشد الآن لن تأتي بشيء، والهدوء والصمت والدلال حقق كل شيء. وابتسمت وهي تشعر بملمس شفاه على جبهتها. -اللي عملته ده من قلقي وخوفي عليكي يا مهرة. ومسد وجهها بدفء، لتنظر إليه بحب يزداد كل يوم داخلها نحوه. *** أبدل ملابسه وعاد يتسطح جانبها ضاربًا بكل قراراته عرض الحائط واحتواها بين ذراعيه. -مرتاحة كده؟ فابتسمت بسعادة. -مرتاحة جدًا جدًا.. ومبسوطة انبساط.

تعجب جاسم من سعادتها وطريقة حديثها وضمها إليه وقرر أن يشاكسها. -بس أنا مش مبسوط يا مهرة. فحدقت به بقلق. -ليه؟ انت لسا زعلان؟ فحرك رأسه ببطء. لتمد أناملها تمسح على وجهه ثم قرصت وجنتيه بخفة. -متزعلش ياحبيبي. وعندما مال عليها كي يقبلها، صدى رنين هاتفه. لتنظر إليه متسائلة بشك. -مين اللي بيتصل بيك دلوقتي؟ فضحك وهو يبتعد عنه وفكر بأن يلعب على وتر غيرتها من نرمين. -أكيد دي نرمين.

وفي لمح البصر وألم قدمها البسيط الذي لم يكن يستحق كل هذا الدلال والألم، انتفضت من فوق الفراش للجهة الأخرى والتقطت هاتفه من فوق منضدة الزينة. ليحدق بها جاسم للحظات وهو يرى حركتها وكأن ليس بها شيء. لم يكن المتصل نرمين، فقد كان ريان. ونهض من فوق الفراش يحرك يده على خصلات شعره وينظر لها ولقدمها. لتبتلع ريقها بتوتر وعرجت على قدمها. -آه بتوجعني وبعرج آه.. شوفت. وتابعت بصدق.

-هو المرهم سكن الوجع والوجع بسيط.. بس بتوجعني.. خد بالك مبكدبش أنا. كان مع كل كلمة تنطقها، يقترب منها بتمهل ثم التقط منها هاتفه وأغلقه. -بتمثلي عليا يامهرة؟ لاء مهنة المحاماة طلع ليها فايدة آه. وقبل أن تهتف باسمه، حملها من خصرها وألقاها على الفراش. -جنيتي على نفسك النهارده. -اسمعني بس. وخرج صوتها الذي ضاع وسط عقابه الممتع. ***

نظر بشير إلى كنان الجالس يطالع بعض الأوراق بجدية ومازال حانقًا من عمل سيلا معه. فرفع كنان عيناه نحو بشير. -أنت خائف أن لا تكون نسيت حبها بشير؟ فانصدم بشير مما تفوه به كنان. -كنان أنت تعلم؟ فحرك كنان رأسه بالإيجاب متنهدًا. -وحزنت أنك لم تخبرني بالأمر. علمت حكايتكم قبل ذهابي لمصر من أجل إتمام مشروع المنتجع. فجلس بشير على أقرب مقعد واضعًا رأسه بين كفيه. -أعلم أنك انسحبت من أجلي.

ثم نهض كنان من فوق مقعده ليجلس على المقعد الذي أمامه رابتاً على فخذيه. -أنا لم أحب سيلا وهي هكذا. كل منا اكتشف مشاعره الحقيقية نحو الآخر بعد أن تم ارتباطنا. وتنهد بأسف. -أنا لم أعرف الحب إلا مع ورد بشير.

فابتسم بشير وهو يرى حب صديقه لزوجته. رغم أنه لم يتقابل مع ورد غير مرات قليلة، إلا أنه يتعاطف معها بشدة ودومًا تخبره ليليان عن طيبة قلبها وبرآتها التي لا يستحقها كنان، الذي كان فيما مضى رجلاً عابثًا. فكيف لرجل عابث من نظر شقيقته يقع بحبه ملاك مثل ورد. -كنان أنا انتهيت من عشقي لسيلا. سيلا لا تحب غير المال. فزفر كنان أنفاسه بقوة وهو يعلم أن سيلا مثل والدته، عاشقات للثراء. ***

ضاقت أنفاس ورد من كثرة البكاء. لم يشك أحد من عمال المطبخ بالأمر لأنها كانت تقطع البصل، فقد وجدت فرصة بأن تبكي. كانت تتخيل أن قصة حبها مع كنان لن تكتمل وستعود لشقيقتها امرأة مطلقة تحمل همها وتدفع ثمن إصرارها على قبول الزواج وعدم الاستماع لمخاوف شقيقتها من اختلاف الأوطان. *** نفض كنان يده سريعًا بعد أن وضعت عائشة بيدها على يده. فحدق بها بجمود.

نعم هو منجذب لها، ولكن ليس انجذابًا جسديًا أو رغبة. انجذاب سيعرفه قريبًا، فالمحقق الذي طلب منه كافة المعلومات عن عائشة بدأ عمله في التحري عنها. -آسفة سيد كنان. فتنهد كنان بضيق. -لا تفعلي هذا الأمر مجددًا هازان. ناداها باسم شقيقته، لترتبك هي خائفة من أن يعرف الحقيقة بتلك السرعة وعادت لثبوتها. -هازان.. من هذه هازان؟

ليشعر كنان بالشوق إلى شقيقته التي كانت كالأبنة بالنسبة له. فحين ولدت هازان كان بعمر العاشرة، ولم يعلم بأن أصبح لديه شقيقة إلا عندما عاد من عند جديه لوالده واللذان كانا لا يحبان والدته ولا يحبان ذكر اسمها. -إنها شقيقتي عائشة. فشعرت عائشة بحزنه الحقيقي على توأمها. وكم يحبها ابن فريدة التي قهرت والدتها وطردتها من المزرعة وهي في نفاسها. *** ابتسم مراد بسعادة وهو يرى رقية تنتقي شبكتها.

فأخيرًا رقية وافقت على الخطبة. كانت كالطفلة وهي تختار ومراد كان تارك الأمر لها ولوالدته التي كانت سعيدة للغاية. واقتربت منه رقية تريه ما اختارته. -إيه رأيك يا مراد؟ فابتسم لها مراد بحب لا يعلم أين كان مختبئًا. -جميل ياحبيبتي. فأرتبكت ثم نظرت لخالتها التي تطالعهم مبتسمة. -أنا اللي هختارلك دبلتك. فتمتم مراد برفض. -بس أنا مبحبش ألبسها يارقيه.

فحدقت به رقية بشراسة. أيقول لها أنه لا يحب أن يرتدي خاتم زواجهم، وصك ملكيتها له والذي ستطبع عليه اسمها من الداخل. -لاء هتحبها عشان خاطري يامراد. وضغطت على أسنانها بغيظ. ليضحك على أفعالها. -ولما أقول عليكي طفلة بتزعلي. فكشرت بوجهها. فأتسعت ابتسامته. -معتذرين لجانبك يا ليدي رقية. فعادت ملامح رقية للرقة وبصوت رقيق تسألت. -هتلبس الدبلة.. صح؟ فتنهد بيأس. -أمري لله. ***

اتسعت عين ريم وهي تستمع لأمر ريان في الذهاب معه لرؤية المشروع الذي يُنشئ في شرم الشيخ. -بس أنا يافندم مينفعش أسافر. فطالعها ريان بجمود. فهو اختارها لتكون قريبة منه ويستطيع إغواءها بأحكام، والآن هي ترفض ذلك. -أنسة ريم ده أمر.. ولا بد أن يُنفذ.. نحن لا نلعب بالشركة. فأخفضت ريم عيناها وهي لا تعلم كيف تشرح له أنه أمر يستحيل عرضه على والديها. وهتف بصوت حازم وجاد. -عودي لمكتبك. وفور أن خرجت من غرفة مكتبه وجدت ياسر يردف.

-باشمهندس ريان موجود ياريم. فوجدت ريم الفرصة بأن تترجى ياسر أن يجعل ريان يختار غيرها. -مستر ياسر ارجوك قول لريان بيه إن مينفعش أسافر معاه. فحدق بها ياسر بصمت وهو يعلم أن من كانت ستسافر مع ريان واحدة غيرها. فياسر أزالها من ذلك الموضوع لأنه يعلم ظروفها ورفض أهلها للأمر. *** نظرت بسمة نحو مرام التي أخذت تمسد كف كريم بدلال وتارة تطعمه بشوكتها وتقص لها عن زواجهم وحبهم.

كانت بسمة تسمعها بقلب يتقطر ألمًا، تخبرها عن حياة تمنتها ولكن تبخرت كل أحلامها على يد ذئب لعين اغتصبها. ابتلعت غصة بحلقها ثم أخفضت رأسها نحو طبقها وهي تتمنى أن تنتهي تلك العزيمة سريعًا، وتفر هاربة تختبئ خلف جدران منزلها وتبكي. "بسمة، أنا حقيقي مش عارف أشكرك قد إيه على اهتمامك بالأولاد، بس أكيد انتي بقيتي فرد من العيلة." هتف بذلك كريم وهو يطالع مرام التي تمضغ طعامها مؤكدة على كلامه.

"أكيد يا حبيبي، بسمة بقت واحدة منا." فطالعتهم بسمة وهي تحاول رسم ابتسامة على شفتيها. "أنا معملتش حاجة لكل الشكر ده يا أستاذ كريم." وتابعت بهدوء تداري به ما بقلبها. "ده شيء يسعدني أن يبقالي أخوات زيكم في الغربة." فابتسم كريم بلطف وكل يوم يشعر بالتعاطف معها أكثر، وأصبح ينظر لها بأنها امرأة عطوفة حنونة. أما مرام كانت تأكل سارحة في الإنجاز الذي حققته وسيسعد جاسم وسيجلعها دومًا بالمقدمة لديه.

نظر جاسم لمهرة وهي تجلس تتناول عشائها بصمت فسألها بقلق. "سكوتك ده إما مصيبة بتفكري تعمليها أو قلقانة على ورد." وضحك وهو يجدها تمط شفتيها بتذمر. "أنا بعمل مصايب يا جاسم." فابتسم بحب. "مالك يا مهرة." فتنهدت بشوق لشقيقتها. "ورد مش هتيجي خطوبة أكرم، وحشتني أوي." فتناول كفها بحنو ونظر لعينيها الدامعة.

"أكيد يا حبيبتي، كنان مشغول، وكمان دي خطوبة يعني مش مستاهلة، أوعدك قريب آخدك تركيا بس لما أخلص من المشروع الحالي اللي أنا فيه." فاتسعت ابتسامتها وقفزت من فوق مقعدها تعانقه وتقبله. "بجد يا جاسم، قول بجد." فصدح صوت ضحكاته. "بجد يا قلب جاسم." فخجلت من عبارته وتمتمت برقة. "انت طلعت طيب وجميل أوي."

فضحك على تلقائيتها التي أصبحت تتحدث بها معه دون قيود، مهرة كان ينقصها أن تشعر بالحب والاهتمام الحقيقي وأنها ذات قيمة لدى أحد ثم تعطيه كل شيء داخلها، وها هو بدأ يحصد ما زرعه معها، فقد كان مزارعًا ماهرًا. وعبس بوجهه قليلًا. "يعني أنا مكنتش جميل وطيب." فابتعدت عنه وطالعته بمشاغبة. "عايز الحقيقة ولا بنت عمها." فضحك باستمتاع. "لاء بنت عمها." فطالعته بمكر اكتسبته منه. "كنت شرير."

ثم فرت بعدها هاربة منه، لينهض من فوق مقعده راكضًا خلفها. "مهرة استني عندك، أنا شرير." وصعد الدرج خلفها، لتقف فوزية تطالعهم بمعتبة. "ياسلام يا ولاد، ييجي المنيل على عينه جوزي يشوف." وأنتفضت فوزية على صوت هدى وهتفت بتساؤل. "بس هو بيجري وراها ليه." ورفعت إحدى حاجبيها. "عيب يا فوزية." وصدح صوت هدى اليائس منها، لتركض لها فوزية حانقة.

جلست ورد على الفراش بحزن، إلى أن انفتح الباب ودخل كنان الغرفة بإرهاق من كثرة العمل وتفكيره في ربط ما وصل به المحقق، فوالدة عائشة من نفس الضيعة التي كان بها أحدى مزارع والده وتم بيعها قديمًا. ووقعت عيناه على ورد الجالسة. "ما زلتي حزينة يا ورد، حبيبتي سأبعث لأكرم هدية بمناسبة خطبته لا تقلقي." فرفعت عيناها نحوه. "أنا لست حزينة على هذا الأمر يا كنان، أنا حزينة لأنك ستسافر شهر وستتركني بمفردي."

وبكت بحرقة، سيتركها مع والدته التي لا تحبها وتتفنن في إذلالها، سيسافر بنفس الليلة التي ستكون بها خطبة شقيقها. فشعر بالألم لما وصلت به حياتهم، ولكن كل شيء سيعود عندما يعود من سفرته ويريح عقله قليلًا ويفهم ما تريده نفسه، فهو أصبح يشعر كأنه مريض نفسي. وتعالت صوت شهقاتها، ليسرع في ضمها. "لا تبكي يا ورد، حبيبتي ارفعي عيناكِ لي." فرفعت عيناها المخبئة بين كفيها، فأبتسم لها. "حتى وأنتي باكية ملاك يا ورد."

فخجلت من مغازلته التي تشعرها بأنه ما زال يحبها. وأخذ يمسح دموعها بشفتيه، لتسقط حصونها بين دفء قبلاته. وقفت مهرة تطالع شقيقها وسعادته بخطبته للفتاة التي اختارها قلبه، وسهير تسير بالشبكة الفخمة التي جلبتها أمام المدعوين حتى أتت نحوها. "محدش يقدر ياخد ابني مني يا بنت زينب." وعندما لمحت جاسم قادم نحو مهرة ابتسمت بخبث. "منور يا جاسم بيه."

فبارك لها جاسم واحتوى خصر مهرة مبتسمًا بعدما رحلت سهير ممتعضة، وإلى الآن لا تصدق كيف أوقعت ابنة زينب رجلًا مثل هذا. "مالك يا حبيبتي مكشرة كده." فخبأت سبب عبوسها عنه وابتسمت. "أنا مبسوطة بس حاسة إن معدتي وجعاني." شعر بالقلق عليها ولكن طمأنته. "أنا بخير متقلقش." وسقطت عيناها على والدها الجالس بجانب والد ضحى ولم يفكر للحظة أن يرحب بها، وكأنها ليست ابنته، تشعر باليتم رغم أنه على قيد الحياة.

وسمعت صوت خلفها فألتفت هي وجاسم نحو كرم، الذي فور أن رآه جاسم لم يرتاح له، فهو ما زال يتذكر فعلته، ولكن مهرة ابتسمت له بلطف، ففي الآونة الأخيرة أصبح يهاتفها ويطمئن عليها بعد أن أخذ رقمها من أكرم. "إزيك يا كرم." وتفاجأت من رد فعل كرم الذي احتضنها تحت نظرات جاسم وسهير التي كانت تشعر بالغل داخلها، أما أكرم ابتسم بسعادة. تركها في صالة المطار، ليحادث المحقق بعد أن بعث له برسالة بضرورة مهاتفته.

كانت عائشة سعيدة بأنها ستسافر معه ذلك الشهر، وهنا ستحاوطه بشدة وتنفذ ما رغبت به عندما عملت لديه، وها هي الفرصة أتت بعيدًا عن زوجته. ستجعل شقيقها يحبها حب رجل لامرأة، ثم. وارتسمت السخرية على شفتيها وهي تتخيل هذا اليوم. ولمحت كنان عائد نحوه ووجهه يطالعها بنظرة غامضة لم تفهمها. حضرت له حقيبة سفره بتعب وهي تتذمر على سفرته تلك. "يا مهرة يا حبيبتي هما يومين بس." وجذبها نحوه يمسح على وجهها الشاحب.

"أنتي مش عاجباني من امبارح، فيكي إيه." فدفنت وجهها بصدره. "هو ضروري تسافر الإمارات." فتنهد وهو يربت على ظهرها. "لازم يا حبيبتي." ووجدها فجأة تدفعه وتركض نحو المرحاض تتقيأ. فخطى خلفها بقلق. "لاء قومي البسي أوديكي للدكتور قبل ما أسافر وأطمن عليكي." ورن هاتفه في تلك اللحظة، ليتحدث مع شريكه في الإمارات وضرورة قدومه. فوجدت نفسها تمسد ذراعه بعد أن أغلق الهاتف وزفر أنفاسه بضيق. "سافر ومتقلقش عليا."

ليضمها إليه بحب يخبرها بشوقه له وأنه لولا ضرورة ذهابه ما كان تركها وهي هكذا. نظرت إلى نتيجة التحاليل بسعادة، وخرجت من المشفى وهي تعلم أنه سيأتي اليوم من رحلة عمله الذي غاب فيه أربعة أيام. ورن هاتفها لتجد رقم مني، فتعجبت وكأن مني شعرت بشوقها، فأخبرتها أنه أتى الشركة أولًا لمطالعة بعض الأوراق. فقررت أن لا تنتظر قدومه للبيت وستذهب له الشركة. ووصلت للشركة أخيرًا بعد أن كانت تعد الدقائق.

لم تكن مني موجودة بمكتبها، فاتجهت نحو مكتبه وفتحت الباب دون أن تطرقه من شدة شوقها له. ضحكاتهم كانت عالية ونرمين تخبره أنها أجمل رحلة عمل ذهبت إليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...