الفصل 23 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
27
كلمة
2,338
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

وقف جواد يأخذ أنفاسه بصعوبة وهو ينظر إلى كنان. -ورد تبكي. وتابع بأعين خائفة: -أنا فريدة جعلتها تبكي. لينحني كنان نحو جواد بحب يضمه إليه. -أين ورد يا جواد؟ فأشار له الصغير نحو الأعلى. ليصعد كنان الدرج بخطوات مهرولة، وفتح غرفتهما فوجدها تدفن وجهها في الوسادة. وأقترب منها يسألها: -ما بكِ يا ورد؟ فانتبهت لقدومه ورفعت عيناها نحوه بألم، وأخذت تطالعه بصمت. صمت أصبح دائمًا منها. ليهتف بغضب:

-أجيبيني يا ورد، لأنني لن أتركك اليوم قبل أن أعرف سبب هجرك لي. حدقت به بألم وحيرة. ماذا ستقول له؟ هل ستقول إن والدته هي السبب أم تصمت؟ وعندما لم يجد إجابة، تجمدت عيناه نحوها. -جهزي أغراضك، سنذهب إلى مصر. وتركها دون كلمة. لتتجمد حركة يداها وهي تهتف بأنفاس ضائعة: -كنان. طيلة رحلة سفرهم لا يتحدث معها. دموعها تنساب دون توقف، تظن أنه سيعود بها لوطنها ثم سيطلقها. فبالتأكيد قد انطفأت رغبته بها عندما لم يجد منها نفعًا.

أفكار وخيالات تقتحم عقلها. وكلما قررت أن تتجاهله، تجد ملامحه باردة فتعلم أن كل شيء قد انتهى سريعًا. كان داخله يضحك على فهمها الخاطئ لأمر ذهابها إلى مصر. وكل لحظة وأخرى يختلس إليها النظرات ويشعر أنه يريد أن يخبرها سبب ذهابهم. كانت جالسة تحدق بالحائط وعقلها يدور في زواجها من جاسم. أحكم القيد عليها من كل اتجاه. جعل الجميع ينتظر زيجتها. زوجة أبيها لا تصدق كيف شخص كجاسم يتزوجها. وأهل حيها.

الكل ينظر إليها أنها لا تليق بزوج كهذا. ونهضت بفتور بعد أن سمعت طرقات على الباب. فظهر لها أكرم: -ساعة عشان تفتحي. فالتفت بجسدها عائدة إلى جلستها. -أعمل لك مفتاح يا أكرم وريحني. فضحك أكرم وهو ينظر خلفه بمكر. -شوفتي أختك يا ورد؟ فتمتمت دون تصديق وهي تلتف بجسدها نحوهم. -ورد. لتركض ورد إليها بسعادة وتحتضنها بقوة. لحظات مرت وهم في أحضان بعضهم. ليقترب منهم أكرم يحيطهم بذراعيه. -والله هعيط يا جماعة.

فوكزه أكرم بخفة بعد أن ابتعدت عن ورد ومسحت دموعها. لتحدق بشقيقتها وملابسها. فورد أصبحت جميلة جدًا، جمالها ظاهر من لمعة عينيها. كما أنها ترتدي ثيابًا فاخرة محتشمة وكأنها مصممة خصيصًا لشقيقتها. -وحشتيني يا مهرة. وعادوا ليحتضنوا بعضهم مرة أخرى. ليهتف أكرم وهو يتجه صوب الباب. -هنزل أجيب الشنط من تحت لحد ما تخلصوا عياط وأحضان. وألقى عليهم نظرة أخيرة فهم حتى لم ينتبهوا لحديثه.

نظر مراد للرقية بصمت وهي تخبره عن سعادتها بزوج مهرة من جاسم. -مهرة دي جميلة تستاهل كل حاجة حلوة. لم تنس رقية معروف مهرة معها عندما أتاحت لها فرصة التصوير في الحملة الخاصة بجاسم الشرقاوي والتي جعلت لها اسمًا مميزًا. كان مراد يسمعها وهو يتساءل داخله لما لم يحزن عندما علم بخبر الزواج المرتقب والذي كان مفاجئًا للجميع وقد أدهشهم. فالكل يتساءل كيف جاسم الشرقاوي يربط اسمه بفتاة بسيطة تعمل لديه وقد ترك خطيبته الحسناء.

وأبتسم وهو يجد رقيه تقفز من جلستها. -أنا شامة في ريحة أكل محروق. فاتسعت عين مراد وهو يتذكر زوج خالته السيد مسعود الذي قرر أن يفاجئهم بأكلة جديدة من صنع يديه. وضحك وهو يطالع رقيه وهي تركض لوالده. فذهب خلفها ونظر لهم. -أنا بقول أعزمك على الأكل بره. أنهى اتصاله مع صديقه والذي يعد شقيق رفيف. ريان صديقه كان متفهمًا للأمر ولكنه أراد توضيحًا لكل ما يحدث. ولكن عندما اتضحت له الصورة صمت وتمنى له السعادة بحياته الجديدة.

وفاق من شروده على صوت هدي وهي تخبره بابتسامة هادئة. -جاسم بيه في ضيف مستنيك بره اسمه كنان كمال الدين. ليتخطاها جاسم بصمت. فقد تفاجأ بمجيء كنان إليه. كان كنان يقف يتأمل المنزل إلى أن سمع صوت جاسم المرحب. -أهلاً كنان. فأبتسم كنان وهو يمد يده يصافحه. -منزلك رائع يا جاسم. فأبتسم جاسم على مجاملته. -مجاملة لطيفة منك. اتفضل. وأشار إليها بأن يجلس ثم تساءل. -تحب تشرب إيه؟ فتمتم كنان بهدوء.

-لا شيء يا جاسم. أريد أن أتحدث معك بخصوص مهرة. فحدق به جاسم بصمت وانتظر أن يستمع إليه. -مهرة أصبحت كشقيقة لي يا جاسم. فأبتسم جاسم بهدوء وهو سعيد من توصية كنان ووقوفه مع مهرة. الكل خائف عليها منه. أكرم وكنان وأيضًا مراد. وكأنهم يظنون أنه سيعاملها بسوء أو أنها مجرد نزوة في حياته.

ضحكت ورد وهي تجيب على كل سؤال تسألها مهرة فيه عن حياتها وكيف يعاملها كنان. حكت لها كل شيء يفعله من أجلها. حتى أنه عندما علم بخبر الزواج جاء بها لها وقد ظلمته وهي تظن أنه سيتركها. وألتمعت عيناها بحب. فكل يوم تزداد عشقًا له. -مهرة أنتِ عمالة تسأليني عن نفسي. وغمزت لها بعينيها. -ولحد دلوقتي مش راضية تقوليلي جاسم عرض عليكي الجواز إزاي؟ وتابعت بحالمية. -قوليلي امتى اعترفتوا لبعض بمشاعركم؟

فنظرت لها مهرة بارتباك وأشاحت بوجهها بعيدًا عنها. -ورد روحي اتصلي بجوزك اطمني عليه. فضحكت ورد على أفعال شقيقتها وهي تظن أنها تخجل من الاعتراف ولا تعلم أن لا يوجد شيء تخبرها به. زواج أتى من لعبة كبرياء. وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهتفت داخلها. -بلاش تعرفي حاجة يا ورد. لتجد ورد أمامها تحدق بتفاصيل وجهها وتصفق بسعادة. -أكيد افتكرتي جاسم ووحشك صح؟ فتجمدت ملامحها عندما تذكرت اسمه. ونظرت إلى شقيقتها.

-اتصلي بجوزك خليه يجي ياخدك. لتتعالى ضحكات ورد. -بتتكسفي يا مهرة؟ ولم ينجد ورد إلا مجيء كنان واندفاع ورد لأحضانه. لتلمع عين مهرة بسعادة وهي تتمنى أن تحظى بيوم بمثل ذلك. لتأتي صورة جاسم فتنفض رأسها سريعًا من تلك الأفكار. اقترب موعد الزفاف ولم يتبقى عليه سوى يومين. طيلة الأيام السابقة أغلقت هاتفها حتى لا يحادثها جاسم أو أحد. وكانت اتصالات جاسم تأتيها عن طريق ورد أو مرام التي أتت هي وكريم لحضور حفل الزفاف.

كانت تستمع لورد ومرام وهي تلوي شفتيها بتهكم وهم يحضرون لها حقيبة ملابسها ويضعون لها ملابس هي لن ترتديها من الأساس. فقد أخبرته يوم أن وافقت على عرضه لن يحدث بينهم شيء. وضحكت وهي تستمع لثرثرة مرام مع ورد تسألها. -هو كنان زي أي زوج مصري يا ورد ولا كل الرجالة شبه بعض؟ لتسمع مهرة تنهيدة شقيقتها. -كنان هو في زيه. لتتنهد مرام هي الأخرى بحالمية. لتقترب مهرة منهم باستياء. -ما شاء الله عليكم. فين الكسوف والخجل؟

لتضحك مرام وهي تنظر لمهرة. -بكرة اللي زينا كده. ونظرت لورد لتغمز لها ثم انفجروا ضاحكين وهم يرون مهرة تتجه نحو الباب ترتدي حذائها. -أنا هنزل أقعد في المحل. وأشارت نحو مرام. -ياريت تبطلوا رغي. واطلعي لجوزك فوق. ونظرت لورد التي تقف تضحك. -وانتي روحي اتصلي بكنان اطمني عليه. لتغلق الباب بقوة بعد أن غادرت. فتنظر كل منهما للأخرى وعادوا يضحكون على أفعالها.

لم يتبق إلا ليلة واحدة على زواجها الذي لم تعد له شيء. مرام و ورد ومعهم رقيه هم ما يفعلون كل ما يخصها. وألتفتت لغرفتها بعد أن رأت مرام و ورد جالسين يحملون التوأم ويداعبوهم. وأتسعت عيناها وهي تجد غرفتها بها العديد من العلب. عندما ذهبت صباحًا لمقبرة والدتها لم يكن يوجد بها شيء. لتفتح علبة وراء علبة وتحمل ما بداخلها بيديها. فستان زفاف رائع التصميم. حذاء ذو كعب عالي. وشبكتها التي تلمع بفصوصها.

فقبضت على يديها بغضب. فهي أخبرته لا تريد زفاف ولا تريد فستان عرس. وخرجت من الغرفة لتنظر للورد ومرام. -إيه اللي جوه ده؟ ليطالعوها بفرحة. -جاسم هو اللي بعت. ومرضناش نفتح حاجة غير لما تيجي. ونهضوا بحماس. -عايزين نتفرج. وسمعت طرقات على الباب لتركض ورد نحو الطارق. لتجد رقية التي اندفعت للداخل بحماس وقد اكتمل الثلاثي خاصتها. وتركتهم مندفعة لغرفتها مرة أخرى وتحركوا خلفها. لتغلق بوجههم الباب. فوقفوا يطالعون الباب بصدمة.

ألتمعت عين جاسم وهو يرى رقمها يظهر على شاشة هاتفه. كان يعلم أنها اليوم ستهاتفه. فأغلق الملف الذي كان يطالعه مع شقيقه. -نكمل مناقشة فيه بالليل يا كريم. فطالعه كريم مبتسمًا وهو يراه ينظر لهاتفه بلهفة. وانصرف كريم بصمت. وانتهى الرنين ليتصل بها. وفور أن دق عليها صدح صوتها عالياً فجعلته يبعد الهاتف عن أذنيه. -أنا قولت مش عايزة فرح ولا فستان ولا عايزة منك حاجة. فأبتسم جاسم زافراً أنفاسه. -أهلاً يا مهرة. لتنظر للهاتف بغيظ.

-تعالي خد حاجتك. أنا مش عايزة منك حاجة. فضحك بسخرية. -مش بمزاجك يا مهرة. لتهتف بحنق. -إحنا هنضحك على نفسنا ونعمل فرح ونبان مبسوطين. ليأتيها صوته الحانق. -أيوه يا مهرة هنعمل مبسوطين. ومتنسيش مكانتي في البلد. وكادت أن ترد عليه. لتنظر للهاتف بصدمة فقد أنهى المكالمة. جاء يوم الزفاف وقد تم عقد القران. أكرم هو كان وكيلها بعد أن سمح له والدها بذلك.

لمعت عين ورد بدموع الفرح وهي ترى شقيقتها كيف تكون. كانت مهرة جميلة بجمال فطري نقي. فأحتضنتها ورد بسعادة. -مش مصدقة أنك لبستي الحجاب يا مهرة. أنا فرحانة أوي. لتضمها مهرة إليها بحب. -متعنيطيش يا ورد لأحسن أنا بقيت دمعتي قريبة. فضحكت مرام وهي تحمل أحد أطفالها. -باركي لمرات عمك يا شهد. فمدت الصغيرة يدها بشقاوة لمهرة التي أخذت أصابعها الصغيرة تقبلها. لتقترب مرام من مهرة تعانقها بسعادة. -قدرنا كان واحد يا مهرة.

فشردت مهرة في بداية معرفتها بجاسم وكأن القدر كان يأخذها لمصيرها. لينفتح الباب فتقدم رقية منهم تخبرهم بانتظار جاسم لها. تنفست بعمق وهي تتقدم لتخرج من الغرفة التي وضعت بها زينتها وارتدت فستانها. لتركض رقية لها قبل أن تخرج تعطيها باقة الأزهار هامسة. -ترميها ليا ماشي. وقرصتها بخفة لتضحك كل من ورد ومرام. أما مهرة فتأوهت. بخفة. دفعتها رقية للخارج لتجد نفسها بين ذراعي جاسم الذي اتسعت عيناه وهو يطالعها.

التقَت عيناهما فنسي معها كل شيء. نسي ضيقه منها ومن جرح كرامته حين اتخذته لعبة. نسي المبدأ الذي كان يريد أن يسلكه بأن يتزوج بقوانين رجال المال حينما يجدون الزيجة الرابحة. نسي اللحظة التي انجذب فيها لرفيف ونسي رفيف وخيانتها له. نسي ونسي وهو خارق في عينيها، كيف تطالعه. لم يكن شعوره وحده، بل هي أيضاً. كأن تلك اللحظة كان لها سحر خاص. تمنى قليلاً بجسده، طبع بقبلة رقيقة على جبينها. فارتعش جسدها، فشعر هو برعشتها.

فهمس بجانب أذنها ببطء: -طالعة قمر يامهرة بالحجاب. فألتمعت عيناها وهي تبتعد عنه، ثم وضعت بيدها على رأسها. وجاء يلتقط يدها، فخطت للخلف قليلاً. كانت تطالعه بنظرة ضياع. تريد أن تهرب، ولكن الأمر قد انقضى وأصبحت زوجته. اللعبة الحمقاء تحولت لحقيقة. وسمعت همسات خلفها، كانت من كلا من ورد ومرام ورقية. فارتبكت لتجده يقترب وانحنى نحوها هامساً: -هاتي إيدك يامهرة. فانصاعت له بصمت، فلا وقت للجدال. ونظرات شقيقتها تخترقها.

فورد اليوم سألتها عن سبب بعدها هي وجاسم، وكأنهم لا يطيقون بعضهم. *** كان حفل زفاف رائع في أفخم الفنادق. كانت سهير تطالع كل شيء بحسرة. فبنات ضرتها تزوجوا من رجال يحلم بهم الكثير. ونظرت إلى زوجها، فوجدت يحدق ببناته بألم وحسرة لبعده عنهم. عزيز زوجها الخنوع لأوامرها ومطالبها. وشردت في زمن بعيد، عندما عرفتها إحدى صديقاتها على امرأة تعرف بالسحر والأعمال. جعلته لها وحدها، ينصاع لها بكل صغيرة وكبيرة.

فأرضت نفسها وأضاعت دينها. وها هم ابنتي الزوجة التي زوجتها لزوجها، ثم جعلته يطلقها ويرميها. وأصبح لا يرى أحد سواها هي وأولادها. حصد ما بدأ يجني، وكان الحصاد نحو من ظلمتهم الحياة بأب معمي. *** همس كنان لورد ببعض الكلمات التي أخجلتها. فارتبكت وأبتعدت عنه بخجل، ليضحك هو ويندمج مع أحد الضيوف. لتذهب نحو رقية، التي تنظر لباب القاعة من حين لآخر تنتظر مراد. -لسا مجاش؟ فتمتمت رقية بألم: -لسا. فربتت على ذراعها بدفء.

ثم اتسعت ابتسامة ورد وهي تشير لها بعد أن طأطأت رقية رأسها أرضاً: -ارفعي راسك وبصي كده. لتلمع عين رقية بسعادة وتتجه نحوه. *** كانت ترقص هي وكريم بحب. لينحني كريم نحوها هامساً: -فكرة فرحني. فأبتعدت عنه مرام بوجه حانق. ليبتسم وهو يضمها أكثر إليها: -ياريت ننسى الماضي يامرام. لتنظر مرام له، ثم وقعت عيناها على طفليها اللذان يحملهما كل من والدها ووالدتها. ومالت برأسها على صدره: -ساعدني ياكريم.

وتشبثت به بقوة، ليمسح هو على ظهرها بحنان مقبلاً رأسها بحب. *** جذب كنان يد ورد لأحد الغرف بالفندق الذي أقيم فيه حفل زفاف جاسم ومهرة. لتضحك ورد على فعلته، فبعد أن ودعوا مهرة واتجهوا معها لفيلة جاسم، لم يتمهل وعاد بها للفندق. -لقد صبرت كثيراً ورد. ويبدو أن هواء مصر يفيدك. فأرتبكت وهي تفهم مقصده. -ورد حبيبتي. فلمعت عين ورد بسعادة واقتربت منه تحاوط عنقه: -حقاً أن حبيبتك كنان. فمال كنان نحو إحدى وجنتيها ليطبع بقبلة عليها:

-هل تشكي بحبي ورد؟ وطبع بقبلة أخرى على وجنتها الأخرى. لتتورد وجنتيها بخجل. -تمهل كنان. أريد أن أطمئن على مهرة. فأبتعد عنها كنان قليلاً: -مهرة والآن؟ وحملها بخفة وهو يتجه نحو الفراش: -غداً حبيبتي. مهرة لديها الآن أمور خاصة. ليصدح رنين هاتفه. -كنان هاتفك. فوضعها كنان على الفراش ومال نحوها متمتماً: -اتركيه ورد. فدفعته عنها قليلاً: -لابد أن نصلي أولاً كنان. وقبلته بخفة على وجنته الملتحية:

-يوجد أشياء كثيرة أريد أن أعلمها لك. فأبتسم وهو يحدق بخطواتها نحو المرحاض: -أجيب على الهاتف من الممكن أن يكون جواد. ثم تعال لتتوضأ أنت الآخر. فأسرع كنان يلتقط هاتفه كي يرى المتصل. لم يشك بأنه جواد، فقد هاتف جواد منذ ساعتين يطمئن عليه. ويسأله عن أحواله مع أولاد عمه الذي عاد لتركيا كي يستقر بها بعد سنين قضاها بأمريكا. وكان المتصل مدير أعماله يخبره بضرورة الحضور لأمر هام. فهتف بعلو صوته وهو يمسح على وجهه: -ورد.

فخرجت ورد إليه وهي تمسح وجهها بالمنشفة: -سنرحل ورد. ثم تابع بقهر: -يبدو أننا سنظل كالأخوة لمدى الحياة. *** حملت فستانها بإرهاق وهي تستمع لكل ما يدور خلفها. رفيف لم تكن تصدق أن جاسم سيتزوج حقاً. كل تلك المدة كانت تظن أنه عقاب. تترجى جاسم أن يعود لها، أن يغفر لها خيانتها، أن يعطيها فرصة لأجلهما، وأن يتركها ويطلقها. فمن هي هذه لتكون بديلاً لها ويتزوجها. خطوة وراء خطوة تشاهد شريط حياتها يمر أمام عينيها.

جملة حسين مازالت صدى في عقلها، وهو يخبرها أن كلمة أحبك لم تكن إلا تعبيراً أخوياً ليس أكثر. ووصلت إلى غرفته التي دخلتها من قبل. ونظرت لأثاثها الجديد. أثاث عروس، يالها من سخرية. وأوصدت الباب خلفها بإحكام وأغلقت عليه بمفتاحه. وقفت تتأمل هيئتها بالمرآة وأبتسمت وهي تنظر لحجابها. فقد تحجبت أخيراً وأكملت باقي فروضها. تحجبت في الليلة التي يرغب البعض فيها بالعري، وهم يقنعون أنفسهم أنها ليلة العمر. الكل تفاجأ، حتى جاسم.

وسريعاً زالت زينتها وفستانها، فالنعاس ينتبها. وارتدت إحدى مناماتها القديمة وذهبت نحو الفراش الواسع. وأبتسمت وهي ترمي نفسها عليه ووضعت مفتاح الغرفة أسفل الوسادة: -شوف بقي هتنام فين ياسيد جاسم. وكادت أن تغفو على الشرشف ذو الملمس الحريري. فسمعت طرقات ومقبض الباب يتحرك وصوت جاسم يعلو بضيق: -مهرة افتحي الباب. فأبتسمت بخبث وهي ترفع رأسها من على الوسادة: -بلاش إزعاج لو سمحت. وتابعت وهي تحدق بمقبض الباب:

-أنا اخترت الأوضة دي وعجبتني. ورفعت حاجبيها وهي تسمع لسبابه: -بصراحة هي كانت عجباني من زمان. فنظر للباب المغلق بحنق: -كنت متوقع تعملي كده. وشهقت وهي تجده قد فتح الباب. فأنتفضت من نومتها فزعاً: -انت دخلت هنا ازاي؟ وحدقت بالمفتاح الذي يحركه أمامها بيده: -بقي أنا تعملي معايا كده؟ وألتمعت عيناه بخبث وهو يميل نحوها وقد أزال ربطة عنقه وأحل الأزرار العلوية من قميصه، فأصبحت هيئته عابثة: -إحنا اتفقنا إن كل واحد ليه أوضة.

فصدح صوت ضحكاته عالياً: -وأنا مقلتش إني موافق على الاتفاق ده. وسحب خصلة من شعرها يلفها حول إصبعه: -يعني إيه؟ فتمتم وهو يميل نحوها أكثر: -يعني لعب العيال ده مش معايا أنا. وغمز بعينيه بوقاحة: -الليلة ليلتنا ياعروسة. لتنتفض مهرة فزعاً وتحركت للخلف قليلاً وهي تتعجب من أسلوب جاسم ونظراته. وكلما تحركت على الفراش تحرك هو معها. حركة منها وحركة منه وهو يزيل أزرار قميصه: -انت مقرب كده ليه مني.. انت عايز إيه؟

ورفعت إصبعها نحوه تشير له: -أنا بحذرك إنك تلمسني. فأبتسم جاسم بخبث: -ولو مبعدتش يامهرة هتعملي إيه؟ فحدقت به وهي تلتقط أنفاسها وقد اقتربت من حافة الفراش: -هصوت وألم عليك الناس. اد يتمالك صوت ضحكاته. وألتقط لياقة منامتها ليقربها منه حتى أصبحت المسافة بين شفتيهما تكاد تنعدم: -صوتي يامهرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...