تضاحك الأطفال ويمرحون في الفناء، وآخرون يلعبون ويتدافعون بسعادة في يوم تقليدي معتاد بمدرستهم الابتدائية. جلس المعلمون بغرفهم كوقت مستقطع لراحتهم وسط هذا اليوم الدراسي. توسطت غرفة المعلمين منضدة خشبية طويلة، وعليها العديد من الدفاتر والأقلام، بعضها موضوع بترتيب وأخرى موضوعة بعشوائية. أقبلت إحداهن وهي تضع بعض الدفاتر على المنضدة بإرهاق. سعاد: أوووف، توب علينا بقى يا رب من الشغلانة دي. الواحد قرف.
لترد الأخرى بنفس الملل. نهلة: بهدلة وقرف، ومقالناش إسبوعين في الدراسة. سعاد بسخرية ناظرة نحو إحدى المقاعد الشاغرة: أُمال فين الأُختين الحلوين؟ النهاردة مجوش ولا إيه؟ زمّت نهلة فمها بإستياء قبل أن تجيبها. نهلة: جم يا أختي، واحدة فيهم كانت قاعدة ولسه قايمة أهي، ومش عارفة التانية فين من الصبح. قَلَبَت سعاد ملامحها بنفور وهي تَدفع بكَفِها في الهواء ضجراً. سعاد: يا أختي، خليهم بعيد عننا. أنا ساعة ما بشوفهم بيركبني العصب.
نهلة: أنتِ بتقولي فيها، خصوصاً إللي اسمها هيام دي. مش طايقاها من ساعة ما رفضت محمود أخويا. سعاد: والله هي الخسرانة، هي حـتلاقي زيه فين. بكرة تقعد من غير جواز وحـ تشوفى. دي بترفض كل العرسان إللي بيتقدموا لها. بضحكة قصيرة مستهزئة عَقبّت نهلة بذات الإشمئزاز البادي بملامحها الممتعضة. نهلة: قال يعني... !!!! ما هي شايفة نفسها حبتين، بس على مين؟ أنا حافظة الأشكال دي.
لكزتها سعاد وهي تشير بعينيها نحو باب الغرفة بنبرة خفيضة لتنبيه رفيقتها، وهي تُبدل ملامحها الممتعضة لابتسامة واسعة. سعاد: طب بس بس، أحسن نورا صاحبتها جت أهي. أقبلت نحوهم فتاة بيضاء متوسطة الطول تميل للقصر، ذات وجه بشوش مستدير وشعر بني يتعدى كتفيها بقليل، لها طابع اجتماعي مرح وودود للغاية، حتى أن ابتسامتها لا تغيب عن وجهها إطلاقًا.
دلفت إلى داخل غرفة المعلمات يشق وجهها ابتسامتها المعهودة، لتنظر نحو إحدى المقاعد الشاغرة بتساؤل، قبل أن تعيد نظرها نحو سعاد ونهلة بانتظار الإجابة عن تساؤلها. نورا: إيه دة؟ مش معقول، هي هيام لسه مجتش لحد دلوقتِ؟ بود مصطنع ونبرة حنونة للغاية أجابتها سعاد. سعاد: تلاقيها إتأخرت مع الأولاد في الحصة كالعادة. وضعت نورا بعض الدفاتر عن يدها لتستدير بخطوات متعجلة، لكنها مازالت تُجري حوارها معهم أثناء خروجها.
نورا: طيب حـ أروح أشوفها، إتأخرت ليه؟ متعرفوش كان عندها حصة في فصل إيه؟ سعاد: باين في آخر فصل. نورا: شكراً يا أبلة سعاد، حـ أروح أشوفها. تحركت نورا بخطواتها المتعجلة، فتلك طريقة سيرها المميزة، خفيفة، متعجلة، مبتسمة، اجتماعية للغاية. اتجهت للبحث عن صديقتها هيام بآخر الرواق أثناء تواجدها بالصف.
همت نهلة بعد أن تأكدت من ابتعاد نورا بالسخرية من هيام كما تعتاد، فهذه طبيعتها أن تتحدث عن الآخرين، فإما على سبيل قضاء الوقت أو كرهًا لها. نهلة بسخرية: بِتدي الحصه بذمة أوي، دة إنجليزي في الآخر، أُمال لو بتدي حاجة صعبة شوية؟!!!! مصمصت سعاد شفتيها وهي تجاريها بنفس نميمتها. سعاد: مش عارفة عامله في نفسها ليه كده، دي مدرسة حكومة في الآخر يعني. نهلة: على رأيك. بس تقوللي إيه، عايزة تِعمل نفسها مهمة.
وصلت نورا لنهاية الرواق لتجد صديقتها هيام مازالت تجلس بداخل الصف، لم يبقى سواها، تجلس إلى جوار فتاة صغيرة من تلميذاتها لتعيد إيضاح بعض النقاط التي لم تفهمها جيدًا خلال شرحها للدرس. عقدت نورا ذراعيها وهي تتجهم بصورة مضحكة، تحاول إصطناع الجدية التي لا تليق بشخصيتها البشوشة. نورا: إنتِ فين يا هيام؟ الفسحة قربت تخلص.
التفت تلك الفتاة القمحية الفاتنة لتتجلى ملامحها الآخاذة التي تسترق العيون لحظة رؤيتها، تتمتع بأنوثة طاغية، طويلة ذات عيون سوداء براقة، ذات شخصية قوية يحبها الجميع لأخلاقها العالية، تتمتع ببحة صوت شجية وهدوء ورزانة بالحديث تجذب السامعين لها بدون توقف. باعتذار عن تأخرها أجابت هيام. هيام: معلش يا نورا، كنت بشرح الدرس ده تاني لرؤى، مكنتش فاهماه. نورا: طيب يا ستي. وأديكِ ضيعتي الفسحة كلها.
حلت نورا عقدة يديها مؤكدة على هيام. نورا: المهم، متنسيش حـتيجي معايا النهاردة زي ما إتفقنا. هيام: والله يا نورا حـآجي معاكِ. إنتِ بتفكريني كل خمس دقايق؟ إنتِ قلتلي النهاردة ولا خمسين ستين مرة. اتسعت ابتسامة نورا لتردف مازحة. نورا: مش مهم، خليهم واحد وستين. حـأستناكي في المروح نمشي سوا. هيام: حاضر. هو أنا ليا غيرك يا دوشة دماغي إنتِ. نورا بحب: حبيبتي.
أرسلت لها نورا قُبلة بالهواء منصرفة عنها بعدما سمعت صوت الجرس معلناً بداية الحصة، لتتوجه هي الأخرى للصف لتبدأ عملها. علت أصوات الضجيج بسماع صوت جرس انتهاء الحصة الأخيرة وانتهاء اليوم الدراسي. تحرك التلاميذ في اندفاع وسرور إلى خارج أسوار المدرسة منصرفين إلى بيوتهم. حملت نورا حقيبتها لمقابلة هيام، التي لم تنتبه لها، لتركض بضع خطوات ممسكة بذراع هيام من الخلف، لتنتفض هيام بتوتر من حركتها المفاجئة دون الانتباه لها.
هيام: حرام عليكي يا نورا، مسيرك حـتموتيني بحركاتك دي. ضحكت نورا عالياً مستنكرة فزع هيام. نورا: يا خوافة، اتخضيتِ لما مسكت إيدك؟ أُمال شخصية قوية إيه؟ وحركات عاملاها لنا. بالفعل، لها شخصية قوية مستقلة، لكنها تفزع من تلك الحركات المفاجئة التي لا تنفك نورا عن القيام بها. هيام: لا يا أختي، الشخصية ملهاش علاقة بالخضة. إنتِ بتيجي مرة واحدة زي الحرامية كده بتخضيني. نورا: طب يلا نروح، وبعدين تعدي عليا زي ما إتفقنا، ماشي؟
أجابتها هيام ممازحة. هيام: حاضر يا نورا. أنا مالي بس يا ربّي ومال المجنونة دي. الله يكون في عونه يا شيخة. بخيلاء وطرافة أعدلت نورا كتفيها بكفيها قائلة. نورا: هو حـيلاقى زيي ده؟ أنا عسل. هيام بضحك: إنتِ حـتقوليلى. يلا قدامي. خرجتا من البوابة الرئيسية للمدرسة وسط التلاميذ المحيطة بهما، متوجهتين نحو إحدى محطات انتظار الحافلات وسط الزحام الشديد بمنتصف هذا اليوم.
استقلتا إحدى الحافلات للعودة إلى منازلهن بعد انتهاء يوم عملهن بالمدرسة. في أحد الأحياء القديمة. اقتربت هيام نحو بيت بسيط من طابقين، الطابق السفلي عبارة عن مخزن قديم متهالك مغلق بقفل كبير، فقد بائت كل محاولات استئجاره بالفشل، فهو يحتاج إلى تنظيف وإعادة ترميم مكلفة للغاية، ليتهرب الجميع من طلب استئجاره منذ سنوات طويلة.
يلصق بهذا المخزن الكبير بوابة حديدية رئيسية لبيتهم المتواضع. خطواتها الرزينة كانت سمة لها دائمًا، والتي صعدت بها هذا السلم القديم لتصل للدور العلوي حيث تسكن مع عائلتها. أخرجت مفتاحها من داخل حقيبتها لتظهر الشقة الواسعة بأثاثها القديم، بداية بصالة متوسطة بها أريكة ومقعدان على أحد الجوانب، ومنضدة خشبية على الجانب الآخر موضوع عليها بعناية جهاز التلفاز.
شقة خالية تمامًا من أي مظهر من مظاهر البذخ أو الثراء، جميع الغرف تطل على هذه الصالة في تصميم قديم لهذا المنزل البالي. ألقت هيام السلام عليهم جميعًا ليرددوا التحية بترحيب بها، حيث جلس الحاج سعيد والد هيام ذو الخمسة وسبعين عامًا، متوسطًا ابنتيه سميرة وهبة، أشقاء هيام الصغريات.
رُزق الحاج سعيد ببناته الثلاث في سن متأخرة للغاية، فقد حُرم لسنوات من هذه النعمة، لكن شاء الله أن يرزقه بهؤلاء الفتيات البارين به وبأمه فاطمة ذات الستين عامًا. تعلق بثغرها بسمة حنونة وهي تتساءل عن حالهم اليوم. هيام: أخباركم إيه النهاردة؟ أم هيام: الحمد لله يا بنتي. أقعدي أحضر لك لقمة تاكليها قبل ما تنزلي. بامتنان لتلك السيدة التي تدرك تمامًا عناء ما تتكبده ابنتها، أومأت هيام وهي تجلس بالمقعد المجاور لوالدها.
هيام: أه والله يا ماما، أحسن أنا كمان حـانزل بدري شوية عشان حـأعدي على نورا. أم هيام: ثواني يا بنتي. هتف صوت أنثوي ذو نبرة مرحة للغاية من خلفها. سميرة: استني يا حاجة. آجي أساعدك بدل العطلة إللي الواحد فيها دي.
تطلعت هيام نحو أختها سميرة، الأخت الوسطى لثلاث فتيات، أكبرهن هي هيام. تتمتع سميرة بوجه ملائكي مستدير، تميل ملامحها لأختها الكبرى هيام، لكنها تميل إلى الطفولة قليلاً. تتمتع بالجرأة وحب للاستكشاف دفعها للدراسة بكلية العلوم، والتي تخرجت منها منذ نحو عام، لكنها لم تجد وظيفة حتى الآن ومازالت تبحث عن عمل مناسب. لكنها تتقبل الأمور دومًا بمزاح وفكاهة، ولا تخلو حياتها من العديد من المقالب والشقاوة.
رسمت هيام ابتسامة خفيفة فوق ثغرها، فهي تعلم ضيق أختها من عدم عملها حتى الآن، لكنها تأخذ الأمور دائمًا بشكل ساخر مازح حتى لا تثقل والديها بما يضايقها. تساءلت هيام عن آخر أخبار بحثها عن عمل. هيام: لسه برضه محدش رد عليكِ؟ رفعت سميرة حاجبيها وأهدلتهما بسرعة وهي تردف بنبرتها المتعجلة بعكس هيام الهادئة. سميرة: لسه. بس هم الخسرانين على فكرة. أومات هيام بتفهم لتنهض من خلفهم حتى لا تتكاسل.
هيام: حـأقوم أنا أصلي الأول قبل ما ناكل. الحاج سعيد: ربنا يراضيكي يا بنتي. صوت أكثر طفولية ردد. هبه: وأنا كمان حـأقوم أساعد ماما وسميرة في المطبخ. نهضت هبه، الابنة الصغرى، والتي تشابه أختيها بشكل ملحوظ. تدرس هبه هذا العام بالصف الثالث الثانوي، وتجتهد للغاية في دراستها لتدرس كما تأمل بكلية الطب لتساعد عائلتها هي الأخرى بدلاً من إلقاء الحمل كله على كتف هيام فقط.
بعيدًا عن القاهرة وما يحدث فيها، وخاصة بإنجلترا، هذه البلدة العريقة التي تتمتع بالرقي والانتظام والجمود في نفس الوقت. وسط أجوائها الباردة ورياحها المتوسطة القوة في هذا الوقت من العام، خاصة بمدينة لندن.
أقبل أحد الشباب ينظر بتفحص حوله بداخل إحدى الشقق السكنية وكأنه يبحث عن أحد ما. كرم شاب ثلاثيني، وسيم الطلعة، عيناه تشع بريقًا مختلطًا بسحر وغموض، شعره الطويل المتناثر الخصلات أعطاه سحر من نوع خاص، ذو ملامح مكسيكية جذابة جدًا. وقف كرم يتفكر للحظات قبل أن يتوجه إلى الشقة المقابلة له مباشرة. ابتسم ابتسامة جانبية عاقدًا ذراعيه أمام صدره قائلاً. كرم: بقى إنتَ هنا وأنا بدور عليك في كل حتة؟
رفع ياسر رأسه النحيل تجاه صديقه مردفًا بإرهاق. ياسر: أعمل إيه بس. بجهز الشقة زي ما إنتَ شايف، الأيام بتجري.
ياسر صديق كرم منذ ما يقرب من عام، يُقيمان معًا بإحدى الشقق بلندن، حيث تعرفا عن طريق الصدفة حين تلاقى ياسر مع كرم تائهًا بأحد شوارع لندن العريقة، فقد كان حديث العهد بهذه المدينة، فقد وصلها للبعثة قبلها بأيام قليلة، واستطاع كرم مساعدته وإرشاده بتلك المدينة الغريبة، ومنذ ذلك الحين تقربا من بعضهما البعض للغاية وازدادت أوتار الصداقة بينهما، خاصة بعدما أقاما سويًا بشقة كرم. هز كرم رأسه بإستحسان وهو يضم شفتيه ثم أردف.
كرم: لا، بس ذوقك اتحسن خالص أهو. خلاص بقى مش محتاج مساعدتي دلوقتي. قالها ليخف عن نفسه ضغط صديقه عليه بمساعدته باختيار أثاث مناسب لتلك الشقة. استقام ياسر بوقفته ليخرج نظارته الطبية ليرتديها مجيبًا صديقه بنهج من دفع تلك القطعة الثقيلة من الأثاث ساخرًا. ياسر: وإنتَ تعرف عني كده؟ أنا قلت أجرب، يمكن كده تنفع ويبقى شكلها عدل. بعتاب أردف كرم من غموض ياسر مع خطيبته.
كرم: مش ناوي تقول لخطيبتك برضو إنك ناوي تجيبها معاك هنا بعد الفرح؟ بقلة حيلة أعاد ياسر إيضاح الأمر لكرم عله يفهم طبيعتها الغريبة. ياسر: هي رافضة خالص موضوع السفر، مرتبطة بأهلها وأصحابها هناك. ما إنتَ متعرفهاش، دي حشرية جدًا. كرم: يا أخي، حسّن ألفاظك، اسمها اجتماعية مش حشرية. ياسر بضحك: بكرة تشوفها وتفهم قصدي. زم كرم شفتيه وهو يدفع ياسر بأصابع يده الطويلة ينحيه جانبًا متهكمًا من ترتيبه الغريب لتلك الغرفة.
كرم: طب وسع كده وإنتَ مبوظ الدنيا، خليني أساعدك نظبط اللخبطة إللي إنتَ عاملها دي. ياسر: أه بالله عليك. ده خلاص مش باقي غير أسبوعين على الفرح. كرم: أهو ناخد فيكم ثواب. أنا عارف، بس خليتك تسكن في وشي ليه؟ قالها كرم ممازحًا صديقه، فيما أردف الأخير بمزاح مماثل. ياسر: من حبك فيا. كرم: لا وإنتَ الصادق، من بختي المنيل. اخلص وشيل معايا. ياسر: حاضر يا بيه.
رغم بساطة ياسر وهدوء طبعه، إلا أنه لا يتمتع بحس فني على الإطلاق، فدائمًا تكون اختياراته بذوق سيء جدًا. ولأن كرم أظهر تمتعه بذوق راقٍ في اختيار الأثاث وتناسق الألوان، أخذ يساعد ياسر في شراء الأثاث المناسب لتأثيث هذه الشقة بما يناسب ألوانها.
حيث استأجر صديقه ياسر هذه الشقة حديثًا للإقامة بها حينما تحين عودته مرة أخرى مع زوجته بعد زفافهم. فقد جهز ياسر جميع الأوراق لمرافقة زوجته له في البعثة بعد عقد قرانهما مباشرة منذ فترة طويلة دون إخبارها، فهي ترفض تمامًا فكرة السفر من الأساس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!