تحميل رواية لحظات منسيه بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تضاحك الأطفال ويمرحون في الفناء، وآخرون يلعبون ويتدافعون بسعادة في يوم تقليدي معتاد بمدرستهم الابتدائية. جلس المعلمون بغرفهم كوقت مستقطع لراحتهم وسط هذا اليوم الدراسي. توسطت غرفة المعلمين منضدة خشبية طويلة، وعليها العديد من الدفاتر والأقلام، بعضها موضوع بترتيب وأخرى موضوعة بعشوائية. أقبلت إحداهن وهي تضع بعض الدفاتر على المنضدة بإرهاق. سعاد: أوووف، توب علينا بقى يا رب من الشغلانة دي. الواحد قرف. لترد الأخرى بنفس الملل. نهلة: بهدلة وقرف، ومقالناش إسبوعين في الدراسة. سعاد بسخرية ناظرة نحو إحدى المق...
رواية لحظات منسيه الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
تضاحك الأطفال ويمرحون في الفناء، وآخرون يلعبون ويتدافعون بسعادة في يوم تقليدي معتاد بمدرستهم الابتدائية.
جلس المعلمون بغرفهم كوقت مستقطع لراحتهم وسط هذا اليوم الدراسي.
توسطت غرفة المعلمين منضدة خشبية طويلة، وعليها العديد من الدفاتر والأقلام، بعضها موضوع بترتيب وأخرى موضوعة بعشوائية.
أقبلت إحداهن وهي تضع بعض الدفاتر على المنضدة بإرهاق.
سعاد: أوووف، توب علينا بقى يا رب من الشغلانة دي. الواحد قرف.
لترد الأخرى بنفس الملل.
نهلة: بهدلة وقرف، ومقالناش إسبوعين في الدراسة.
سعاد بسخرية ناظرة نحو إحدى المقاعد الشاغرة: أُمال فين الأُختين الحلوين؟ النهاردة مجوش ولا إيه؟
زمّت نهلة فمها بإستياء قبل أن تجيبها.
نهلة: جم يا أختي، واحدة فيهم كانت قاعدة ولسه قايمة أهي، ومش عارفة التانية فين من الصبح.
قَلَبَت سعاد ملامحها بنفور وهي تَدفع بكَفِها في الهواء ضجراً.
سعاد: يا أختي، خليهم بعيد عننا. أنا ساعة ما بشوفهم بيركبني العصب.
نهلة: أنتِ بتقولي فيها، خصوصاً إللي اسمها هيام دي. مش طايقاها من ساعة ما رفضت محمود أخويا.
سعاد: والله هي الخسرانة، هي حـتلاقي زيه فين. بكرة تقعد من غير جواز وحـ تشوفى. دي بترفض كل العرسان إللي بيتقدموا لها.
بضحكة قصيرة مستهزئة عَقبّت نهلة بذات الإشمئزاز البادي بملامحها الممتعضة.
نهلة: قال يعني...!!!! ما هي شايفة نفسها حبتين، بس على مين؟ أنا حافظة الأشكال دي.
لكزتها سعاد وهي تشير بعينيها نحو باب الغرفة بنبرة خفيضة لتنبيه رفيقتها، وهي تُبدل ملامحها الممتعضة لابتسامة واسعة.
سعاد: طب بس بس، أحسن نورا صاحبتها جت أهي.
أقبلت نحوهم فتاة بيضاء متوسطة الطول تميل للقصر، ذات وجه بشوش مستدير وشعر بني يتعدى كتفيها بقليل، لها طابع اجتماعي مرح وودود للغاية، حتى أن ابتسامتها لا تغيب عن وجهها إطلاقًا.
دلفت إلى داخل غرفة المعلمات يشق وجهها ابتسامتها المعهودة، لتنظر نحو إحدى المقاعد الشاغرة بتساؤل، قبل أن تعيد نظرها نحو سعاد ونهلة بانتظار الإجابة عن تساؤلها.
نورا: إيه دة؟ مش معقول، هي هيام لسه مجتش لحد دلوقتِ؟
بود مصطنع ونبرة حنونة للغاية أجابتها سعاد.
سعاد: تلاقيها إتأخرت مع الأولاد في الحصة كالعادة.
وضعت نورا بعض الدفاتر عن يدها لتستدير بخطوات متعجلة، لكنها مازالت تُجري حوارها معهم أثناء خروجها.
نورا: طيب حـ أروح أشوفها، إتأخرت ليه؟ متعرفوش كان عندها حصة في فصل إيه؟
سعاد: باين في آخر فصل.
نورا: شكراً يا أبلة سعاد، حـ أروح أشوفها.
تحركت نورا بخطواتها المتعجلة، فتلك طريقة سيرها المميزة، خفيفة، متعجلة، مبتسمة، اجتماعية للغاية. اتجهت للبحث عن صديقتها هيام بآخر الرواق أثناء تواجدها بالصف.
همت نهلة بعد أن تأكدت من ابتعاد نورا بالسخرية من هيام كما تعتاد، فهذه طبيعتها أن تتحدث عن الآخرين، فإما على سبيل قضاء الوقت أو كرهًا لها.
نهلة بسخرية: بِتدي الحصه بذمة أوي، دة إنجليزي في الآخر، أُمال لو بتدي حاجة صعبة شوية؟!!!!
مصمصت سعاد شفتيها وهي تجاريها بنفس نميمتها.
سعاد: مش عارفة عامله في نفسها ليه كده، دي مدرسة حكومة في الآخر يعني.
نهلة: على رأيك. بس تقوللي إيه، عايزة تِعمل نفسها مهمة.
وصلت نورا لنهاية الرواق لتجد صديقتها هيام مازالت تجلس بداخل الصف، لم يبقى سواها، تجلس إلى جوار فتاة صغيرة من تلميذاتها لتعيد إيضاح بعض النقاط التي لم تفهمها جيدًا خلال شرحها للدرس.
عقدت نورا ذراعيها وهي تتجهم بصورة مضحكة، تحاول إصطناع الجدية التي لا تليق بشخصيتها البشوشة.
نورا: إنتِ فين يا هيام؟ الفسحة قربت تخلص.
التفت تلك الفتاة القمحية الفاتنة لتتجلى ملامحها الآخاذة التي تسترق العيون لحظة رؤيتها، تتمتع بأنوثة طاغية، طويلة ذات عيون سوداء براقة، ذات شخصية قوية يحبها الجميع لأخلاقها العالية، تتمتع ببحة صوت شجية وهدوء ورزانة بالحديث تجذب السامعين لها بدون توقف.
باعتذار عن تأخرها أجابت هيام.
هيام: معلش يا نورا، كنت بشرح الدرس ده تاني لرؤى، مكنتش فاهماه.
نورا: طيب يا ستي. وأديكِ ضيعتي الفسحة كلها.
حلت نورا عقدة يديها مؤكدة على هيام.
نورا: المهم، متنسيش حـتيجي معايا النهاردة زي ما إتفقنا.
هيام: والله يا نورا حـآجي معاكِ. إنتِ بتفكريني كل خمس دقايق؟ إنتِ قلتلي النهاردة ولا خمسين ستين مرة.
اتسعت ابتسامة نورا لتردف مازحة.
نورا: مش مهم، خليهم واحد وستين. حـأستناكي في المروح نمشي سوا.
هيام: حاضر. هو أنا ليا غيرك يا دوشة دماغي إنتِ.
نورا بحب: حبيبتي.
أرسلت لها نورا قُبلة بالهواء منصرفة عنها بعدما سمعت صوت الجرس معلناً بداية الحصة، لتتوجه هي الأخرى للصف لتبدأ عملها.
علت أصوات الضجيج بسماع صوت جرس انتهاء الحصة الأخيرة وانتهاء اليوم الدراسي.
تحرك التلاميذ في اندفاع وسرور إلى خارج أسوار المدرسة منصرفين إلى بيوتهم.
حملت نورا حقيبتها لمقابلة هيام، التي لم تنتبه لها، لتركض بضع خطوات ممسكة بذراع هيام من الخلف، لتنتفض هيام بتوتر من حركتها المفاجئة دون الانتباه لها.
هيام: حرام عليكي يا نورا، مسيرك حـتموتيني بحركاتك دي.
ضحكت نورا عالياً مستنكرة فزع هيام.
نورا: يا خوافة، اتخضيتِ لما مسكت إيدك؟ أُمال شخصية قوية إيه؟ وحركات عاملاها لنا.
بالفعل، لها شخصية قوية مستقلة، لكنها تفزع من تلك الحركات المفاجئة التي لا تنفك نورا عن القيام بها.
هيام: لا يا أختي، الشخصية ملهاش علاقة بالخضة. إنتِ بتيجي مرة واحدة زي الحرامية كده بتخضيني.
نورا: طب يلا نروح، وبعدين تعدي عليا زي ما إتفقنا، ماشي؟
أجابتها هيام ممازحة.
هيام: حاضر يا نورا. أنا مالي بس يا ربّي ومال المجنونة دي. الله يكون في عونه يا شيخة.
بخيلاء وطرافة أعدلت نورا كتفيها بكفيها قائلة.
نورا: هو حـيلاقى زيي ده؟ أنا عسل.
هيام بضحك: إنتِ حـتقوليلى. يلا قدامي.
خرجتا من البوابة الرئيسية للمدرسة وسط التلاميذ المحيطة بهما، متوجهتين نحو إحدى محطات انتظار الحافلات وسط الزحام الشديد بمنتصف هذا اليوم.
استقلتا إحدى الحافلات للعودة إلى منازلهن بعد انتهاء يوم عملهن بالمدرسة.
في أحد الأحياء القديمة.
اقتربت هيام نحو بيت بسيط من طابقين، الطابق السفلي عبارة عن مخزن قديم متهالك مغلق بقفل كبير، فقد بائت كل محاولات استئجاره بالفشل، فهو يحتاج إلى تنظيف وإعادة ترميم مكلفة للغاية، ليتهرب الجميع من طلب استئجاره منذ سنوات طويلة.
يلصق بهذا المخزن الكبير بوابة حديدية رئيسية لبيتهم المتواضع. خطواتها الرزينة كانت سمة لها دائمًا، والتي صعدت بها هذا السلم القديم لتصل للدور العلوي حيث تسكن مع عائلتها.
أخرجت مفتاحها من داخل حقيبتها لتظهر الشقة الواسعة بأثاثها القديم، بداية بصالة متوسطة بها أريكة ومقعدان على أحد الجوانب، ومنضدة خشبية على الجانب الآخر موضوع عليها بعناية جهاز التلفاز.
شقة خالية تمامًا من أي مظهر من مظاهر البذخ أو الثراء، جميع الغرف تطل على هذه الصالة في تصميم قديم لهذا المنزل البالي.
ألقت هيام السلام عليهم جميعًا ليرددوا التحية بترحيب بها، حيث جلس الحاج سعيد والد هيام ذو الخمسة وسبعين عامًا، متوسطًا ابنتيه سميرة وهبة، أشقاء هيام الصغريات.
رُزق الحاج سعيد ببناته الثلاث في سن متأخرة للغاية، فقد حُرم لسنوات من هذه النعمة، لكن شاء الله أن يرزقه بهؤلاء الفتيات البارين به وبأمه فاطمة ذات الستين عامًا.
تعلق بثغرها بسمة حنونة وهي تتساءل عن حالهم اليوم.
هيام: أخباركم إيه النهاردة؟
أم هيام: الحمد لله يا بنتي. أقعدي أحضر لك لقمة تاكليها قبل ما تنزلي.
بامتنان لتلك السيدة التي تدرك تمامًا عناء ما تتكبده ابنتها، أومأت هيام وهي تجلس بالمقعد المجاور لوالدها.
هيام: أه والله يا ماما، أحسن أنا كمان حـانزل بدري شوية عشان حـأعدي على نورا.
أم هيام: ثواني يا بنتي.
هتف صوت أنثوي ذو نبرة مرحة للغاية من خلفها.
سميرة: استني يا حاجة. آجي أساعدك بدل العطلة إللي الواحد فيها دي.
تطلعت هيام نحو أختها سميرة، الأخت الوسطى لثلاث فتيات، أكبرهن هي هيام. تتمتع سميرة بوجه ملائكي مستدير، تميل ملامحها لأختها الكبرى هيام، لكنها تميل إلى الطفولة قليلاً. تتمتع بالجرأة وحب للاستكشاف دفعها للدراسة بكلية العلوم، والتي تخرجت منها منذ نحو عام، لكنها لم تجد وظيفة حتى الآن ومازالت تبحث عن عمل مناسب. لكنها تتقبل الأمور دومًا بمزاح وفكاهة، ولا تخلو حياتها من العديد من المقالب والشقاوة.
رسمت هيام ابتسامة خفيفة فوق ثغرها، فهي تعلم ضيق أختها من عدم عملها حتى الآن، لكنها تأخذ الأمور دائمًا بشكل ساخر مازح حتى لا تثقل والديها بما يضايقها.
تساءلت هيام عن آخر أخبار بحثها عن عمل.
هيام: لسه برضه محدش رد عليكِ؟
رفعت سميرة حاجبيها وأهدلتهما بسرعة وهي تردف بنبرتها المتعجلة بعكس هيام الهادئة.
سميرة: لسه. بس هم الخسرانين على فكرة.
أومات هيام بتفهم لتنهض من خلفهم حتى لا تتكاسل.
هيام: حـأقوم أنا أصلي الأول قبل ما ناكل.
الحاج سعيد: ربنا يراضيكي يا بنتي.
صوت أكثر طفولية ردد.
هبه: وأنا كمان حـأقوم أساعد ماما وسميرة في المطبخ.
نهضت هبه، الابنة الصغرى، والتي تشابه أختيها بشكل ملحوظ. تدرس هبه هذا العام بالصف الثالث الثانوي، وتجتهد للغاية في دراستها لتدرس كما تأمل بكلية الطب لتساعد عائلتها هي الأخرى بدلاً من إلقاء الحمل كله على كتف هيام فقط.
بعيدًا عن القاهرة وما يحدث فيها، وخاصة بإنجلترا، هذه البلدة العريقة التي تتمتع بالرقي والانتظام والجمود في نفس الوقت.
وسط أجوائها الباردة ورياحها المتوسطة القوة في هذا الوقت من العام، خاصة بمدينة لندن.
أقبل أحد الشباب ينظر بتفحص حوله بداخل إحدى الشقق السكنية وكأنه يبحث عن أحد ما. كرم شاب ثلاثيني، وسيم الطلعة، عيناه تشع بريقًا مختلطًا بسحر وغموض، شعره الطويل المتناثر الخصلات أعطاه سحر من نوع خاص، ذو ملامح مكسيكية جذابة جدًا.
وقف كرم يتفكر للحظات قبل أن يتوجه إلى الشقة المقابلة له مباشرة. ابتسم ابتسامة جانبية عاقدًا ذراعيه أمام صدره قائلاً.
كرم: بقى إنتَ هنا وأنا بدور عليك في كل حتة؟
رفع ياسر رأسه النحيل تجاه صديقه مردفًا بإرهاق.
ياسر: أعمل إيه بس. بجهز الشقة زي ما إنتَ شايف، الأيام بتجري.
ياسر صديق كرم منذ ما يقرب من عام، يُقيمان معًا بإحدى الشقق بلندن، حيث تعرفا عن طريق الصدفة حين تلاقى ياسر مع كرم تائهًا بأحد شوارع لندن العريقة، فقد كان حديث العهد بهذه المدينة، فقد وصلها للبعثة قبلها بأيام قليلة، واستطاع كرم مساعدته وإرشاده بتلك المدينة الغريبة، ومنذ ذلك الحين تقربا من بعضهما البعض للغاية وازدادت أوتار الصداقة بينهما، خاصة بعدما أقاما سويًا بشقة كرم.
هز كرم رأسه بإستحسان وهو يضم شفتيه ثم أردف.
كرم: لا، بس ذوقك اتحسن خالص أهو. خلاص بقى مش محتاج مساعدتي دلوقتي.
قالها ليخف عن نفسه ضغط صديقه عليه بمساعدته باختيار أثاث مناسب لتلك الشقة.
استقام ياسر بوقفته ليخرج نظارته الطبية ليرتديها مجيبًا صديقه بنهج من دفع تلك القطعة الثقيلة من الأثاث ساخرًا.
ياسر: وإنتَ تعرف عني كده؟ أنا قلت أجرب، يمكن كده تنفع ويبقى شكلها عدل.
بعتاب أردف كرم من غموض ياسر مع خطيبته.
كرم: مش ناوي تقول لخطيبتك برضو إنك ناوي تجيبها معاك هنا بعد الفرح؟
بقلة حيلة أعاد ياسر إيضاح الأمر لكرم عله يفهم طبيعتها الغريبة.
ياسر: هي رافضة خالص موضوع السفر، مرتبطة بأهلها وأصحابها هناك. ما إنتَ متعرفهاش، دي حشرية جدًا.
كرم: يا أخي، حسّن ألفاظك، اسمها اجتماعية مش حشرية.
ياسر بضحك: بكرة تشوفها وتفهم قصدي.
زم كرم شفتيه وهو يدفع ياسر بأصابع يده الطويلة ينحيه جانبًا متهكمًا من ترتيبه الغريب لتلك الغرفة.
كرم: طب وسع كده وإنتَ مبوظ الدنيا، خليني أساعدك نظبط اللخبطة إللي إنتَ عاملها دي.
ياسر: أه بالله عليك. ده خلاص مش باقي غير أسبوعين على الفرح.
كرم: أهو ناخد فيكم ثواب. أنا عارف، بس خليتك تسكن في وشي ليه؟
قالها كرم ممازحًا صديقه، فيما أردف الأخير بمزاح مماثل.
ياسر: من حبك فيا.
كرم: لا وإنتَ الصادق، من بختي المنيل. اخلص وشيل معايا.
ياسر: حاضر يا بيه.
رغم بساطة ياسر وهدوء طبعه، إلا أنه لا يتمتع بحس فني على الإطلاق، فدائمًا تكون اختياراته بذوق سيء جدًا. ولأن كرم أظهر تمتعه بذوق راقٍ في اختيار الأثاث وتناسق الألوان، أخذ يساعد ياسر في شراء الأثاث المناسب لتأثيث هذه الشقة بما يناسب ألوانها.
حيث استأجر صديقه ياسر هذه الشقة حديثًا للإقامة بها حينما تحين عودته مرة أخرى مع زوجته بعد زفافهم. فقد جهز ياسر جميع الأوراق لمرافقة زوجته له في البعثة بعد عقد قرانهما مباشرة منذ فترة طويلة دون إخبارها، فهي ترفض تمامًا فكرة السفر من الأساس.
رواية لحظات منسيه الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
كانت تلك الدقائق هي وقت راحتها المستقطع خلال النهار لتسرع بتبديل ملابسها بعد تناولها للطعام استعدادًا لاستكمال عملها الإضافي.
تجهزت هيام مرتدية ملابسها الفضفاضة التي تتقصد اختيارها بهذا الشكل حتى لا تجذب الأنظار إليها، خاصة أنظار الطامعين فيها.
رفعت شعرها الأسود الناعم للأعلى لتعقصه بقوة دون ترك أي من خصلاته هاربة من موضعها لتظهر بشكل جدي تماماً، حتى ملامحها الرزينة لا توحي بغير ذلك.
اتجهت نحو منزل نورا القريب فقد وعدتها بمرافقتها اليوم للتسوق رغم انشغالها، لكنها لن ترفض طلب صديقتها الذي ألحت كثيرًا عليه.
فهي تستعين بها لثقتها في ذوقها الراقي الذي تتمتع به على الرغم من حالتها المادية البسيطة.
بيت نورا.
بهدوء كطبعها طرقت هيام الباب لتعود وتتطلع نحو تلك الحديقة الصغيرة أمام المنزل تنتظر ريثما يفتح الصغير عمرو الباب لها، فهو دائماً ما يستقبل الطارقين أولاً.
وكعادة هذا الصغير أيضاً فور رؤيته لهيام أسرع راكضًا نحو الداخل متجهًا نحو غرفة نورا وهو يناديها بصوته الطفولي العالي.
استطاع بسهولة رسم ابتسامة فوق ثغرها وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بخفة من تصرفات هذا الصغير لتدلف بخطواتها المتباطئة نحو الداخل مغلقة الباب من خلفها، فذلك التصرف اعتادت عليه مع تلك العائلة التي يعتبرونها أختاً لنورا.
جلست بهدوء فوق أحد مقاعد غرفة الاستقبال المفتوحة بمقدمة المنزل في انتظار نورا المتأخرة دائمًا.
أثناء ركض عمرو باتجاه غرفة نورا اصطدم فجأة بشخص ما بقوة من شدة اندفاعه دون أن ينتبه ليرفع رأسه الصغير يطالع أخيه الأكبر أمجد.
أمجد هو الأخ الأكبر لنورا، شاب قوي البنية يشبه أخته إلى حد كبير.
يعمل محاسبًا بإحدى الشركات الجديدة التي أثبت فيها قدرته ومهاراته في العمل، لكنه لم يتحقق أو حتى يقترب من حلمه الوحيد بخطوة واحدة، فكل أحلامه تتلخص في اسم واحد (هيام).
أمسك أمجد بالصغير من كتفيه يوقفه عن هذا الاندفاع القوي ليضيق حاجبيه بقوة مستنكراً.
أمجد: وبعدين بقى يا عمرو؟ هو كل شوية تجري كده؟ بالراحة شوية.
اندهش عمرو لتواجد أمجد بهذا الموعد بالبيت فهو لا يتواجد بمثل هذا الميعاد من قبل.
عمرو: أمجد!! انت جيت منين؟ وسع كده دلوقتي أنا مستعجل.
أمجد مندهشا: مستعجل!! مستعجل على إيه إن شاء الله؟ إيه اللي حصل في الدنيا يعني؟
عمرو: رايح لنورا.
عقص أمجد أنفه مستهزئًا بأخيه المتعجل بخطواته.
أمجد: وإيه اللي حصل مهم أوي كده عشان تروح لنورا؟
بتلقائية طفولية أجابه عمرو وهو يتحرك تجاه غرفة أخته الكبرى.
عمرو: هيام صاحبتها مستنياها تحت وهي قالتلي أول ما تيجي أقول لها على طول.
عبارة كانت كفيلة بتسارع دقات قلبه بعنف فقط لمجرد سماعه لاسمها الغالي، ارتخت ملامح وجهه الممتعضة لتتجلى بسمة سعيدة أشرق لها وجهه العريض، فقد أتت مهجة فؤاده ليهمس بوله.
أمجد: هيام... هيام هنا.
لم ينتظر عمرو الكثير تاركًا إياه راكضًا نحو غرفة نورا، بينما اضطرب أمجد للغاية وهو يقترب من السلم يحاول استراق النظر لها فربما يراها ولو من بعيد.
اشتاق قلبه أعلنها حين وقعت عيناه العاشقتان عليها وهي تجلس بهدوئها وتألقها فوق أحد المقاعد الكبيرة تنتظر نورا.
عشق أضناه بقلبه وسلب عقله منذ سنوات، تهدجت أنفاسه بسعادة لرؤيتها ليتحرك تلقائيًا نحوها، في حين انتبهت هيام لوقع تلك الخطوات التي تقترب منها فرفعت عيناها القاتمتين بسواد ليل ساحر لتبعثر ما تبقى من صلابته.
تلك البعثرة التي جعلته يفيق بقربه منها، فقد ظن أنها لن تشعر باقترابه وهو يتطلع بعشق تجاهها ليضطر بالتحدث مرحبًا بها.
أمجد مضطربًا: إزيك يا هيام؟ ااا... نورا جايه على طول أهي.
بإيماءة خفيفة وكلمات مقتضبة أجابته.
هيام: شكراً.
رجفة اجتاحته ليتبلع بقية كلماته وهو يردف بارتباك شديد.
أمجد: اا... بعد إذنك.
هيام: اتفضل.
لم تكترث هيام له فهي لا تهتم له أو لغيره مطلقاً، فهي هادئة رزينة للغاية لم يستطع أحدهم أن يستولي على عقلها أو قلبها من قبل لتتعامل مع كل تلك الأمور العاطفية بجدية تامة.
تركها أمجد وتكاد اندفاع دقات قلبه تقتله، فكم يعشق تلك الفتاة، لقد أصبح متيم بها حقاً يحلم بها ليل نهار ولا يفكر بشيء سواها.
بعد مرور عدة دقائق من انتظار هيام لصديقتها أقبلت نورا وهي تمسك بساعة يدها تضعها فوق معصمها بعشوائية وهي تنظر نحو هيام بتأسف.
نورا: معلش والله يا هيام أسفة اتأخرت عليكِ.
سخرت هيام من صديقتها التي تعتاد ذلك طوال الوقت.
هيام: وإيه الجديد يلا قدامي مش عايزة أتأخر على الدرس والوقت اللي باقي يا دوب نجيب اللي انتِ عايزاه.
نورا: طيب يلا، ولو أني كنت عايزة أعدي على أمل في السكة أطمن عملت إيه... بس يلا مش مهم.
اتسعت عينا هيام باندهاش لطبع نورا الفضولي الذي سوف يُقحمها بمشاكل جمة لتردف بتضايق من تصرفاتها غير المحسوبة.
هيام: وبعدين معاكِ يا نورا، مش هتبطلي بقى؟ مش كفاية آخر مرة كان حـ يحصل لها مشكلة جامدة من تدخلاتك دي.
اتسعت عينا نورا بصدمة فهي تلقائية للغاية لتردف بسلامة نواياها.
نورا: أنا؟!! أنا بتدخل؟ ده أنا كنت بساعدها.
تمالكت هيام ضيقها فهي تدرك أن نورا طيبة للغاية لتردف بتفهم رغم معرفتها بأن صديقتها مخطئة.
هيام: والله عارفة إنك طيبة وعلى نياتك بس مش كل الناس بتفهم كده، وممكن تعملي لنفسك مشكلة.
نورا: والله ما بيكون قصدي كده خالص.
هيام: عارفة، بس حاولي تسكتي شوية وتبطلي التطوع اللي ملوش لازمة ده!!! مش كل الناس نيتها طيبة زيك، فيه ناس جواها شر رهيب وبوشين، ربنا يبعدنا عنهم.
اتسعت ابتسامتها لتتكتل وجنتيها الممتلئتان وهي تحاول إيضاح أن هيام هي التي تتخوف بشكل مبالغ به.
نورا: انتي متشائمة أوي.
هيام: لأ، أنا واقعية.
بطرافتها وطريقتها خفيفة الظل عقبت نورا.
نورا: فُكيها حبة، لولا تقفيلتك دي كان زماننا إحنا الاتنين فرحنا مع بعض.
تجهمت ملامح هيام برفض قاطع.
هيام: جواز؟ لأ طبعاً مش وقته خااالص ما انتِ عارفة ظروفي واللي أنا عايشة فيه، موضوع الجواز ده دلوقتي يعتبر شبه مستحيل.
نورا بملل: طيب اتفضلي عشان تلحقي ترجعي بدري.
خرجتا من المنزل لتفاجئ نورا بأخيها يقف ببابهم فهي لم تعلم أنه قد عاد من العمل بعد.
نورا: أمجد؟!! انت جيت إمتى؟
تسلطت عيناه على معشوقته أولاً قبل أن يعدل من نظراته تجاه أخته قائلاً.
أمجد: لسه جاي من شوية صغيرين.
بتلقائية ودون تفكير مطلقاً طلبت منه نورا بوجه مبتسم للغاية.
نورا: طيب ما تكسب فينا ثواب وتوصلنا لحد المول.
أمجد بسعادة فتلك فرصة جيدة لبقائه مع هيام لبعض الوقت.
أمجد: آه طبعًا اتفضلوا.
اتجه أمجد تجاه سيارته الرمادية الصغيرة بينما ظلت نورا وهيام واقفات فقد تجلت ملامح ضيق بالغ بوجه هيام.
هيام: قلت لك قبل كده يا نورا مش عايزة أركب العربية مع أمجد!!!
لم تظن نورا أن هيام ستتضايق إلى هذا الحد لتحاول إقناعها بأن الأمر لا يستحق كل هذا الضيق.
نورا: يا هيام متحبيكهاش اعتبريه تاكسي أهو يرحمنا من الزحمة دلوقتي.
رغم رفضها لذلك لكن لرغبة صديقتها وأيضاً لكسب بعض الوقت حتى لا تتأخر اضطرت هيام لركوب السيارة بصمت تام وتجهم واضح.
لم تتفوه هيام بكلمة واحدة طوال الطريق بعكس نورا التي لم تكف عن الحديث مع أخيها فيما التزمت هيام التطلع من النافذة المجاورة لها.
كان أمجد يسترق النظر من وقت لآخر إلى هيام بمرآة السيارة الأمامية فربما يلمحها ولو لمرة واحدة تنظر نحوه بنظرة خاطفة.
لكن كالعادة كان الإحباط من نصيبه فهي دوماً تتجاهله.
أوصلهم نحو المركز التجاري متأملاً ولو بكلمة أو نظرة تخصه هيام بها، لكن سوء الحظ دوماً حليفاً له.
ابتعدتا عن السيارة لتبدأ نورا حديثها بتدخلها الدائم الذي أصبح عيبها الوحيد.
نورا: بالله عليكِ يا هيام وافقي تتجوزي أمجد أخويا، ده بيحبك أوي.
كيف تقنعها بأنها لا تراه سوى أخ فقط وأنها لا تكن له أي نوع من المشاعر والعاطفة ولا تبادله حبه هذا بل بالعكس حبه مرفوض تماماً، لكنها دوماً ملحة بشكل يثير الضيق وتخشى أن يسبب هذا الأمر فجوة بينهما يوماً ما.
هيام: وبعدين معاكي يا نورا، مش عارفه ليه حاسة إن موضوع أمجد ده هو اللي حـ يزعلنا من بعض. قلت لك قبل كده أمجد زي أخويا بالظبط وموضوع الجواز ده أنا شيلاه من دماغي خالص.
بينما أكملت نورا بإصرار.
نورا: بس أمجد بجد بيحبك أوي ومستعد يعمل أي حاجة في الدنيا عشان يسعدك.
هيام: بس أنا مبحبوش يا نورا، افهميني.
ظلت نورا تجمل بمزايا ارتباطها وزواجها من أخيها، ليس لاقتناعها به لكنها تسعى دوماً للتقريب بين الناس وحل المشكلات بطريقتها المتدخلة بحياة المحيطين بها.
نورا: ما يمكن تحبيه بعد الجواز زيي أنا وياسر، ما إحنا مكناش نعرف بعض ودلوقتي منقدرش نستغنى يوم عن بعض.
بجدية وضيق لاحت بملامحها بقوة.
هيام: ممكن تقفلي الموضوع ده ومتكلمنيش عن موضوع الجواز ده تاني أحسن والله بجد حـ أزعل منك.
نورا بحزن: طيب خلاص متزعليش، يلا نجيب الفستان.
بعد العديد من المحاولات والتجولات أخيرًا ابتاعت نورا فستاناً وردياً ذو حزام أسود عريض وحذاء مناسب له، شعرت هيام بألم بساقيها من كثرة البحث مع نورا لتقف بإرهاق.
هيام: أه يا رجلي، طب انتِ بتشتري فستان تقابلي بيه خطيبك اللي جاي من السفر، أنا ذنبي إيه؟
نورا: صاحبتي، وأنا قَدَرِك، حـ تعملي إيه.
هيام: طب تعالى نقعد شوية خلاص رجليا انكسرت، حـ أروح أدي الدرس إزاي كده.
بمزاحها الطريف عقبت نورا وهي تجلس بالمقعد المجاور لهيام.
نورا: هو انتِ حـ تدي الدرس برجلك؟
ضحكت هيام وهي تجلس بإرهاق فوق أحد المقاعد لتستريح قليلاً.
بيت الحاج سعيد.
نظرت والدة هيام تجاه زوجها بملامح مشفقة حنونة لكن لا حيلة فيها.
أم هيام: ها قلت إيه يا سعيد؟
الحاج سعيد: والله مش لاقي لها حل، أديكى شايفه ملناش أي دخل نهائي ولولا هيام وشغلها من أيام ما كانت في الثانوي كان زماننا مش لاقين ناكل.
قالها الحاج سعيد بقله حيلة فليس لديه سبيل آخر فيما أردفت أم هيام بتحسر.
أم هيام: يعني حـ نخليها جنبنا كده والعمر يعدي عليها وكل ما يتقدم لها حد حـ نرفضه.
الحاج سعيد: ما انتِ عارفه تعبي وإني مقدرش أنزل أشتغل وأنا عندي القلب، أنا عارف إننا جايين عليها أوي، حتى سميرة بتدور مش لاقيه شغل خالص أهو.
مصمصت أم هيام شفتيها وهي تضرب كفها بالآخر.
أم هيام: عيني على بختك يا بنتي.
تنهد الحاج سعيد بضيق معقباً يتأمل بأن يجد حلاً.
الحاج سعيد: والله مكلم ناس كتير أوي يأجروا المخزن اللي تحت ساعتها حـ يكون عندنا دخل كل شهر ونريحها وتشوف مستقبلها بقى.
أم هيام: يا ريت، دي يا حبيبتي مش بترتاح تيجي من المدرسة تلف على الدروس لحد بالليل ومش مخليه في جهدها حاجة.
الحاج سعيد: ربنا كريم.
غرفة سميرة.
أعادت جزعها للخلف وهي تستكمل مكالمتها الهاتفية عبر سماعة الأذن خاصتها التي تعلقها بأذنها دائماً لتعاتب صديقتها عبير بطريقتها الساخرة المازحة التي تتميز بها.
سميرة: وربنا زهقت منك، وإوعى تقوليلي خلاص وحركات وبتاع، فين يا أختي الشغل؟
عبير: والله يا بنتي قدمت ورقك لأستاذ أشرف وإن شاء الله أول ما يرد عليا حقولك على طول.
مدت سميرة شفتيها للأمام بتذمر مردفة.
سميرة: لما نشوف، وأديني أهو نزلتلك مخصوص برنامج تسجيل مكالمات عشان أفضحك من كتر ما بتوعديني بحاجات وتخلي بيا.
ضحكت عبير ضحكتها المميزة ليظهر صوتها الخشن قليلاً لإدراكها أنها قد وعدت سميرة للعديد من المرات عن مساعدتها بالبحث عن عمل لكنها دوماً تنسى ذلك.
عبير: للدرجة دي مبقتيش واثقة فيا.
سميرة: إنتِ عندك كلام تاني؟ إلا ما فيه مرة وعدتي ووفيتي؟ من أيام الجامعة وإنتِ على كده.
عبير: خلاص والله، آخر مرة وحـ تشوفى، حـ أفضل ورا أستاذ أشرف لحد ما يعينك معانا.
سميرة: لما نشوف.
بصوت مرتبك شعرت به سميرة أجابت عبير وهي تنهي حديثها معها.
عبير: سلام بقى أحسن باين فيه حد جاي المكتب.
سميرة: سلام.
أنهت سميرة مكالمتها مع عبير وأعادتها مرة أخرى ببرنامج تسجيل المكالمات الذي وضعته على الهاتف لتستمع إليها وتضحك مرة أخرى على صديقتها لتعقب ساخرة.
سميرة: حـ تبقى أخرتك على إيدي المرة دي يا تحفة انتِ، بس يا رب بقى أشتغل وأشيل الحمل عن هيام شوية، أحسن تعبت أوي، وعمرها ما حـ تشتكي ولا حـ تتكلم أبداً.
بأحد الأحياء الراقية.
وقف شاب في شرفة منزله تكسو عيناه حزن جم، مطلقًا لحيته بعشوائية أخفت وجهه الوسيم المسالم خلف تلك النظرات المتجهمة والوجه المقتضب.
أخذ ينظر للمارة العابرين للطريق أمامه بنظرات يملؤها الضيق فكلٍ تشغله حياته، لكنه دوماً وحيد.
دق جرس الباب ليقطع وحدته وصمته فقام متكاسلاً بملل ليفتح الباب ولم يتفاجئ برؤيته لهذا الطارق فهو يعتبر الوحيد الذي يطرق بابه من حين لآخر، صديقه أشرف ومدير معمله.
وقف أشرف بطوله المميز ونحافته الظاهرة ليتسائل بنبرة ودودة للغاية لكنها تحمل بطياتها بعض العتاب.
أشرف: إزيك يا أمير.
تطلع أمير به للحظات ودون رد أشار له بالدخول فبداخله لا يجد إجابة لهذا السؤال، (كيف حاله) هو بالتأكيد ليس بخير لكنه على كل الأحوال أفضل مما كان.
تنهد أشرف بضيق مما يفعله أمير بنفسه ليضم شفتيه بحركة لا إرادية ضم لها شاربه الكثيف معها قبل أن يردف معاتباً.
أشرف: وأخرتها معاك حـ تفضل لحد إمتى حابس نفسك كده، و ليه؟ وعشان إيه؟
هو صاحب الصبر والبال الطويل الذي لم يعد يتحمل لوم أو عتاب ليقابل وده وعتابه له بعصبية وضيق نفس.
أمير: لو جاي تسمعني نفس الكلمتين فخلاص أنا حفظتهم!! لو عندك حاجة جديدة قولها.
أشرف: أمير إنتَ بقالك على الوضع ده أكتر من شهر، لازم تطلع وتشوف حياتك، لحد إمتى حـ تفضل قافل على نفسك ومكتئب بالشكل ده؟
جلس أمير بتذمر من حاله ومن ضغط أشرف عليه.
أمير: يعني أنا حابب اللي أنا فيه!! بس غصب عني، غصب عني، حاسس إني خلاص مش عايز أعمل أي حاجة أو أقابل أي حد.
كصديق مخلص لن يعقب على انفعال أمير وعصبيته بل يجب عليه إخراجه من تلك الأزمة النفسية التي يمر بها وحثه على العودة لعمله واستئناف متابعة معمله الكيميائي الذي يملكه.
أشرف: طب وشغلك؟ ومعملك؟ إيه خلاص الحماس مات؟ مش معقول كل واحد يمر بمشكلة يستسلم إنها تكسره للدرجة دي، أنا متعودتش تبقى ضعيف أوي كده.
تهدل كتفي أمير بإحباط واستسلام.
أمير: مش قادر يا أشرف، مش قادر.
أشرف: ما هو أنا مش حـ سيبك تعمل كده في نفسك ولو مكنش برضاك يبقى غصب عنك.
أمير: متضغطش عليا أكتر من كده.
لقد حاول معه أشرف للعديد من المرات باللطف واللين لكن تلك المرة يجب أن تكون بالقوة والإجبار حتى يفيق لنفسه ليحتد بحديثه يعنفه لهذا الاستسلام والتراخي.
أشرف: إنت لازم تفوق من اللي إنت فيه، إيه يعني حبيت واحدة وطلعت خاينة؟ حـ تموت نفسك، الدنيا لسه قدامك تحقق فيها كل أحلامك، وتقابل اللي أحسن منها ميه مرة.
أمير: لأ، أآمن لواحدة تاني لأ، لا يمكن يحصل أبداً.
أشرف: مش مهم، المهم نفسك، تخرج تاني للدنيا وتكمل اللي كنت بتشتغل فيه وتحقق أحلامك، هي مين دي عشان تهد كل أحلامك كده عشانها؟
فكر أمير ملياً بكلمات أشرف الصادقة، ربما هو محق، إلى متى ستنتصر هذه الخائنة عليه وعلى أحلامه وطموحاته يجب أن يعود إلى عمله ومعمله وينهي ما قد بدأه.
أومأ أمير رأسه بآلية بالإيجاب يتفق مع حديث أشرف، فيجب عليه نسيان كل مشاكله والتفرغ لعمله الذي أحبه دوماً لينتهز أشرف تلك الفرصة قائلاً.
أشرف: تمام بكرة الصبح أعدي عليك نروح المكتب سوا.
أمير بإستسلام: ماشي.
رواية لحظات منسيه الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
بعد أن انتهوا من التبضع والتقاط أنفاسهم ببعض الراحة، بقيت نورا وهيام تتحدثان لبعض الوقت قبل مغادرة المركز التجاري.
لاحت ابتسامة متحمسة بثغر نورا قائلة:
"أنا مش مصدقة إن فرحي كمان أسبوعين."
هيام:
"تصدقي ولا أنا."
بحديثها الثرثار الذي تستمتع به هيام، استكملت نورا حديثها:
"حاسة إني طايرة من الفرحة. أنا جهزت كل حاجة عشان لما ياسر يرجع كمان يومين ما يتعبش نفسه في حاجة خالص."
أسندت هيام وجنتها بقبضتها وهي تضع مرفقها فوق الطاولة قائلة:
"يا عيني على الحب. من أولها كدة هترتاحيه في كل حاجة."
نورا:
"طبعًا أمال إيه. مش كفاية إنه يا دوب هيقعد معايا شهر واحد ويسافر تاني."
أرخت هيام قبضتها لتعلو ملامحها الجدية تلوم نورا على تفكيرها الخاطئ بهذا الأمر:
"والله إنتي غلطانة. ما تسافري يا بنتي مع جوزك."
اتسعت عينا نورا بذهول مردفة بدون تفكير:
"وأسيبك لوحدك؟!!!! لأ طبعًا. ده أنا ما صدقت إننا لما اشتغلنا اشتغلنا مع بعض تقول لي أسافر وأبعد عنك؟!!!!"
بغَرابة من تصرف نورا، لاحت ضحكات هيام المتعجبة:
"ليه بقى؟ هتاكلني القطة؟!!!!"
نورا:
"لأ. بس متنسيش إن أنا الحتة الطرية اللي في حياتك المعقدة دي."
ضمت هيام شفتيها مستنكرة:
"وده يخليكي تقعدي هنا وتسيبى جوزك يا مجنونة."
برفض تام لسفرها برفقة زوجها، أخذت تتعذر بالعديد من الأسباب الواهية:
"وأهلنا دول؟ أسيبهم يعني؟ مقدرش أبعد عنهم. بتخنق في السفر."
بذكاء استطاعت هيام إدراك السبب الحقيقي لرفضها السفر وهو فكرة وحدتها وبعدها عن أحبائها الكثر:
"قولي بقى مش هتعرفي تتحشري هناك بالإنجليزي. صح؟!!!!"
قهقهات عالية صدرت من تلك المرحة فقد فهمتها هيام بذكاء لتردف وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها بعد أن كشفتها هيام:
"آه يا فهماني انتِ. ما أنا لو شاطرة زيك في الإنجليزي مش هيهمني. بس معرفوش والله خيبة فيه ما انتي عارفة. ودي إنجلترا مش أي كلام يعني."
تطلعت هيام بساعة يدها لتردف بقطع حديثها:
"طب كفاية رغي ويلا بينا نروح. الوقت اتأخر. ومش هينفع أروح أدي الدرس دلوقتي. هبقى أعوضهم بقى مرة تانية."
باندفاعية مرة أخرى وبدون تفكير قالت نورا:
"أتصل بأمجد بقى ييجي يروحنا."
هيام بغضب:
"والله يا نورا لو كلمتيه لا أروح لوحدي وماليش دعوة بيكي خالص."
نورا بخوف:
"لأ خلاص. مش للدرجة دي متزعليش نفسك كده. بينا على أتوبيس الشعب."
عادت كل منهما إلى منزلها بعد يوم طويل مرهق.
***
ستظل دومًا وحدتي هي رفيقة دربي. ترى هل لي نصيب من قلب محب يومًا أم سأظل مرافقة لتلك الوحدة حتى النهاية؟
استعدت هيام للنوم بعد قضاء يوم طويل برفقة صديقتها لتتفكر بحياتها المملة التي لولا دخول نورا بها لانفجرت من الملل. نورا شخصية اجتماعية بطبعها ولا تبالي بأي شيء على الإطلاق. مرحة، عفوية، مندفع. ترى الأمور على سجيتها تعيش حياتها بدون تفكير أو تخطيط.
بدأت تتذكر حديث نورا عن خطيبها وحبهما الذي جمع بينهما دون سابق ميعاد واستمر بقوة لتحدث نفسها:
"يا ترى هيجي اليوم وأحس فيه نفس الإحساس ده؟ ولا مكتوب عليا الشغل وبس. ما أنا مقدرش أقصر مع أهلي. ده أنا الوحيدة اللي بشتغل في البيت ده ومن غير الفلوس دي هنعيش إزاي؟!!"
ثم أكملت بسخرية على حالها:
"وحتى لو حبيت. ولا اتحبيت. هاتجوز إزاي وأسيبهم. ده لسه المشوار طويل قوي. يمكن أمجد بيحبني أه. بس أنا مش بحبه وعمري ما هفكر أتجوز واحد لمجرد يصرف عليا وعلى أهلي."
تنهدت بصدر مثقل لتنفض تلك الأفكار عن رأسها، تحث نفسها على الخلود للنوم أفضل من إشفاقها على نفسها بتلك الصورة:
"أنا أنام أحسن لي ورايا شغل بكرة الصبح."
هكذا أنهت هيام يومها بالوحدة والملل في يوم جديد من حياتها المتشابهة. فحزنها صامت في داخلها كعادتها فهي لا تحب أن يرى أحد ضعفها وحزنها ودموعها على الإطلاق. أغمضت عينيها بحزن فوق وسادتها لتخلد بنوم عميق بعد تعب هذا اليوم الطويل.
***
لندن.
بعد أن تناولا طعامهما حتى التخمة، أعاد كرم جزعه للخلف بتلذذ قائلاً:
"مش قادر أكل خلاص بطني اتملت. والله هيوحشني طبيخك ده يا أخي."
بزهو بما صنعه أجابه ياسر بتفاخر:
"على الأقل فيه حاجة بعملها بتعجبك أهو."
كرم:
"إنت في الأكل بصراحة لا يعلى عليك."
عقب ياسر بنبرة مازحة بالرغم من أن ما يقوله ليس مزاحًا على الإطلاق:
"عود نفسك بقى. هما يومين وأرجع مصر وبعدها أرجع هنا أنا ونورا وإنت يتولاك ربنا بقى."
رفض كرم ما يبلغه به ياسر ليهتف بتحذير:
"ماليش فيه. أكلي كل يوم عندكم. وأنا هأروح فين أنا خلاص اتعودت على الأكل ده."
ياسر:
"يا أخي أنا مش عارف قبل ما تعرفني كنت عايش إزاي؟!!"
أجابه كرم بلا مبالاة بحاله قبل معرفته به:
"زي الناس عادي. بشتغل وعايش."
أردف ياسر ساخرًا من حياة صديقه الخاوية:
"ودي عيشة دي؟ مقدرتش تتجوز؟"
رغم أن ياسر كان يتعجب من أن شاب وسيم ثري ككرم مازال يفضل بقاءه أعزب وهو يتمتع بكل تلك المقومات التي يحتاجها المرء للزواج والاستقرار، ليجيبه كرم بجدية تامة:
"أنا مش هاتجوز إلا لو حبيت ولحد دلوقتي ملقتش واحدة أحبها. يبقى هأاتجوز ليه؟"
ياسر:
"غريبة مع إنك مش صغير وإمكانياتك ما شاء الله. ده إنت بقالك كتير قوي عايش هنا."
كرم:
"يمكن أقابل واحدة تخطفني وتخطف قلبي ساعتها مش هأسيبها أبدًا."
تحول حديثهم من المزاح إلى الجدية التامة:
"إنت اللي عاجباك عيشة العزوبية دي."
اتخاذ ياسر منحنى المصلح الاجتماعي وإبداء له النصائح وهذا ما لا يحبذه كرم مطلقًا ليتصنع المزاح هربًا من حديث يعلم نهايته:
"مالك يا أخ!!!! عامل فيها زي الست والدتي كده ليه؟"
انتبه ياسر أن كرم قد انزوى تمامًا عن لقائه بوالدته ليسأله بفضول:
"على سيرة الست والدتك. مش ناوي تزورهم مرة؟"
تجهمت ملامح كرم حين تذكر ما فعلته معه والدته ليردف بضيق ظهر جليًا على ملامحه ونبرة صوته المختنقة:
"ياسر!!!! إنت عارف المشاكل اللي بيني وبينها من ساعة ما اتجوزت وسابتني فمتفتحش أبواب مقفولة من سنين. هو أنا يعني أمثل لها حاجة. دي ما صدقت ورمتني عشان تروح تتجوز وتعيش حياتها بعد وفاة بابا."
شعر ياسر بتطفله وتسببه بضيقه ليسأله بوجه ضاحك:
"خلاص متزعلش. بس اعمل حسابك إنك كده كده جاي الفرح."
كرم:
"فرح؟!!!! لأ طبعًا وأنا أعرف مين في مصر عشان أنزل!!!! لما تيجوا إن شاء الله هأظبطكم هنا."
لإدراكه أن صديقه وحيد تمامًا لا يملأ حياته سوى العمل وبعض الأوقات التي تجمعهم بعد نهايته ليصر على أن يشاركه سعادته بوجوده بالقاهرة، تلك البلدة التي لم تطأ قدماه إليها من قبل.
ياسر:
"أبدًا. مش هيحصل لازم تيجي تحضر الفرح. وإلا والله هتبقى دي اللي بيني وبينك. أهو تغير جو وتشوف الدنيا اللي إنت متعرفهاش دي. مش عارف مصري إزاي وعمرك ما رحت مصر؟!!!!"
كرم:
"خلاص وقتها نبقى نشوف."
انتهوا من تناول طعامهم ليجلس كرم ناظرًا نحو التلفاز غارقًا بأفكاره لا ينتبه إطلاقًا لما يعرض على هذه الشاشة:
"أمي!!!! وهو أنا ليا أم ولا عيلة من أصله. أهي رمتني من صغري وراحت تشوف حياتها وكأنها ولا ليها ابن ولا تعرف عني حاجة. حتى عيلتي عمري لا شوفتها ولا عرفتها من يوم ما وعيت على الدنيا. أنا معنديش غير شغلي. شغلي. وبس."
استأذن كرم من ياسر ليأوي إلى فراشه وينهي ليلته فربما يمن الله عليه ويرى خاطفة قلبه في أحلامه اليوم. ذلك الحلم الذي يتكرر كثيرًا بهذه الفتاة الجميلة التي لا يعرفها لكنه قد حفظ ملامحها بقلبه دون أن يراها أو يعرفها يومًا. كحورية تزوره بمنامه وتطل له في أحلامه كقارب نجاة. تأخذ بيده ويسعد بقربها. وكأن نصيبه أن يعشقها في أحلامه فقط.
***
لم تنتهِ تلك الليلة بعد، فمع ثقل تلك القلوب إلا أن هناك قلوب محلقة يملؤها الشغف والحماس فما هي إلا أيام قليلة وتتلاقى الأعين بعد غياب دام لعام كامل.
نظرت نورا إلى صورة عقد قرانها مع ياسر بعشق حقيقي تتمعن طويلًا في ملامحه كما تفعل كل ليلة حتى لا تغيب ملامحه عنها فقد طال غيابه كثيرًا.
نورا:
"ياااه إمتى بقى ييجي بعد بكرة وأشوفك يا ياسر. وحشتيني قوي. مش متخيلة إن بعد أسبوعين بس فرحنا. وأخيرًا ربنا هيجمعنا سوا بعد الغياب الطويل ده. مش عارفة إيه حبك في إنك تكمل الماجستير بتاعك في إنجلترا."
أغلقت عينيها المشتاقة للقائه لتكمل يومها بأحلامها الجميلة بزوجها المستقبلي وزفافها القريب.
***
أقسى أنواع العشق أن يرتجف قلبك شوقًا وتلهف لقلب لا يشعر بك، ولا يهتم لما يمكنك عطاؤه لأجل لحظة تشعر بها بأنك ذات قيمة بقلبه.
أخرج أمجد صورة هيام التي أخذها خلسة بدون أن تنتبه له نورا، هام حبًا وعشقًا بملامحها الناعمة الآخاذة التي سلبت قلبه منذ سنوات.
امجد:
"نفسي تحسي بيا وبحبي بقى. لحد إمتى هتبقى بعيد. بس لو تديني فرصة أثبت لك فيها قد إيه أنا بحبك ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك يا قلبي أنا."
***
اليوم التالي.
بدأ يوم هيام الروتيني بمرورها ببيت نورا أولًا لاصطحابها وذهابهن للمدرسة كالمعتاد. وما لم تدركه أيضًا هو تلك العيون المترصدة لقدومها منتظرًا رؤيتها لبدء يومه أيضًا، فأمجد يعتبر اليوم الذي لا يراها به لا وجود له.
بسؤال متحمس فكل تلك التفاصيل تسعدها لاستعداد صديقتها باستقبال خطيبها القادم من السفر:
هيام:
"جربتي الفستان؟"
نورا:
"تحفة. ذوقك رهيب. مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه."
هيام:
"بعد كده تبقي تنزلي تشتري إنتي وياسر بقى."
علت ضحكة نورا بشكل ملحوظ فهيام لا تدري شيئًا عن ياسر خاصة وأنهم لم يتقابلا من قبل.
نورا:
"ضحكتيني يا شيخة. ياسر!!! ده أخيب مني مية مرة. مبيعرفش ينقي حاجة أبدًا."
هيام بإستغراب:
"لأ والله. ما جمع إلا أما وفق بصراحة."
نورا:
"بكرة تشوفه. ربنا يستر علينا. يلا يلا الأتوبيس جه أهو."
استقلتا الحافلة تتجنبان الزحام لكنهما مجبرتان عليها. وقفتا إلى جوار بعض الفتيات الظاهر عليهن متجهات إلى الجامعة أو شيء من هذا القبيل لتتحرك الحافلة بطريقها.
***
المدرسة.
وضعت سعاد حقيبة بلاستيكية ممتلئة فوق الطاولة وهي تحدث نهلة بعجالة:
سعاد:
"أنا جبت الفطار معايا أهو. نحضر بس الطابور وعندي الحصة الأولى فاضية نقعد نفطر سوا."
نهلة:
"أيوة كده يا سيدي يا سيدي على الروايح اللي تفتح النفس."
أقبلت كلًا من هيام ونورا تتحدثان حتى دلفت من باب غرفة المعلمات ليلقيا على سعاد ونهلة التحية. كان ردهما مقتضبًا للغاية فرؤيتهما ببداية اليوم يسبب لهما الضيق، لكن سعاد أردفت ببسمة باهتة رغم ذلك:
سعاد:
"تفضلوا افطروا معانا."
نورا:
"شكرًا يا بلة سعاد يا دوب نلحق عندنا الحصة الأولى."
هيام:
"بالهنا والشفا يا بلة. يلا يا نورا نلحق الطابور."
وضعت كل منهما حقيبتها وتحركتا نحو ملعب المدرسة لاستقبال التلاميذ بانتظار بدء طابور الصباح وسط امتعاض وجه سعاد ونهلة وميل كل منهما بأذن الأخرى لا ينفكان من استكمال نميمتهن على من تقع عيناه عليهم خاصة هيام ونورا.
***
أمير.
أبدل ملابسه بضيق فلولا ضغط أشرف ما فكر في العدول عن فكرته ولظل حبيس غرفته يفكر في مأساة ما مضى.
تذكر بحزن آخر يوم رأى فيه حبيبته ميادة وهي تكاد تلتصق بصديقه المقرب عصام بحميمية زائدة في أحد الكافيهات يتضاحكون برعونة. حين رفع صديقه ذراعه ليحيط رقبتها ويضمها إليه غير عابئ بالمارة من حولهم.
تذكر كيف جن جنونه لرؤية هذا المشهد أمام عينيه لينفعل صارخًا بهما ليفزعا لرؤيته فلم يتوقعا مجيئه في مثل هذا الوقت وهذا المكان. لكن وقع الصدمة حين نظرت له باستنكار رافعة أحد حاجبيها بتعجب قائلة:
"ملكش دعوة بيا أنا حرة. أنا وعصام بنحب بعض وخلاص هنتجوز قريب. إنت متنفعنيش أنا عايزة راجل متفتح زي عصام مش خيبة زيك كل همه الكتب والمعمل."
أفاق أمير على صوت رنين هاتفه باسم أشرف ليجيبه بامتنان بينما قال لنفسه أولاً:
"كأنك حاسس وبتقطع عليا حتى أفكر فيها."
أمير:
"ألو. أيوه يا أشرف."
أشرف:
"ها. جاهز؟"
أمير:
"جاهز. إنت جيت؟"
أشرف:
"أيوه أنا واقف تحت البيت عندك أهو. انزل لي بقى."
أمير:
"ثواني وجايلك."
نفض أمير الأفكار التي تحيط به عن رأسه ليستقل السيارة مع أشرف متجهين نحو معمله. توقفت السيارة أمام مبنى إداري يضم العديد من المكاتب والشركات لينظر أمير إلى الأعلى يتطلع نحو لافتة كم اشتاق لرؤيتها في الفترة الماضية ليقرأ سرًا محتواها.
"الأمير للتحليلات المعملية والكيماوية"
ابتسم أشرف لصديقه سعيدًا بتلك الخطوة بطريق النسيان واستكمال حياته ملقيًا كل ما يسبب له الضيق خلف ظهره والالتفات لعمله المحبب.
أشرف:
"حمد الله على السلامة يا باشمهندس."
هلت على وجه أمير شبح ابتسامة باهتة ليمد يده حاملاً حقيبته الجلدية السوداء ليترجلا من السيارة متجهين للمعمل الخاصته.
***
المعمل.
وقف شاب متوسط الطول أبيض اللون ذو لحية سوداء قصيرة باضطراب يهتف بزميلته بنبرة قلقه:
أحمد:
"حرام عليكي يا عبير افتكري الله لا يسيئك وديتي تقرير شركة الأسمدة فين أستاذ أشرف لو جه هيودينا في داهية."
عيبها الوحيد هو النسيان وعدم التركيز رغم بساطتها وهدوئها ليطغى هذا العيب على كل محاسنها ولا يرى سواه.
رفعت عبير رأسها المستدير تجاه أحمد لتظهر ملامحها البسيطة لفتاة بيضاء ذات شعر بندقي متوسط الطول وملامح هادئة، لكنها كانت مضطربة للغاية تبحث بين كومة من الملفات بعشوائية فهي تبحث عن هذا التقرير ما يقرب من الخمسة عشر دقيقة دون جدوى لتسبب فوضى كبيرة بالمكتب.
عبير:
"والله كنت حاطاه هنا باين. دور تاني يمكن تلاقيه."
انتبه أحمد لصوت خطوات تقترب من المكتب لينهر عبير بقوة:
أحمد:
"يا نهار مش باين اسكوتي خالص شكله طالع على السلم."
دلف أمير إلى المكتب لتتحول نظرة التجهم خاصته إلى الضيق الغاضب ليقتضب حاجباه بقوة مردفًا بحدة غير معتاد عليها إطلاقًا بتعامله مع موظفيه:
أمير:
"إيه البهدلة اللي انتوا عاملينها دي. ده ولا كأنه سوق."
اتسعت عينا عبير بتخوف لرؤيتها عودة أمير صاحب المعمل لتهتف بتفاجؤ:
عبير:
"باشمهندس أمير. حـ..حمد الله على السلامة."
نظر أمير نحو عبير بغضب أكبر لا يعلم هل لعملها بفوضوية يكرهها أم لأنها فقط أنثى من نفس نوعية ميادة. زاد ذلك من حدته خاصة وهي تتحمد على سلامته، فبأي حق تسمح لنفسها بذلك.
أمير:
"إنتي هاصاحبيني؟!!!!!!!! شوفى شغلك."
ثم أكمل بلهجة تحذيرية جافة:
"قدامكم نص ساعة وألاقي كل الملفات مترتبة في المكتب ده وإلا حسابكم هيكون معايا عسير."
أحمد:
"تمام يا باشمهندس."
أسرع أمير بخطواته نحو مكتبه يتبعه أشرف من خلفه بعدما رمق كلا من أحمد وعبير بنظرة تحذيرية عن الإهمال الواضح في المكتب.
فور دخوله لمكتبه استكمل أمير حديثه بحدة تجاه أشرف:
أمير:
"إيه الفوضى دي يا أشرف؟!!!! إزاي المعمل بقى كده؟"
رغم أن كل شيء كان يسير بدقة متناهية والأمور على ما يرام إلا أن خطأ عبير وأحمد اليوم وتلك الفوضى التي لا تتكرر جعلته يستغلها كسبب بذكاء كبير.
أشرف:
"عرفت بقى إنه كان لازم تنزل وتباشر شغلك بنفسك."
أومأ أمير رأسه إيجابًا فلن يضيع حلم عمره ومعمله هباءً لأجل من لا تستحق حتى أن يفكر بها.
أمير:
"إن شاء الله كله حيبقى أحسن من الأول. بس اللي بره دول لازم تشدهم لي."
أراد أشرف أن يغمسه بالتفكير بالعمل أيضًا ليبدأ وضع له أحد العراقيل لينشغل بالتفكير بحل لها.
أشرف:
"أنا ما أنكرش إنهم لازم حيتجازوا على المنظر ده بس برضه متنساش الحمل كان كتير عليهم الفترة اللي فاتت."
أمير:
"قصدك إيه؟"
أشرف:
"إحنا محتاجين كمان كيميائي في المعمل يجهز التقارير."
أمير:
"تمام. شوف لو فيه حد مقدم ورقة واعمل له مقابلة."
لم يكن هذا ما ودّه أشرف بل كان يتوقع أن يختار أمير العاملين لديه بنفسه.
أشرف:
"وإنت. مش هتختاره معايا؟"
أمير:
"أنا مش فاضي لوجع الدماغ ده. اختار إنت أنا متأكد إنك حتختار الأصلح."
أشرف:
"خلاص متشيلش هم الموضوع ده. أنا هأخلصه. وإنت راجع التقارير اللي عندك على المكتب دي ويلا كمل بقى المشروع بتاعك."
أمير:
"إن شاء الله."
ترك أشرف مكتب أمير ليطلب من عبير ملف الطلبات المقدمة للعمل بالمكتب ثم توجه مباشرة نحو غرفة المعمل حيث يعمل.
رواية لحظات منسيه الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
خُطوة واحدة لبداية حياة جديدة ، خُطوة يكسوها الأمل والتفاؤل ، ما عاد يفصلنا سوى ساعات لـ اللقاء المرتقب ...
دفع ياسر نظارته الطبيه بسبابته وهو يستكمل حديثه مع كرم ...
ياسر: أنا خلاص مسافر بكرة مش عايزك تتعبنى و أقعد أتحايل عليك تاني ... حـ تيجي الفرح يعني حـ تيجي الفرح ...
خَلل كرم أصابعه بخصلات شعره العشوائية رافعًا حاجبه الأيمن بتلذذ لرؤية صديقه يلح عليه بتلك الصورة لحضور حفل زفافه ...
كرم: خلاص يا سيدي فهمنا ... إنتَ حُر ... أنا معرفش أي حاجة في مصر ... يعني إنتَ إللي حـ تبقى شايل الشيله كلها ... متجيش تقول لي عريس ومش فاضي بقى والحركات دي ...
عقص ياسر أنفه متهكمًا من تهرب كرم المستمر ...
ياسر: لا يا أخويا متقلقش ... إنتَ حـ تبقى معايا ومع إخواتي عادي مش حـ تحس بفرق وبجد حـ تنبسط في الاجازة دي ... حد ميحبش يجي مصر برضه ...!!!!
كرم: لأ طبعاً بس أنا قُلت لك أنا معرفش حد هناك حـ أروح ليه ...!!
ياسر: و أهو بقى ليك أهو ...
إستقام كرم بجلسته يَعِدُ ياسر بأنه لن يُخلف وعدًا قد وعَدهُ به ...
كرم: عمومًا سافر إنتَ بكرة وأنا حـ أجيب لك على الفرح .. كويس كده ..؟!!!
إبتسم وجه ياسر الهادئ براحه ...
ياسر: أنا مش عايز أكتر من كده ...
رفع كرم نظارته الشمسية السوداء فوق عيناه وهو ينهض للمغادرة ...
كرم: أنا نازل رايح الشركة بقى إتأخرت ...
ياسر: خدني في سكتك على الجامعه أنا كمان ..
بضحكه قصيرة ساخرة من تطفل ياسر كعادته ليقوم بإيصاله بسيارته للجامعة بدلا من أن يستقل سيارة مستأجرة ...
كرم: طول عمرك براشوت ... يلا إنجز ...
=====
سميرة .....
بعد تملل بفراشها دام لساعة على الأقل قررت أخيرًا النهوض للبحث عن أي شئ تفعله ليمر اليوم فجميع الأيام تتشابه تمامًا بنفس روتينها الممل فها هي تقضي الساعات دون هدف فلا دراسة تُلهيهَا ولا عمل تقوم به ....
مطت شفتيها بتملل وهى تلقي بتحية الصباح على والدتها المنشغله بأعمال الطهى ...
سميرة: صباح الخير يا ماما ..
ام هيام: صباح الخير يا سميرة ...
دارت سميرة بعيناها تبحث عن شئ ما ثم أردفت بتساؤل ...
سميرة: أُمال هبه راحت فين ....؟؟
ام هيام: راحت المدرسه من بدري ....
تنهدت سميرة بتملل لتزفر ببطء وهى تقلب عيناها بسأم ...
سميرة: طيب ....!!!!
لم تكن تبحث عن أختها الصغرى إلا لقضاء بعض الوقت سوياً لا أكثر ، فما أكثر الملل حين يَنشَغِل البقية عنك ، جلست بغرفة المعيشة تقلب بين قنوات التلفاز التى أصبحت أكثر ملل ، أليس هي نفسها نفس القنوات التى كانت تتمنى مشاهدتها أثناء دراستها وتشعر بأنها حُرمت من متابعة برامجها الطريفه بسبب المذاكرة والإمتحانات ...
خرج والدها من غرفته بحركته البطيئة مشاركاً جلستها بأعين زائغه متعبة للغاية ...
سميرة: إنتَ تعبان يا بابا ...؟؟!!!!
الحاج سعيد: لأ يا بنتي الحمد لله على كل حال .. بس ناوليني الدوا بتاعي من جوه أحسن نسيته كالعادة ...
عملاً بسيطًا كان غاية لها لتقفز من جلستها مردفه بشقاوة ...
سميرة: ودة ينفع برضه يا حاااااااج ...
أسرعت نحو غرفة والدها لإحضار الدواء أولاً قبل أن تعود لغرفتها وتبدل ملابسها لتخرج باحثه عن أي فرصة عمل ربما يحالفها الحظ هذه المرة ....
=====
المعمل ...
عمله الدؤوب هو ما يميز شخصية أشرف الذى لا يتكاسل مطلقًا عن عمل وكِل إليه ، فمن يراه يظن أن هذا المعمل ملكية خاصة له ليس موظفًا به هو أيضًا ..
أخذ يطّلع على تلك الطلبات المُقدمه للمعمل للعمل مرفقة ببعض شهادات الخبرة ، كما قام بفرزها جيدًا ليتوصل لعدد من الطلبات الجيدة لكن يتبقى مقابلتهم شخصيًا للحكم على مدى قدرتهم وكفائتهم للعمل بالمعمل ....
طلب أشرف من عبير أن تدلف لمكتبه وهو مازال يقارن بين الطلبات المقدمه بتركيز شديد ...
رفع وجهه تجاهها وهو يمد يده ببعض الأوراق بجدية تامة ...
اشرف: عبير ... لو سمحتي عايزك تتصلي بالأربعة دول يعملوا مقابلة بكرة الصبح ....
كانت تنتظر توبيخه عما حدث بالصباح لتتنفس الصعداء حين طلب منها هذا الطلب فقد ظنت أن الأمر قد مر بسلام ...
عبير: حاضر يا أستاذ أشرف ... خدمة تانية ...؟!!!
بملامحه الجادة وهيئته المسببة للإرتباك حذرها أشرف بحده ...
اشرف: و إللى حصل النهاردة دة ميحصلش تاني فاهمه ...!!!
تخوفت عبير بشدة لتبرر ما حدث لـ أشرف ...
عبير: والله يا أستاذ أشرف إحنا كنا بندور بس على ورقة مهمة تايهه مننا ... و ....
قاطعها أشرف بحزم فهذا التصرف غير مسئول مطلقًا ...
اشرف: ولو ... البحث يكون بنظام وترتيب ... ومن الأساس الإهمال بالورق و رميه فى كل مكان خطأ قاتل ... مش عاوزه عندنا هنا ...
أومأت بتوتر تريد أن تنهي تلك المقابلة قابضة النفس ...
عبير: أكيد طبعًا يا أفندم ...
خرجت عبير وهى تتنفس الصعداء لعدم مجازاتها اليوم فعصبية أمير وغضب أشرف كانا لا يبشران بالخير ...
جلس أحمد مترقبًا عودتها بقلق لينهض على الفور حين دلفت للمكتب متسائلاً ...
احمد: ها .... عمل إيه ....؟؟
وضعت عبير كفها فوق صدرها وهى تتشدق بكتفيها ببعض الراحه ...
عبير: أسكت يا أحمد ... دة أنا قلبي كان حـ يوقف ...
احمد: كله من عمايلك !!!! ... يا بنتي ركزي حـ تودينا في داهيه ... أنا مش عارف إتخرجتي من كليه العلوم إزاي ...؟؟؟!!
لم يعجبها تلك النبره التهكميه ورؤيته لها بهذا الغباء لتبرر إضطرابها المتكرر ...
عبير: أنا مش بحب الضغط ... بالراحة عليا كلكم ...
احمد: الحمد لله إنها جت على قد كده ... أنا داخل المعمل أجيب تقرير مصنع البتروكيماويات أراجعه قبل ما ندخله للباشمهندس أمير ... وهو شكله راجع مش طايق نفسه ...
عبير: فعلا والله ....
تركها ليلج للغرفة الداخلية للمعمل أثناء متابعتها له بهيام شديد لتردف بنبرة منخفضة للغاية ..
عبير: أوووف ... هو أنا كل ما آجى أقرب منك تحصل مشكله تطلعني غبيه قدامك ....
نظرت عبير نحو الملف الذى مازالت تمسكه بيدها لتخرج أرقام أصحاب هذه الطلبات للإتصال بهم للمقابلة حين وجدت طلب صديقتها سميرة على رأس هذه الطلبات ...
بوميض مبتهج للغاية هتفت عبير ..
عبير: إيه دة أخيرًا ... دى سميرة حـ تفرح أوى ... يا ريت بجد تتقبل في الشغل هنا ...
كان رقم سميرة أول الأرقام التى إتصلت بها لحماسها الشديد لتزف إليها هذا الخبر السار ...
=====
سميرة ...
بعد مرورها على بعض معامل التحاليل والمكاتب لترك طلب العمل لديهم إتخذت طريق عودتها إلى المنزل مرة أخرى ....
فها هو يوم جديد بنفس الملل والإحباط ...لكن ذلك لن يؤثر عليها بالمَرة فعليها الخروج من تلك الدائرة الممله بعمل مقلب بـ هيام عند عودتها من المدرسه لتخفف وطأة الضغوط النفسية عليهن جميعًا ....
قطع سبيل أفكارها المجنونة رنين هاتفها بجيب سترتها كالعادة لتخرجه مجيبه بإستهزاء عندما رأت رقم صديقتها عبير ....
سميرة: أفندم يا هانم ...!!!!!
عبير: مش حـ تصدقي يا فَقْريه ...
لم تكترث لكونها بالطريق وسط المارة من حولها فقد تحولت ملامحها الرقيقة بلحظة بتعبيرات وجهها الإيمائيه المستهزأه فقد قلبت شفتيها بتقوس غريب مع عقد أنفها بقوة بشكل مضحك للغاية ....
سميرة: ولما مش حـ أصدق بتكلميني أصلا ليه ؟!!!!!! ... بتسمعينى سِموفُونيه صوتك إللى يُخرُم الوِدان دة ليه !!!!! ... هاه ...؟!!!
عبير: يا أختي إبلعي ريقك كده وإسمعي ... بكرة عندك مقابلة مع الأستاذ أشرف عشان الشغل ...
إتسعت عينا سميرة بفرحة و عدم تصديق لما تقوله لها عبير ...
سميرة: إحلفي ....!!!
عبير: والله يا سميرة .. أُمال يعني حـ أكذب عليكِ ...
تبدلت نبرة صوتها لأخرى رقيقة للغاية متناسيه تمامًا الوجه الآخر التى كانت عليه منذ قليل ...
سميرة: حبيبتي يا بيرو والله ...
عبير: دلوقتي بقيت حبيبتك .. ما كنتِ داخلة فيا زي القَطر من شويه ...!!!
شخصية مزدوجة تراها بكل وجه وهى تليق به بشدة ، فمنذ لحظات كانت شقيه ممازحه طريفة للغاية ، والآن هي أنثى متغنجه رقيقة للغاية أيضاً وكلاهما يليق بها ...
سميره: هو مش بيقولك حَبِيبَك يِبلع لك الزلط ...
إستجابت عبير لرقة صديقتها مجيبة بهدوئها الملازم لشخصيتها المستكينة ...
عبير: أيوه ..
لتعيد تلك الشقيه الوجه الممتعض والنبرة المتهكمة مرة أخرى مفاجئة صديقتها التى إعتادت هذا التحول المفاجئ منها ...
سميرة: أهو أنا بلعَالك الزلط من يوم ما شُفتك ...
ضحكتا بشدة فأخيرًا سيتحقق حلم سميرة بالعمل بمساعدة صديقتها عبير ...
عبير: ماشى .... متتأخريش بكرة الناس دي أهم حاجة عندها المواعيد والإنضباط ...
ومضت عيناها بإندهاش مردفه ...
سميرة: غريبة ....!! لما هُم كده ... إنتِ إزاي شغالة معاهم !!!!! ...دة إنتِ بتنسي إسمك أصلا ..
عبير بضحك: أهو ربنا ساترها معايا لحد دلوقتي ....
سميرة: متقلقيش أنا إن شاء الله مش حـ أتأخر ...
عبير: طيب سلام بقى ...
سميرة: سلام ...
أنهت عبير حديثها مع سميرة ووضعت الهاتف على المكتب كالعادة بدون إنهاء للمكالمه ....
لتستمع بعد لحظات بصوت سميرة العالِ ينادى بإسمها ، رغم أن الأصوات بالمكتب كانت تحيط بها من كل جانب إلا أن عبير إستطاعت سماع الصوت لتتلفت حولها باحثة عن مصدر صوت سميرة المنزعج لتلتقط الهاتف واضعه إياه فوق أذنيها وهى تبتسم بقوة ...
سميرة: أبوس إيدك إبقى إتعلمي تقفلي بعد ما تخلصي كلام .. تَعبتي أمي ...
عبير: والله ما أخدت بالي ... إفتكرتك قفلتي ....
بوجه ممتعض مازح للغاية ...
سميرة: مِنك لله دايمًا مخلصة رصيدي ...
هامت عبير لوهله ثم تذكرت أنها هي من إتصلت بها لتهتف ببلاهه ...
عبير: دة أنا إللي متصله ....!!!!
لم تكترث لبلاهه صديقتها لتستكمل لومها بطريقتها التى لا يستطيع أحد الصمود أمامها ...
سميرة: وهي أول مرة .... ما إنتِ على طول كده .... إتعلمي يا ماما ... فيه زرار كده تتكي عليه يقفل ...
عبير بضحك: حاضر .. سلام تاني ... وحـ أقفل أهو ...
أغلقت عبير الهاتف هذه المرة لتتنفس سميرة بفرحة وسعادة وتوجهت مباشرة نحو المنزل ....
=====
المدرسه .....
رغم إنتهاء اليوم الدراسي إلا أن هيام ونورا لم تخرجا بعد من المدرسه ك البقية ، وقفت هيام تحمل عددًا من الدفاتر الخاصة بالتلاميذ بالرواق قائله ..
هيام: أنا خلاص أهو خلصت حـ أروح أحط الكراسات دي في الأوضة و أجيلك ...
نورا: طيب إنجزي بقى الجرس ضرب بقاله كتير مش عارفه إنتِ بتتأخري في الحصه أوى كده ليه ..؟!!!
هيام: ثواني أهو يا نورا ... إللي يشوف كده يقول إنتِ إللي وراكي حاجة مش أنا ...!!!
نورا: أنا ما صدقت أخدت يومين أجازة ... وعايزة أروح بقى أستعد لبكرة ياسر جاي من السفر ...
دلفت هيام لغرفة المعلمات لتضع الدفاتر ثم خرجت مرة أخرى ومازالت نورا تتابعها بالداخل والخارج حين هتفت هيام ...
هيام: يلا .. خلاص خلصت أهو ... ماشى يا ستي حقك برضه تدلعي علينا ما إنتِ العروسة بقى ..
نورا: ما تيجي تقعدي معايا شويه في البيت ...
هيام: لا مش حـ ينفع دة أنا حتى حـ أطلع على الدرس على طول عشان أعوضلهم الحصه إللي فاتت مش حـ أقدر حتى أروح البيت زي كل يوم ..
أشفقت نورا على حال صديقتها التى لا ترتاح قط ، ومجبرة على إستكمال عملها مهما كانت الظروف ...
نورا: بصراحة يومك بيبقى طويل أوى ... دة أنا بروح البيت ومش شايفه قدامي ...
هيام: الحمد لله .. يلا عشان متتأخريش ..
أنهت هيام جملتها بسخرية وتهكم من نورا فهى تحثها على الخروج فورًا من المدرسة لكنها تقبع بالبيت حتى اليوم التالي على خلافها تمامًا فمازال اليوم طويل حتى تستطيع العودة إلى المنزل وإتخاذ بعض الراحة ....
بعد إنتهاء يوم طويل وشاق وتناوب هيام على بعض الطلبه في بيوتهم لإعطائهم هذه الدروس الخصوصية عادت نحو المنزل منهكة كالعادة ...
عادت لتجد والدها ووالدتها قد ذهبا لزيارة عمها ، و سميرة وهبه يتضاحكان بصورة هستيرية وتعلو أصوات ضحكاتهم لتملأ فراغ المنزل بأكمله لترتسم تلقائيًا إبتسامة على ثغرها فور سماعها لضحكاتهم ...
هيام: بتضحكوا على إيه صوت ضحككم وصل لآخر الشارع ...!!!!!
إنتفضت سميرة تنظر من النافذة تجول بعيناها يمينًا ويسارًا ثم عادت تتطلع بـ هيام بإستراب مازح ..
سميرة: لأ لسه موصلش لآخر الشارع .... يلا يا هبه علّي الصوت شويه خلينا نسمع عم حسن البقال في آخر الشارع ...
ضربتها هيام بخفه على كتفها لتجلس إلى جوارها على الأريكة مستكمله ...
هيام: عُمرك ما حـ تكبري أبدًا ...
سميرة: ومين قالك إني عايزة أكبر ... أنا عايزة أفضل طفلة كده طول عمري ...
هيام: سيبى الطفولة لأصحابها ... أو حتى سيبيها لـ هبه ..
نظرت هيام نحو هبه لتفزع من مظهرها فقد وجدت أسنانها يغطى بعضها شئ أسود اللون كما لو كانت مكسورة وتحيط عينها هالة زرقاء كبيرة ، إنتفضت بقلق وأعين فزعة متسائله ...
هيام: إيه إللي حصل ... مالك ...؟؟
بنبرة ضاحكه أجابتها سميرة ...
سميرة: إيه مش عجباكي القمر دي ولا إيه ...؟؟!!
هيام: خضتيني ..!!! لا حول ولا قوة إلا بالله ... مجانين والله مجانين ... أنا قايمة أنام ...
ضحكن جميعًا وسط دعواتهم دائمًا ألا يُحرموا من هذه الفرحة والضحكة الصافية ....
=====
صباح اليوم التالي .....
المطار....
إصطف خارج صالة الوصول أهالى و أحباء هؤلاء المسافرين الذين طالت غيبتهم و أنهَك الشوق قلوب محبيهم ....
وقفت نورا مرتديه فستانها الوردى الجديد الذى إبتاعته مع هيام ...
نظرت بشوق من خلف السور الفاصل بين المنتظرين وصالة الوصول تنتظر زوجها المحب أن يطل عليها عند وصوله ....
مع خروج بعض الركاب الواصلين حديثًا من من باب الوصول تلهف والد ياسر متسائلا بشوق ...
والد ياسر: طيارة لندن وصلت لو سمحت ....؟؟!
"أيوة وصلت الحمد لله ...."
ليزداد إنتباههم بترقب لوصول ياسر بعد غياب دام لعام كامل ، نظرت نورا بلهفه باحثة بعينيها في الوجوه المقبلة منتظرة رؤيته حين سمعت هتاف من أخيه ..
عبدالله: ياسر أهو .. جاي هناك أهو .. يا يااااسر ... يااااسر ...
أَقبَل ياسر عليهم بفرحة يجر بيده حقيبة سفره الكبيرة باحثًا عن كل العيون التى يحبها ...
سَلَم بحرارة على والده وأخيه عبد الله متحمدين له على السلامة ثم والد نورا معلقًا عيناه بها فكم إشتاق إليها ... حبيبته وزوجته المستقبلية ....
دنا منها بسعادة بالغة لرؤيتها بعد إشتياقه الطويل لها ، لتتطلع به هي أيضًا بخجل ممزوجًا بالفرحة ..
دون أن ينتبه له أحد همس ياسر وهو يتلقى كفها ...
ياسر: وحشتيني ...
ردت له نورا همسهُ بهمّس ...
نورا: وإنت كمان وحشتني ....
والد ياسر: حمد الله على السلامه يا إبني ... يلا نروح البيت أمك حـ تتجنن عشان تشوفك ...
ياسر: وهي كمان وحشتني أوى ...
تحركوا جميعًا لإستقلال السيارات متجهين نحو بيت ياسر ...
شعرت نورا بأن ما يحدث معها الآن ما هو إلا حُلم جميل ، شعورها بقرب ياسر جعل إحساسها وكأنها تتحرك بدون أن تدري لكنها سعيدة جدًا ...
لم يُبعد ياسر عيناه عن محبوبته التى إشتاق اليها طوال الطريق حتى وصلوا جميعًا إلى بيت ياسر ....
دعى والد ياسر والد نورا ليستضيفه قليلاً ...
والد ياسر: إتفضل يا حاج ... إتفضلي يا نورا ...
والد نورا: لأ خليكم بقى على راحتكم وإن شاء الله نستناكم على العشا كلكم بالليل ...
والد ياسر: ودة يصح برضه ... تبقى قدام البيت ومتطلعش ...
والد نورا: معلش ... أدينا إطمنا على ياسر ومنتظرينكم على العشا إن شاء الله ....
لم يجد والد ياسر بُد من قُبول الدعوة ليصافحه مودعًا ، بينما وجدها ياسر فرصة جيدة ليتحدث مع نورا التى لم يتمكن من التحدث معها لمحاوطة الجميع لهم منذ وصوله ....
ياسر: إيه الحلاوة دي ...
نورا: عَجَبك الفستان ....!!
ياسر: الفستان وصاحبة الفستان ...
نورا: متتأخرش بالليل دة أنا إللي طابخه بإيدي ....
ياسر: يا دين النبي ... طيارة .. مش حـ أتأخر ...
إبتسمت نورا ضاحكة حين قطع حديثهما الجانبي صوت والدها طالبا منها الإنصراف ....
والد نورا: يلا بينا إحنا يا نورا ...؟!!!!
نورا: ماشى يا بابا ....
====
شقه والد ياسر ....
إستقبلته أمه بإشتياق ولهفه ودموع ليلتفوا جميعًا سعداء بلم شملهم فـ سفر ياسر أثر بهم بشكل كبير فهو إبنهم البِكر ولم يعتادوا على فُرقَتَهم تلك ...
ام ياسر: مش كفاية بقى سفر وتقعد في مصر بقى ...؟!!
ياسر: هو أنا لسه خلصت دراستي يا ماما ...
ام ياسر: ما إنتَ بتوحشني أوى ...
ياسر: والله وإنتوا أكتر بس حـ نعمل إيه .. البعثة دي فرصة مكنش ينفع أسبها تروح مني أبدًا ...
ام ياسر: خلاص يبقى تخلص دراستك دي وتيجي على طول ...
ياسر: حاضر يا ماما ... أُمال فين علي أخويا ...؟؟!
سؤال بديهي سأله ياسر ومازالت الإبتسامة السعيدة تشق وجهه لكن لعثمه والدته قبل إجابتها أقلقته قليلاً حين أجابته ...
ام ياسر: اااااا .... علي .... ااااا ... راح يجيب خالتك واضحه وبنتها من المحطه .. جايين يقعدوا معانا اليومين دول ويحضروا الفرح ...
تلاشت ضحكته وتجهمت ملامحه بقوة رغم إجابته بدبلوماسيه ...
ياسر: أه ... وماله .. ينوروا ... طب أروح أنا أرتاح بقى لأني منمتش من إمبارح وإعملي حسابك يا ماما أهل نورا عازمينا كلنا على العشا ...
ام ياسر: على طول كده ... طب وخالتك حـ نسيبها لوحدها كده هي وبنتها ...؟؟
والد ياسر: ما يجوا معانا يا ستي حـ تعمليها مشكلة ليه .. الناس مرحبين وكتر خيرهم يعني ...
قالها والده يخفف من وطأة الأمر على ياسر رغم عدم إقتناعه بما يقول ...
ام ياسر: إنتَ من دلوقتي حـ تبقى في صَفهُم .... ماشي ...
حرك ياسر رأسه بضيق فقد تناسى أن والدته لم تكن من محبذين هذه الزيجة إطلاقًا بسبب خالته هذه و إبنتها ....
لم يمر على عودة ولده إلا ساعات قليلة وها هي أول المضايقات ، ليميل والد ياسر على أذن زوجته يهمس بضيق حتى لا يسمعه ولده ..
والد ياسر: جرى إيه !!!! .. مش خلصنا ولا ناوية تعكنني عليه في فرحه كمان ؟!!!!!! ... وإيه إللي جايب أختك واضحه دلوقتي مش كانت حـ تبوظ له خطوبته عزمتيها ليه في الفرح ...؟!!!!!
ام ياسر: يعني إنتَ عايز أختي متحضرش فرح إبني ؟!!!!!!!! ... إللي فات مات خلاص ... وهي مش حـ تتدخل تاني وكل شئ نصيب ... هي وعدتني بكده ... دة غير إن حسناء متقدم لها عريس محترم ... يعني كل حاجة خلصت خلاص ...
وقف والد ياسر بضيق قائلاً بتوجس قبل إنصرافه ..
والد ياسر: ربنا يستر ...
ويبقى للأحداث بقيه ،،،
رواية لحظات منسيه الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
إستيقظت سميرة قُبيل الفجر لتتجهز لمقابلة العمل. كان حماسها مفرطًا لدرجة أن النوم جافاها طوال الليل، تتخيل نفسها قد حصلت على الوظيفة وتبني أحلامًا من الوهم.
بعد خروج هيام بقليل، غادرت سميرة متجهة نحو المعمل المنشود. تحلت بالجدية في توتر، واستعانت بالله، فتلك المقابلة الهامة ستفرق كثيرًا بحياتها. بخلاف شخصيتها الهزلية، هي فتاة متفوقة دؤوبة تعشق العلوم والكيمياء تخصصها، فهي متميزة حقًا بهذا المجال.
وصلت للبناية التي يتواجد بها المعمل وهي تفرك بيديها من شدة توترها، لتسحب نفسًا عميقًا قبل أن تصعد نحو المعمل لمقابلة الأستاذ أشرف.
***
المعمل...
جلست عبير خلف أحد المكاتب تنظم بعض التقارير قبل عرضها على المهندس أمير. فمنذ حضوره بالأمس، لم يترك أي فرصة صغيرة أو خطأ بسيط إلا وكان التوبيخ محالفًا لها. ضاق خلقه كثيرًا بعد عودته من الإجازة الطويلة ليصبح شخصًا مغايرًا تمامًا، عصبيًا لدرجة كبيرة.
لم تكن سميرة هي الوحيدة التي تجهزت بدقة لتلك المقابلة، بل هناك أيضًا هؤلاء الشباب الثلاث يجلسون بانتظار مقابلتهم مع أشرف.
قبل أن تدلف سميرة إلى الداخل، جالت بعينيها الواسعتين بداخل المكتب تستكشف الأمر أولًا. ليسري بداخلها الشعور بالسكينة فور أن وقعت عيناها على عبير تجلس خلف مكتب خشبي عريض مبعثرة فوقه أوراق عدة بعشوائية، لترتسم بسمة تهكمية على ثغر سميرة، فعبير لن تتغير أبدًا، فوضوية لأقصى حد.
دنت سميرة من عبير قائلة:
"عبير... أنا جيت أهو."
إتسعت بسمة عبير وهي تشير إليها بالتقدم:
"تعالِ تعالِ... لسه مبدأش متقلقيش."
جلست سميرة فوق المقعد المقابل لمكتب عبير تنتظر دورها بتوتر تخفيه خلف مزاحها المتواصل.
بدأ أشرف مقابلته للأشخاص المتقدمين لشغل تلك الوظيفة بمعملهم واحدًا تلو الآخر، كانت آخرهم سميرة فهي آخر الحضور.
تقدمت سميرة نحو باب المعمل الكبير لتنبهر بترتيب ووضع الأجهزة والمعدات وأدوات المختبر المحيطة بها. كم تعشق هذه الأجواء كثيرًا.
وجدت أشرف يجلس خلف مكتب كبير بآخر المعمل يتطلع إلى ورقة يحملها بيده بتمعن، قبل أن يرفع بصره نحوها بنظرة ثاقبة يحدد تقييمه لها قبل بدء مقابلته معها.
ترك الورقة فوق سطح المكتب وهو يتساءل للتأكد:
"الأستاذة سميرة...؟!"
"أيوة يا فندم."
أشار لها أشرف تجاه المقعد الجلدي الأسود أمامه:
"إتفضلي أقعدي."
إتخذت جلستها بثقة رغم توترها من تلك المقابلة، إلا أنها كانت ثابتة، لبقة، وجادة بصورة غير معتادة. بدأ في سؤالها ببعض الأسئلة الغير مباشرة عن طبيعة العمل المعملي، لتجيبه باحترافية بالغة بعد زوال رهبتها من هذه المقابلة.
إستطاعت سميرة نيل إعجاب وإنبهار أشرف من معلوماتها وقدراتها رغم حداثة تخرجها. ليبتسم لها أشرف في رسمية بنهاية المقابلة قائلاً:
"بصراحة مع إني مش متعود على كدة، بس واضح من طريقتك ومعلوماتك إنِك متمكنة من المعرفة بأساسيات الشغل هنا، ودة نادرًا ما بقوله لحد. لكن مع إنك متخرجة السنة اللي فاتت، إلا أن كَم معلوماتِك مُبهر جدًا."
إشرأبت بعنقها بفخر من مديح أشرف لقدراتها وذكائها، لتُعقب بإستفسار:
"يعني حضرتك كده... أنا قبلت في الشغل ولا إيه؟"
أومأ لها أشرف بالإيجاب قائلاً:
"بإذن الله... بكرة إن شاء الله تجيبى باقى أوراقك وتيجى تمضي العقد."
لولا رزانتها التي حاولت التحلي بها، لقفزت فرحًا بهذا الخبر السعيد، لكنها اكتفت بابتسامة متسعة:
"متشكرة جدًاااا."
"أحب أوضح لك إن أهم حاجة عندنا هنا هي الدقة والإنضباط تمام."
"متقلقش أبدًا من الموضوع ده حضرتك."
"كويس أوي... تقدري تتفضلي."
إشراقة وجهها السعيد استطاعت عبير فهمها على الفور، لتتقدم نحوها ببسمة بلهاء على محياها البسيط:
"لأ... متقوليش... قَبلتي...؟!"
"ااه..."
احتضنتها عبير بسعادة تبارك لها حصولها على عملها معهم بالمعمل:
"حـآجي بكرة أمضي العقد وأستلم الشغل... أنا مش مصدقة نفسي."
"مبروك يا سميرة... وأخيرًا حـ نبقى كل يوم مع بعض زي زمان."
وضعت سميرة هاتفها بجيب الجاكيت خاصتها قائلة:
"أنا حـ أمشي بقى دلوقتِ وأشوفك بكرة... سلام."
"ماشي حبيبتي."
لم تدرك سميرة كيف وصلت المنزل بهذه السرعة، فكان كل ما يشغل فكرها هو فرحتها بقبولها في العمل أخيرًا.
هللت سميرة بفرحة ونشوة حينما رأت أبويها وأختها هبه يجلسون بغرفة المعيشة:
"باركووولى يا بشر... أخيرًا حـ أشتغل."
أشرق وجه والدتها بقوة:
"بجد... يا فرحتي بيكم والله."
"ربنا يباركلي فيكم يا أولادي."
بزهو مما حققته جلست سميرة تستكمل حديثها، فسعادتها لا تكمن بإيجاد عمل فقط، بل هي ستسمح لأختها هيام أن تخفف عن نفسها هذا الحمل الثقيل الذي تحمله بمفردها.
"خلاص بقى ونخف الحمل على هيام شوية يمكن تاخد نفسها شوية."
"يا حبايبى... ربنا ما يحرمنا منكم ولا يحرمكم من بعض."
انتهت فترة النشوة ليتجلى قناع الشقاوة بوجه سميرة لتردف بمزاح وهي تهز رأسها بقوة:
"بلاش مأساويات بقى يا حجوج... مش حـ أقدر أستنى... لازم أكلم هيام في التليفون أقولها."
على الفور دقت برقم أختها تزف إليها هذا الخبر الميمون الذي سعدت به هيام كثيرًا. لكنها رغم ذلك لن تقلل مما تفعله لأسرتها، فتلك مسؤولياتها ولن تتراخى عنها. بل بالعكس، فهي تود أن تبدأ سميرة حياتها وتدخر راتبها لنفسها، فهي تحتاجه أيضًا، وهذا لن يفرق معها بشيء فقد اعتادت حياتها وعملها ومساعدة والديها من سنوات طويلة.
***
في المساء...
قامت نورا ووالدتها بتجهيز العديد من الأصناف الشهية لوجبة العشاء التي تمت دعوة أسرة ياسر لتناولها هذا المساء.
أبدلت ملابسها وتأنقت لمجيئهم، حين دق جرس الباب معلنًا قدومهم جميعًا، ليهرع والدها بإستقبال صِهره وأسرته.
بحفاوة أيضًا قابلهم أمجد يرحب بقدومهم، لتعلو ملامح الجميع بعض التجهم عند رؤيتهم لـ واضحة خالة ياسر الكبرى وابنتها حسناء بصحبتهما. ورغم ما يدركونه عنهما، إلا أنهم حاولوا التحلي بابتسامة لاستقبالهم، فهم ضيوفهم بالنهاية.
لكن التجهم بوجه نورا لم يتبدل بسهولة، فهي رغم بساطتها ووجهها البشوش، إلا أن ما تشعر به يظهر جليًا على ملامحها دون تزييف أو ادعاء لغير ذلك.
نظرت نحو ياسر بنظرة متسائلة دون النطق بها لرؤية واضحة وحسناء هنا، خاصة تلك الفتاة التي اعتبرت دومًا ياسر ملكية خاصة لها وأنها الأحق منها به، لتتذكر افتعالها العديد من المشكلات قبل عقد قرانهما حتى كادت أن تفرقهما عن بعضهما البعض وإفشال تلك الزيجة.
أومأ لها ياسر بخفة حتى تتغاضى عن وجودهم ولا تهتم له، لتغمض عيناها لوهلة منصاعة لمطلبه، فهذا ليس وقتًا ملائمًا لأي مشكلة.
تقدم الجميع نحو غرفة الاستقبال خاصتهم ومعهم واضحة، تلك السيدة الريفية السمراء التي تلتف بملابسها السوداء ووشاحها الأسود الثقيل لتضفي به هالة من الغموض والحدة بعينيها السوداوين. فهي أكبر إخوانها جميعًا، ورغم أن والدة ياسر ليست أختها الشقيقة بل هي أختها الصغرى من والدها، إلا أنها ما زالت تودها بشكل دائم وتقوم بزيارتها كثيرًا رغم بعد المسافة بينهما. فبعد زواجها من والد ياسر استقر بهما الحال بالقاهرة لتبتعد عن أجواء الريف وتصبح أكثر مدنية وتحضرًا عنها.
نظرت واضحة لابنتها الصغرى حسناء التي تشبهها بملامحها بشكل كبير، لكنها أكثر نحافة، ذات أنف مدبب وأعين واسعة، لتجلس إلى جوارها بصمت كما طلبت منها.
أثناء انتظار تجهيز وجبة العشاء، لم تتكلم واضحة وابنتها كثيرًا، مما طمأن نورا أنه ربما قد تغيرتا مع مرور الأيام، خاصة عند ذكر والدة ياسر أن حسناء على وشك خطبتها في الأيام القليلة القادمة.
التفوا جميعًا حول المائدة الكبيرة التي أُعدت خصيصًا لاستقبالهم والاحتفال بعودة ياسر.
"تسلم إيدك يا نورا إنتِ وطنط... الأكل تحفة."
"بألف هنا... بس ده إنت ما أكلتش حاجة!!!... مينفعش كدة... السفر حـ يتعبك بقِلة أكلك دي."
"قِلة أكل...؟؟ يا خبر ده أنا مسحت إللى قدامي كله."
"بالهنا والشفا حبيبي."
تدخلت أم ياسر بمجاملتهم اللطيفة:
"ما هو البركة في نورا بقى تِفتَح نِفسُه."
أجابت نورا بتأكيد فكرة رفضها للسفر:
"والله يا طنط حـ أعمل إللى أقدر عليه هنا... بس هناك بقى...!!!"
رفعت كتفيها بمعنى لا أدري، لتكون تلك إشارة لوالدة ياسر لقول ما تخبئه في جعبتها.
"ليه بقى هو إنتى لسه مش عايزة تسافرى معاه!!!!!!... أمال حـ نجوزه ليه ؟!!!!!.. عشان يرجع يقعد لوحدة...!!"
لم يكن ياسر يود مناقشة ذلك الآن وأمام الجميع بهذه الصورة، ليلوم والدته على تسرعها.
"مش وقته الكلام ده يا ماما... إحنا لسه متكلمناش."
صمتت والدة ياسر بضيق، في حين لاحت ابتسامة خبيثة على وجه حسناء فور إحساسها بأن هناك خلاف بدأ يدب بينهم دون أدنى تدخل منها.
"أنا مش حـ أقدر أسافر وأبعد عن بابا وماما وهيام."
رغم عدم اقتناعه برفضها للسفر، إلا أن ذكر صديقتها سببًا لبقائها أطلق ضحكة تلقائية عالية.
"طب بابا وماما وفهمناها... إيه حكاية هيام دي بقى ؟!!!!... دة أنا نِفسِى أشوفها بجد."
"لو شفتها حـ تحبها جدًا... دى فظيعة."
لم تخلو مكالمة أو لقاء بينهم لم تتحدث به عن هيام، لتثير فضوله لمقابلتها حقًا.
"ما هو طالما إنتِ بتحبيها كدة يبقى لازم أحبها... معقول تبقى صاحبتك دة كُله ومشفتهاش ولا مرة...؟!"
دبت براثن الغيرة بقلب أمجد، الذي اتسعت عيناه بحدة يرمق ياسر بنظرات قوية غاضبة.
"وإنت عايز تشوف هيام ليه ؟!!!!!!!!!... مالك ومالها..؟؟!"
لم يفهم ياسر سبب تغير ملامح أمجد لهذه الحدة المفاجئة، محاولًا توضيح مقصده، فربما قد فهمت كلماته بصورة خاطئة وأنه يقلل من شأن نورا أو يهتم لـ هيام، وهذا غير صحيح بالمرة.
"عادى يعنى... دة من كُتر كلام نورا عنها... تقريبًا بنقضى الكلام كله عن هيام... مفيش سبب تانى يعنى."
"يا سلام... وهو إنت بتسكت ما كل مكالمتك بتبقى عن كرم... كرم... كرم... كرم."
تعالت ضحكات الجميع على طفولتهما ومشاداتهما الطريفة، ما عدا أمجد الذي شعر بغيرة عظيمة بقلبه المشتعل لمجرد حديث غيره عن هيام، لينهض مستأذنًا تاركًا إياهم ليتجه نحو غرفته في ضيق، بينما استكمل ياسر:
"فكرتِينى... لما أقوم أتصل بيه."
بعد تناول العشاء وحان وقت المغادرة، بقى ياسر لبعض الوقت مع نورا، فهو لم يستطع التحدث معها إطلاقًا إلا وسط العائلتين في تطفل الجميع على حديثهم.
"إحكى لى بقى عن كل حاجة إلا هيام."
"وإنت كمان قولى بقى كل التفاصيل من غير كرم."
إنها فرصته ليحاول إقناعها بالسفر معه، ليستطرد حديثه الحاني بجدية:
"نورا حبيبتى... عايزك تفكري تاني في إنك تسافري معايا بجد محتاجلك جنبي."
"مش حابه أروح بلد غريبة كمان مش بفهم بيقولوا إيه."
"هو إنتى حـ تبقى لوحدك ما أنا معاكي أهو."
"مش عارفه يا ياسر... ما تخليني هنا... حتى عشان ترجع على طول... لكن لو أنا سافرت معاك حـ تستقر هناك... أنا عارفه."
زم ياسر شفتيه بضيق:
"يعني مفيش فايدة."
"متضغطش عليا."
"فكري طيب في الموضوع ده."
"حاضر."
***
اليوم التالي...
لندن...
جلس كرم وحيدًا بعد سفر صديقه ياسر، فهذا العام كان ملئ بالأحداث التي كانت جميعها مع ياسر، فبالفعل الأجواء بدونه مملة للغاية.
أخذ يتجول بشوارع لندن العريقة، فكم يفتقد ياسر ومرحه وقلة ذوقه أحيانًا.
"الله يسامحك يا أمي... لولا عمايلك فيا وإهمالك ليا مش كان ليا دلوقتي عيلة وونس بدل قاعدتي وحيد كده... بس أنانيتك بعدتك عني من سنين طويلة لدرجة إني بدأت أنساكي أصلا... ويا ريتني عارف قرايبي في مصر كنت رحت وزرتهم بس للأسف معرفش منهم حد خالص."
***
هيام...
مر اليومان ثقال على هيام، فقد اعتادت على وجود نورا بعفويتها معها، فصداقتهما تمرر الصعاب وقسوة الأيام عليها.
غيابها ترك آثاره بالفعل، لكنها تتمنى لها السعادة مع خطيبها وتقدّر انشغالها بترتيب زفافهما.
***
سميرة...
ارتدت ملابسها بحماس طفلة ذاهبة لمدرستها بأول يوم دراسي، فاليوم ستبدأ عملها بالمعمل.
***
المعمل...
وصل أمير مبكرًا قبل جميع العاملين في المكتب، ليدلف على الفور نحو غرفة مكتبه، واضعًا حقيبته الجلدية السوداء فوق المكتب. خلع سترته برفق واضعًا إياها فوق علاقة خشبية طويلة بجوار زاوية الحائط.
أخرج أوراقه برفق ليبدأ بمراجعتها بدقة وأعاد تحديث بعض البيانات، ليعيد هذه التجربة من جديد. فهو على وشك الانتهاء من مشروعه الذي استغرق منه ثلاث سنوات من البحث.
لم يتبقى غير القليل وإعادة التجربة مرة أخرى للتأكد من النواتج، ليبدأ تدوين عناصر بحثه قبل عرضها على اللجنة المختصة لأخذ براءة اختراع هذه المادة.
وصلت عبير إلى المكتب لتجد الباب مفتوحًا على غير المعتاد، فهي أول من يحضر في الصباح. بلعت ريقها بتوتر مردفة:
"باين باشمهندس أمير وصل زي كل يوم بدري."
جلست خلف مكتبها مخرجة هاتفها من حقيبتها لتضعه إلى جوارها فوق المكتب، حين حضر الأستاذ أشرف يليه أحمد على الفور.
"الباشمهندس أمير وصل...؟"
"أيوة يا أستاذ أشرف."
"طيب تمام... أول ما توصل الموظفة الجديدة خليها تعدي عليا في المعمل عشان تمضي العقد."
"حاضر يا أستاذ أشرف."
تركهم أشرف متوجهًا إلى مكتب أمير للاطمئنان عليه أولًا. بينما نظر أحمد نحو عبير وهو يشير بعينيه نحو أشرف الذي تركهم منذ قليل متسائلاً:
"إيه ده هو فيه مطحونة جديدة حـ تشتغل معانا في المعمل...؟"
"أيوة... جت عملت مقابلة امبارح وإنت غايب... والنهاردة أول يوم ليها وحـ تمضي العقد."
"ربنا يكون في عونها."
أنهى جملته ضاحكًا بسخرية على وضع هذه الموظفة الجديدة في ظل توتر أمير وأشرف في الأيام الأخيرة.
***
بمكتب أمير...
طرق أشرف الباب قبل أن يطل برأسه يناظر صديقه المنغمس بالعمل ومراجعة ملفاته.
"صباح الخير يا أمير."
"أهلا يا أشرف... إنتَ جيت إمتى...؟"
"لسه جاى حالا... إيه إللى إنت عامله في نفسك ده؟!!!!.. أنا قُلت تنزل الشغل مش تدفن نفسك فيه."
"أنا دلوقتي معنديش أهم منه... خصوصًا إنى خلاص قربت أوى أخلص المشروع إللى بفكر فيه بقالي تلات سنين."
"بتهزر...!!"
"أبدًا... خلاص أهو... باقي لي شويه وأعمل آخر تجربة يمكن تظبط معايا المرة دي."
بالفعل هو مهندس مجتهد أثار إعجاب أشرف للغاية بمثابرته وذكائه.
"بتعجبني دماغك... أنا شُفت مهندسين كيمياء كتير... بس مش بتفكيرك وحماسك ده."
"شكرًا على الكلمتين الحلوين دول على الصبح.... أُقعد طيب نشرب القهوة مع بعض."
جلس أشرف مع أمير يتجاذبوا أطراف الحديث، بينما طلب أمير من الساعي فنجانين من القهوة.
رواية لحظات منسيه الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
جلست سميرة ترسم بعقلها عالمًا ورديًا خياليًا، عالمًا لا تشوبه شائبة، فكل شيء يسير أفضل مما نتمنى، والحياة ستصبح يسيرة للغاية بعد اليوم.
تلك هي الأحلام التي صاغتها سميرة بمخيلتها منذ الأمس. بل وصلت أحلامها لما بعد ذلك، فقد استقرت معيشتهم، وتيسر الأمر لأختيها بزواجهن، وادخارها للمال أيضًا. وكل ذلك بمحض خيال تحلم به لمجرد حصولها على فرصة العمل بالمعمل.
بحديث فضولي بدأ أحمد يسأل عبير عن الموظفة الجديدة التي ستشاركهم منذ اليوم. وجدت عبير فرصة جيدة لبدء حديث مع أحمد، ربما يغير نظرته نحوها ويجذبها بأي صورة.
أخبرته أنها زميلة دراستها وصديقتها منذ سنوات طويلة. كان أحمد مستمعًا جيدًا لحديثهم، فحوارهم هذا من القلائل الذي لا يراها به غبية أو ذات ذكاء محدود. شعرت عبير بالسعادة، فربما يشعر يومًا بما تخبئه بقلبها تجاهه.
مرت عدة دقائق وسط حديثهم الشيق، حين أقبلت سميرة تنظر نحو عبير. ما إن رأتها حتى انتفضت ترحب بها.
عبير: جبنا في سيرة القط! أهي يا سيدي، الموظفة الجديدة معانا في المعمل.
التفت إليها أحمد مبتسمًا، وما إن رأى سميرة، لفتت انتباهه بشدة. أحس بأنها مختلفة عن فتيات كثير يعرفهن، وخاصة عبير.
بأسلوبها الجريء، امتعضت وجهها دون اكتراث لهذا الغريب بينهم، مردفة:
سميرة: خير على الصبح جايبة في سيرتي ليه؟
اقتحم أحمد الحديث بينهم قائلًا بذات الابتسامة:
أحمد: بالخير والله يا آنسة.
بحماس شديد، نهضت عبير لتعرفهما على بعضهما البعض.
عبير: أعرفِك يا ستي، ده الأستاذ أحمد حلمي، مسؤول التقارير هنا في المكتب.
لم تستطع سميرة أن تتمالك ضحكتها، فهو يحمل اسم هذا الممثل الشهير ذائع الصيت. علت ضحكتها الساحرة المميزة للغاية، والتي انفـرجت بها شفتيها عن أسنانها البيضاء، لتكسبها جاذبية لا تليق إلا بها فقط.
ورغم ضحكاتها على اسمه، إلا أنه كان سعيدًا بتلك الساخرة منه، لتكسب ضحكاتها بنفسه نشوة من نوع خاص. تطردد لها بطرافة، فقد سحـرته وجذبـت انتباهه من أول وهلة.
أحمد: من غير ضحك، عارف هتقولي إيه! أنا اتهريت بسبب موضوع الاسم ده.
لم يكن اسمه فقط سبب ضحكاتها، بل سخريتها من نفسها أيضًا، لتكمل بسخرية ضاحكة:
سميرة: أحمد حلمي! لا لا لا، عادي ولا يهمك. أحب أعرفك بنفسي، سميرة سعيد.
انفجرت ضحكة مقهقه من أحمد لهذه المفارقة الرائعة، فليس وحده من يحمل اسمًا يستطيع التنمر عليه.
أحمد: والله صعبتي عليا، ده طلع الحال من بعضه.
صدح صوت ضحكاتهم لهذا التعارف الفريد من نوعه في أول يوم عمل، لكن ضحكاتهم تلاشت فور سماعهم صوت أمير الغاضب الذي فاجئهم. صوت ضحكاتهم الصاخبة التي استطاع أمير سماعها من غرفة مكتبه، جعلته ينتفض بغضب خارجًا من قوقعته لعدم تحمل تلك الرعونة وقلة الحياء. هذا المكتب له سمعته وجديته التي ينبغي على الجميع توقيرها واحترامها.
ما زاد من انفعاله واشتعال غضبه هو رؤيته التفاف موظفيه حول فتاة ما، كانت هي سبب كل هذه الضجة والضحكات المفاجئة. فتاة متلونة أخرى تسعد بجذب الجميع والتفافهم حولها. لم يشعر بنفسه إلا وقد تعالى صوته الغاضب صارخًا بهم:
أمير: إيه التهريج اللي بيحصل هنا ده؟
ابتلعت عبير ريقها بصعوبة، وتمنى أحمد لو أن الأرض تنشق وتبلعه بتلك اللحظة، فهو يدرك توابع ما سيحدث الآن.
تلعثمت عبير بحروف كلماتها التي خرجت من شفاهها بصعوبة بالغة:
عبير: ااا... أصل... آسفين والله...
انتفضت سميرة من صوت أمير الغاضب الذي كاد يوقف قلبها من الفزع، فقد تفاجأت بهذا الغضب والصراخ، خاصة عندما تحولت عيناه الغاضبتان نحوها، يوجه حديثه الهادر نحوها:
أمير: إنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟
سميرة بارتباك: ااا... أنااا...
أمير بحدة: إنتي إيه؟ انطقي!
زاغت عيناها بتوتر، خاصة وهي لا تدرك من هو هذا الشخص الذي يخشاه الجميع.
سميرة: أنا الموظفة الجديدة حضرتك.
تطلع بها أمير باندهاش، ثم أدار بصره نحو أشرف بغضب ودون فهم ماذا تقصد بحديثها هذا.
أمير: بتقول إيه دي؟ موظفة إيه؟
أشرف موضحًا: النهاردة أول يوم ليها هنا.
اتسعت عينا أمير بصدمة لتوظيف فتاة مثل هذه هنا بالمعمل، وهو بالكاد يتحمل عبير كونها أنثى. فتاة أخرى تقتحم حياته وعمله، فتاة كـ هؤلاء اللاتي يقلبن الموازين ويفسدن الحياة بوجودهن بها.
تهدج صدره بانفعال وهو يعقب بحدة وقسوة بالغة على كلمة "أول يوم لها بالعمل" قائلًا:
أمير: وآخر يوم! الأشكال دي ملهاش شغل عندي. يلا اتفضلي مع السلامة.
كان وقع الكلمات على مسامع سميرة أقوى بكثير من مجرد حروف وكلمات عابرة، فقد شعرت بضياع كل آمالها وأحلامها التي ترسمها منذ الأمس. ضاعت فرحتها بالعمل الذي بالكاد حصلت عليه. تملكها حزن قوي لم تشعر بمثله من قبل، فهي بالفعل تحتاج لهذا العمل وقد وجدت هذه الفرصة بصعوبة بالغة. كيف ستجد فرصة مثلها؟ كيف ستخبر هيام؟ كيف ستخبر والديها الذين تعلقوا أخيرًا بأمل جديد؟
يجب أن تحارب من أجل هذه الفرصة. لكن قبل تفوهها بكلمة واحدة، اختفى أمير فجأة من أمامها، مثلما ظهر فجأة، عائدًا بانفعال نحو مكتبه، صافقًا الباب من خلفه بقوة.
لم تجد سميرة أمامها إلا الأستاذ أشرف الذي وقف يشاهد ما حدث بضيق. فعلى الرغم من خطئهم، إلا أن رد فعل أمير كان غير ملائم بالمرة، وفيه من المبالغة الكثير بما لا يتناسب مع ما حدث.
سميرة: أنا آسفة فعلًا يا أستاذ أشرف، بس أنا حقيقي محتاجة الوظيفة هنا. أنا عارفة إني لسه حتى ممضتش العقد... لكن!!!
قاطعها أشرف بتجهم:
أشرف: اقعدي هنا. أنا راجع لك تاني.
لم يشأ أشرف أن يقبل اعتذارها أو لا، إلا بعد الرجوع لأمير أولًا، ليدلف نحو مكتبه. بينما جلست سميرة بتحسر، فهي وضعت بين أمرين: إما أن تنتظر وسط كسرة نفسها وطردها في أول يوم لها، وهي غير معتادة على هذا الشعور. أو أن ترحل ململمة بقية كرامتها بدلًا من الاستجداء للبقاء. لكن ظروفها تحتم عليها الانتظار حتى لو كرهت ذلك.
مكتب أمير.
أخذ أمير يتحرك بعشوائية، منفـسًا عن غضبه، حين دلف أشرف لاحقًا به، ينهره بضيق. وهذا طبع أشرف لا يجمل الأمور، بل واضح تمامًا بردود أفعاله كمرآة حقيقية لصديقه الوحيد.
أشرف: جرى إيه يا أمير؟ اللي حصل ميستاهلش كل ده.
توقف أمير عن حركته، وهو يوسع من كفيه بانفعال مشيرًا تجاه باب المكتب، يقصد به من بخارجه، ليردف بأنفاس عالية:
أمير: ميستاهلش! إنت مش شايف لمّاهم حواليها إزاي وقاعدة تضحك وتتمرقع في وسطهم؟ دي أشكال تشتغل هنا؟ وبعدين قولي، اشتغلت إمتى دي؟
أجابه أشرف بتحكم وببعض من الهدوء حتى يجبر أمير على الهدوء والتروي.
أشرف: أنا اخترت أكفأ واحدة اتقدمت ومضيت معاها العقد.
أمير باستخفاف: ليه يعني مفيش ولا راجل كويس؟ ودي بقى هي اللي كويسة؟
أشرف: أيوة، ولا أنت شاكك في اختياري؟
استطاع أشرف بحنكته الوصول لمبتغاه، لتزيغ عينا أمير بارتباك، فهو لا يقصد ذلك مطلقًا، لتبدأ نبرته المنفعلة بالانخفاض.
أمير: لأ، طبعًا واثق فيك وفي اختيارك. بس ليه بنت؟
أشرف: قول كدة بقى. المشكلة إنها واحدة، مش واحد.
بملامح منقبضة وتأثر بالغ، أجابه أمير:
أمير: إنت عارف إن مبيجيش من وراهم خير أبدًا.
أشرف: مش كل الناس زي بعضها، وبعدين هي جايه للشغل وبس، ووجودها أساسه كفاءتها.
ابتلع أمير ريقه باضطراب، وهو يتذكر هيئة سميرة وملامحها الناعمة وشعرها الأسود الذي أخذ يتطاير مع ضحكاتها وحركة رأسها الملفتة، ليردف باضطراب:
أمير: أيوة بس أديك شايف عاملة إزاي! واحدة زي دي تعتبر برضه... اا... صغيرة و... حلوة! وإحنا مش ناقصين مشاكل مع الموظفين أو العملاء بتصرفات مش محسوبة.
أشرف بمكر: عمومًا هي لسه مبدأتـش، ومع الوقت هيبان. ولو صدر منها أي تصرف، أنا بنفسي اللي همشيها. اتفقنا.
رغم رفضه لوجود أنثى أخرى بالمكتب وشعوره بالضيق للتعامل معهن جميعًا، اضطر للقبول بعد حديث أشرف العملي والعقلاني للغاية، ليردف بضيق محذرًا إياه:
أمير: ماشي يا أشرف، بس البنت دي متتعاملش معايا نهاااائي، فاهم؟
أشرف: فاهم يا سيدي. هخلي عبير أو أحمد هم اللي يتعاملوا معاك. كويس كده؟
أمير: طيب.
عاد أشرف إلى مكتب الاستقبال ليطلب من سميرة اللحاق به بداخل المعمل.
أشرف: أستاذة سميرة، اتفضلي معايا.
نهضت سميرة تحبس دموعها التي تحاول الانفلات منها، لكنها حتى الآن قادرة أن تتحكم فيها، فهي ليست بضعيفة لتبكي أمامهم جميعًا، لكنها تأثرت للغاية مما حدث، وخاصة أنها مرغمة على البقاء والانتظار.
أشرف: أنا عارف أن ده أول يوم ليكي ولسه متعرفيش طبيعة الشغل ولا الناس هنا، عشان كده هاديكي فرصة تانية. لكن أي غلطة تانية، هـ تتحاسبي عليها.
سميرة باستفهام: قصد حضرتك إني هكمل شغل هنا؟
أشرف: أيوة، هـ تمضي العقد دلوقتي.
تساؤلات عدة لاحت برأسها، خاصة هذا الشخص الذي لا تدرك من هو بعد، لتشير بإصبعها الإبهام نحو الخلف.
سميرة: طب والأستاذ اا...
بتوضيح من هذا الشخص وما كانتـه بالمعمل، عقب أشرف:
أشرف: قصدك باشمهندس أمير صاحب المعمل. أنا كلمته خلاص، بس يا ريت تتجنبيه اليومين دول عشان هو مبيحبش الغلط.
بسرعة تبـدلت ملامحها المقتضبة لأخرى مازحة، ولاح بريق لامع بعينيها الواسعتين قائلة:
سميرة: ولا هـ أوريه وشي حتى.
ابتسم أشرف لطرافتها، وهو يقدم لها الأوراق الخاصة بعقد العمل لتقرأها قبل توقيعها، لتبدأ عملها بالمعمل بداية من اليوم.
سعد كلا من عبير وأحمد بمرور هذا الموقف الغريب اليوم، وبمشاركة سميرة العمل معهم بالمعمل.
هيام.
انتهت إجازة نورا، لتمر هيام ببيت نورا كما اقتضت العادة، لتذهبا إلى المدرسة. أخذت نورا تسرد كل ما حدث بهذان اليومان بالتفصيل لهيام، والتي عقبت باقتضاب من تشبث نورا بتفكيرها غير المتزن.
هيام: غلطانة يا نورا. سافري معاه، ولا عايزاه يزهق ويدور على غيرك! هو عايزك تونسيه في السفر، تقوم تسيبيه كده؟ ومن غير سبب مقنع كمان.
نورا: مش عارفة، بتخنق فعلًا بره مصر، مش بحب أبعد عن بلدي وأهلي.
هيام: اللي يشوف كده يقول طلعتي بره مصر قبل كده. وبعدين ما هو هيبقى أهلك بقى.
نورا: مش عارفة... أـديني لسه بفكر.
هيام: فكري بس بعقل، بلاش التسرع اللي انتي فيه ده.
نورا: حاضر.
بيت ياسر.
قبل استعداده للخروج، مر ياسر بوالدته قائلًا:
ياسر: متعمليش حسابي في الغدا النهاردة يا ماما، حـ أتغدى مع نورا بره.
أم ياسر: من أولها كده بره.
ياسر: عادي يا ماما، مش خطيبتي وبقالى كتير مشفتهاش.
أم ياسر: ماشي، بس متتأخرش.
ياسر: حاضر يا ماما.
خرج ياسر لشراء بعض اللوازم التي يحتاجها قبل مروره بنورا وقضاء بعض الوقت معها.
في إحدى غرف البيت، جلست واضحة فوق الفراش إلى جوار ابنتها حسناء، يتهامسان بصوت خفيض للغاية، لتصك حسناء أسنانها بغيظ.
حسناء: مش طايجاها ياما.
أوسعت واضحة من عينيها المحددتين بالكحل الأسود، تحذرها من الحديث خشية أن يسمعهما أحد.
واضحة: بس يا بت، لا حد يسمع!
حسناء: مش عارفة إيه اللي عاجبه فيها؟
واضحة: اصبري واعقلي أمال، باقي شوية بس على المراد.
حلقت حسناء عيناها نحو الأعلى، وهي تردف بضيق شديد:
حسناء: والله زهجت وأني شايفاهم كده، وكمان لما قولتي لهم إني مخطوبة.
واضحة: أمال هيرجعوا يطمنوا لنا إزاي يا فالحة؟
تعـلقت عينا حسناء بباب الغرفة تطمئن أولًا، قبل أن تتساءل بهمس:
حسناء: وهـ نحط لـ ياسر الحجاب بتاع الشيخ كرامة إمتى؟
واضحة: لما نجيب قطرها هي كمان عشان العمل اللي هـ نشربه لها.
حسناء بخبث: أيوه وساعتها يتخانقوا ويسيبوا بعض وأتجوزة أنا...
واضحة: وتبقي باضت لك في الجفص يا بت.
حسناء: يا ريت.
المدرسه.
بعد انتهاء اليوم الدراسي، انتظرت نورا انتهاء هيام من حصتها متأخرة كالعادة.
وضعت هيام دفاتر التلاميذ المراد تصحيحها بغرفة المعلمين، ثم حملت حقيبتها ذاهبة نحو نورا التي تنتظرها منذ بضع دقائق.
نورا: أخيرًا يا هيام. خلي الذمة الزيادة بتاعتك دي في الحصص التانية، بلاش في الحصة الأخيرة الله يخليكي. تعبت كل يوم.
هيام: مكنوش خمس دقايق اللي اتأخرتهم عليكي دول!
نورا: طب يلا اتفضلي معايا، ياسر عازمنا على الغدا.
قبضت هيام عيناها بعدم فهم.
هيام: عازمك إنتِ؟ هـ يعزمني أنا ليه؟
نورا: ما هو مش معقول متعرفوش بعض لحد دلوقتي. أقله يعرف مين هيام اللي مببطلش كلام عنها دي.
ببسمة هادئة ورزانة بالحديث، أجابتها مشترطة أولًا:
هيام: حاضر هـ آجي معاكي وأسلم عليه، بس مش هـ أتغدى، ورايا دروس متأخرة والله. ماشي؟
نورا: وهو أنا هـ أغلبك. ماشي يا ستي. يلا بينا بقى، الراجل مستني.
خرجتا من المدرسة ليجدا ياسر ينتظرهما أمام البوابة الرئيسية، جالسًا داخل سيارة أخيه عبدالله التي اقترضها منه لهذا اليوم.
نورا: ياسر... ياسر...
انتبه ياسر لنورا، ومعها صديقتها التي عرفها بالطبع على الفور، فقد استطاعت نورا وصفها بشكل دقيق للغاية.
ترجل ياسر من السيارة مرحبًا بنورا وصديقتها.
ياسر: أهلًا أهلًا. إزيك يا نورا؟ إزيك يا هيام؟
هيام بجدية: الحمد لله. حمد الله على السلامة يا أستاذ ياسر.
ياسر: مبلاش الرسميات دي، دي نورا بتعتبرك أختها فعلاً، يعني أختي أنا كمان.
هيام: طبعًا أكيد. عمومًا بسيطة.
ياسر: اتفضلوا اركبوا.
تحركوا لأحد المطاعم الفاخرة بصحبة ياسر، لتجلس معهم هيام لبعض الوقت، تلتفت لعقارب الساعة من وقت لآخر حتى لا تتأخر على عملها الإضافي.
جلسوا حول المنضدة ليسألهم ياسر:
ياسر: تحبوا تأكلوا إيه بقى؟
هيام: أنا مش هقدر والله، عندي دروس ومش هينفع أتأخر خالص.
ياسر: إزاي ده! ما تشوفي صاحبتك يا نورا، ولا إنتي بخيلة ولا إيه؟
هيام: أبدًا والله. وبعدين مش من أولها هبقى عزول عليكم كده. أنا هقعد معاكم شوية وأتكل أنا على الله وبراحتكم إنتوا بقى.
تفهم ياسر إصرار هيام، فنورا بثرثرتها المعهودة أخبرته عن ظروفها بالكامل، كما أنه يود البقاء مع زوجته بمفردهما.
ياسر: اللي تحبيه. أنا والله من كلام نورا عنك حبيت فعلاً أتعرف عليكي.
هيام: معلش بقى ظروف عملية ماما وقت خطوبتكم خلتني معرفتش أسيبها في المستشفى خالص.
تدخلت نورا بتوضيحها للأمر لياسر:
نورا: أصل ماما هيام كانت عاملة عملية الزايدة ومعرفتش تحضر الخطوبة خالص.
ياسر: لا ألف سلامة عليها.
لقاء ياسر بهيام كان لقاء حتميًا بالنسبة إليه، فهو أراد أن يتعرف بهذه الفتاة التي تقضي معها نورا أغلب وقتها وتتأثر بها بهذه الصورة، ليطمئن على نورا. فهي عفوية بصورة مرضية ولديها استعداد تام لإقحام نفسها في العديد من المشكلات بسبب ذلك.
بعد مرور بعض الوقت، استأذنت منهم هيام لتأخرها على موعد الدرس، وأيضًا لتترك لهم مساحتهم الخاصة التي لم يستطيعوا الحصول عليها منذ وصول ياسر.
ياسر: شكلها بنت كويسة أوي يا نورا.
نورا: مش قلتلك، دي قمررر.
ياسر: بس سيبك إنتِ، إنتِ اللي قمر وكل يوم بتحلوي عن الأول.
نورا: يا سلام، يعني عينك ما زاغتش كده ولا كده في لندن؟
ياسر: هو أنا شايف غيرك قدامي. إنتي وكرم.
أنهى ياسر عبارته مازحًا.
نورا: يا دي كرم اللي ناطط لي في كل حاجة. إلا صحيح، هو مش هيجي الفرح؟
ياسر: لا، هيجي إن شاء الله. أنا مؤكد عليه.
أردفت نورا بتلقائية:
نورا: كويس، عشان أشوفه هو كمان.
بغيرة، اقتضبت ملامح ياسر قائلًا:
ياسر: إشمعنى بقى؟
نورا: إنت حتغير ولا إيه؟ هو بس فضول أعرف شكله إيه اللي بتتكلم عنه على طول ده.
طال الحديث بين ياسر ونورا، لكنهما لم يشعرا بمرور الوقت حتى حان موعد عودتهما للمنزل.
سميرة.
أنهت يوم عملها في صمت، فهي لا تريد إحداث أية مشكلة بعدما حدثت مشكلة الصباح، لتحافظ قدر الإمكان على مكانها في العمل.
حل المساء بمرور الوقت روتينيًا، وعودتهم جميعًا إلى منازلهم، لينتهي اليوم ويحل آخر جديد في دائرة الحياة.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
بعد مرور إسبوعين كاملين، كانت تلك الأيام هي الفاصلة بين وصول ياسر ويوم الزفاف، والتي حاولت بها كلتا العائلتين لترتيب وتجهيز كل ما يلزم لهذا الزفاف المرتقب.
فرحة غامرة علت قلوب العائلتين باجتماع المحبين، لكن واضحة وابنتها أصحاب سواد القلوب المخادعة حاولوا بكل جهد وضع عراقيل غير محسوسة لتأجيل هذا الزفاف أو إلغائه.
كان التحسر حليفهم حين أحبطت كل مساعيهم لما تخططان له بالفشل، نيران تنهش بقلوبهم الحاقدة مع انتهاء تجهيزات حفل الزفاف.
فلم يستطيعوا الحصول على أي شيء يخص نورا "القطر" ليقوما بعمل السحر للتفريق بينها وبين ياسر بعد، لكن ذلك لم يثنيهم عن إصرارهم لفعل ذلك حين تحين الفرصة.
إسبوعين كاملين حاولت بهما سميرة العمل بهدوء بدون لفت أي انتباه خاصة بعد ما حدث مع المهندس أمير صاحب المعمل لتقرر تجنبه تمامًا، فهي لا تود خسارة عملها الذي بالكاد تحصلت عليه.
ورغم تجنبها له، لكنها رأت كيف تعامل مع عبير التي لم تسلم من عصبية أمير الدائمة طوال الوقت، مما أثار الفضول لدى سميرة لمعرفة سبب هذا الانفعال طوال الوقت سواء كان ذلك بسبب أو بدون سبب.
مع تحديد موعد الزفاف وإصرار ياسر بأن يحضر كرم حفل الزفاف، وصل كرم الليلة الماضية بزيارته الأولى لمصر، فهو مصري دون معرفته بها ودون زيارتها من قبل.
أصر ياسر بأن يبقى كرم معهم بالبيت، إلا أنه فضل الإقامة في فندق قريب بدلاً من أن يثقل على أهل ياسر بوجوده، فهو ما زال غريب لا يعرفهم أو يعرفونه بعد.
ظلت أحوال هيام كما هي، فهي على هذا الحال منذ سنوات طويلة، فما الذي سيتغير لها في أسبوعين فقط.
لكنها كانت سعيدة للغاية بدنو موعد زفاف صديقتها المحبة نورا، تلك المناسبة التي انتظرتها بشوق، اختارت فستان رقيق لتحضر به حفل الزفاف لتنتظر بشغف حلول موعده.
يوم الزفاف.
أطل كرم من نافذة غرفته بالفندق الذي أقام به لينظر إلى جمال القاهرة الساحر.
مدينة بالفعل مختلفة كليًا عن لندن التي عاش بها معظم حياته، شعور مختلف اعتراه بوجوده هنا بهذه البلدة، فبها شيء جميل ودافئ لم يشعر به من قبل.
على الرغم من أنها زيارته الأولى، إلا أنه شعر بمزيج من الألفة والسعادة مع كل شيء وكل شخص محيط به.
كرم: "البلد دي حلوة قوي وفيها روح حلوة جواها وجوه ناسها غير لندن خالص. بس لازم أنزل وأتعرف على الناس والدنيا هنا بنفسي مش هأستنى ياسر. هو يعني هيفضى لي؟ ده فرحه النهارده."
وبالفعل قام كرم بجولات بسيطة لا تبعد كثيرًا عن الفندق لعدم معرفته الجيدة بشوارع القاهرة وأحيائها.
استطاع العودة مرة أخرى بسهولة إلى الفندق للاستعداد لحضور زفاف ياسر، هذا اليوم المميز للغاية.
بيت الحاج سعيد.
نظرت هيام لفستانها الأخضر المعلق خارج خزانة الملابس ببعض الرضا وهي تخص سميرة بحديثها.
هيام: "سميرة بقولك إيه، ما تيجي معايا فرح نورا؟"
كانت سميرة تنتظر تلك الدعوة بالفعل، فهي عاشقة لأي تجمع اجتماعي بشكل كبير لتردف بحماس.
سميرة: "أيوة كده هو ده الكلام. خلينا نطلع من جو الكآبة اللي إحنا عايشين فيه ده."
استدارت هيام نحو سميرة ببسمتها الهادئة مردفة بصوت شجي هادئ.
هيام: "طيب يلا قومي اجهزي. وأنا كمان هأروح ألبس."
قفزت سميرة بحركة مفاجئة تقف بين هيام والخزانة وهي تشير برجاء تجاه أحد الفساتين.
سميرة: "لأأأأ... بس على شرط. هأخذ الفستان الكحلي بتاعك."
بطبعها المنغلق لا تحب أن تقترض أي شيء من غيرها، كذلك لا تحبذ أيضًا أن تقرض أحدهم ملابسها أو أي شيء يخصها مطلقًا، فكل ما لها يجب أن يبقى لها وحدها لا يشاركها به أحد.
هيام: "ياسلام. لأ خلاص خليكِ عندك."
توسطت سميرة خصرها بكفيها لكنها أردفت بنبرة ترجى.
سميرة: "كل ده عشان مش راضية تسلفي أختك حبيبتك حتة فستان؟ ده أنا من ساعة خالو ما جابتهولك وعيني هتطلع عليه."
لم تكن عائلتهم ميسورة الحال لشراء العديد من الفساتين الخاصة بتلك المناسبات والتي بالعادة باهظة الثمن، بل كانت هيام تحتفظ بهاتان القطعتين المميزيتين منذ سنوات، فإحداهما هدية من خالتها المغتربة بأحد المناسبات والآخر ابتاعته أثناء تصفية أحد المحلات بسعر زهيد للغاية.
نظرت هيام بنظرة مشفقة على حال أختها التي لا تملك فستانًا يليق بهذه المناسبة لتسمح لها هذه المرة فقط باقتراض ملابسها.
هيام: "خلاص خلاص. قومي يا أختي خديه بس على الله يجرى له حاجة."
رفعت حاجبها لتردف بإسلوبها الهزلي.
سميرة: "هيجرى له إيه يعني؟ ده هيزيده شرف إن سميرة سعيد هأتلابسه في يوم من الأيام."
هيام بضحك: "بلاش غلبة. ويلا أنجزي عشان أنا أساسًا مش بتأخر في اللبس."
سميرة: "هوا."
خطفت سميرة الفستان من الخزانة مسرعة نحو غرفتها المشتركة بينها وبين هبه لتستعد بوضع زينتها لحضور الزفاف، فيما أعادت هيام نظرها لفستانها الأخضر بدرجته المميزة والملفتة قائلة لنفسها.
هيام: "والله ما عارفة ألبسه إزاي ده؟ أنا عمري ما لبست فستان كده. بس ده فرح هألبس إيه يعني؟"
ارتدت هيام فستانها الناعم الذي أظهر جمالها بصورة ملفته للغاية، زادها إشراقة لوجهها الناعم عندما أسدلت شعرها لأول مرة من سنوات طويلة، فهي معتادة على رفعه للأعلى برسمية وهدوء كشخصيتها.
وضعت القليل من مساحيق التجميل التي أبرزت جمال وسحر ملامحها بعذوبة.
أمسكت بحقيبتها الصغيرة وخرجت من الغرفة نحو سميرة التي انتهت أيضًا من ارتداء فستانها الأزرق القاتم الذي أبرز بياض بشرتها وعينيها الواسعتان.
أطلقت صافرة إعجاب بسحر أختها وجمالها الملفت الفاتن للنظر.
سميرة: "واو. فظيعة إنتِ النهاردة في الفستان."
هيام: "بجد؟"
سميرة: "جدًا. أنا مش واخدة عليكِ خالص تلبسي فستان. بس طالع واو بصراحة. وشعرك كمان حلو قوي كده. أميرة يا أخواتي."
أنهت عبارتها بغمزة لطيفة من عينها لتجيبها هيام بثقة.
هيام: "أميرة إيه؟ ملكة يا ماما، هي الألقاب بفلوس. اتبحبحى براحتك."
رغم نعومتها وجمالها الساحر، إلا أن سميرة أضاعت تلك الرقة بإيمائتها المجنونة مستكملة حديثها بشقاوة وخفة ظل.
سميرة: "على رأيك. لأ وإيه. ييجي بقى الأمير على حصانه الأبيض ويخطفك."
أطلقت هيام ضحكة ساخرة، فتلك الأحلام مؤجلة تمامًا، بل هي من المستحيل تحقيقها بالفعل لتردف ببعض التحسر رغم إخفائها لما تشعر به.
هيام: "يخطفني!!! لأ. وإنتي الصادقة ده حصانه مكسح. يلا يا أختي عشان نلحق الأتوبيس."
سميرة باستحقار ناظرة إلى فستان هيام ثم فستانها مرددة.
سميرة: "بقى القيافة والجمال ده ونركب أتوبيس؟ ما تمشيها تاكسي الله يكرمك. مرة في العمر يعني."
هيام: "ولا يهمك. نفك الكيس ونطلع بالقرشين. بينا نركب تاكسي."
وبالفعل استقلتا الجميلتان سيارة أجرة للذهاب إلى صالون التجميل لمرافقة نورا، فهي أخت وحيدة وتحتاج لمساندتهم بهذا اليوم.
مدللة أبويها تلك التلقائية الجميلة التي التف حولها بعض فتيات العائلة وأمها يتطلعون نحو ملامحها الساحرة بطلتها الملائكية كعروس متألقة بيوم عرسها.
أشرق وجهها ابتسامتها العريضة حين رأت هيام وسميرة يدلفان إلى داخل صالون التجميل ليؤزرانها ويساندانها بيومها المميز.
جمال الأختين وطَلتهم الناعمة أثارت إعجاب كل الحضور لتردف نورا بإعجاب.
نورا: "يا بنت الإيه!!! أول مرة أشوفِك لابسة فستان. طالع حلو قوي عليكِ."
هيام: "إنتِ اللي حلوة وزي القمر. إيه الجمال ده كله؟"
أجابتها نورا بمزاح.
نورا: "الله يجبر بخاطرك. كويس إن ياسر مشافكيش قبلي كان زمانه سابني وراح لك."
أجابتها هيام بصدق ظاهر بعيونها وصوتها، فهي شخصية صريحة كارهة للكذب.
هيام: "وهو يلاقي زيك؟ ده إنتِ قمر. ألف مبروك يا أحلى عروسة."
أم نورا: "طيب يا بنات طالما إنتوا معاها بقى أسبقكم أنا والبنات على القاعة أستقبل الناس."
هيام: "براحتك يا طنط."
اتصلت أم نورا على ولدها أمجد ليقلها إلى القاعة، بينما تركت للعروس وصديقاتها لحين مجيء العريس.
لا تمل نورا مطلقًا من أمر تود إنهائه لتحدث هيام بمزاح به نبرة تميل للجدية.
نورا: "مكنتيش وافقتى على أمجد وفرحنا بيكوا كلنا."
هيام: "وبعدين معاكي بقى. مش خلصناه الموضوع ده."
صمتت نورا لرد هيام الجاد حتى لا تثير ضيقتها، بينما حدثت سميرة نفسها بضيق.
سميرة: "حتى أخو صاحبتك رفضيتيه!!!! لحد إمتى أحلامك وفرحتك هتبقى متأجلة عشانا؟ لازم تكملي حياتك وكفاية عليكِ كده."
تألق ياسر بحلته السوداء وتصفيفة شعره المنمقة لينتهي بوضع زهرة صغيرة بسترته كما طلبت نورا تمامًا، بذات اللحظة التي ولج بها كرم، فهو وصل للتو ليشارك صديقه فرحته بيوم زفافه.
كرم: "يا سيدي يا سيدي. لأ والله باين عليك إنك عريس."
ياسر: "يلا عقبالك."
كرم: "ضحكتني يا أخي. وهي فين دي بس."
ياسر: "مصيري هأشوفك واقع على بوزك."
وصل عبد الله يبلغ أخيه بوصول سيارته المزينة لإقلاله لاصطحاب العروس.
عبد الله: "خلاص يا عريس العربية وصلت تحت. يلا عشان تروح تجيب عروستك."
وقف كرم بحيرة، فهو بالفعل لا يدرك أي شيء بهذه البلد ولا يستطيع التحرك بمفرده.
كرم: "وأنا طيب أنا مش عارف هأروح إزاي؟"
ياسر: "إركب إنتَ مع علي وعبد الله واسبقنا على القاعة وأنا هأروح أجيب نورا وأحصلكم."
كرم: "تمام يلا بينا إحنا يا عبد الله."
استقل كرم سيارة عبد الله برفقة والد ياسر وأخويه، فيما اتجه ياسر لصالون التجميل لإحضار عروسه بمرافقة سيارة عمه أيضًا لإقلال أصدقاء نورا والبقية معه.
بالقاعة الخاصة بالزفاف.
رغم تلك الابتسامة الزائفة التي تحلى بها وجهها، إلا أن حسناء كانت تشعر بنيران تسعر بداخلها لتطقطق أصابعها بغيظ هامسة بأذن والدتها التي تجلس إلى جوارها.
حسناء: "أهو طار من إيدي يا ما. شفتي؟!"
لكزتها واضحة بمرفقها وهي تردف بقوة وثبات بخلاف ابنتها.
واضحة: "ولا طار ولا حاجة. إللي هأعمله هو هو. غير بس لما نروح نبارك لهم هأخذ قطرها (قطرها) إللي معرفناش نجيبه ده وساعتها هأكمل العمل بتاع الشيخ كرامة ووقتها كل حاجة هتنحل."
بتذمر واضح فقد تناست حسناء نفسها تمامًا.
حسناء: "وأني لسه هأصبر كل ده؟ أوف."
اتسعت عينا واضحة بتحذير من تماديها بهذا الانفعال أمام أعين الجميع.
واضحة: "بالراحة يا بت على نفسك لا يطق لك عرق. هم يومين تلاتة ونخلص. إتكتمي بقى."
حسناء: "ماشي. بس يكون في معلومك لو متجوزتوش هأموت نفسي. أنا بجولك أهو."
لم تهتز ثقة واضحة مطلقًا لتردف بجمود.
واضحة: "متخفيش. عمل الشيخ كرامة عمره ما نزل الأرض أبداااااا."
حسناء بغيظ: "أديني مستنية."
كرم.
ظل يتجول بالقاعة، فمظهر الاحتفال بالزفاف بمصر له أجواء وطعم مختلف مثل كل شيء رآه بهذا البلد منذ وصوله.
جلس بإعجاب على إحدى الطاولات برفقة إخوان ياسر ينظر إلى تفاصيل المكان والناس من حوله بأعين مندهشة كسائح أجنبي منبهر بكافة التفاصيل.
بعد قليل.
وصل العروسين بمظاهر احتفالية تعلن قدومهم ليتحرك الجميع بين الالتفاف حول العروسين فرحين بقدومهم مصفقين على أنغام الموسيقى التي صاحبت وصولهم.
والجزء الآخر ظل يتابع مظاهر البهجة عبر الشاشات الكبيرة المتواجدة بأركان القاعة كلها.
جلس العروسين فوق مقاعدهم المزينة بالورود البيضاء محاطة بالكريستال والأنوار المتلألئة.
بحث أمجد بعينيه عن هيام فقد تحرق شوقًا لرؤيتها اليوم وظل يبحث عنها منذ وصوله إلى القاعة لكنه لم يراها حتى الآن.
جلست هيام مع أختها سميرة إلى جوار بعض الفتيات من أقارب نورا.
سميرة بهمس: "تفتكري الفرح الجاي ممكن يكون فرح واحدة فينا ولا لسه الموضوع ده بعيد أوى؟"
تنهدت هيام لإدراكها كم أن هذا حلم بعيد المدى لتهمس قائلة.
هيام: "لسه بدري علينا يا سميرة. لسه بدري."
أومأت سميرة بتفهم حين وقعت عيناها على إحدى زميلاتها قائلة.
سميرة: "على رأيك. الله مش دي سمر؟"
هيام: "آه هي صحيح."
أعلت سميرة من صوتها منادية.
سميرة: "سمر. سمر."
سمر: "سميرة!!!!!! إزيك وحشاني؟!"
سميرة: "الحمد لله إنتِ أخبارك إيه؟"
سمر: "الحمد لله زي ما أنا. بدور على شغل."
رفعت سميرة هامتها بتفاخر.
سميرة: "أنا الحمد لله أخيرًا اشتغلت."
سمر: "إيه ده بجد؟ كويس قوي. واشتغلتِ فين بقى؟"
سميرة: "في معمل الأمير."
سمر: "واو. يا بختك. ده معمل كبير."
سميرة: "جدًا. بس أنا لسه يا دوب بادئة أشتغل هناك."
أحست هيام بعدم الراحة لترك شعرها منسدل بهذه الصورة وبدأ يضايقها لعدم اعتيادها على تركه منسدل فوق كتفيها، فقررت الذهاب إلى المرحاض لتعيد ترتيبه وعقده مرة أخرى.
هيام: "سميرة. أنا رايحة الحمام. تيجي معايا؟"
سميرة: "لأ أنا قاعدة مع سمر شوية. روحي إنتِ."
هيام: "طيب."
أكملت سميرة وسمر حديثهما بينما تركتهما هيام متجهة نحو المرحاض، تابعت سمر ابتعاد هيام لتردف بانبهار.
سمر: "إنتِ قمر ما شاء الله عليكِ بس أختك دي إيه؟ صاروخ يا بنتي. مغطية عليكِ والله."
ضحكت سميرة: "ما أنا طول ما هيام أختي. مش هأتجوز أبدااا. بس أقولك ليها حل."
سمر: "إيه بقى؟"
بحركة لسانها الشقية أردفت بمزاح.
سميرة: "أاتجوز واحد أعمى."
ضحكت معها سمر مستكملة حديثهما الساخر.
سمر: "والله يا بنتي لما شفتِك افتكرت مقالبك كلها إللي كنتِ بتعمليها فينا في الثانوي."
سميرة: "أنا!!!!! ده أنا غلبانة خالص والله."
رواية لحظات منسيه الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
ضحكات وابتسامات وأصوات صاخبة، موجة سعادة غامرة تحلت بها الوجوه بذلك الزفاف السعيد...
ملست هيام فوق خصلات شعرها الناعم المنسدل بانزعاج وهي تتجه نحو نهاية القاعة متوجهة نحو مرحاض السيدات...
خطوات واثقة تناسبت مع طولها المميز وجاذبيتها التي خطفت الأنظار بفستانها الأخضر...
بعيون باحثة عن طيفها استطاع أمجد التقاطها كـ رادار موجه للبحث عنها فقط، من بين كل تلك الفتيات التي تملأ القاعة استطاع تمييزها بسهولة، دون أن ينتبه لنفسه ابتسم لا شعوريًا لرؤيتها وتناسى تمامًا جميع المحاوطين له فهي وحدها من تلغي عقله تمامًا كـ المغيب...
لاحقها بنظراته وهي تسير بخفة ونعومة بين المناضد فوقف مستعدًا للذهاب إليها فهذه فرصة ذهبية ولن يضيعها..
====كرم....
مستمتعًا بتلذذ وهو ينظر إلى عبد الله ويعلو وجهه راحة غير طبيعية كما لو كان اكتشف للتو أعظم اختراع على وجه الكون كله...
أعاد جذعه للخلف وهو يناظر كأس مشروبه أحمر اللون ثم يهتف باستمتاع...
كرم: فظيع جدًا العصير دة.... أول مرة أشربه... عجبنى أوى...
ضحك عبد الله بسخرية من هذا المصري الذي لا يفقه شيء عن مصر وعاداتها بل هو أجنبي بهيئة مصري...
عبد الله: عصير !!!! ده مش عصير.... ده شربات يا عم... إيه.... متعرفش الشربات....؟!!؟
اتسعت عينا كرم بإندهاش وهو يرفع كأسه ينظر إليه بدهشة قائلاً...
كرم: إيه دة !!!... هو دة الشربات ؟!!!... أنا أسمع دايمًا الإسم في المسلسلات وكدة بس عمري ما دوقته...
بتملل من طعم هذا المشروب المفروض عليهم احتسائه بكل المناسبات...
عبد الله: أهو عَندَك كله أهو... أشرب براحتك...
كرم: عجبنى فعلاً... ما تجيب الكاس دة ولا إنتَ عاوزُه..!!!!!
عبدالله: لا إتفضل... أنا مبحبوش البتاع دة...!!!!
تناول كرم كأس المشروب (الشربات) يتلذذ بطعمه الجديد والذي ربطه بأجواء مصر، هذه الأجواء الجديدة والفريدة من نوعها فطعم وجوده بمصر يشبه هذا الشراب اللذيذ المدعو "شربات" الجديد عليه، فهذه تجربة جديدة بكل المقاييس كل ما بها فريد وخاص من نوعه....
====اختفت هيام عن أعين أمجد الذي حاول الوصول إليها لكن زحام المدعوين فرق بين عيناه الملاحقة لها وبينها، ليجد نفسه قريبًا من طاولة الفتيات ليصاب بالارتباك فماذا سيخبرهم كـ سبب لتواجده هنا ليردف بتوتر...
أمجد: اااا.... ممكن اااا.... حد يروح لـ نورا يساعدها...
نظرت سميرة نحو سمر قائلة...
سميرة: مفيش مشكلة يلا يا سمر...
انتبه أمجد لتلك الفتاة متمعنًا بها بقوة ليشعر بالتشتت قائلاً لنفسه...
أمجد: "أنا اتجننت ولا إيه ؟؟؟.... أنا بقيت شايف كل البنات شبه هيام... أااااه يا هيام حـ تجننيني بيكِ...."
=====هيام...
وقفت هيام أمام المرآة تعدّل من وضع شعرها وأخذت تبحث عن شيء ترفع به خصلاته للأعلى لم تجد سوى دبوس واحد حاولت به لملمته قدر المستطاع، تطلعت نحو صورتها بالمرآة برضا فقد ضايقها انسدال شعرها الناعم للغاية...
خرجت بعد ذلك لتعود لطاولتها مع بقية الفتيات لكنها وجدت بعض الأطفال يلهون ويتسابقون يركضون بدائرة بهذا المكان البعيد عن بقية الطاولات يستمتعون بطفولة وسعادة...
هي تعلم جيدًا اندفاعية الأطفال خاصة بهذا العمر الصغير لتحاول تجنبهم حتى لا يصطدموا بها فحين يتحمسون لا يمكن توقع تحركاتهم العفوية وما يمكنهم فعله...
لكن ما خشيت منه حدث بالفعل واصطدم بها أحدهم أثناء ركضه بقوة، أخذت تترنح لارتدائها هذا الحذاء ذو الكعب العالي، أوشكت بالفعل على السقوط لكنها تماسكت قليلاً محاولة الابتعاد عن طريقهم حتى لا يصطدم أحدهم بها مرة أخرى لتستدير بقوة بالاتجاه المعاكس حين رأت أحد الأطفال مندفع نحوها بقوة...
استدارتها المفاجئة جعلتها تصطدم رغمًا عنها بجسد أطول منها دون الانتباه له لتتسع عيناها بصدمة وذهول بنفس الوقت فمن أين أتى هذا الشخص...
تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تفغر فاها رافعة كفيها من الصدمة وهي تشهق بقوة، فحين اصطدامها بذلك الشخص رغمًا عنها انسكب الكأس فوق قميصه الأبيض وبعض القطرات تطايرت تلون وجهه المصدوم بملامح فزعة مصدومة للغاية شهقت هيام وهي تتراجع خطوة من هول المفاجأة لينفلت دبوس شعرها متحررًا من قيده لينسدل شعرها الأسود بحرية كما لو كانت مشهدًا من تصوير أحد الأفلام...
صمتت لوهلة محدقة بفستانها بذهول ثم رفعت بصرها نحو هذا الشخص لتنظر نحوه بحدة غير متوقعة لتهتف بنفس الوقت الذي يهتف به أيضًا...
كرم بصدمة: إيه دة...؟!!!!
هيام بحدة: مش تحاسب...؟!!!
أشار كرم على نفسه بتعجب من تلك المنفعلة وهي المخطئة من الأساس...
كرم: أنا برضه اللي أحاسب !!!!!.. دة إنتِ اللي خبطتيني وبهدلتيني....
بالتأكيد هي تعلم أنه يتقصد ذلك، فما هو إلا متطفل جديد كـ غيره تمامًا من هؤلاء الذين يتعرضون لها طوال الوقت لتعقد ملامحها بضيق مردفة بتهكم...
هيام: لا والله... أنا فاهمه الحركات دي...
ارتخت ملامح كرم فهو لم يفهم حقيقة مقصدها فما الذي تفهمه هي وهو لا يعلمه...
كرم: حركات...!!! حركات إيه...؟؟... أنا جيت ناحيتك...؟؟ دة إنتي اللي دخلتِ فيا زي الباص...!!!!
طريقته عجيبة للغاية حتى لكنته مختلفة، رمقته هيام بنظرة متقززة قبل أن تردف بلا مبالاة...
هيام: خلاص خلاص...
أنهت جملتها وهي تشير بكفها مقاطعة حديثه لتتركه عائدة مرة أخرى نحو المرحاض لتعيد ترتيب شعرها المنفلت وتتأكد من أن فستانها لم يتساقط عليه قطرات الشربات التي كانت بالكأس...
كرم صاح بها وهي تبتعد عنه: إنتِ يا.... يا خضراء إنتِ.... الله..... مالها دي..؟!!!
تريث للحظة وهو ينظر تجاه مكانها الخالي تارة وبين الاتجاه الذي سارت به تارة أخرى لتتسع عيناه بإندهاش كما لو أنه انتبه لشيء لم يكن يلاحظه...
قضب حاجبيه بقوة ليسلط عينيه بلهفة نحو الاتجاه الذي ذهبت إليه فهو يريد التأكد أن ما رآه كان حقيقيًا....
هيام...
وقفت أمام المرآة بداخل المرحاض تستعيد هدوءها الذي تشتت منذ دقائق لترفع يديها تلملم به خصلات شعرها المنسدلة مرة أخرى لتلوح ابتسامة مائلة على ثغرها تتبعها قهقة خفيفة وهي تتذكر هيئة هذا الشاب بعد أن انسكب الكأس كاملاً على ملابسه ووجهه...
هيام: دة اتشلفط خالص... يلا.. عشان يبقى ياخد باله...
ثم استطردت مختالة بذكائها لإدراكها بأنه قد افتعل ذلك عمدًا...
هيام: أنا فاهمه طريقتهم دي.. أُمال إيه يعني اللي حـ يكون جابه ورايا كدة....؟!!!
انتهت من لملمة شعرها للمرة الثانية لتخرج من المرحاض لتندهش لوجود الشاب مرة أخرى يقف قُبالتها لتنظر تلقائيًا نحو قميصه الأبيض ذو البقع الوردية من إثر انسكاب المشروب (الشربات)...
ابتسم كرم بجاذبية أظهرت وسامته وبريق عينيه الداكنتين وهو يستمتع برؤية وجهها بتمعن...
كرم: كدة تبهدليني وتسيبيني كدة...؟!!!!!
تأكد ظنها أنه قد تعمد الاصطدام بها لترفع هامتها بتعالي...
هيام: وأنا المفروض أعملك إيه يعني...؟!!
رغم ابتسامته العذبة إلا أنه أخذ يلومها بلطف...
كرم: مفيش حتى آسفة..!!
زمت شفاهها مصطنعة الجمود وعدم التأثر...
هيام: لأ مفيش...
أشار على قميصه يتطلب شَفقتَها على حاله بطرافة...
كرم: طيب حـ أروح روح أنا ازاي كدة...؟!!!
كانت إجابتها بنفس الجمود بل زادتها بتلك النظرة المشمئزة...
هيام: والله دي مشكلتك مش مشكلتي...
كرم بصدمة: إنتي غريبة أوي بجد..!!!!
هنا وقد تحملت بالكاد حديثه لتهتف بتحفز ونبرة حادة يشوبها الضيق...
هيام: بقولَك إيه... أنا فاهمه وعارفة كويس أووووى الأسطوانات دي... فأحسنلك.. أتِكل على الله وسيبني في حالي....
أنهت جملتها وتركته مصدومًا تملؤه نظرات البلاهة والصدمة معًا...
كرم: يا آنسة.... يا آنسة.... إنتِ يااا....
وقف يحدث نفسه بعدم فهم لكلمة (أسطوانات) التي قالتها للتو...
كرم: بتقول إيه دي ؟!!!!! ... أنا مش فاهم حاجة... اسطوانات إيه ؟!!!!!! .... هو أنا واقف بغني....
حكَ رقبته بعدم فهم لمقصدها وهو يرفع كتفيه ويهدلهما بمعنى لا أدري قبل أن يستدير عائدًا للطاولة التي كان يجلس بها منذ قليل حين أوشك على اصطدامه مرة أخرى بشاب يقف خلفه تمامًا يحدق به بغضب عارم ليهتف كرم بإندهاش...
كرم: هو فيه إيه النهاردة بقى...؟؟ افندم...؟؟؟!!!
حين كان أمجد يبحث عن هيام رأى ما حدث بينها وبين هذا الشاب من بعيد لتتملكه الغيرة والغيظ من هذا الشاب الذي اصطدم بها ليهرع نحوه ليلقنه درسًا بتعديه على هيام ملكيته الخاصة التي لا يجب أن يدنو منها أحد غَيرُه..
أمجد: إنتَ مين ؟!!!! ... ومالك ومالها واقف في طريقها ليه..؟؟.....
ثم أكمل بأنفاس متشاحنة بغضب دون إتاحة أي فرصة لـ كرم بالتحدث...
أمجد: بقولك إيه... ابعد عنها أحسن فاهم ولا لأ...
كرم بلا مبالاة: لأ...
لم يعتد كرم تلك الطريقة الفظة أو هذا التهديد الذي لا يدرك سببه ليجيبه بعدم اكتراث لعصبيته تلك بكلمة (لا) ثم انصرف عنه ليجلس بجوار إخوان ياسر كما كان...
بنظرة مندهشة لوح عبد الله تجاه قميص كرم قائلاً...
عبد الله: إيه دة ؟!!! ... حصل إيه ؟!!! ... إنتَ للدرجة دي بتحِب الشربات..؟؟!!!
أنهى جملته ضاحكًا على مظهر كرم الغارق باللون الوردي، ليجيبه كرم بملامح غير مستسيغة لهذا المزاح ثقيل الظل...
كرم: مش فايق لَك... أما صحيح شبه أخوك بالضبط...!!!
ضحكوا جميعًا على ما حدث...
====هيام...
رغم اصطناعها عدم التأثر بما حدث إلا أن بداخلها كانت تشعر بتوتر شديد لتتجه نحو أختها تطلب منها المغادرة على الفور...
هيام: ما تيجي نروّح عشان نلاقي مواصلات...
سميرة: دة لسه بدري أوي...!!
هيام: لا يلا كفاية كده..
سميرة: طيب... بس نركب تاكسي...
هيام: حاضر يا ستي... حـ نركب تاكسي...
خرجتا من القاعة واستقلتا أحدى سيارات الأجرة لتقلهما إلى المنزل دون تأخير....
====أمجد...
بحث مرةً أخرى عن هيام بعد أن تركه هذا الشاب بهذه الصورة الوقحة، لكنه لم يجدها ليضرب قبضته بكفه بغيظ فقد فشل مرة أخرى بفرصة ذهبية للتقرب منها كما كان يتمنى...
====بيت الحاج سعيد....
تشدقت سميرة بعينيها الواسعتين الشقيّتين وهي تستمع لحديث أختها بحماس بالغ حين قصت لها هيام ما حدث بحفل الزفاف بعد عودتهم...
سميرة: وبعدين...؟؟!
هيام: أبدًا رُحت داخله فيه خبط.... الكأس اتدلق عليه...
صفقت سميرة بنشوة قائلة...
سميرة: أيوة يا عم الأتوبيس...
جلست هيام إلى جوار أختها فوق الفراش تتعجب من السعادة التي غمرت ملامحها...
هيام: إنتِ بتهزري..!!!! ... أنا حاسة إني من ساعتها مخضوضة مش عارفة ليه..؟!!!
ضمت سميرة شفتيها بطفولية قائلة بإدراك...
سميرة: عشان كدة مشينا بدري...
هيام: أيوة...
بغمزة لطيفة قالت سميرة...
سميرة: متعرفيش مين ده...؟؟
هيام: أنا عارفة... أول مرة أشوفه...
أومأت سميرة بلا مبالاة لهذا المجهول ثم تطلعت نحو ساعة يدها قائلة...
سميرة: طيب حصل خير... خلينا ننام بقى عندنا شغل الصبح.. أنا عارفة ناس إيه دي اللي بتعمل فرحها يوم أربعاء...
هيام بضحك: عادي يا أختي... يلا تصبحي على خير...
تركت سميرة هيام بغرفتها لتتجه لغرفتها المشتركة مع أختها هبة، جلست هيام لبعض الوقت تعيد بذاكرتها هذا الحادث الغريب وتبتسم فرغم تلوث قميصه الأبيض باللون الوردي إلا أنه كان وسيمًا للغاية خاصة عيناه اللتان تتمتعان ببريق وغموض عجيب..
حركت رأسها تنفض عنها تلك الأفكار...
هيام: أنا بفكر في إيه بس.... خليني في اللي أنا فيه.... ده حتى مجرد التفكير مينفعش.... أنا أنام أحسن عشان أعرف اصحى بدري... صدقتِ يا سميرة هو فيه حد يعمل فرحه يوم أربعاء....!!!!
ضحكت هيام على مقولة أختها لتخلد مباشرة للنوم وينتهي هذا اليوم بالنسبة إليها باستعداد ليوم جديد...
====انتهى حفل الزفاف ليودع العروسين المدعوين ويستقلا سيارتهم المزينة، تتحرك من خلفهم السيارات التي تقل العائلتين لإيصالهم إلى شقتهم ببيت عائلة ياسر...
ودّع أهل نورا ابنتهم بمحبة عائدين بعد ذلك لبيتهم،
بينما صعد ياسر ونورا إلى شقتهم بالدور الثاني بصحبة والد ياسر ووالدته...
والد ياسر: ألف مبروك يا أولاد ربنا يسعدكم يا رب...
أم ياسر: ألف مبروك يا حبايبي لو احتاجتوا أي حاجة رنوا عليّا بس... وإن شاء الله بكرة الصبح نيجي نبارك لكم... تصبحوا على خير...
ياسر ونورا: وإنتوا من أهل الخير...
وبعد انصراف والد ياسر ووالدته أغلق ياسر الباب من خلفهم لينظر إلى عروسة الجميلة بحب...
ياسر: أخيراً يا نورا... أخيراً اتجمعنا سوا...
نورا: أنا مش مصدقة أبدًا يا ياسر حاسة زي ما يكون حلم جميل...
ياسر: لا يا حبيبتي.. مش حلم..
ابتسمت نورا بخجل ليقترب منها ياسر قائلاً بضحك...
ياسر: لا النهاردة مش يوم كسوف خالص... تعالي لي هنا...
نورا: بس يا ياسر... اتأدب...
ياسر: أنا مؤدب على فكرة...
دخلت إلى داخل غرفتهم لتبدأ أولى أيام حياتهما سويًا بحب وفرحة جمعتهما اليوم وحتى نهاية العمر...
====
واضحة وحسناء...
بوجه مكفهر أخذت واضحة تعيد على مسامع ابنتها ما اتفقتا عليه لتؤكد ما سوف يقومان به...
واضحة: فهمتي ولا أعيد تاني.....؟!!!
حسناء: والله فهمت.. حـ نطلع الصبحية نبارك لـ ياسر والمخفية مراته وأحط الحچاب في أوضتهم تحت رأس ياسر وأخيب أي حاجة من هدومها جطر للعمل بتاع الشيخ كرامه...
واضحة: أيوة كده... وبكرة ناخدوا الجطر ونوديه للشيخ ويجولنا حـ نعمل إيه...
طبقت حسناء بشفتيها بتملل...
حسناء: لما نشوف آخرتها...
واضحة: آخرتها خير... خير جوا (قوي)... وحـ تشوفي...
====
أمجد...
بحزن على فرصته الضائعة اليوم، وضيقته البالغة حين يتذكر هذا الشاب الذي كان يقف معها...
أمجد: مين ده...؟؟ وكان بيقولها إيه ؟!!! ... وهي كمان كانت بتقوله إيه ؟!!! ... إزاي... مينفعش هيام تشوف ولا تتكلم مع حد غيري... مش مستحمل أشوفها بتكلم غيري ولا واقفة معاه... كان لازم أعرفه حدوده... لازم... لازم...
انتهت تلك الليلة بمشاعر مختلفة بين سعادة وفرح وضيق وتأمل وتفكر حتى لاح فجر جديد وبدأ يوم مختلف...
====
اليوم التالي...
المعمل...
رفع أمير ملفًا بيده يلوح به بقوة قبل أن يصرخ بغضب بوجه عبير الذي احتقن باللون الأحمر واشتعلت وجنتيها الممتلئتان به من شدة صراخه وعصبيته طوال الوقت...
أمير: إيه التهريج ده !!!!!! .. التقارير دي كلها تتعاد تاني... ده مش شغل أبدًا...
بإيضاح لما قامت بتعديله وسط اضطرابها من صراخه الحاد...
عبير: والله عدلتها يا باشمهندس... حتى شوف...
ألقى أمير بالملف أرضًا لتتبعثر جميع الأوراق التي بداخله، مما جعل عبير تلملم الأوراق وهي تحبس دموعها قبل أن تغادر المكتب...
خرجت من مكتب أمير ولم تقدر على إخفاء دموعها المتساقطة حين دخلت لمكتبهم بأطراف باردة وانفعال شديد...
تلقتها سميرة بوجه ممتقع لسماعها لصراخ أمير الذي صدح بالمكتب بأسره...
سميرة: إيه يا عبير... كان بيزعق ليه تاني...؟؟!
عبير بإنفعال وسط بكائها لعدم قدرتها على تحمل صراخه وإهانته لها بشكل مستمر...
عبير: أنا خلاص مبقتش عارفة هو عايز إيه... والله يا سميرة دي رابع مرة أعيد التقارير دي... وكل مرة يهزقني ويزعق لي ويرميهم في وشي... أنا خلاص تعبت وزهقت من الشغل معاه...
ربتت سميرة بحنو على كتف عبير ثم التقطت منها الملف لتستند بطرف مكتب أحمد الذي لم يأتِ بعد لتقرأ محتوى التقرير محاولة إخراج الخطأ به...
وصل أحمد إلى المكتب ليرى سميرة تستند على مكتبه برقة، تسلطت عيناه بهيام تجاهها فتلك الفتاة استطاعت بتلك الفترة القصيرة التي مكثت بها معهم أن تسرق قلبه دون استئذان...
ابتسم بهدوء وهو يتجه صوبها ملقيًا عليها تحية الصباح...
أحمد: صباح الخير يا سميرة... عاملة إيه..؟؟!
انتبهت له سميرة لتعتدل في وقفتها مجيبة برسمية...
سميرة: صباح الخير... تمام الحمد لله...
أحمد: مشغولة في إيه من بدري كده...؟؟!
سميرة وهي تنظر نحو التقارير دون الاهتمام بحديث أحمد لها بل وجهت حديثها نحو عبير التي لم تتوقف عن البكاء والذي ازداد حدته بحضور أحمد وعدم انتباهه لوجودها وبكائها من الأساس...
سميرة: ما هو كل حاجة مظبوطة اهي...
التفت أحمد تجاه عبير عندما تحدثت معها سميرة لينتبه لوجودها...
أحمد: إيه ده انتي هنا يا عبير !!!! ... مالك متضايقة ليه....؟؟
عبير بضيق: انت لسه واخد بالك...؟!!! مفيش حاجة...!!!
ضيق أحمد حاجبيه بدون فهم وهو ينقل بصره بين كلتاهما...
أحمد باستفهام: إيه اللي حصل ما تفهموني...؟!
سميرة بإيضاح: باشمهندس أمير كالعادة رفض التقارير واتعصب عليها...
بعد أن هدأت عبير قليلاً لوجود أحمد واهتمامه بما حدث، أخذت تستنكر ردود أفعال أمير المبالغ فيها بالآونة الأخيرة...
عبير: أنا عارفة بس إيه اللي جرى له ؟!!!! ... ده كان بلسم... كل الناس كانت بتحبه... وعمره ما تعصب على حد ولا ضايق حد...
ثم استكملت بتكهنها لسبب هذا التغيّر الذي طرأ بتصرفاته...
عبير: هو من يوم ما خطيبته سابته وهو راجع كده... بس أنا ذنبي إيه....؟!!!
لمعَت عينا سميرة حين أدركت أن هذا ليس طبعه وأن الأمر مختلف كليًا عن السابق...
سميرة: معقول...؟!!! يعني هو مش عصبي أصلاً...؟!
أوضح أحمد بإيجاز طبع أمير قبل أن يتأثر بهذا الأمر...
أحمد: لا خالص ده إنسان محترم جدًا وكويس جدًا... ده كان أستاذ أشرف هو اللي الناس بتخاف منه ولما كانوا بيحتاجوا حاجة بيروحوا للباشمهندس أمير... بس هو فعلاً اتغيّر بعد موضوع خطيبته ده...
أشرق وجه سميرة بفضول فهي شخصية فضولية بشكل كبير...
سميرة: وسابته ليه....؟؟!
عبير: محدش عارف... وأنا مالي... المهم دلوقتي.. حـ أعمل إيه في التقارير دي...؟!!
شردت سميرة بأفكارها بعد حديث عبير وأحمد عن أمير لتحدث نفسها قائلة...
سميرة: "يعني اللي هو فيه ده ضغط نفسي... طب ما هو إحنا لازم نساعده يرجع لطبيعته تاني.... أيوة كده يا سمورة... جت لك الفرصة بقى.... أبدعي وطلعي الدكتور النفسي اللي جواكي... واهو...... حتى ينوبنا فيه ثواب..."
عبير مقاطعة أفكارها...
عبير: إيه.. رحتي فين !!!! ... حـ أعمل إيه دلوقتي....؟؟!
أجابتها سميرة لغرض بنفسها...
سميرة: أنا حـ أعيدهم تاني وأوريهم له...
عبير: الله يكرمك يا شيختي.. روحي إلهي ربنا ما يحرمك مني...
ابتسمت سميرة وأخذت التقارير وعادت مرة أخرى إلى المكتب لتقوم بإعادتها مستغلة فرصة لا تعوّض للتدخل بحياة هذا الشاب لإعادة لحياته الطبيعية السوية...
رواية لحظات منسيه الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
وقف كرم يحتسي فنجان شاي ينظر من نافذة غرفة الفندق التي يقيم بها. ابتسامة شبحية ارتسمت على شفتيه، بدأت تزداد اتساعًا حتى تحولت إلى ضحكة مسموعة وهو يتذكر ما حدث بالأمس في حفل الزفاف.
اختلج قلبه بقوة داخل صدره حين تذكرها. لا يدرك كيف تحققت أحلامه بهذا الواقع، ليلتمسها حقيقة هذه المرة وليست خيالًا في عقله فقط. إنها هي نفسها، نفس الفتاة التي تزور أحلامه منذ فترة طويلة.
تلك الفتاة التي يخلد للنوم خصيصًا لرؤيتها، ويتحقق آماله برؤيتها بالفعل. هي نفسها التي خطفت قلبه بأحلامه ليدب العشق في أوصاله لها دون أن يراها.
ها هي تتجسد أمامه بشخصية فريدة شامخة، متزينة بفستانها الأخضر المميز. ليتذكر كيف اصطدمت به وسكبت على قميصه كأس "الشربات" وكأنها لم تفعل شيئًا. بل على العكس، أصبح هو المذنب والمخطئ دون أن يدري.
بسعادة لهذا اللقاء غير المتوقع مطلقًا، حدث كرم نفسه قائلًا:
كرم: أنا اتجننت ولا إيه؟ بس مش قادر أنسى شكلها وهي متعصبة عليا امبارح. فيها حاجة غريبة ومختلفة. زي مصر فيها حاجة غريبة ومختلفة.
ثم علت قهقهته ضاحكًا حين تذكر الاسم الذي أطلقه عليها.
كرم: خضرا بتاعة الشربات. بس معقول تكون هي. معقول.
أيمكن أن تكون الفتاة التي يراها بأحلامه موجودة حقًا دون أن يعلم؟ بعد مكوثه لبعض الوقت، شعر بالتملل من بقائه بمفرده ليحمل سترته خارجًا من الفندق يتجول في شوارع القاهرة الساحرة. فقد بدأ يدرك موضع الفندق جيدًا.
تفكر بزيارة صديقه ياسر في المساء، وأحضر له بالفعل هدية قيمة بمناسبة زواجه.
***
شقة ياسر.
استيقظ العروسان بابتسامة سعادة تشق وجوههما. لتبدأ نورا بأولى مهامها بتحضير طعام الإفطار لهما في بيتها الجديد.
أقبل ياسر نحو عروسته النشيطة متغزلًا بها.
ياسر: يا صباح الورد. إيه بس القمر تاعب نفسه ليه على الصبح؟
نورا: وهو أنا أطول لما أحضر الفطار لجوزي حبيبي. يلا تعالى نفطر، أنا خلاص خلصت.
تناولا الطعام بشهية كبيرة، ثم أخذت نورا تحمل الأطباق الفارغة إلى المطبخ حينما أسرع ياسر بمساعدتها.
ياسر: ما يغركيش شكلي بس أنا بعرف أطبخ كويس قوي. ده أنا كنت مغرق كرم بالطبخ بتاعي.
ضحكت نورا بقوة لإقحام ياسر صديقه في كل حديث بينهما.
نورا: كرم تاني؟ هو إحنا ما فيش ورانا غير كرم؟
ياسر بضحك: آسف. اتعودت بس.
أسندت نورا ظهرها للطاولة وهي تتشدق حاجبيها باندهاش.
نورا: بس تصدق، كنت فاكرة شكله مختلف خالص. لما شفته امبارح حسيته مصري قوي.
تصدمه دائمًا بأفكارها السطحية، ليردف بتعجب.
ياسر: مش عارف أعمل إيه في دماغك دي. يعني ده واحد مصري، أبوه وأمه مصريين، بس عايش في إنجلترا طول عمره. حـ يفرق في إيه؟ عشان عايش هناك حـ يتحول ويبقى شعره أصفر وعينيه خضرا؟
نورا: الصراحة اتخيلته أجنبي كده فعلاً.
رفع حاجبيه وأهدلهما بسخرية مازحًا.
ياسر: دماغك دي ألماظات. حـ تودينا في داهية إن شاء الله.
قطع حديثهما صوت جرس الباب الذي هرع ياسر بفتحه لاستقبال والديه وإخوانه وخالته وابن خالته أيضًا، فقد توقع زيارتهم بهذا الوقت من الصباح للمباركة لهم.
ياسر: أهلاً أهلاً. اتفضلوا.
لحقت نورا بياسر تستقبل عائلته بابتسامتها العريضة ترحب بهم.
نورا: اتفضلي يا طنط. اتفضل يا عمي.
دلف الجميع للداخل يحملون الكثير من الهدايا وصواني الطعام المُعدة خصيصًا للعروسين، فيما نظرت واضحة لابنتها التي تأهبت كما لو كانت تعطيها الإشارة بالتحرك.
أومأت حسناء بخفة تجاه والدتها لتهتف بود بالغ.
حسناء: ألف مبروك يا عرايس. أحط لكم الحاجات دي في المطبخ؟
نورا بعفوية: لا ما تتعبيش نفسك عنك إنتِ، أنا حـ آخدهم.
وقفت واضحة تحول بين نورا وحسناء بإصرار شديد.
واضحة: إزاي ده! إنتِ عروستنا الجمر (القمر).
رغم تلك الابتسامة المزيفة التي ملأت وجهها، إلا أنها عادت تأمر ابنتها بالتحرك بمفردها.
واضحة: حطيهم يا حسناء في المطبخ وساعدي مرات ابن خالتك.
ابتسمت نورا ظنًا منها أنهم يساعدونها.
نورا: شكرًا يا طنط.
تحركت حسناء نحو المطبخ فيما لحقت بها نورا بأطباق الحلوى التي قد أحضرتها والدة ياسر معها.
وضعت حسناء ما تحمله بيدها وهي تستدير نحو نورا بلطف شديد قائلة.
حسناء: روحي إنتِ ارتاحي وياهم، وأنا حـ أحط لك الحاجة في التلاجة وآجي.
نورا: بس!
حسناء بود مصطنع: ولا بس ولا حاجة، ده بيت أختي. روحي ارتاحي إنتِ يا عروسة.
أومأت لها نورا بامتنان وخرجت لتستقبل زوارها، بينما سيطرت لطافة حسناء على تفكيرها لتلوم نفسها كيف كانت تظن السوء بهذه الفتاة الطيبة.
انتهزت حسناء فرصة ابتعاد نورا وأسرعت بوضع الطعام داخل المبرد، ثم تحركت خلسة دون أن يشعر بها أحد باتجاه غرفة النوم لتدلف إلى الداخل وهي تشعر بالغيظ من نورا وتمنت أن تحل هي محله.
أخرجت قطعة مثلثة الشكل (الحجاب) مطوية بصورة عجيبة من جيب فستانها المزركش لتضعها تحت وسادة ياسر، لتنهي نفسها بتردد.
حسناء: لأ. كده باينة قوي. وممكن يلاقوها.
فرفعت حسناء المرتبة ووضعت الحجاب فوق الألواح الخشبية، فبهذا الموضع لن يجده أحد مطلقًا، لتنظر تجاهه باستحسان.
حسناء: أيوه كده مش حـ يلاقوها.
أعادت كل شيء لموضعه كما كان حتى لا يشك أحدهم بالأمر. لكنها قبل خروجها من الغرفة، أخذت قطعة من ملابس نورا وخبأتها في ملابسها وخرجت من غرفة النوم بنفس الطريقة ذاهبة نحو المطبخ كأنها لم تفعل شيئًا.
تصنعت خروجها من المطبخ للتو وهي تردف بابتسامة.
حسناء: كله تمام. بالهنا على قلبك يا عروستنا.
نورا بود: شكرًا يا حسناء، تعبتك معايا والله.
حسناء: تعبك راحة.
مر الوقت وانتهت تلك الزيارة الواجبة لتسرع واضحة لغرفتها وهي تهمس بأذن ابنتها.
واضحة: ها طمنيني؟
حسناء بخبث: كله تمام. حطيت الحجاب وجبت القطر.
أشرق وجهها بسعادة حين اطمأنت أن ابنتها قامت بما طلبته منها تمامًا، لتهتف بتفاخر بابنتها.
واضحة: بت أمك بصحيح. يلا خدي القطر و روحي على الشيخ كرامة عشان تشوفي حـ يعمل إيه.
حسناء: ماشي. حـ أروح طوالي.
لم تتوانى حسناء للحظات بل أسرعت لتخرج من البيت مستقلة إحدى سيارات الأجرة لتصف له عنوانًا معينًا يصلها إلى هناك وينتظرها لحين عودتها مرة أخرى.
***
المعمل.
أنهت سميرة كتابة التقرير بعدما أعادت فحص العينة مرة أخرى ووجدت نفس النتيجة التي ظهرت مع عبير، لكنها أوضحت بعض النقاط في التقارير لم تكن عبير قد دونتها بعد.
جهزت التقارير وتوجهت نحو مكتب أمير. سحبت نفسًا عميقًا ثم زفرته ببطء استعدادًا لطريقته الهجومية التي يتحدث بها، خاصة وأن هذا هو لقائهما الأول بعد صدامه معها بأول يوم عمل لها.
طرقت الباب بطريقة مميزة، فتلك طريقتها للدق على الأبواب، فهي تستمتع دومًا بكونها فريدة بكل شيء، ليست تتعامل أو تتصرف مثل الجميع، فيجب عليها أن تكون مميزة متفردة بكل ما تقوم به.
بداخل نفسها هي عازمة على أن تغير هذا الأمير وتخرجه من قوقعته التي يحبس نفسه بها، وعليها أن تعدل من حالته النفسية كنوع من التحدي والمساعدة بنفس الوقت.
سمعت صوته من الداخل يسمح للطارق بالدخول.
أمير: ادخل.
فتحت سميرة الباب متحلية بالثقة مهما كان رد فعله تجاهها. تقدمت ببطء وثبات قائلة.
سميرة: لو سمحت يا باشمهندس. دي تقارير مصنع الأعلاف للمنتج الجديد اللي حضرتك طلبته.
انشغاله بالأوراق الموضوعة أمامه جعله لم ينتبه لوجودها إلا بعد أن استمع لنبرة صوتها المميزة السريعة الإيقاع، صوت أنثوي مبتهج غير معتاد على سماعه. رفع إثره عيناه تجاه صاحبته، ليضيق عينيه مستنكرًا وجودها بمكتبه خاصة بعد طلبه من أشرف ألا تحتك به هذه الفتاة على الإطلاق.
لكنها تتجرأ الآن وتتقدم نحوه بدون أي اكتراث. فيا لها من مخادعة جديدة في عالمه تتحلى بمظهر بريء جميل. وجودها وحده كان كافيًا لإطلاق الشرر المتوهج في عينيه القاتمتين وهو يحدقها بنظراته الغاضبة قائلاً بحدّة.
أمير: أظن حضرتك مش مختصة بالتقارير دي؟ ودي من ضمن اختصاص الآنسة عبير. فا تفضلي اطلعي بره.
حِدته تلك وكلماته القاسية كانت كفيلة بإرباك من يستمع لها، خاصة لو كانت عبير، فبالتأكيد كانت انهارت باكية لحساسيتها المفرطة. لكن تلك المشاعر والتأثر المبالغ فيه ليست من طباع سميرة.
لتقف بدون تأثر ولا اهتمام بانفعاله على الإطلاق مردفة بثقة تعجب لها أمير للغاية.
سميرة: حضرتك، عبير عملت تحليل للعينة دي أربع مرات وحضرتك رفضتها، فتحولت العينة دي ليا. فبقت من اختصاصي.
أتثير غضبه متقصده أم ماذا تفعل تلك الوقحة؟ لتراجعه في الحديث وتجيبه بتلك الطريقة. نهض من مقعده بغضب ليحاول إرباكها وإثارة توترها.
أمير: قاصدك إني مش فاهم شغلي ولا عارف مين مختص بإيه؟
قابلت مجابهته بهدوء مميت أثار انفعاله قوة وحدة.
سميرة بهدوء: العفو. حضرتك. أنا بوضح بس اللي حصل.
مد أمير يده بعنف خاطفًا الملف من يدها لتنتفض بتفاجؤ من حركته، لكنها عادت لثباتها مرة أخرى. هذا الاضطراب الذي دام للحظات شعر له أمير بنشوة زهو.
أمير: وريني التقارير دي.
نظر إليها سريعًا ثم ألقاها مرة أخرى أرضًا لتتبعثر أوراقه على الأرض كما فعل من قبل مع عبير. ثم حدق بعينيها بتحدٍّ رافعًا حاجبه بقوة استهزاءً بها.
أمير: غلط. كلها غلــــط.
رفعت سميرة هامتها للأعلى بشموخ كما لو أنها تخبره بأنها لا تتأثر ولا تنحني لأفعاله، لتقف كما هي بصمود دون حتى أن تلتفت للأوراق المبعثرة. أكملت تحدق به بتحدٍّ أدهش أمير، فقد ظن أنها ستنهار مثلما انهارت عبير ببكاء منذ قليل.
سميرة بقوة: أظن أنا جيت لحضرتك باحترام وبأدب واديت لحضرتك التقارير، يبقى المفروض حضرتك تقابلني بنفس الاحترام ده. أنا مش طفلة ولا إنسانة قليلة عشان ترميلي الورق على الأرض وأنزل ألمه قدام حضرتك بالمنظر ده.
نظر إليها أمير باندهاش لقوتها في الحديث، لأنه يعلم جيدًا أنها على حق. وأنه مهما كان الخطأ بهذه التقارير، فهو ليس من حقه أن يعاملهم بتلك الوضاعة، وليس من أخلاقه أن يذل العاملين معه بهذه الصورة.
التزم أمير الصمت والتزم بنظرة التعالي، فهو لن يسمح لها بأن تقلل منه ومن تصرفاته حتى وإن كان مخطئًا.
أكملت سميرة بقوة عاقدة ذراعيها بتحدٍ تطرق على الحديد وهو ساخن، فقد رأت اضطرابًا يخفيه هذا الأمير خلف قناع قوة واهية.
سميرة: العينة دي تم فحصها خمس مرات والنتيجة هي هي. وطالما حضرتك شايف حاجة إحنا مش شايفينها، فيا ريت تدينا من خبرة حضرتك وتفهمنا إيه اللي غلط بالضبط، لأننا بجد عايزين مصلحة الشغل، وفي نفس الوقت مش فاهمين إيه الغلط.
لن تتغلب عليه بطريقتها المنمقة ليحاول أن يدني من أفكارهم وخبراتهم.
أمير: ولما إنتوا معندكمش خبرة شغالين هنا في المعمل ليه؟
سميرة: محدش بيتعلم بين يوم وليلة، ولازم تعدي علينا الخبرات عشان نتعلم منها ونبقى خبراء زي حضرتك. ولو كل الناس شغلت الخبراء بس، الخريجين الجداد عمرهم ما حـ يتعلموا ولا حـ يكتسبوا خبرة أبدًا. ومفيش شغل بيعتمد على القدام بس. لازم القديم يعلم الجديد. هي الدنيا كده. لازم نتعلم ونتغير ومنفضلش زي ما إحنا طول عمرنا. لازم ناخد خطوة لقدام.
قصدت بذلك أن عليه التحرك والمضي قدمًا بحديثها القوي الذي يتوارى خلف مقصد العمل، لكنه شعر بأن كلماتها تصف واقعه وليس وصف لخبرات العاملين بالمكتب.
هزت كلماتها معاني بداخله غير مقصودة على الإطلاق. اضطرب تنفسه لقوة تلك الفتاة وحديثها الصائب، فقد استطاعت أن تغلبه بحنكتها وقوتها لتهدأ ثورته وانفعاله بشكل ملحوظ، ليردف ببعض الهدوء رغم اقتضابه بالحديث.
أمير: نتيجة فحص السموم في التقرير مش مظبوطة. فيها نسبة مش حـ تظهر إلا بإضافات، فلازم تعملوا الإضافات دي الأول عشان توضح كل السموم في العينة.
سميرة بانبهار بتفكيره المرن: تمام. حـ أعيد التحليل تاني وأجيب لحضرتك التقرير الجديد.
استدارت سميرة لتلملم الأوراق المبعثرة أرضًا حين استوقفها أمير.
أمير بضيق: سيبيه.
ثم استطرد موضحًا.
أمير: الساعي حـ يجي يلمه. اتفضلي إنتِ على المعمل.
أومأت سميرة قبل خروجها من المكتب بتفهم. فور أن خرجت من باب المكتب، مال ثغرها ببسمة خفيفة تعلن انتصارًا كانت تسعى للوصول إليه.
جلس أمير معاتبًا نفسه على تصرفاته غير المحسوبة تجاههم. ولوم نفسه على أن هذه الفتاة قد استطاعت أن تغلبَهُ اليوم.
***
بيت الحاج سعيد.
تطلعت والدة هيام بالساعة باندهاش حين انتبهت لعودة هيام بمثل هذا الوقت.
أم هيام: إنتِ رجعتي بدري النهاردة حبيبتي ولا أنا مش واخدة بالي؟
هيام: آه يا ماما. لغيت آخر درس عشان حـ أروح لـ نورا أبارك لها.
أم هيام: عقبالك يا بنتي.
هيام بابتسامة حزينة: إن شاء الله حبيبتي. أمال فين بابا وسميرة؟
أغمضت والدة هيام عيناها لوهلة قبل أن تردف بضيق.
أم هيام: أبوكي تعب شوية ودخل ينام، وسميرة في أوضتها مع هبة.
هيام: طيب حـ أروح أطمِّن على بابا وأشوف سميرة لو عايزة تيجي معايا عند نورا.
أم هيام: وماله يا بنتي.
بعد أن اطمأنت هيام على والدها النائم، ذهبت لغرفة سميرة وهبة.
هيام: أستر يا رب. بخاف قوي لما بتتجمعوا سوا.
وقفت هبة تحمل أحد الملازم الخاصة بها.
هبة: مش للدرجة دي. تعالي بقى استلمي الشيفت ده وارغوا سوا، أحسن أنا عندي بكرة تسميع ومحفظتش حاجة خالص من رغي أختك من الصبح.
سميرة باستنكار: آه يا تحفة. جايه دلوقتي عامله متضايقة ومن الصبح كملي. كملي.
أنهت سميرة حديثها وهي تقلد طريقة هبة تمامًا، لتعلو ضحكات هبة على قدرة أختها على التقليد بهذه الصورة.
هبة: الله. أكسفك يعني.
مررت سميرة أصابعها فوق ذقنها توعدًا لها.
سميرة: طاااايب. أدي دقني لو قلتلك حاجة تاني. امشي يلا غورى من هنا.
هيام: مش حـ تبطلوا الجنان ده بقى.
قابلت سميرة هدوء هيام بتذمرها من أختها قائلة.
سميرة: ما إنتِ شايفة كلامها المستفز.
هيام: سيبك منها. قاعدين تنموا على مين الساعة دي؟
بأسلوبها الشقي المشوق أجابتها سميرة.
سميرة: على مديري بتاعي. أما النهاردة عملت مغامرات إنما إيه.
هيام: احكي لي يا بختي.
قصت سميرة ما حدث معها وما فعلته مع أمير بالتفصيل.
هيام: أحسن. أمال هو فاكر إيه؟ يتأمر على الناس ويبهدلهم كده عشان بيشتغلوا عنده.
سميرة: بس والله صعب عليا لما عرفت إنه مش على طبيعته وإن كل اللي فيه ده سببه جرح نفسي جواه.
بتعقل شديد أخذت هيام تحذر أختها بقوة من ألا تلقي بنفسها بطريق له مخاطر عديدة.
هيام: بقولك إيه. بلاش شغلانة المعالج الروحاني دي، أحسن تلاقي نفسك مطرودة من الشغل وإحنا ما صدقنا.
سميرة: لا متخافيش على أختك. إلا صحيح، إنتِ إيه اللي جايبِك بدري دي الساعة مجتش سبعة؟
هيام: عايزة أروح لـ نورا. تيجي معايا؟
سميرة: لا يا أختي. أنا اتهديت طول النهار ومش عايزة أخرج. روحي إنتِ ولا خدي هبة.
هيام: ما هي كمان عندها مذاكرة، ما إنتِ سمعتيها. خلاص حـ أروح أنا وأمري لله.
تطلعت سميرة باشمئزاز نحو ملابس هيام الواسعة ذات الألوان القاتمة.
سميرة: بس بالله عليكي غيري هدوم الغفر اللي إنتِ لابساها دي.
هيام: لا أنا مبسوطة كده. مالكيش دعوة.
سميرة: يا بنتي هدومك تحسي إنها كبيرة قوي عليكي كده.
هيام: أنا بحبها كده. يلا سلام.
سميرة: إنتِ حرة. سلام.
***
كرم.
بعد تجوله الطويل بشوارع القاهرة وتناول الغذاء بالقرب من النيل بحميمية رائعة لهذا المكان، صدح هاتفه برنينه المميز لينظر كرم إلى شاشته بابتسامة، فقد كان صديقه ياسر الذي يدرك تمامًا أن صديقه غريب هنا وقد انشغل عنه تمامًا بتحضير تجهيزات الزفاف الخاصة به. أجاب كرم تلك المكالمة حين هز صوت ياسر الضاحك أذنيه قائلًا.
ياسر: إيه. توهت ولا لسه؟
كرم: والله بحاول أتوه ومش عارف.
ياسر: تصدق صعبت عليا. طيب ما تيجي تتعشى معانا.
باندهاش تام لعرض ياسر غير المعقول.
كرم: اتعشى معاكم إيه يا راجل إنتَ! إنتَ مش كان فرحك امبارح؟ المفروض تقعد كده مع عروستك.
ياسر: طيب ما أنا قاعد معاها. هو حد قالك إني سايبها؟
كرم: يا أخي ده أنا لو مكانك أفضل جنبها وأدلعها وأعيش معاها اللحظات الحلوة الرومانسية دي. أجيب لها ورد ولا نخرج بره.
أجابه ياسر ببلاهة فقد شعر بأنه يفتقر لكل ما يسمى بالرومانسية.
ياسر: يا أخي حسستني إني وحش جنبك. بس والله أنا كويس معاها.
كرم ساخرًا: لا. ما هو باين.
ياسر: أنا اللي الحق عليا عشان فكرت فيك تيجي تبر نفسك بأكلة بيتي عندنا بدل أكل المطاعم اللي إنت عايش فيه ده. خلاص. براحتك.
تشبث كرم بتلك الفرصة ليس لتناول الطعام فقط، بل لأنه لا يعرف أحد هنا أيضًا.
كرم: إيه يا عم. إنتَ ما صدقت ولا إيه؟
ياسر: شفت. حافظك أنا. يلا مستنيك. متتأخرش. وبعد العشا يا سيدي قوم اتكل على الله وسيبني مع مراتي براحتي زي ما إنتَ عايز.
كرم: هو ده الكلام. جايلك.
ياسر: ماشي. سلام.
كرم: سلام.
خرج ياسر من الغرفة ليبلغ نورا بحضور كرم حين وجد نورا أيضًا تنهي مكالمتها التليفونية.
نورا: ماشي يا جميل. مستنياكِ. باي.
باندهاش لتلك الصدفة أردف ياسر باستغراب.
ياسر: إيه ده هو فيه حد جاي لنا؟
نورا: أبدًا دي هيام. جايا تبارك لنا، أصل أنا أصرت عليها لازم تيجي.
ياسر: ياااه. لو كنت عرفت ما كنتش عزمت كرم يجي يتعشى معانا.
اتسعت عيناها تلقائيًا باندهاش، لكنها سرعان ما تذكرت أنها لن تجهز شيئًا، فبرادها ممتلئ عن آخره بما لذ وطاب.
نورا: متقلقش. هيام أساسًا مش بتقعد كتير وهي خلاص قريبة من البيت. وعقبال ما صاحبك يجي حـ تكون هي مشت. أنا عارفاها مش بتطول في الزيارات نهائي.
ياسر: طيب كويس. حتى نعرف نقعد مع بعض بعد ما يمشوا. كرم كمان قلت أعزمه على عشا بيتي. أصله من يوم ما جه مصر شغال على المطاعم وهو برضه حـ ياكل ويمشي على طول.
رواية لحظات منسيه الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
مساء لطيف للغاية إتخذَت هيام طريقها نحو بيت صديقتها الجديد لتبارك لها زواجها بقلبٍ صادق. لم تُفكر بنفسها وأن تلك الخطوة بعيدة عن حياتها الجافة، خطوة مؤجلة ربما وإن تمت سيكون بعد زمن بعيد.
لم تكن ذات قلب حقود بل شَعَرت بسعادة لسعادة صديقتها. دقت الباب لتفتح نورا على الفور، فهى كانت تترقب تلك الزيارة بشوق، فكلا منهما تَكِنُ للأخرى ذات المحبه والإِخاء.
نورا: هياااااام... وحشتيني.
هيام: ألف مبروك... يا أحلى عروسة في الدنيا.
أمسكت نورا بذراعها بحماس وتشوق تسحبها نحو الداخل.
نورا: تعالى... تعالى.
دلفت هيام حاملة عُلبة كبيرة مزينة كهدية للعروسين، وضعتها برفق فوق إحدى الطاولات قبل أن تتجه برِفقة نورا نحو غرفة إستقبال الضيوف خاصتها.
رغم إمتنانها لهديتها إلا أنها شعرت بأنها أثقَلت على صديقتها بثمنها لتردف ببعض التأثر.
نورا: كلفتى نفسِك ليه كدة يا هيام... هو إحنا أغراب؟
بطبعها الكريم فهى لن تبخل أبدًا على صديقتها بهدية ثمينة، فهي تستحق أكثر من ذلك.
هيام: لو إحنا أغراب مكُنتش جبت حاجة... دى حاجة بسيطة كل ما تشوفيها تفتكرينى بيها... مبروك حبيبتى.
زمّت نورا فَمِها بمرحها المعتاد تعاتب صديقتها على إختفائها بحفل الزفاف.
نورا: مشيتى بدرى ليه فى الفرح؟
تتمتع هيام بطبع قاسِ كتوم للغاية، لا تُصرح بمشاعرها ولا بما يحدث معها بسهولة لتردف بنبرة تخالُها عادية للغاية فلا داعى للثرثرة بموقف هزيل حدث معها.
هيام: ااا... خفت أتأخر... وإنتِ عارفه الشغل.
نورا: وعارفـاكِ لا يمكن تغيبى أبدًا.
حَضَّر ياسر كوبان من العصير حتى لا يزعج زوجته وصديقتها ليطرق بخفة باب الغرفة لتنتبه له نورا التى تفاجئت بتصرفه لتحمل الصينية عائدة بها إلى الصالون مرة أخرى وسط إندهاش هيام فهى لم تستغرق وقتًا لتحضيره.
هيام: إيه ده... لحقتى جبتيه منين دة؟
نورا: لا ده ياسر ساعدنى وحضرهُ لنا.
بتصرف بسيط للغاية يدل على إنسجام بينهم يُسعد قلوبهم وقلوب محبيهم معهم.
هيام: بجد؟ ربنا يسعدكم وتفضلوا دايمًا كده مع بعض.
نورا: يا رب... ياسر ده مفيش منه اتنين أبدًا.
قالتها نورا بمحبة حقيقية فمن حسن حظها إرتباطها به وتفهمها لبعضهما البعض.
***
كرم...
إبتـاع كرم طقم من الساعات الفاخرة، أحدهما لـ ياسر والأخرى لـ نورا، فهى أقل ما يمكنه شراؤه لهما. ثم مر بمحل للورود ليشترى باقة ورد بديعة وهو فى طريقه إلى بيت صديقه وزوجته.
لم يكن البيت بالبعيد وإستطاع للوصول له بسهولة، فخلال الأيام الماضية تمَكن من مَعرفة بعض الأماكن البسيطة بالقاهرة ومن بينهم بالطبع بيت صديقه الوحيد.
دق كرم بصديقه يخبره بوصوله لينتظره ياسر بباب شقته قبل أن يصعد للطرق عليه.
وبترحيب بالغ تقابل الصديقان ليأشر له ياسر بالدخول مستقبِلا إياه بحفاوة.
تقدم ياسر لاحقًا به كرم وقد شقت إبتسامته وجهه الوسيم بسعادة لرؤية صديقه بهذا الإشراق.
توقف ياسر معتذرًا من كرم وهو يأشر تجاه اليمين نحو غرفه المعيشة خاصته.
ياسر: معلش بقى تعالى معايا للصالة الصغيرة... سَبَقتك واحدة صاحبة نورا فى الصالون.
كرم: وهو أنا بيفرق معايا الشكليات دى... يلا ورينى فين الصالة دى.
دلف ياسر لتلك المساحة الصغيرة التى تأثثت بذوق وعناية گ غرفة معيشة يفصل بينها وبين الصالون باب صغير.
تطلع كرم لوجه صديقه المبتسم قائلا.
كرم: ما شاء الله... باين عليك مبسوط.
ياسر: عقبالك.
كرم: يا رب.
شرد كرم بِفكرِه بعيدًا حتى إتسعت إبتسامته ليثير ذلك تساؤل ياسر بفضول عن سبب تلك الابتسامة على وجهه.
ياسر: إيه إللى حصل... ما تضحكنا معاك؟
مال كرم برأسه قليلا وهو يسأل صديقه گ تهيئة لما سيقوله.
كرم: فاكر الحلم إللى كنت دايمًا بحلم بيه وكنت حكيت لَك عليه؟
تشدقت عينا ياسر بتذكر لذلك قائلا.
ياسر: أه... طبعًا فاكر... الحلم بتاع البنت إللى بتاخدك من إيدك وتوديك لبيت كبير.
تنهد كرم بسعادة وهو يسترخى بمقعده مردفًا.
كرم: أنا شفت البنت دى فى فرحك إمبارح.
إعتدل ياسر بتشوق فهل يمكن أن تكون تلك الفتاه موجودة بالحقيقة بالفعل.
ياسر بدهشه: بتهزر؟ مين دى؟
تقوست شفتاه بدون عِلم من هى تلك الفتاة ليرفع كتفيه ويهدلهما قائلا.
كرم: مش عارف... خبطت فيا ووقعت على قميصي كأس الشربات وهزقتني وهوووب... إختفت.
ياسر: يعنى هى إللى خبطت فيك وبهدلتك... وكمان هزقتك ومشيت... دى مين الجبارة دى؟
ليته يعلم من هى ما كان لينتظر دون أن يذهب إليها ويراها مرة أخرى.
كرم: والله مش عارف بجد... دى حتى كانت بتقول كلام مش فاهمُه لحد دلوقتِ.
ياسر بتعجب: ليه قالت لك إيه؟
كرم: كانت بتقولى فاهماك وفاهمه كويس الإسطوانات دى... وبعدين هزقتنى ومشيت.
بإدراك وفهم لمقصدها أومأ ياسر برأسه قائلا.
ياسر: اااه... دى فاكراك بتعاكسها.
إتسعت عينا كرم بإندهاش معقبا.
كرم: يا راجل! هو إسطوانات يعنى بعاكسها؟
ثم أكمل بحركه جذابة من حاجبه الأيمن بإعجاب.
كرم: هو أنا معاكستهاش... بس هى الصراحه تستاهل إن الواحد يعاكسها.
إندهش ياسر لرؤية كرم بهذا الحال ليسأله بإستغراب.
ياسر: إيه يا كرم... دة إنت كل بنات أوروبا مأثرتش فيك... تأثر فيك بنت مصرية؟
غمز بعينه بهيام قائلا.
كرم: فظيعة المصرية دى... بس لو أعرف مين هى.
ياسر: لسه ولا فيه صور جت ولا الفيديو... طب أوصفها لى كدة يمكن تكون حد من قرايبنا ولا حاجة.
أعدل كرم من جِذعه وهو يشير بكفه للأعلى وقد سَبِلت عيناه بعشق قائلا بحالمية بالغة.
كرم: قمر... حاجة كدة سندريلا فى نفسها... كانت لابسه فستان أخضر حلو أووووى.
عقص ياسر أنفه بدهشه.
ياسر: أخضر!!!!... دة أنا مشوفتش غير هيام هى إللى لابسه أخضر تقريبًا.
مال كرم على الفور بإنتباه شديد يسأله بإنفعال متحمس.
كرم: مين هيام؟
ياسر: صاحبة نورا مراتى.
كرم بحالمية: هيام.... إسم لايق عليها أوى.
ياسر بمكر: عارف.... هى إللى قاعدة مع نورا فى الصالون.
كرم بإندفاع: إحلف.
ياسر: أه والله.
وضع كرم كفه فوق صدره مترجيًا ياسر بقوة.
كرم: طب أشوفها... بالله عليك يا ياسر.. أتأكد بس إنها هى.
بتخوف شديد رفض ياسر ذلك قائلا.
ياسر: لا يا عم... لو نورا شمِت خبر دى تفضح الدنيا.
قوس من ملامحه متصنعًا التأثر مترجيًا شفقته على حالة المحب.
كرم: و أهون عليك!!!... أفضل متعلق كدة... مش يمكن تطلع هى وتريح قلبى... بالله عليك يا أخى دة أنا عمرى ما طلبت منك طلب.
ياسر: صعبت عليا.... الأمر لله... قوم معايا.
لمعت عينا كرم ببريق وهو يتبع ياسر متسللان نحو الباب الفاصل بين الغرفتين وهو يسحب باب الغرفة بهدوء شديد ليطل بعسليتاه ناظرًا نحو هيام التى كانت تجلس كالملكة فوق عرشها، بالفعل ملكة لها من الثقة والكبرياء ما يجعلها آيه بالحسن والجاذبية، فرغم ضحكاتها العفوية وبسمتها الساحرة إلا أنها كانت شامخة للغاية، تعلقت عيناه اللامعتان بها مدققًا بملامحها العذبة كما لو كان لم يري بحُسنها من قَبل ليهمس بداخله.
كرم: "دى أحلى كمان من إللى بشوفها فى أحلامى...."
تابع حديثها وصوتها الشجى ذو البحة العذبة لتُسحره بعالم آخر تتوغل به لداخل طيات قلبه الضعيف المنفعل بقوة لحظة رؤيتها معلنًا بدقاته عشقيًا متيمًا قبل حتى رؤيتها ومعرفتها.
هيام: لأ... إمتى دة؟
نورا: والله زى ما بقولك... مش إنتى رايحه المدرسه بكرة... حـ تقابليها وحـ تشوفى.
هيام: إوعى تكونى رايحه المدرسة بكرة؟
نورا: لأ طبعًا... أنا الأجازة بتاعتى لسه طويلة.
رفعت أصابعها تملس بها على خصلات شعرها تعيدها لموضوعها ليفوه بها كرم دون الشعور بنفسه وأنه يسترق النظر إليها.
هيام: حـ شوف... بس والله بخاف تدبسينى فى حاجه من بتوعك.
نورا بضحك: لا متخافيش... حـ بقى أدبس ياسر بدالك بقى من هنا ورايح.
هيام: حرام عليكى يا شيخه... طيب..... أسيبك إنتِ بقى لعريسك وأمشى أنا مبحبش أكون عزول.
نورا: متقوليش كدة وتزعلينى منك.
هيام: ماشى فاهمه فاهمه... يلا سلام حبيبتى.
بتلك اللحظة أدرك ياسر أن هيام على وشك المغادرة ليسحب هذا المتيم الذى فقد عقله دون أن ينتبه لنفسه ليلكزه بخفة للإسراع بالإبتعاد.
نظر كرم نحو ياسر لينتبه لما يفعلانه ليهرعا بعجاله نحو مقاعدهم حتى لا تنتبها نورا وهيام لهما.
لكن الحظ العسر جعلهم يتعثرا بالبساط الموضوع بالأرضية ليهوى كلاهما محدثان صوت إرتطام قوى.
فزعت نورا لهذا الصوت المفاجئ لتطلب من هيام الإنتظار حتى ترى ماذا حدث.
إتسعت عيناها الواسعتان بصدمة لرؤية كرم وياسر ساقطان أرضًا كالأطفال.
نورا: يا نهار!!!!!... إيه إللى إنتوا بتعملوه دة؟
ياسر بصوت خافت: اششش... خلى هيام تمشى وحـ أفهمك.
نظرت له نورا متعجبه من تصرفاتهم ثم عادت لصديقتها تودعها أولا قبل رحيلها.
عاد ياسر وكرم إلى مكانهما وإنفجرت ضحكاتهم لما فعلوه للتو.
ياسر: كنت حـ تودينا فى داهيه... الله يسامحك.
كرم: تفتكر مراتك حـ تقول علينا إيه؟
مال فم ياسر جانبيًا قبل أن يردف بتهكم.
ياسر: لا دى مجنونة زيك... مش بقولك إنتَ لسه متعرفهاش.
عادت نورا إليهم بعد توديع هيام لتقف أمامهم وهى تضع يداها فوق خصرها متصنعه الضيق كمعلمة تقف بتلاميدها بالصف.
نورا: إيه بقى إللى بيحصل ده؟
ياسر: الأول... دة كرم يا ستى إنتوا شفتوا بعض فى الفرح بسرعة كدة.
نورا بسخريه: أهلا وسهلا يا أستاذ كرم.
حاول كرم كتم ضحكاته لكنه لم يستطع ليردف بنبره ضاحكة.
كرم: والله ما تفهمينى غلط.
جلست نورا بمقابلهم قائله بفضول.
نورا: ما أنا مستنيه أفهم الصح أهو.
قصا إليها كل شئ بالتفصيل لتزم نورا شفتيها بضيق.
نورا: اااه ماشى.... بس للأسف... فيه مشكلة.
تلاشت إبتسامة كرم ليتجهم وجهه على الفور متسائلا بتوجس.
كرم: مشكلة.... مشكلة إيه؟
نورا: هيام رافضه الجواز رفض تاااااام.
كرم بضيق: ليه كدة؟
نورا: ظروفها متسمحش خالص... هى المسئولة عن إخواتها وأهلها وبتصرف عليهم ومينفعش تتجوز وتسيبهم فهى بترفض أى حد بيتقدم لها.
كرم: بس أكيد ليها حل... مش حـ تفضل كدة طول عمرها.
تقوست شفتيها وهى ترفع من كتفيها بمعنى لا أدرى.
نورا: هاه... الله أعلم... وبعدين مش لما تبقى تعرفها كويس؟
أجابها كما لو كان يعرفها منذ زمن بعيد فقد إستوطنت روحه من قبل أن تقع عيناه عليها.
كرم: أنا حاسس إنى أعرفها كويس أوى... أنا حلمت بيها كتير أوى فعلا... أنا تقريبًا مش بحلم غير بيها.
نورا بتفكير: طيب سيب الموضوع دة عليا.
صفق ياسر بحماس فهو يعلم مغزى تلك الكلمة وما ستفعله نورا.
ياسر: أيوة كدة... مش قلتلك... نورا دى لازم تتدخل فى كل موضوع.
نورا بحزن: حـ أزعل.
ياسر: لا خلاص... إيه مش حـ تعشينا طيب ولا إيه؟
نورا: حاضر... دقايق والعشا يبقى جاهز.
تناولوا العشاء و إنصرف كرم بعدما شكرهما على دعوتهم له.
***
أمير.
جلس أمير ينظر إلى عتمة الليل وحيدًا كالعادة ليس لديه سوى بعض الكتب وفنجان من القهوة المتأخر.
مرت الأيام كشريط يحكى ما مر به خلال عام كامل.
متذكرًا حين جلس بإحدى الحدائق ليستريح قليلا من عناء الوقوف المتكرر فى إحدى المصالح الحكومية لإنهاء بعض الأوراق للبحث الذى يقوم به حين قابلها صدفة.
كانت ضحكتها الرنانه هى ما لفتت إنتباهه لوجود بعض الفتيات يلعبن سويًا.
لم يلبث إلا وقد إصطدمت به الكرة لتقترب منه بميوعةٍ تطلب منه إلقاء لهم الكرة.
تكرر الموقف أكثر من مرة لتقترب منه وتطلب أن يلعب معهم بالكرة.
لم يكن بذا الخبرة لكى لا يقع فى حبالها سريعًا.
وسرعان ما تمت خطبتهم سعيدًا بإقتراب أمله بتكوين أسرة ترحمه من عناء الوحدة التى يعيش بها بعد رحيل أبويه.
لكنها كانت دائمة الإنشغال والتهرب منه، لاحظ أكثر من مرة تقربها من بعض أقاربها بدون سبب ولفت نظرها كثيرًا لرفضه مبدأ الإختلاط.
لكن ما قد حسم موقفه وتأكد من عدم صدقها فى مشاعرها تجاهه حينما قابلها مع صديقه فى ذلك اليوم.
طَعنةِ غدر فى ظهره لكنه كان يجب أن يتوقع ذلك فهى لم تكن أهل ثقة من الأساس.
لكن آلمه بالفعل ما حدث، أوجعه تضحيتها بحبه بكل سهولة، تذكر كلماتها التى كانت ترددها على مسامعه كثيرًا.
"إنتَ خيبة أوى كل إللى يهمك شغلك وكتبك و معملك... أنا مش عايزة حد رجعِى ومتزمت زيك كدة... أنا عايزة أعيش حياتى."
لملم أمير بقايا ليلته محاولا النوم بعيدًا عن هذه الذكريات التى تؤلمه كلما تذكرها.
***
بيت والد ياسر.
إلتف سواد الليل بما يضاهيه من سواد حين أغلقت واضحه باب غرفتها تدنو من إبنتها التى عادت منذ قليل متسائله بإهتمام.
واضحه: ها عملتى إيه؟
أخرجت حسناء زجاجه خضراء من حقيبتها قائله.
حسناء: الشيخ كرامه إدانى الإزازة دى... وجالى(قالى) لازم تِشرَبها.
أومأت واضحه رأسها بأعين قاتمة ونظرة متجهمه.
واضحه: خلاص بكرة نشربها لها.
مطت حسناء شفتيها غير مصدقة لما تستطيع والدتها فعله.
حسناء: إزاى بجى؟
زاغت عينا واضحه الماكرتين لدقائق ثم قالت.
واضحه: حتچيبى من الصيدلية حاچة تدوخها ونعملها كوباية عصير ونحطه فيها عشان نفوجها (نفوقها).
بإعجاب لما تخطط له والدتها بمكر ودهاء أردفت بصوت عالٍ.
حسناء: يا حلاوتك يامه.
تطلعت واضحه حولها بتوجس من أن يسمعهما أحد مردفه بحده.
واضحه: إتلمى يا بت.
حسناء: حاضر... بس تِشربها ونخلص بجى.
***
فى اليوم التالى.
إقترح ياسر على زوجته أن يقضيا بعض الوقت برفقة أهله لترحب نورا بذلك للغاية فهى بطبعها تعشق التجمعات ودوده بشكل غير عادى واجتماعية بصورة مفرطة.
أسرعت حسناء تجاه والدتها التى تُحضر بعض الأطباق التى تتميز بها بالمطبخ قائله.
حسناء: أمه.... ياااامه.... ياسر والزفته جم برة.
تركت واضحه ما بيدها لتلتف تجاه إبنتها تعطى لها الوصايا الأخيرة حتى لا تخطئ بشئ بها.
واضحه: كويس جوى... يلا زى ما جولت(قلت) لك حطى البنچ دة على وردة وشميميها لها ولما تدوخ تچرى تعملى العصير.
حسناء: ماشى.
جلس ياسر ونورا مع أهل ياسر مرحبين بهم حين أقبلت واضحه وإبنتها يلقون السلام عليهم بسعادة زائفة.
واضحه: وأنا بجول الدنيا نورت.
ياسر: منورة بيكم يا خالتى.
جلست واضحه تُظهر إمتنانها لوجودها معهم وأيضًا تبعد عن نفسها وإبنتها كل الشُبهات لما تدبرانه بالخفاء.
واضحه: والله أنا عارفة إنى تجلت عليكم يا أختى... بس كنت عايزة أشترى لوازم لـ حسناء من مصر أحسن من عندنا بكتير... جبل ما نسافروا.
ام ياسر: ودة كلام برضه يا واضحه إن مشالتكوش الأرض نشيلكم فوق راسنا.
واضحه: تسلمى يا أختى.
إستقامت نورا من جلستها قائله بود.
نورا: طب أنا حـ أروح أساعد حسناء فى المطبخ شوية.
واضحه: ودة إسمه كلام برضك يا عروسة.
نورا: أهو أتسلى... معاها شويه.
واضحه: على راحتك.
كانت ما تنطق به مغاير تمامًا عما تضمره بداخلها لتشعر بنشوة لإنسياق تلك المغفلة نحو إبنتها التى تتجهز لما إتفقتا عليه.
كانت حسناء فى هذا الوقت تسترق السمع لتتظاهر بأنشغالها بالمطبخ حين أقبلت عليها نورا.
نورا: إزيك يا حسناء؟
حسناء: بخير... تعالى يا عروسة.
نورا: أنا قلت آجى أساعدك شوية.
إبتسامتها الخبيثه الناعمة كجلد الثعبان لم تدركه نورا بل ظنت أنها ظلمتها بمشاعرها تجاهها بعد خطبتها لـ ياسر.
أمسكت حسناء بباقة صغيرة من الورود قائله.
حسناء: والله تنورينا... دة أنا كنت لسه حـ طلعلك وأچيب لك الورد الحلو دِة.
نورا ببهجه: الله..... ورد... حلو أوى.
قدمت حسناء الباقة لـ نورا التى سرعان ما أقحمت أنفها تستنشق عبير الورد الطبيعى الذى تعشقه بقوة.
دوار شديد جعلها غير متزنة بالمرة تفاجئت به حين إشتمت رائحة الورد العجيبة تلك لتمسك برأسها وقد بدأت تترنح قليلا.
نورا: إيه دة... دماغى!!!.... اااه.
تصنعت حسناء القلق قائله.
حسناء: مالك حبيبتى.... تعالى تعالى بره شمى شويه هوا.
خرجت نورا مستندة على حسناء وهى تمسك برأسها من أثر هذا الدوار المفاجئ، أسرع ياسر بإسناد نورا ليجلسها على أحد المقاعد القريبة.
ياسر بقلق: نورا... نورا... مالك حبيبتى؟
دفعت واضحه حسناء تجاه المطبخ فهى فرصتهم التى يجب إكمالها.
واضحه: جومى يا بت إعملى لها كوباية عصير بسرعة.
أسرعت حسناء نحو المطبخ لتحضر كوب من عصير الليمون لازع الطعم وسكبت به الزجاجة التى أحضرتها من الشيخ كرامه كاملة.
عادت حسناء لتجد الجميع ملتف بقلق حول نورا تقدمت بغيظ تخفيه فى داخلها لتمد يدها بكوب العصير نحو ياسر.
الذى أمسك بكوب العصير وأخذ يساعد نورا على إحتسائه لكن عندما تذوقته شعرت بطعم سئ للغاية بفمها فأبعدت عنها الكوب بنفور.
أعادت واضحه الكوب مرة أخرى إلى نورا لتجبرها على إكماله وهى تضغط الكوب فوق شفاهها لتحتسيه رغمًا عنها.
واضحه: لا لا... شكلك هفتانه خالص... ميصحش كِدِة... لازم تشربى العصير كله.
نورا بإستياء: طعمه وحش أوى.
واضحه: معلش يا بنتى... دة مليان سكريات حـ تفوجقك (حـ تفوقك) على طول.
مع إجبار الجميع لها إضطرت نورا لشرب الكوب كاملا.
ياسر: شكلك تعبان أوى... تعالى بينا نطلع فوق ترتاحى شوية.
نورا: أه... أنا عايزة أنام.
أسندها ياسر ليصعدا إلى شقتهم حتى تحصل على قسط مريح من النوم فربما أُرهقت فى الأيام الماضية.
كانت عيون واضحه وحسناء تشع بالإنتصار والفرحة لنجاح مخططهم كما خططا له.