ضيق نفس وتوتر وغضب يجتاح نفسها بلا مبرر وبلا سبب أيضًا. كل ما تشعر به أنها لا تتحمل وجودها ووجودهم معها. لا تنتهي من الطعام مطلقًا، تشعر بالنفور والضيق وتنفعل من أبسط الأمور لتصبح على النقيض تمامًا من طبيعتها النقية التلقائية الاجتماعية. بتجهم تام جلست نورا صامتة بشكل مثير للانتباه حول مائدة الطعام التي تجمعها بياسر الذي تساءل بتعجب. ياسر: مالك يا نورا؟ انتِ من الصبح مأكلتيش حاجة؟ نورا: مصدعة وحاسة ماليش نفس خالص.
أردف بمحبة وقلق على ضعفها الذي بدأ يظهر عليها لشحوبها وعدم اتزانها كما حدث بالصباح. ياسر: انتِ عايزة تتعبى زي الصبح ولا إيه؟ أجابته بإنفعال وحدة برد فعل دخيل عليها مغاير لطبيعتها الودودة. نورا: ولا عايزة أتعب ولا حاجة، ماليش نفس وخلاص. ردها العصبي بدون سبب أثار حنقه فما هو إلا مهتم بصحتها لا أكثر ليجيبها بحدة مماثلة. ياسر: طب أنا قولت إيه يعصبك كده؟ الله!
أفاقت لنفسها بأنها على غير طبيعتها لتردف معتذرة عن حدتها الغير مبررة. نورا: معلش يا ياسر. الظاهر أعصابي تعبانة من ساعة الصبح شوية معلش. تراخت ملامحه المشدودة ليردف بحنو. ياسر: اهدى يا نورا. أنا عمري ماشوفتك متعصبة من حد ولا بتضايقي كده من حد. نورا: حاضر. ههدى شوية. أنا داخلة أنام. تعجب ياسر من رد فعل نورا منذ ما حدث بينها وبين والدته بالأمس دون سبب لذلك، فهل ما حدث سبب لها كل هذا الضيق الظاهر على ملامحها. ***
في صباح اليوم التالي. بآلية معتادة ليومها الذي تحفظه عن ظهر قلب، فهي تقوم بنفس الروتين وتسير بنفس الطريق حتى أنها تجزم أنها ترى نفس الوجوه كل يوم. وصلت هيام إلى المدرسة لتلاحظ تلك السيارة المصفوفة أمام سور المدرسة. لم تُلفت تلك السيارة الفضية نظرها بل ما استرعى انتباهها هو ذلك الشاب الذي يقف أمامها مستندًا على مقدمتها بشكل درامي كما لو كان يمثل مشهدًا من فيلم سينمائي.
دارت ببصارتها نحو هذا الشاب ذي الملامح المكسيكية والشعر الأسود الطويل المتناثر وعيونه اللامعة الغامضة. أخذت تتذكر وهي تضيق بين حاجبيها بقوة. هيام: أنا حاسة إني شفت الشاب ده قبل كده، بس مش فاكرة فين. ملامحه مش غريبة عليا خالص. طبعها الغير مهتم وجديتها التي اعتادت على اقتسام حياتها معها جعلها تنفض أفكارها بثقل متوجهة نحو المدرسة لسماعها بداية طابور الصباح.
لحظة توقفت بها رشقت نظرتها الخفيفة بقلبه بسهمها الفتاك لتتصاعد ضربات قلبه بعنف، لكنها كانت مجرد لحظة وأسرعت نحو داخل المدرسة. ثوانٍ قليلة رسمت ابتسامة سعادة فوق شفتيه قائلاً. كرم: قمر يا شربات. أروح أنا ألف شوية وأرجع لها في معاد نهاية اليوم يمكن تحن عليا وتكلمني. استقل كرم سيارته المستأجرة يتجول بها بالطرقات حتى يحين وقت الانصراف ويستطيع رؤيتها والتحدث معها. *** المعمل.
فاقد الشيء يبحث عنه، تظهر أمامه تلك الأشياء التي يفتقدها بوضوح شديد كما لو كان الأمر يتسلط على الناقص فقط. هكذا وقعت عينا سميرة على حقيبة عبير الجديدة فقد لفتت انتباهها بوضوح فهي بالفعل تحتاج واحدة بأسرع وقت بعد تمزق خاصتها واقتراض حقيبة هيام. سميرة: حلوة قوي شنطتك دي يا عبير. عبير: ومش حتصديقي بكم؟ دي تقريبًا بنص السعر. فرصة حسم ستوفر لها الكثير لتردف باهتمام. سميرة: بجد؟ جبتيها منين؟
عبير: محل فاتح جديد بس إيه كل حاجة فيه بنص السعر. حأبقى أوصفهالك. بحماس شديد تفكرت سميرة بشراء حقيبة مثل تلك وتوفير بعض المال أيضًا لتردف بتخطيط. سميرة: أيوه. أول ما نقبض حأخذ عنوانه بالتفصيل وأروح أجيب أنا وهيام. عبير: يا سلام بس كده. عنيا. نقبض بس.
صدح رنين هاتف عبير الذي التقطته على الفور مجيبة اتصال والدتها وبعد حديث لم يطل أكثر من بضع دقائق وضعت هاتفها إلى جوارها فوق سطح المكتب دون إنهاء المكالمة كالعادة لتهتف بها سميرة بتهكم مازح. سميرة: إنتِ يا حاجة! اقفلي ياما السكة. زمانك مغرمة الست الوالدة مكالمات هي كمان. انتبهت عبير لأن المكالمة ما زالت مفتوحة لتضغط زر الإغلاق وهي تضحك بشدة. عبير: والله بنساه يا سميرة. مش بيجي على بالي خالص.
انتفضت عبير بابتسامة وترقب لتقطع حديثها مع سميرة حين استمعت لوقع خطوات تحفظها جيدًا تلاها صوته المألوف على مسامعها، إنه أحمد عشق الروح. تسمرت عيناها بتلهف وهي تناظر باب المكتب حين دلف إلى الداخل يستكمل مكالمته الهاتفية. أحمد: أكيد طبعًا. من عنيا حاضر. أمال إيه. حد يقول للمصلحة لأ. أكيد طبعًا. مع السلامة.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فتلك العيون العاشقة المملوءة بالشوق والتلهف لم تنل من أحمد حتى الانتباه. فحين دلف وقعت عيناه على جميلته التي سلبت قلبه سميرة التي جلست خلف مكتبها لا تكترث بمن ذهب ومن أتى، فكل منهم في حال وفكر مختلف. فقط لو يعلمون. ابتسم أحمد يخص بها سميرة دون الانتباه لعبير بالمرة. أحمد: صباح الخير. منورانا النهارده يا سميرة. أجابته برسمية للغاية. سميرة: شكرًا.
التف نحو عبير قائلاً بما يمليه عليه الواجب الاجتماعي. أحمد: صباح الخير يا عبير. عبير: صباح النور. لم تطُل سميرة بأفكارها لتحاول البحث عن أي عمل أو تقارير تستطيع بها الدخول لمكتب أمير. سميرة: عبير. بقولك إيه. مفيش عينات في المعمل النهارده؟ عبير: مفيش غير التقرير ده. خدي راجعيه قبل ما ندخله لباشمهندس أمير. بحماس بالغ سحبت سميرة الملف من بين يد عبير تطالعه بتتمعن بذات الوقت التي لم يشيح به أحمد عيناه عنها.
بمهارة هتفت سميرة تنبه عبير عن خطأ ما. سميرة: على فكرة فيه غلط في الكمية دي. هب أحمد بعجالة يتلقى تلك الفرصة للتقرب منها والحديث معها ليقف قبالة مكتب سميرة قائلاً. أحمد: وريني كده. أه فعلاً. كويس إنك أخدتي بالك قبل ما باشمهندس أمير ياخد باله. مجرد سماعها لاسمه أطلقت بسمة خفيفة حين تذكرت أيضًا لقائهم الأخير ومحاولته إخفاء ضحكته التي أثارتها. أردفت عبير بتخوف. عبير: هات كده يا أحمد أعدله بدل ما نتبهدل كلنا.
وانهمكت عبير بتصحيح الكميات الخاطئة تجنبًا لثورة هذا الأمير. *** هيام. بعد انتهاء اليوم الدراسي خرجت من البوابة الرئيسية لتجد هذا الشاب ما زال واقفًا بنفس موضعه وبنفس الهيئة لتتساءل مرة أخرى بداخلها تحاول تذكر أين قابلته من قبل.
لكن حين وجدت نفسها منشغلة بالأمر وهذا شيء لا تستحسنه مطلقًا رفعت هامتها ثم تجاهلت الأمر برمته، فعقلها هو المسيطر على كل تصرفاتها وهذا أمر ليس بالأهمية للإنشغال به. اتخذت طريقها نحو عملها الإضافي دون تخاذل وتفكير بأشياء لن تنفعها. *** انتهى اليوم كغيره ليلوح بالأفق نهار جديد.
استيقظ ياسر بالصباح ليساعد نورا في تحضير الإفطار وتحسين حالتها النفسية قليلاً. وجدها تقف بالمطبخ شاحبة اللون تحيط بعينيها هالة خفيفة من السواد وتبدو مرهقة للغاية، لينتابه القلق على حالتها الصحية التي لا تطمئن على الإطلاق. ياسر: صباح الخير يا حبيبتي. نورا: صباح الخير. ياسر: انتِ كويسة؟ أومأت نورا بالإيجاب بوجه جامد ليس ضحوكًا كعادتها. نورا: أه بس قلقت شوية ومعرفتش أنام كويس. ياسر: انتِ شكلك مش مظبوط خالص.
أثارت كلماته عصبيتها مرة أخرى لتجيبه بحدة كما لو كانت تنتهز الفرصة لبدء شجار جديد. نورا: ما قلت لك كويسة. دفع ياسر يديه بغضب من طريقة نورا المثيرة للمشاكل بوجه غاضب وأعصاب منفلتة. ياسر: لا بقى. دي مش طريقة. كل شوية تتعصبي من غير لازمة. تداركت نورا خطأها لتهم بالاعتذار على الفور خجلها من تصرفاتها الغير محسوبة مؤخرًا. نورا: أسفة يا ياسر.
لم تستطع نورا تحمل ألم معدتها مرة أخرى لتسرع نحو المرحاض لتتقيأ. لكن قبل أن يسألها ياسر عما حدث وقعت نورا مغشيًا عليها. حاول ياسر إفاقتها وقد انتابه قلق شديد ليُصر عليها حين أفاقت قائلاً. ياسر: لا يا نورا لازم نكشف. انتِ تعبانة قوي. برضوخ لرأيه حركت رأسها بإعياء مردفة بصوت متحشرج يكاد يخرج من حنجرتها. نورا: ماشي. *** اصطحب ياسر زوجته للطبيب الذي وقع الكشف عليها ليعود لمقعده قائلاً بعملية وهو يشير لنورا بمشاركتهم.
الدكتور: اتفضلي يا مدام. سأله ياسر بقلق. ياسر: خير يا دكتور؟ الدكتور: مفيش أي حاجة. يمكن المدام بتحب تتدلع علينا شوية ولا حاجة. نظر ياسر نحو نورا الشاحبة ثم أعاد بصره للطبيب بتعجب. ياسر: بتدلع. إزاي يعني؟ دي دايمًا معدتها مقلوبة ومش قابلة الأكل خالص. دي غير إنه أغمى عليها النهارده. دون الطبيب بعض الملاحظات والأدوية بدفتره قائلاً.
الدكتور: عمومًا هي تاخد بالها من الغذا بتاعها كويس وممكن تكون أكلت حاجة مش كويسة ومعدتها متقبلتهاش. ده مطهر معوي وإن شاء الله حتبقى تمام. ياسر: شكرًا يا دكتور بعد إذنك. انصرف ياسر ونورا من عيادة الطبيب مصطحبًا إياها لقضاء بعض الوقت خارج المنزل لتخفيف التوتر الذي لا يدرك سببه بالآونة الأخيرة. *** المعمل.
بعد انصراف جميع العاملين بالمكتب في موعد انصرافهم المحدد، وجدها أمير فرصة سانحة للقيام بالتجربة على مشروعه القائم عليه بدون مقاطعة أو انشغال كما يفعل كل مساء. خرج من مكتبه نحو المعمل الكبير محضرًا بعض الأدوات والمركبات التي سوف يستخدمها على الطاولة الخشبية العالية. وقضى وقت طويل في التحضير لهذه التجربة التي يأمل أن تنجح هذه المرة وينال مراده منها.
ارتدى معطفه الأبيض ونظارة الحماية قبل بدأ التجربة حين بدأ بوضع المواد الكيميائية يحضر بها التركيب الذي قد توصل إليه على قطعة من الجلد وقطعة من القماش ليبدأ بالتجربة التي يتمنى بالفعل نجاحها هذه المرة بعد ثلاث سنوات من التجارب. بعد أن حضر كل شيء جهز شعلة من النار ليبدأ بحرق قطعة الجلد والقماش ليرى نتيجة تأثير هذه المادة الجديدة. *** سميرة.
بعد انصرافها من المعمل تذكرت أنها قد نسيت هاتفها هناك بعدما تأكدت أنها لم تضعه بحقيبتها لتعود مرة أخرى بطريقها إليه لتأتي به. أسرعت الخطى خوفًا من أن يكون عم فتحي الساعي قد أغلق باب المعمل وانصرف هو أيضًا. لم تكن قد ابتعدت كثيرًا فوصلت بسرعة إلى البناية صاعدة نحو الأعلى بخفة وسرعة. تنفست الصعداء حين وجدت باب المعمل ما زال مفتوحًا ورأت عم فتحي ينظف المكاتب والمعمل قبل مغادرته.
أردفت سميرة بأنفاس متهدجة لخطواتها السريعة. سميرة: معلش يا عم فتحي حأدخل أجيب تليفوني أحسن نسيته جوه. ده ربنا بيحبني إنك لسه مروحتش. عم فتحي: معلش يا بنتي ادخلي شوفيه. اقتربت سميرة من باب المعمل لتتسع عيناها بتخوف حين رأت من خلف الزجاج الضبابي للمعمل خيال نار تشتعل بالداخل وتوقعت انفجار للمواد الكيميائية بالداخل. تلفتت حولها بهلع وهي تحث نفسها على التصرف على الفور فلن تنتظر أن ينفجر المكان بأسره.
بدون تفكير أسرعت سميرة بإلقاء حقيبتها ساحبة إحدى طفايات الحريق المعلقة بالممر متوجهة بجرأة مباشرة إلى المعمل وهي تدفع بمقدمة خرطوم المطفأة محاولة منها لإطفاء الحريق المزعوم. بلحظات تغطي كامل أسطح المعمل بتلك المادة البيضاء التي انبعثت من مطفأة الحريق خاصة حين تحركت بها بكل أرجاء المعمل تمنع تلك الكارثة من الوقوع. *** أمير.
انكب أمير على تجربته بوضع الشعلة فوق الجلد تارة والقماش تارة وارتفع لهيب النار وجلس يلاحظ النتيجة بترقب. تفاجأ بأحدهم يفتح مطفأة الحريق فجأة في وجهه حتى تغطى بالكامل من البودرة البيضاء وأفسد تجربته تمامًا، تلك التجربة التي أخذ يحضر لها منذ وقت طويل. أخذ يصك أسنانه بغيظ وغضب من هذا التصرف الأهوج الذي لا يدرك من صاحبه حتى الآن من انعدام الرؤية إثر هذا الضباب الكثيف الذي ملأ المعمل بأكمله. أمير صارخًا بغضب: إيه ده!
اتسعت عينا سميرة بصدمة لم تتوقعها فقد ظنت أن المعمل يحترق ولم يتراود إلى ذهنها مطلقًا أن هناك شخص ما بالمعمل لتردف بدهشة وبلاهة أيضًا. سميرة: مين هنا؟ زاد غيظ أمير وقد بدأت الرؤية تتضح شيئًا فشيئًا ليردف بنبرة ممزوجة بين الغضب والسخرية بذات الوقت. امير: مين هنا؟ مش تشوفي الأول قبل ما تعملي مصايبك السوداء دي على طول!
أيقنت سميرة أنه أمير من صوته الغاضب، لكنها لم تستطع أن تكتم ضحكتها على مظهره فقد تراكمت البودرة البيضاء بكثافة على شعره ووجهه ذي نظارة الحماية وغطت جسده كله حتى حذائه لتجيب بقهقهات عالية وسط حديثها. سميره: آآآسفة. والله. ماكنتش أعرف إنك هنا. افتكرت المعمل بيولع. ببعض التحسر والغيظ من تلك المخلوقة الضاحكة المتسرعة. امير: بيولع! ده أنا اللي حـ ولع منك يا شيخة! أكملت دون توقف عن الضحك.
سميرة: والله ما أخدت بالي. متوقعتش خالص إنك تكون لسه موجود في المعمل أصلاً. لم يستطع تحمل كل هذا الضحك ليردف بعصبية. أمير: ممكن أفهم بتضحكي على إيه؟ بلاش تعصبيني أكتر ما أنا! سميرة: أصل منظرك بصراحة. يهلك من الضحك. أسفة بجد. بقلة صبر سألها أمير عن وجودها بالمعمل بهذا الوقت. امير: اللهم طولك يا روح. انتِ إيه اللي جايبك دلوقتي؟ سميرة: نسيت التليفون بتاعي ورجعت أخده. امير: طيب اتفضلي خديه وامشي مع السلامة يلا.
أخذ أمير ينظف شعره ووجهه وينفض البودرة عن يديه وملابسه حين سألته سميرة بفضولها الذي لا ينتهي من حياتها. سميرة: هو إنتَ بتعمل إيه في المعمل؟ حدجها إليها أمير بغضب فهي السبب في فشل تجربته هذه المرة وسوف يستغرق وقتا لحين تجهيز التجربة مرة أخرى. أمير بغيظ: إنتِ مالك. متدخليش في إللي ملكيش فيه. الله يسامحك بوظتيلي كل حاجة. سميرة بتحدي زائف مغلف ببعض الضحك.
سميرة: الله. مش أكل عيشي يا بيه وبحافظ عليه. افرض مثلا المعمل ولع. أشتغل فين أنا بقى؟ امير: بقولك إيه أنا مش رايقلك. رفعت سميرة هامتها بجدية قائلة. سميرة: طيب أنا مستعدة أساعدك. أنا شاطرة على فكرة وبحب الشغل قوي. أمير بقله صبر: اللهم طولك يا روح. يا ستي ابعدي عني. بتشبث وإصرار على إقحام نفسها فيما يفعله. سميرة: لا اااااا. غلطتي وحـ أصلحها. قولي بس أعمل إيه وأنا حـ أعمله.
ارتدت سميرة معطفها الأبيض الخاص بها دون إذن منه ثم اقتربت من الأدوات التي وضعها أمير لتنظف الطاولة من البودرة البيضاء لبدء تجربته مرة أخرى. لا يدري أمير لماذا لم يرفض تدخلها ربما لأنه يريد إنهاء هذه التجربة اليوم كما أمل. بدأ يخلط نفس المادة مرة أخرى بينما جهزت سميرة شعلة النار وقطعة من الجلد والقماش كما طلب منها أمير باقتضاب. سميرة بفضول: إيه المادة دي؟ امير باقتضاب: تركيبة عاملها. سميرة: مخترعها يعني؟ امير: أيوه.
بانبهار شديد من قدرة هذا الشاب صغير السن على ابتكار شيء جديد. سميرة: بجد. واو. مكنتش أعرف إنك مجنون كيمياء زيي. بس أنا موصلتش لأي حاجة خالص. بس شاطرة في المواد المعروفة. نظر إليها أمير لوهلة ثم أعاد بصره مرة أخرى لما يقوم به. بمزاحها اللطيف من تلك النظرة العابرة دون تعقيب منه. سميرة: إيه يا باشمهندس من تواضع لله رفعه. هو عشان ما حتبقى مخترع حاجة. تقوم متردش علينا كده.
ابتسم أمير ابتسامة جانبية أخفاها بسرعة ليرتدي قناع التجهم مرة أخرى. أمير موضحًا: دي مادة بشتغل عليها بقالي ثلاث سنين تمنع الاحتراق. ودي كانت آخر تجربة. سميرة: حلو قوي. يلا نجربها سوا. لو سمحت. أمسك أمير بالشعلة بعدما وضع المادة وبالفعل حاوطت النيران القطعة الجلدية وقطعة القماش لكنها لم تحترق. زاد انبهار سميرة من هذه المادة التي ستفيد في أشياء كثيرة إذا تم التعامل بها. سميرة بإعجاب: عبقررري. تحفة. برافو عليك.
إطراء سميرة أشعره بقيمة ما مر به خلال سنوات. يكفي إحساس الإعجاب بعمل قام به المرء ليشعر بقيمته وينسى تعبه على مر أيام وليالي طويلة. امير بامتنان: شكرًا. سميره: مش بجامل والله فكرة عبقرية. لازم تتسجل براءة اختراع. تناسى أمير إحساسه بالضيق والحدة وعاد لدقائق أثناء حديثه معها لنفسه القديمة الهادئة. امير: إن شاء الله. أظبط أوراقي وأقدمها للجنة. سميرة: مبروك مقدمًا. امير: عطلتك معايا. تقدري تروحي عشان متتأخريش.
تطلعت بفزع تجاه ساعتها قائلة بعجالة. سميره: أه صح. ده زمانهم في البيت قلقانين قوي دي أول مرة أتأخر كده وكمان ما اتصلتش بيهم أطمنهم. بعد إذنك. أنهت سميرة جملتها وهي تخلع معطفها الأبيض بسرعة متوجهة إلى الخارج لتعود إلى البيت حتى لا تتأخر أكثر من ذلك.
تراود إلى ذهن أمير مقارنة مفاجئة بين سميرة وميادة كيف أن ميادة كانت دائمة الخروج والسهر وقَلما استأذنت قبل تأخرها فهي لم تفعلها مطلقًا من قبل بينما سميرة الساعة لم تتجاوز السادسة وقلقة من تأخرها بدون علم والديها. كم هما نقيضان. هكذا فكر أمير قبل أن يلملم أدواته ويحمل حقيبته الجلدية ويترك المعمل متوجهًا نحو منزله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!