وقفت خلود مصدومة وهي تنظر إلى الشخص الواقف على الباب. جاء في بالها ذكرى الأيام التي فاتت، وحست بالقهر لأن بسبب ما حصل وبسبب الزن، خسرت أهم ركن في حياتها.
نظرت إليه كثيرًا وهي تشعر بالغضب من نفسها لأنها لم تسمع كلام عائلتها، الذين كان كل همهم سمعتها وخوفهم على ابنتهم من هذا العالم. فبقدر ما هو مبهج وجميل ومغري ويبرق من الخارج، بقدر ما هو مخيف جدًا لأنه يعرض حياتنا للعلن، ولا نعرف كيف تكون لنا خصوصية. حياتنا تكون في حذر أن تلمح الأضواء أي شيء تخرج عليه إشاعة. أكيد هم لديهم حق، لكنها كانت... كانت متعلقة، مبهورة بالأضواء هذه. ربما أضواء القاهرة زغللت عينيها. بصلها بهدوء:
"هنفضل واقفين كدا كتير يا آنسة خلود؟ بصتله تاني: "عاوز إيه؟ بهجت: "عاوزك! بصتله خلود بإستغراب: "أفندم! إنت جاي تقل أدبك، وترمي بلاك على بنت عايشة وحدانية ومفكرة إن معدش ليها ضهر يحميها؟ قاطعها بهجت وهو بيحاول يسكتها: "إيه الموشح الطويل ده؟ أنا عرفت اللي حصل وجاي أعزيك." بنبرة كلها سخرية بصتله: "لا وإنت بتاع واجب آوي، كتر خيرك يا أخويا. واجبك وصل، يلا طرقنا مع السلامة." وقبل ما تقفل الباب، وقفها:
"أنا عندي كلمتين ليكي، يا ريت تهدي كدا تسمعيني." بصتله بغضب: "الكلام انفض بينا يا أستاذ بهجت. كان يوم هباب يوم ما سمعت كلامك وعملت المسرحية." بهجت بغضب: "لا يا حلوة، الكلام ما اتفضش وإسمعي بقا بالكارثة اللي اتسببتي فيها." بصت له بتوتر. يا ترى يقصد إيه؟ بهجت: "مش هتخليني أدخل نتكلم جوه؟ توترت وحست برعشة في جسمها لما أدركت الحقيقة بعد جملته دي. بكلمته دي بينبهها إنها بقت لوحدها. يا ترى هتاخدها الدنيا على فين تاني؟
بهجت: "بتفكري في إيه؟ هو إنتي بتفكري هتدخليني ولا لأ؟ خلود بغضب: "ومين قال إني هدخلك أصلاً. ما هو أكيد حضرتك لاحظت إني بقيت لوحدي بطولي وعارف الناس لسانها مبيرحممش. ارحمني إنت وهوّنيني ووفر أي كلام خليهولك. واسمع لما أقولك بقا بلا رغي كتير، أنا شلت فكرة التمثيل ومسحتها من راسي كأن لم يكن." بهجت فاجئها ودخل من غير استئذان، بل واللي فاجئها أكتر إنه بكل وقاحة قفل الباب وراه:
"اعقلي بس كدا وتعالي نتكلم. أنا لا هخطفك ولا هفكر أتحرش بيكي، أنا أكبر من كدا بكتير." قربت منه وضربته بالقلم على جرأته، بل على الفترة اللي فاتت اللي فضل يلف عليها عشان ينفذ الفكرة ويمثل المسرحية معاه. يا ترى كان عقلها فين وهي بتعصي أمر عيلتها كدا؟ بهجت وقف بغضب وبصلها ولجرأتها واتكلم بغضب: "إنتي إزاي اتجرتي وعملتي حاجة زي دي؟ إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ هو عشان ساكتلك من ساعتها هتسوقي فيها؟ خلود بحجة:
"وطي صوتك. إنت مفكر إيه؟ إني ضعيفة؟ لا. امشِ اطلع بره وما أشوفش وشك أبدًا." سكت وايده على وشه مكان ما ضربته. قرب منها وهي بعدت بخوف، وكل ما يقرب تبعد بخوف: "إنت بتعمل إيه؟ فيه إيه؟ لو اتحركت أكتر من كدا هصوت وألم عليك الناس." ضحك بسخرية: "أنا هبصلك إنتي؟ بصي على نفسك بس. دا إنتي حتى مفيش فيكي حاجة تشد. دا لولا إن نفسي حلوة مكنش حد أصلاً عبرك. أنا قلت عندها موهبة وأنا بقول أكسب فيكي ثواب."
فاجئته تاني وضربته بقوة. ما قدرتش تسمعه أكتر من كدا وهو بيعيب فيها ويهينها في أنوثتها. بصلها بغضب: "لا، إنتي زودتيها آوي بقي." يوجع يضربها، بس اتصدتله، وده شيء عجبه إن هي مركزة ورد فعل سريع. وبسرعة لف دراعها ولواه على ضهرها وهي اتألمت جامد: "إنت عايز مني إيه؟ قرب منها وهمس: "إنتي بسبب أهلك سبتي بقيت المسرحية ومكملتيهاش، وده سبب خسائر مهولة. ودا كله بسببك." خلود بغضب وهي بتتألم من دراعها اللي ماسكه ورا ضهرها بقوة:
"قلتلك أنا مش هكمل. اعتبره زي ما تعتبره واعمل اللي يريحك." شد دراعها أكتر، وده خلاها تصرخ بألم: "أبعد عني بقا! عاوز مني إيه تاني؟ بهجت: "يا ترجعي الشغل يا ترديلي فلوسي. يا حلوة، متنسيش إنك موقعة على عقد ملزمة بيه." نزل عليها الكلام زي الصاعقة. نسيت موضوع العقد نهائي ونسيت الشرط الجزائي لانسحابها. وقعت عليها مشكلة جديدة. بصلها وهي مصدومة: "أيوة كدا ركزي وشوفي مصلحتك فين؟
هسيبك تفكري يومين زي ما بيقولوا. يومين تزعلي على أهلك وشوفي هتختاري إيه. أظن هتختاري الأسهل، وده اللي أتمناه." سحب دراعها أكتر، وهي فضلت تتألم ودموعها نزلت تاني. وهو سابها ومشى. وفي نفس اللحظة دخلت سلمى. شافتها وهي منهارة في الأرض وبتعيط. جريت عليها بخوف وخدتها في حضنها. وخلود مش بتردد غير: "مني لله! أنا السبب، أنا اللي جبته لنفسي وشكلي هعاني بسبب القرار المتهور ده." سلمي بخوف: "فهميني بس فيه إيه؟
فضلت وقت بتحاول تسيطر على نفسها، وبدأت تحكيلها بين ودموعها كل حاجة حصلت والقرار اللي كان السبب في خسارة عيلتها في الحادثة المشؤومة. خدتها سلمى في حضنها بشفقة على حياتها وإيه اللي هيود عليها في المستقبل. سلمى مرة واحدة: "ما تتجوزي يا خلود. القرار ده هيحل نص مشاكلك." بصت خلود لسلمى بصدمة.
عند أدهم، كان لسة داخل أوضته وكان راجع من المستشفى تعبان وعاوز ينام ويريح جسمه شوية بعد اليوم الشاق ده. يدوب دخل خد شاور وهو بيحاول يركز ويوزن أفكاره ويدفن نفسه في الشغل ويرجع أدهم بتاع زمان.
ومرة واحدة لقي تفكيره بيروح لخلود، البنت اللي الصدفة جمعتهم في المستشفى لما الممرضة نادتله إن فيه عيلة عملت حادثة وكانوا شبه ميتين. وبعدها يتفاجئ بخلود بتجري زي المجنونة وانهيارها وخوفها وتأنيب نفسها. أكيد في حاجة كبيرة حصلت بينهم مخلياها شايلة ذنب موتهم. ورغم إنه عارف إنه ملوش دعوة، بس حاسس إحساس غريب. إحساس دايماً بيحاول يترجمه إنه شفقان عليها وبس. أيوة، مفيش غير كدا. إيه اللي هيحصل غير كدا أصلاً؟
للشفقة على حالتها وإنها فتحت عنيه عشان يرجع يهتم بعيلته، وخوفه إن كل إنسان معرض لأي خسارة في أي لحظة. بس كل شوية لما تيجي سيرتها في باله، يحس برجفة بنبضات قلبه وبيحس الحنين ناحيتها. مش مجرد شفقة بقي، مش عارف الشعور ده ولا عارف يفسره. خرج من الحمام دخل أوضة اللبس ولبس بسرعة وخرج لقي والدته قاعدة في الأوضة مستنياه. استغرب بس ابتسم وقرب وباس جبينها: "خير يا ست الكل." (نظيرة) "كنت مستنياك." أدهم: "خير؟ نظيرة:
"أبوك واخوك سبقونا للفرح. مش هتوصل؟ بصلها وتنح: "فرح؟ فرح مين ده؟ نظيرة: "إيه يا واد؟ دا أنا قايلالك فوق الخمس مرات النهاردة بنت طنطك فاتن ومعالي وكيل وزارة البيئة." أدهم: "أسف يا ماما، كان عندي عمليات كتير النهاردة وتعبان ومصدع ونسيت وسط الأحداث. طيب ما أخدتيش السواق معاكي ليه؟ نظيرة: "بقي آخد السواق وأنا أدهومي دليلي؟ أدهم بتريقة: "وادهمك إيش ضمنك إنه ميبعش وينام لإنه هيموت وينام؟ نظيرة:
"أهرب بالنوم وأسيبني كدا آكل في نفسي؟ أندم إني ما رحتش مع صبري وفارس. أنا غلطانة وقلت أدهم بقاله فترة وسط المرضى والأمراض هيحتاج يفصل شوية. استناه وتيجي سوى." قاطعها: "بس بس، هتعمليلي فيلم. يلا اجهزي وأنا خمس دقايق وأكون جاهز." زوجات تمشي. قرب بهدوء وهمس بحاجة في ودنها. في قصر كبير، يعلن الخادم للشاب إنه جده عاوزه في المكتب ضروري. بيدخل شاب في أول شبابه، يتسم بالحيوية والجدية والنشاط. باس إيد جده وهو يقول:
"صباح الخير يا جدي. حضرتك طلبتني؟ هارون: "كنت فين إمبارح بتتهرب مني يا ريان؟ ريان: "جدي الله يخليك، لو عاوز تتكلم عن الموضوع ده أرجوك اعفيني منه. أنا حاسس إننا بندور على إبرة في كومة قش مش هنعرف نوصل لحاجة." الجد بصرامة: "مش إنت اللي تقول فكك ولا لأ. أنا عايز شغل، عايز كلمة تكون قدها. هتقدر ولا أعتمد على غيرك؟ وأظن غيرك يتمنى." كان طبعاً عارف هو قصده مين (تيمور) ولكنه كظم غيظه: "حاضر يا جدي. حاضر. حاجة تاني؟ الجد:
"ندى." ريان: "مالها دي كمان؟ فيه حاجة؟ الجد: "كتب كتابك عليها بكرة بعد الجمعة." بصله بصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!