سكتت واخدت المفتاح وراحت لأوضته من سكات وهي بتبكي بصمت. أما هو، فبص لأثرها بحزن وبيدعي ربنا يعدي الأيام الجاية على خير. اتصال مفاجئ خرجه من أفكاره وصدمة له. فتح المكالمة وكان والده. عرف ساعتها إن عم عزت بلغه باللي حصل. اتنهد لإنه دلوقتي هيواجه أسئلة والده وهو عاوز يخلص الموضوع اللي كلف نفسه بيه. "إزيك يا بابا؟ (صبري) : "يا أهلا. ممكن أعرف إيه الحكاية يا دكتور؟ أدهم: "حكاية إيه يا بابا؟
الأب: "حكاية فتح المقبرة. دلوقتي في الوقت ده، في إيه يا أدهم؟ اتنهد أدهم: "بص يا بابا، أنا هختصرلك الموضوع ببساطة. إن فيه عيلة اتوفت وهما مالهمش مقابر ولا ليهم مأوى. وطبعًا إكرام الميت دفنه. ومش هينفع ندور على مقابر صدقة في الوقت ده. هما عيلة مكونة من ٣ أفراد، الأب والأم والابن، وماتوا في حادثة." حس الأب بالفخر لتصرف ابنه وإنه بدأ يكون مسؤول. اطمن إن ابنه هيصلح كل حاجة ويفتخر بيه. (صبري)
: "طمنتني. أصل الغفيرة كلمني وقال لي على طلبك، فاستغربت وخفت يكون فيه حاجة. إنت عارف بحب أطمن." قاطعه أدهم: "لما أرجع يا بابا، أوعدك إن لينا كلام مع بعض وكل حاجة هتتغير بإذن الله. أنا اتعلمت النهاردة حاجة أهم من كنوز الدنيا كلها." ابتسم الأب بفخر: "وأنا مستنيك. كمل مهمتك." أدهم معرفش يبتسم، وخصوصًا لما افتكر خلود ومأساتها. الأب لاحظ إن أدهم لسه على الخط وساكت. حس إنه عاوز يقول حاجة فبادر: (صبري)
: "عاوز تقول إيه ومتردد يا دكتور؟ قول." أدهم باستغراب: "حضرتك عرفت منين إني عاوز حاجة؟ ابتسم الأب: "أنا أبوك. ومش هقولك غير الكلمتين دول: قول عاوز إيه؟ أدهم: "بصراحة يا بابا، فيه موضوع كدا...
وحكاله كل حاجة عن خلود وانهيارها وإن دي عيلتها. فهم صبري سبب تغيير ابنه وعرف إيه تفكيره في اللحظة دي. ورغم إنه حزين على مأساة البنت واللي هي فيه، بس فرحان إن الموقف ده اتحط فيه عشان يتعلم. ولو مكنش فاق بسبب موقف زي ده، يبقى إنسان تافه ملوش لازمة في الحياة ومبياخدش دروس من مواقف الحياة المختلفة. (صبري) : "ربنا يصبرها. هي فين دلوقتي؟
أدهم بحزن: "أديتها مفتاح عيادتي تبات فيه لحد ما أرجع. كانت مصممة تيجي معايا، بس اللي شفته من انهيارها مينفعش أعرضها لانهيار تاني وهي بتودعهم، وخصوصًا إنها شايفة إنها السبب في موتهم." اتنهد صبري: "اسمع يا أدهم، أنا جايلك. انتظرني. وهبعت والدتك ليها، تكون جنبها وتواسيها." أدهم بفرحة حقيقية: "بجد يا بابا؟ كتر خيركم. صدقني هيشكل فرق في نفسيتها قوي لما تحس إننا حواليها وبندعمه، وإنها مبقتش لوحدها." (صبري)
: "تمام يا دكتور. في رعاية الله." قفل تليفونه وحس بارتياح رهيب. وبعد ما كان خايف من توبيخ والده، فرح إن عيلته دعمته وواقفة جنبه وجنب البنت دي. حابب يساعدها وميسيبهاش لوحدها. مش بس كدا، لا دا كمان هيخلي عيلته كلها حواليها. ***
قفلت باب العيادة عليها. ومجرد ما بقت لوحدها، انهارت من العياط وحست بفراغ رهيب في قلبها. حست قد إيه هي خسرت كتير، وإن عيلتها دي كانت أكبر نعمة في حياتها. صورتهم جت في بالها وكأنهم قدامها. بكت وهي بتقرب من باباها تلمسه وهي بتبكي، لكنه خيال. وبمجرد ما قربت اختفى. وهكذا، لكنها حاسة بيهم حواليها. خايفة قوي. الحياة من غيرهم أوحش ما تكون.
ضمت نفسها بانهيار: "أنا السبب. أنا السبب. أنا قاتلة. أنا اللي قتلتكم بعنادي ودلعى الزيادة. كان هيجرى إيه لو سمعت الكلام ومعندتش ليه؟ ليه؟ هعيش مع مين دلوقتي؟ سيبتوني بقيت وحيدة ليه؟ مش معايا. سامحوني، سامحوني يا أغلى الناس. أنا وحشة جدا ومش كويسة." مرة واحدة قامت وقررت تشوفهم للمرة الأخيرة. وفتحت الباب وقابلت ممرضة. "لو سمحتي، أنا عاوزة أشوف عيلتي قبل ما تدفنوهم."
لكن الممرضة مكنتش عارفة هي بتتكلم عن مين. بس بصتلها وشافت وشها النهار وآثار الدموع اللي مغطية ملامحها وانتفاخ جفونها. "أنا مش عارفة آنتي بتتكلمي عن مين. لكن بما إنك بتقولي ميتين، يبقى غرفة التلاجة اللي بتتحفظ فيها جثث الميتين اللي في الدور اللي تحت. اسألي هيدلوك."
جريت على تحت بتحاول تدور على حد يدلها على الأوضة. ووصلت مع ممرضة دلتها على الأوضة. دخلتها برجل قدام ورجل ورا وهي خايفة جدا ودموعها مبتنشفش. بس اتفاجئت إنهم مش في الأوضة. "أمال راحوا فين؟ الممرضة: "يظهر إنهم اتحركوا عشان الدفن." بكت خلود وقد تيقنت إن الطبيب أخذهم قبل أن تودعهم وتراهم لآخر مرة. ووقعت مغمى عليها. *** بعد مرور ٤ أيام. كانت في أوضتها في البيت قاعدة على السرير وحاضنة صورة عيلتها وبتبكي. "سبتوني ليه؟
سبتوني لوحدي ليه؟ مفكرتوش هعمل إيه من غيركم؟ هروح فين وأجي منين؟ ليا مين دلوقتي؟ تليفونها رن. قررت تتجاهله زي ما بتعمل من يوم الخبر ده. من يوم الخبر وهي في دنيا تانية قافلة على نفسها مش بترد على حد. حتى العزاء مكنتش دارية بحاجة. الجيران قاموا معاها بالواجب وحلوا محلها.
التليفون سكت. وهي فضلت مسهمة وبتسرح وتايهة بين ذكرياتها معاهم. أخدتها ذكرياتها لأيام صباها وأيام فرحها وحزنها وكل لحظات حياتها اللي فاتت، وكل واحد فيهم ليه دوره الأساسي في حياتها. وكانت حاسة بريحة الدفا والعيلة الجميلة لحد اليوم المشؤوم ده. "ماما! (رحمة) : "بالراحة يا خلود، على مهلك. مالك فيه إيه؟ خلود قربت منها وطبعت قبلة على خدها بحب: "اديني الأمان الأول وبعدين أتكلم."
ضحكت رحمة: "اديكي الأمان يا خلبوصة. شكلك عاملة عاملة وعايزة ني أغطي عليها كالعادة." خلود بمرح: "أخس عليكي يا رحوم. أنا بتاع كده برضه؟ ضحكت رحمة: "دا أنتي أبو كده. ارغي، نيلتي إيه؟ خلود بحزن مصطنع: "الله يسامحك." طبعت رحمة قبلة على خدودها المكرمشة باصطناع: "دخيله قلبي." ابتسمت خلود. وكملت رحمة: "بس برضه ميمنعش إن شكل وراكي مصيبة. ارغي." ضحكت خلود.
تظاهرت بالجدية: "والله يا رحوم، هي حاجة كده. أنا عاوزة أعملها بس مترددة أقولكم ترفضوا." رحمة تظاهرت بالتفكير: "فزورة دي؟ فيه إيه يا بت؟ أقولكم ترفضوا الجمع كمان؟ يعني شكلك متأكدة إن أبوكي كمان هيرفض، وإلا مكنتيش جمعتي." اقتربت خلود: "ومهمتك يا رحوم تفضلي وراه تقنعيه." رحمة ضحكت: "مش لما أعرف هو إيه الأول؟ وأشوف هقتنع ولا لأ؟ خلود بتردد: "أنا اتعرض عليا مسرحية."
ضحكت رحمة بقوة واستغربت خلود ردة فعلها. بس فكرت ممكن تكون من الصدمة. "هو إيه اللي بيضحك؟ أنا مش فاهمة." رحمة: "يعني هي دي كل الحكاية؟ دي مش محتاجة رأينا. طالما تبع المدرسة اللي بتشتغلي فيها وهتشرفي عليها، إيه المانع؟ هنرفض ليه؟ أما أنتي هبلة بصحيح." خلود بتردد: "لا يا ماما، أنا مش هشرف عليها وهي مش تبع المدرسة." سابت رحمة اللي في إيديها وبصت لها بشك: "إحنا رجعنا الموضوع تاني يا خلود؟
مش عرضتي الموضوع ده على أبوكي من كام سنة وإنتي في المدرسة؟ ومرة وإنتي في الكلية؟ ورفض رفض قاطع. قال لك عنديش بنات يدخلوا المجال ده ويجيبوا العار ويبوظوا سمعة العيلة؟ خلود بحزن: "وهو إيه يا ماما اللي هيلوث سمعة العيلة؟ التمثيل عمره ما كان كده. أنتو فاهمينه غلط." رحمة: "إحنا مش فاهمين غلط. دا خراب بيوت. ومش هتفهمي أكتر منا، وبلاش تفسري أكتر من كده، لأن ممكن تسمعي رد مش هيعجبك." خلود بمعارضة: "يا ماما."
قاطعتها رحمة: "من غير ما تعارضيني. متنسيش أصلنا، وإنا صعيدة. اقفلي الموضوع وركزي في شغلك. مالها مدرسة؟ شغلانة شريفة وليها هدف، مش زي الكلام الفارغ ده." خلود واتملت الدموع في عينيها: "ومين قال إن التمثيل كلام فاضي وملوش هدف؟ كل حاجة في الدنيا بتقدم هدف." قاطعتها رحمة بصرامة: "أنا قولت لعندي. ولو خايفة على نفسك، متقوليش حاجة لأبوكي وبلاش تثيري غضبه وتجيبي آخره. إحنا نعرف عنك على رأي المثل: أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة."
خلود: "يا ماما." قاطعتها رحمة: "روحي شوفي وراكي إيه؟ فاقت خلود على صوت التليفون تاني. لقت نفسها حاضنة صورة العيلة جامد ودموعها مغرقة وشها. التليفون مش بيبطل زن. اتحركت من مكانها وجابته. وبصت. كانت سلمى. فكرت ومتردش وتقفل التليفون، بس رجعت غيرت رأيها وردت بصوت مبحوح من أثر العياط: "أيوة يا سلمى." سلمى: "أخيرًا رديتي؟ عاملة إيه النهاردة؟ خلود: "هكون عاملة إيه؟
أنا زي ما أنا. أنا لسة عند نقطة الصفر، النقطة اللي سابوني عندها." سلمى بحزن: "ربنا يصبرك يا حبيبتي. بقولك إيه؟ هتفضلي كده كتير؟ خلود باستغراب: "كده اللي هو إزاي؟ سلمى: "يعني الحزن في القلب وعمرك ما هتنسيهم في كل لحظة في حياتك. بس بلاش انهيار وقعد لوحدك. غلط عليكي وعلى جسمك يا بنتي." كانت هترد بس قطعتها: "أنا هلبس وجايةالك. يا نخرج يا أفضل معاكي."
وقبل ما ترد أو تعترض، قفلت. رجعت خلود وقعدت مكانها تعيط وتفتكر وتبكي على لحظاتها وتندب نفسها. هي فعلا محتاجة حد جنبها يواسيها. لو فضلت كده هتطق. ممكن تتجنن وتعمل في نفسها حاجة من الحزن وإحساس بالذنب. يمكن أول مرة في المستشفى رجعت بعقلها. في لحظة محدش عارف يمكن الشيطان يلعب في عقلها ويكبرها في عقلها. بس هل هي لدرجة دي يائسة من رحمة ربنا؟ عشان كل لحظة تفكر تخلص من حياتها. أد كده هي يائسة؟
نطقتها وقامت بتستعيذ من الشيطان وقررت إنها هتفوق لنفسها وترجع حياتها العادية. تشتغل وتدفن نفسها وتحاول تكون الشخصية اللي باباها كان بيتمناها ويفتخر بيها. أيوه العياط دلوقتي مش هيرجعهم. لازم تهتم بحياتها وتعمل كل اللي كانوا عايزينها تعمله. مبدئيًا كده لازم تتقرب أكتر من ربنا وتوطد علاقتها بيه أكتر، وهو هيسد ثغرات الشيطان عنها. وهتتفانى مع نفسها. مش بس الفروض اللي بتصليها مش كفاية. لازم تقرب أكتر. أيوه القرآن والصيام وتطهير النفس من كل رجس.
وفي وسط أفكارها رن جرس الباب. سألت باستغراب: "هي سلمى بايتة ورا الباب؟ هي لحقت توصل؟ إلا لو كانت بتكلمني وهي في الطريق." مشت تفتح الباب وهي مستغربة. بس لما فتحت الباب اتفاجئت بآخر حد توقعت تشوفه. وبصتله بصدمة: "إنت؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!