كان أدهم يحدق في الملف أمامه بصدمة شديدة، وهو يحاول استيعاب أن هذا هو اسم عائلة خلود. ردد والصدمة تمنعه: "أبو زهرة؟
كيف يكون هذا لقب عائلتها، وهي أخبرته أنها ليس لها أحد غير أهلها وأنها أصبحت يتيمة بعدهم. شكل الموضوع فيه شيء، وهناك حلقة مفقودة. لكنه يحتاج لرؤية خلود، يحتاج للتحدث معها. يريد حجة ليذهب إليها، وهي بالتأكيد تعيش وحدها. وبما أنها بنت بسيطة، فمن المؤكد أنها تعيش في منطقة شعبية، ومن الصعب أن يذهب إليها هكذا وبدون سبب.
وكانت صدمته أكبر عندما رأى اسم عائلتها، وكيف لم ينتبه للأمر من البداية. بالتأكيد رأى شهادات الوفاة، لكن كيف لم ينتبه للاسم واللقب؟ فكر، ربما تشابه أسماء. طالما قالت إنها وحيدة، فمن المؤكد أنها لن تكذب. ربما اللقب تشابه. يعني، أي شخص سيقول له: "أنا اسمي أدهم صبري الشرقاوي"، سيكون من عائلته. هناك لخبطة. كان حابب يعرف، هل هي لخبطة حقيقية، أم أن خلود لها علاقة بعائلة أبو زهرة التي في التجمع؟
تنهد، ثم جاءت له فكرة ليتأكد. أخرج هاتفه وطلب أخاه فارس. كان فارس في اجتماع، فكنسل عدة مرات وأرسل له رسالة بأنه مشغول. فأرسل أدهم بعد ما يخلص يكلمه. وقام بسرعة وكتب العنوان في ورقة، وقرر الذهاب إلى خلود. هو يحتاج حقًا لأي حجة لرؤيتها، وربما يفهم منها حقيقة هذا اللبس. نادى سلا، التي كانت تقترب منه بدلع وأناقة: "خير يا دكتور؟ أدهم: "أنا خارج، ولو فيه حاجة كلميني على تليفون المستشفى." سلا بإحباط: "على فين يا دكتور؟
أدهم بسرعة: "محتاج أقابل خلود ضروري، لازم أشوفها. بس اتعاملي لحد ما أرجع. هحاول ما أتأخرش، سلام." سلا بإحباط: "سلام." وبصت لأثره بغيظ: "وتطلع مين ست خلود دي كمان؟ يعني بحاول أتقرب، تظهر لي خلود؟ يظهر سهير مش مالية عينه. بص على مريضة كانت عنده، دا إيه الحظ الهباب ده؟ شكلي محتاجة أكثف جهودي عشان يشوفني أحسن. بالطريقة دي عمره ما هيشوفني أبداً، وهيطرمني من إيده."
وصل أدهم على باب العمارة وسأل البواب عن شقة خلود. والبواب استغرب أن أحدًا يسأل عنها، وهو يرى في الفترة الأخيرة الرجال خارجة وداخلة تسأل عليها. وضرب كفًا بكف، وفكر: "من بعد موت أهلها، بقى الحبل على السايب. ومشت على حل شعرها تمام." لكنه تفاجأ البواب بلكمة قوية من أدهم، الذي تفاجأ برد فعله نفسه على شيء كهذا. وهو فعلًا سيعرفها، أم أنه يعرف أخلاقها منين؟ ولا عشان مجرد لابسة حجاب يبقى كده بقت راهبة؟ يعرفها هو منين؟
وإيه اللهفة اللي في كلامه دي؟ أتضايق من نفسه لأنه فعل ما قلبه أمره به، وفعل كمن يندفع عليها. أتضايق من نفسه. والبواب شتمه وقال له يبطل يجي هنا عشان ميشبهش العمارة. كل شوية حد يجي يسأل عليها. وأكد أن الناس في العمارة بدأوا يشككوا في أخلاقها. ودا ضايق أدهم جدا، وظل مخنوقًا من نفسه ومن الكلام الذي سمعه عن خلود. وبدأ يسأل: هل الكلام ده حقيقي؟ ومن يسأل عليها؟ ويا ترى إيه علاقتها بيهم؟
قاطعه صوت التليفون، وكان أخوه فارس يسأله عن سبب الاتصال الضروري. بقي محتار، هل يطلب منه معرفة أصل اللغز بتاع عيلة خلود، أم ينسى ويحاول يشيلها من دماغه؟ وكفى ما عرفه عنها. مشي وهو متضايق جدًا، لكنه كلم فارس: "عايز منك خدمة." فارس: "الدكتورة بذات نفسه يلجأ لي؟ أدهم بضيق: "فارس، بالله عليك، مش طالبة هزار. هتعرف ولا فضها؟ فارس: "مالك يا أدهم؟ أدهم استغرب نفسه أنه متضايق عليها،
لكنه حاول يكون طبيعي: "عايزك تعرفلي مين خلود ماجد أبو زهرة. عايزك تعرفلي أصل اسم أبو زهرة في لقب العيلة، وليها صلة بعيلة أبو زهرة ولا لا؟ فارس: "مش عيلة أبو زهرة دي عيلة هارون أبو زهرة، أصحاب شركات المقاولات المشهورة في البلد؟ أدهم: "آيوة، بس صادفت اسم عندها نفس اللقب. حابب أتأكد، ليها علاقة بيهم ولا مجرد تشابه أسماء؟ أصلها بتقول إنها ملهاش عيلة." فارس بهزار: "شكلها مزة، هي تخصك؟ حلوة يا دكتورة؟
أدهم بعصبية: "فارس، والله هزعلك. هتقدر تعرفلي الموضوع ولا هتقضيها هزار وكلام فارغ؟ فارس ضحك: "خلاص خلاص، هدي خلقك. هعرف. اديني 24 ساعة، هعرف لك من مصادري، بس حاول تسيطر على مشاعرك؟ مكشوفة غيرتك قوي."
ضحك، وأدهم اتغاظ وقفل في وشه السكة. ومشي وهو مش طايق نفسه، وهو مش عارف السبب، أو عارف بس بيحاول ينكر ده، خصوصًا بعد اللي عرفه. وهو غضبان من نفسه إنه مفضوح المشاعر كده، وده ضايقه لأنه لحد قريب ما كانش كده. واشمعنى دي بالذات؟ مش عارف. ضرب صدره مكان قلبه بغضب، وهو هيموت ويعيط من الغيظ. ولازم يعرف سر كلام البواب، وليه قال كده؟ وهل هي كده ولا لا؟ وإيه علاقتها بالشباب؟
نزلت خلود وهي مهمومة بعد مكالمة ناجي المشؤومة بالنسبة لها، لكنها مضطرة تواجه مصيرها. حست بقلبها يخفق بشدة، وكأن فيه حد هيحب يشوفه قريب منها، عشان كده قلبها كان بيدق جامد. بصت للبواب وصبحّت عليه، بس هو مردش وهو بيبصلها. استغربت وقربت منه: "مالك يا عم متولي؟
متولي بغضب: "ما هو اسمعي بقى يا أبلة. إحنا عندنا ولاية ونخاف عليهم من الفتنة. مش معنى إن اللي بيشكموكي ماتوا إن إنتي تعملي ما بدالك. إن مكنتيش خايفة على سمعتك، خافي على سمعة العمارة من الشبهة. إحنا عمارة محترمة وفي منطقة شعبية، بس محترمة. مش وش الحاجات دي. راعي حرمة المكان." بصت له باستغراب لكلامه، وحست بتلميحات سخيفة. قلبها وجعها وبصت له: "إيه الكلام ده يا عم متولي؟ وبتقولي أنا كده؟ هو حصل إيه لكل ده؟
متولي: "بصي يا بنت الحلال، أنا حذرتك وعملت اللي عليا. وقد أعذر من أنذر. لو مبطلتيش كده، مش هتسالمي من سِنة الناس، وخصوصًا أهل العمارة اللي لو فاض بيهم هيطردوكي برا العمارة، لا برا المنطقة خالص. يلا، رجعة، ويمكن بفضيحة كمان." شهقت خلود بصدمة: "هو أنا عملت إيه لكل ده؟ إنت اللي بتقول كده يا عم متولي؟ شفت مني إيه وحش؟ متولي بضيق: "والرجالة اللي داخلة خارجة تسأل عليكي دي تسميها إيه؟
إمبارح واحد يجي يسأل عليكي ويطلع لك، وواحد تاني بيجي يسأل عليكي. إني بنصحك عشان العيش والملح، وعشان أهلك الله يرحمهم. لو مش عشان سمعتك، اعملي اعتبار لناسك اللي لسه دمهم منشفش." قاطعته خلود بحدة: "مين سأل عليا النهاردة؟ وخلاك تقول كلام ملوش لازمة عني وكأنك متعرفنيش؟ متولي: "كنت فاكر إني أعرفك، بس بعد موت أهلك." قاطعته: "إن بعض الظن إثم يا عم متولي. قبل ما تشك فيا وفي أخلاقي، كنت سألته عايز إيه؟
أنا مش كده وإنت عارفني. يمكن فيه حاجة، بلاش الأفكار الغلط دي؟ متولي: "يا بنتي، أنا خايف عليكي. إنتي في منطقة شعبية، والسنة الناس مش بترحم. حتى لو مش كده، هيقولوا أكتر من كده. المفروض حاسبي على تصرفاتك، واعرفي إنك بقيتي وحيدة. حاولي تتعاملي على الأساس ده." خلود بهدوء: "متشكره للنصيحة. المهم، عرفت مين اللي سأل النهاردة؟ متولي: "لأ، بس كان بيقول إنه دكتور وبيسأل عليكي."
قلبها دق بسرعة، ولا حتى ابتسامة على محياها. سأل عليها. هي مش عارفة ليه كانت بتفكر فيه، ونفسها تشوفه. بصت لعم متولي ومشيت من غير كلمة. مؤكد إنه هو السبب إنها مشفتش الدكتور الشهم ده، ومؤكد قاله كلمتين ملهمش لازمة. قلبها دق ومبسوطة، يكفي إنه جه سأل عليها، حتى لو مقبلتوش، بس حست بطيفه، وده كان شيء كويس بالنسبة لها، وهتبدأ يومها بتفاؤل بناءً عليه.
راحت الموقف، ركبت الميكروباص ونزلت عند مكتب ناجي. كشرت وهي بتحاول تمسك نفسها ومتنفعلش، لأنها فعلاً مبقتش طايقة الإنسان ده. على قد ما كانت متحمسة بكلامه ونفسها لو تشتغل معاه من الصبح، بس بعد اللي حصل، كل حاجة اتقلبت.
فارس قاعد في مكتبه، كلم كذا حد، وكلفه يجيله معلومات عن خلود دي، وبالمرة يطمن أخوه وقع صح ولا لأ. ضحك بحزن، وفجأة افتكر مراته الميتة، ودمعته خانته. أخرج صورتها وهو يتأملها بحب، وقلبه بيدق بوجع على فراقها. هو صحيح مقضيها، بس قلبه معاها. خدته معاها وهي ماشية. وصله إشعار على تليفونه، مسح دموعه بسرعة وفتح. لقي صاحبه منشن له منشور من جروب خطوبة وجواز. استغرب، يعني إيه فيه يشد؟
يخلي صاحبه يمنشن له. شاف بوست نازل من غير اسم، بس مواصفات بنوتة من غير صورة أو اسم. والتفاصيل خاص. حس بقلبه بيدق، وكأن دي إشارة لمح صورة مراته على المكتب. وبص للبوست وكأنه بيفكر. فجأة مسك الإطار وقلب الصورة على المكتب. وشيء جواه خلاه يدخل للأدمن ويطلب تفاصيل، وانتظر رد. في اللحظة دي، دخلت السكرتيرة: "خير يا دلال؟ فيه حاجة؟ دلال: "فيه واحدة عايزة تقابل حضرتك، بتقول بخصوص المترجمين اللي كنا محتاجينهم للشركة."
فارس باستغراب: "بس دي مش مهمتي، وإنتي عارفة كده كويس." دلال: "عارفة يا فندم، بس دي مصرة تقابل حضرتك." رفع حاجبه باستغراب: "دخليها، وروحي شوفي شغلك." دلال: "أوكي يا فندم." وقفت: "استني." دلال: "أمرني يا فارس بيه." فارس: "ألغي اجتماع الساعة 3، أجليه لبكرة." دلال: "متنفعش يا فندم، دي تالت مرة نأجل الميعاد دي مع الوفد الياباني. كده هنخسر كتير لو فضلنا نأجل كده."
فارس: "معلش يا دلال، حاولي تأجليه لأقرب ميعاد، واعتذري منهم بأدب. معلش، النهاردة مش هقدر أفضل لـ 3، أصل... دلال: "هحاول، بس موعديش حضرتك. إنت عارف إنهم صارمين ومش بيحبوا التهاون." فارس: "طيب، لو رفضوا، ابقي اطلبي من صبري بيه، واحضريه معاهم، وشوفي النقط المهمة معاهم، ونتناقش فيها بعدين." دلال: "أمرك يا فارس بيه. ربنا يستر." فارس ضحك: "معلش، عارف إني طاحنك معايا. معلش."
دلال: "لأ أبداً، حضرتك ولا يهمك. إحنا عشرة من زمان، وأنا بعتبرك زي أخويا." غمز لها: "أخويا؟ دلال بتهرب: "البنت واقفة برا." فارس: "آه صحيح. ماشي يا دلال." طلعت دلال ودخلت البنت اللي كانت سلمى طبعًا. خبطت ودخلت بتوتر: "السلام عليكم." بصلها باستغراب، وجابها من فوق لتحت: "اتفضلي." قعدت بتوتر شديد، ادامه ومش عارفة تتكلم، وبقت عاملة زي الخرساء، وبتتهته في الكلام، وده خلى فارس يقول لها: "إيه القطة بلعت لسانك؟
مش عارفة تتكلمي؟ من توترها كانت هتنفجر في العياط، وحست بالإحراج الشديد: "حضرتك، أنا كنت جاية بخصوص المترجمين اللي محتاجاهم الشركة." بصلها وضحك، وده وترها: "هو ده اللي متوترة مش عارفة تقوليه؟ أمّال مترجمة إزاي بقى؟ ولا إنتي مفكرة إن الترجمة كتابة، يعني هتتكلمي معانا بالكتابة؟ بلعت ريقها: "قصد حضرتك إيه؟ فارس: "يا آنسة، الترجمة مش مجرد إنك تعرفي لغة. بما إنك هنا في شركتنا، يعني عارفة مين إحنا وحجم الشركة إيه؟
فبالتالي لازم يكون عندك لباقة الكلام، صح؟ أنا ولا إيه؟ سلمى: "معلش، اعذرني يا فندم، بس اتوترت جداً لأني عارفة حضرتك شخصية مهمة، ولحد دلوقتي مش مصدقة نفسي إني قاعدة قدامك وش لوش وبكلم حضرتك. متخيلة إني لو قولت لصاحبتي إني قابلتك، هيقولوا إني بخرف أو بحلم." ضحك قوي، وسلمى سرحت مرة واحدة في ابتسامته دي. شافته قد إيه مرح، بس اتوترت لما لقتُه بيبصلها. حاول مش يحرجها وقال: "ممكن السي في بتاعتك؟
سلمى: "أنا خريجة تربية إنجليزي، وواخدة كورسات ديلف ودالف وفونتيك فرنساوي كمان، وواخدة كورسات تقوية لغة." قاطعها: "ممكن تسكتي شوية." سكتت بتوتر، وهو بيقلب في الورق بإعجاب: "طيب، إنتي تمام أهو. أستاذ أمجد المسؤول عن الاتش آر، مرحتلوش ليه؟ سلمى بضيق: "رفضني يا فندم." فارس باستغراب: "ليه؟ إيه السبب؟ إحنا محتاجين مترجمين فعلًا." بصت له: "لأني لا بسة حجاب." فعلاً أخد فارس باله: "وفعلًا دي مش شروط المترجمة."
بصت له بإحباط، ولمعت دموعها. ومرة واحدة بصت له ووقفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!