الفصل 10 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
33
كلمة
3,580
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

جلست بهدوء تستمع لتوبيخه بشأن فعلتها واتفاقها مع سيلين. أقترب منها، وعندما تعلقت عيناه بملامح وجهها الهادئة، قال غاضباً: "مش هتردي لأنك عارفة نفسك غلطانة يا نادية." ألتقطت نادية هاتفها تعبث به قليلاً حتى تجعله يخرج كل ما بجعبته نحوها دون جدال تعرف نهايته. "نادية، أنا مش بكلمك، ما ترديش." فطالعت نادية نادية بهدوء جعل صدره يضيق منها. "انت ليه جرحت البنت كده يا حمزة؟ مهما كان، كانت ضيفة عندي."

لتتسع عيناه ثم ضرب على فخذيه من تغيرها لموضوعهما. "بنت مين دي؟ أنا بتكلم في إيه دلوقتي؟ موضوعنا، تدخلك في حياتي يا نادية، وبلاش تلعبي من ورايا." وأبتسمت وكأنها تلاعبه. "ياقوت يا حمزة، إنت لحقت تنساها؟ فأنتفض من جلسته ورمقه بغيظ قبل أن يُغادر. "أنا ماشي قبل ما أتشل بسببك." وأردف بمقت يُخرج فيه حنقه منها: "ياقوت دي مرفوضة عشان ترتاح." وغادر. لتنفجر نادية ضاحكة. فوقف فؤاد خلفها يعقد ساعديه بقله حيلة من أفعالها.

"أنا لو مكانه، أتبرى منك يا نادية." لتلتف نحوه زوجها بوداعة. "كده يا فؤاد يا حبيبي." فأقترب منها فؤاد مبتسماً. "عمرك ما هتتغيري، بس هفضل أحبك لآخر يوم في عمري." وأنتهت عبارته وهو يمسك يداها يطبع بقبلات متفرقة عليهما. فمعها ينسى فؤاد أفكاره المعقدة وكيانه. *** أخفضت عيناها تقاوم ذرف دموعها، تتذكر حديثه ونظراته المتهكمة نحوها. شهقات متتالية خرجت من بين شفتيها. ثم تكورت فوق الفراش تضم جسدها.

بكت. بكاء متواصل بكته. مجبرة هي على هذا العالم بكل قسوته، ولكنها ضعيفة، هشة. دوماً حياتها كانت قائمة على "افعلي، اصمتي، ارضي بما نعطيه لكِ"، فهل ستتدللي؟ كانت تقبل كل شيء بأبتسامة صادقة. نعم، هي كلمتها الوحيدة. وشعرت بقدوم سماح غرفتها. لتقترب منها سماح ثم جثت على ركبتيها أمامها تمسح دموعها.

"أبويا كان تاجر مواشي كبير. كنت عايشة زي البرنسيسات. مخلفش غيري. حياتي كانت تتلخص في إني بنت دلوعة، أهلها هما حياتها وبس. كانوا فاكرين لما يقفلوا عليا بيحافظوا عليا من الدنيا، لكن الحقيقة كانت غير كده. كانوا بيطروا عضمي للدنيا عشان يوم ما تضربني صح، هتكسر على طول. مات الحاج حسين." وأبتسمت بمرارة وهي تتذكر والدها.

"يوم موته، الدنيا ورتني أنا وأمي الحياة صح. عمي سرق فلوسنا وبقينا عايشين على الحسنة اللي بيرميها لينا كل شهر. الأمانة اللي وصاه عليها أخوه نساها والطمع عماه. أمي مكملتش بعد موت أبويا كتير. ماتت وسبتني. ماتت قدام عيني وأنا بترجى عمي يجبلها الدوا. علبة دوا يا ياقوت. مقدرتش أجيبها لأمي." وبكت بمرارة وهي تتذكر تلك اللحظة وكأنها كالأمس. "مأخدتش حاجة من الضعف والسكوت. محسيتش بنفسي غير وأنا بخنقه بإيدي."

وعندما ظهر التساؤل على وجه ياقوت التي انتفضت من رقدتها، فضحكت سماح بمرارة. "متخافيش، ممُتتش. مقدرتش أعملها." وفي ثواني معدودة كانت سماح تمسح دموعها. "لازم تقوي يا ياقوت. لو عشتي في الحياة بدور الضحية، هتفضلي طول عمرك ضحية. الحياة مليانة حكايات ومعارك. ابكي بين إيدينا ربنا وبس. اطّلعي للناس قوية، دافعي عن نفسك."

لم تعلم سماح لماذا أخبرتها بحكايتها اليوم، ولكن داخلها شعرت أنها بحاجة أن تُخبر أحداً بحقيقتها وحياتها التي هربت منها يوماً. "إنتي طيبة أوي يا سماح." *** جلس في غرفة مكتبه شارداً. رغم كل ما وصل إليه من نجاح، إلا أنه يشعر أن بداخله شيئاً قد نقص. مازال مذاق الظلم والخذلان اللذان عاشهم قديماً كالعلقم في حلقه. وقعت عيناه على إطار الصورة الموضوعة على مكتبه، تجمعه بسوسن وشريف ومريم وندى، والابتسامة مرسومة على شفتيهم.

أبتسم من قلبه، ثم رفع الصورة ونظر لملامح سوسن. "وحشتيني أوي يا سوسن. وجودك كان فارق في حياتي." ولم يدري لما ملامح ياقوت ظهرت أمام عينيه. لينفض رأسه سريعاً، ناهضاً من فوق مقعده، مُغادراً غرفة مكتبه المظلمة. *** عاد شهاب ليلاً بعد سهرة ممتعة قضاها في أحد الملاهي. هو لا يشرب الخمر، ولكنه يعشق تلك الأجواء. حتى علاقته بالنساء أصبحت لا تتخطى الضحكات وعبارات الغزل.

ووقعت عيناه عليها، فوجدها جالسة في حديقة الفيلا تضم جسدها بشال صوفي خفيف، شاردة. أقترب منها ببطء يشعر بالقلق. "مالك يا ندي؟ فأنتفضت ندي على صوته ومسحت دموع عيناها، ثم ألتفت نحوه وملامحها يظهر عليها الألم. "مالي يا شهاب؟ لا، أنا مافيش حاجة." شعر بمقصد كلامها فتقدم منها خطوتان. "ندي، فيكي إيه؟ دموعها عادت تتساقط وهي تُطالع ملامحه. "شهاب القديم رجع من تاني."

أغمض عيناه بقوة. شعوره بعدم قيمتها يجعله لا يراها. أصبح مقتنعاً أن حبها سيغفر له كل شيء. "ندي، بلاش لف ودوران. قوليلي اللي مزعلك، أو اطلعي نامي. الجو برد عليكِ." تعلقة عيناها به، وكادت أن تطلب منه طلاقها وعدم أكتمال زواجهم، ولكنها لم تجد الشجاعة الكافية لتفعلها. يداه جذبتها من رقدتها. لتجول عيناه على ملامحها. "هننزل امتى نختار فستان الفرح؟ ولا أجيبهولك من باريس؟ ***

نظرت هناء لرسالتها التي تم فتحها. سألته عن حاله ومتى سيعود. ولكنه قرأها دون أن يجيب. لم يقرأها هو، إنما جاكي هي من طالعتها ثم حذفتها. تعلم برغبة والد مراد في تزويجه منها، حتى أنها تخشى أن يصر على الأمر ويزوجها له. والفكرة الأصعب أن يرغمه على طلاقها. أفكار كانت تقتحم عقلها وتخشاها. ولكن الحل الأمثل الذي قررت فعله منذ أول ليلة لهم معاً، أن لا تتناول حبوب منع الحمل التي اتفقوا عليها. فهو لا يريد أطفالاً الآن.

وافقته، ولكنها داخلها لم تقتنع. وجدته يخرج من المرحاض يلف جسده بمنشفة ويفرك شعره بمنشفة أخرى. فأقتربت منه تقبله. تعجب من فعلتها متسائلاً: "ما الأمر جاكي؟ توقعت سؤاله، فعانقته بدلال. "اشتقت إليك مراد." أرتفع أحد حاجبيه من عبث الكلمة وهتف بوقاحة: "إنتي كنتي لسه في حضني، لحقت أوحشِك." تمايلت أمامه بغنج، وقبل أن ترفع جسدها نحوه وتقبله، صدح رنين هاتفه. لينظر لرقم المتصل، ثم نظر إليها مشيراً لها أن لا تتحدث وتلتزم الصمت.

"دي نادية." ولم يكن اتصال نادية إلا اطمئناناً عليه. *** رفعت ياقوت عيناها نحو ندي التي لم تنساها منذ أول لقاء كان سيئاً بينهم. رمقتها ندي بنظرة ملتوية وسألتها: "شهاب موجود؟ فنهضت ياقوت من فوق مقعدها ورسمت ابتسامة مرحبة. "لا يا فندم. تقدري تتفضلي في المكتب تستني حضرته." فأقتربت منها ندي بخطواتها تتفحص هيئتها البسيطة. نفس الزي الذي رأتها به كانت ترتديه اليوم. "مش محتاجة آخد إذنك. خليكي في شغلك."

وأكملت ندي خطواتها نحو غرفة مكتبه، لتزفر أنفاسها بحنق من غيرتها التي تصبها على كل من يقترب من حلمها، ولم يكن الحلم إلا شهاب الذي وجدت نفسها تحبه، بل تعشقه. ومر الوقت وهي تجلس تنتظره ليذهبوا معاً لاختيار ثوب الزفاف. ووجدت نفسها تتذكر يوم سقوط سوسن أمام عيناها ذلك اليوم، لتتبدل فرحتها لحزن لم ينطفئ. طرقات خافتة طرقتها ياقوت، ثم دلفت لها بكأس عصير طازج. "أنا جبتلك عصير." وفزعت من مظهر ندي وبكائها، فأقتربت منها.

"ندي هانم، مالك؟ إنتي تعبانة؟ أغمضت ندي عيناها بقوة صارخة بها. "إنتي إيه اللي دخلك المكتب؟ ونظرت للعصير شزراً. "أنا طلبت منك حاجة." أوجعتها عباراتها، ولكنها تذكرت كلام سماح، فأبتسمت وهي تترك كأس العصير. "لا، مطلبتيش مني. على العموم، أنا جبته كحجة عشان أتكلم معاكي وأوضح سوء التفاهم." تعجبت ندي من صراحتها، فتابعت ياقوت: "باشمهندس شهاب يومها كان بيراضيني بكلمتين بسبب غضب حمزة بيه عليا من غير ذنب."

كانت عيناها مرفوعة لأول مرة بثقة، ورغم أنها ثقة واهية، إلا أنها أكملت. "حضرتك عايزة تصدقيني، ده يرجعلك. مش عايزة برضوه، يرجعلك يا فندم." لم تكن ندي شخصية ذات طبع قاسٍ. وقبل أن تغادر ياقوت غرفة المكتب هاربة من صراخ ندي الذي توقعته، ولكن حدث ما لم تتوقعه. "استني عندك يا... فألتفت نحوها ياقوت تُطالعها مُندهشة، ولكن تجاوزت دهشتها سريعاً بأبتسامة ودودة. "ياقوت... ***

ضحكت سماح بأستمتاع وهي تمضغ قطع البسكوت بعد أن غمرتها بكأس الحليب المخلوط بالشاي. "مش معقول يا ياقوت، قولتلها كده." فشردت ياقوت في أحداث اليوم. "محبتش تاخد عني فكرة مش تمام يا سماح." فتعالت ضحكات سماح. "إنتي عفوية وطيبة يا ياقوت. أتمنى تلاقي الإنسان اللي يقدر طيبتك." كتبت ياقوت بمرارة متذكرة حبيبها القديم الذي لم ينظر إليها، بل نظر إلى صديقتها. وانتبهت على حالها. "هو أنا اللي عملته ده صح يا سماح؟

تنهدت سماح بفتور وربتت على ذراعها بحنو. "بصي يا ياقوت، مش كل الناس ردود أفعالها زي ندي. ندي باين عليها لطيفة وسوء الفهم كان غيره مش أكتر." حركت رأسها مؤكدة. "آه، ندي فعلاً لطيفة ورقيقة أوي. دي عزمتني على فرح." نظرات السعادة التي احتلت ملامح ياقوت من أبسط شيء قد قُدم إليها، جعل سماح تُدرك أن ياقوت مازالت تحتاج إلى مواجهات عدة مع الحياة. طبيعتها العفوية لن تصلح مع هذا الزمن. أرادتها قوية، عفيفة النفس مثلما تكون.

"بقيتوا صحاب يعني؟ طب وأنا محدش هيعزمني؟ لتصدح ضحكات ياقوت من عبس سماح المصطنع. "لا، هبقى آخدك معايا عشان معرفش السكة." فمسحت سماح فمها بكفها بعدما ابتلعت كأس المشروب خاصتها وحدقت بها بتلاعب. "يعني وجودي معاكي أوريكي السكة بس؟ وأنتهى الحوار بضحكات الصديقتين. إلى أن تثاءبت ياقوت ونهضت من فوق فراش سماح. "كفاية سهر لحد كده. هرجع على أوضتي."

أنصرفت ياقوت. لتتسطح سماح على فراشها تُفكر في مهمتها الجديدة التي أوكلتها جريدتها. تلك المهمة، ولن تُساعدها بها إلا ياقوت. ولكنها لم تستطع اليوم إخبارها، فهي أكثر دراية باضطهاد حمزة الزهدي لها، فلا بأس أن تنتظر قليلاً. ***

وضعت دفترها الذي تدون فيه ملتزماتها من راتبها. الراتب الذي اقترب موعده، ويجب عليها تدبير أمرها به وإرسال المال لزوجة والدها كي تساعد في مصاريف أشقائها وتدفع ثمن حريتها من قيود زوجة أبيها وسم لسانها. ووضعت رأسها على الوسادة وهي تحسب المال الذي سيكفي مأكلها وسكنها ورغبتها في شراء ثوب جديد بعيداً عن أثوابها التي هلكت.

دون إرادة منها، أصبحت تنظر للفتيات بالشركة التي تعمل بها، ترى أناقتهم فتتمنى لو ارتدت مثلهم أثواباً جديدة راقية، ولكن محتشمة كما اعتادت. فستان جديد. فلوس للأكل. فلوس للمسكن. فلوس عشان جهاز ياسمين. هكذا غفت ياقوت. وانتقلت لعالم أحلامها الذي لم ترَ فيه إلا صراخ حمزة بها، وأصبح عقلها الباطن يصور لها رهبتها منه حتى في النوم. *** أقترب من شقيقه بعدما أنصدم من رده. "جوازكم بعد أسبوع، ولسا محبتهاش يا شهاب؟ وأردف صارخاً به:

"إنت إيه يا أخي؟ أول مرة أشوفك أناني كده." كان كالضائع وهو يستمع إلى شقيقه. فحركه حمزة بذراعيه بمقت. "ندي أمانة عندي. عارف يعني إيه؟ ضاق صدر شهاب من اللوم الذي يتلقاه دوماً منه ومن شقيقته نادية، التي هي أساس هذه الزيجة. فلولا استماعه لها، ما استغل حب ندي إليه. فقد أصبح مدمناً لحبها وضعفها أمامه، ولكنه لم يحبها. فالحب جربه قديماً وقد فشل فيه. وحياة اللهو والعبث هي من جاءت بالنفع، وأصبح معشوق النساء.

أفكاره كانت تقوده وهو لا يشعر أنه سيكون في النهاية هو الأغبي والأحمق. فاق على صراخ حمزة. "إنت يا بشمهندس، أنا واقف بكلم مين؟ فدفعه شهاب عنه وهو يهوي بجسده على المقعد الذي خلفه. "كفاية يا شهاب. أنا مش عيل صغير قدامك. جوازي من ندى هيتبني على الاحترام والتقدير، وده كفاية أوي." أرتسم الجمود على ملامح حمزة ورمقه ساخراً. "كمل يا شهاب، وهيتَبنى على حبها ليك." للحظة، أدرك صدق كلمات شقيقه. ولكن نهض بجدية كي ينهي ذلك الحديث.

"حمزة، أنا مقتنع بـ ندي زوجة. وياريت ننهي حوارنا لحد كده. وياسيّدي، أمانتك محفوظة، ارتحت؟ لم ينتبهوا لتلك التي وقفت تستمع لحديثهم ودموعها تتساقط بألم على حبها الذي لم تجد له مقابل. *** جلس جانبها يخشى أن تنفره، ولكنها ابتسمت. "إنت جاي ترجعلي إيه تاني؟ ضحك على سؤالها. "الحقيقة، أنا جاي معجب." قالها صراحة، ولكن عندما وجدها أشاحت بوجهها عنه، أبَدل حديثه. "بهزر معاكي. الحقيقة، أنا لقيت نفسي سايب شغلي وجاي على هنا."

ألتفت نحوه وهي تتبع صوته مندهشة. "ممكن تعتبريني عابر سبيل يا... تعجبت من معرفته باسمها. "إنت عرفت اسمي منين؟ ليضحك على سؤالها. "إنتي ناسيه إني ظابط." وأردف ممازحاً وهو يتأمل ملامحها يتمنى لمسها بأنامله. "عرفت اسمك يوم ما أختك أخدتك ونادت عليكي." كلمة وراء كلمة، سار معها حديثهم، وكان كعابر السبيل معها. ***

لاحت له بيدها قبل أن تختفي من صالة المطار نحو الطائرة المتجهة لسويسرا. تم استدعاؤها في عملها، فأجازتها الممتدة قد أنتهت. وقد قررت أن تُقدم استقالتها وتعود إليه، ثم يعودوا معاً. ليتوقف مراد للحظات ساكن في مكانه، وانسحب مغادراً من المطار. ليعلو رنين هاتفه، فنظر لرقم المتصل ثم أجاب. "إنت مش عريس يابني، والنهاردة فرحك." أجابه شهاب ضاحكاً وهو ينظر لهيئته بالمرآة. "المفروض كنت تبقى موجود، ده أنا في مقام خالك حتى." ***

وقفت أمام القاعة الفخمة مع السيدة سميرة التي اتجهت على الفور نحو إحداهن، ويبدو أنها تعرفها. ندي قد داعبتها بدعوة رسمية، تعجبت من الأمر وظنت أنها كانت مجرد كلمة، ولكن دعوة العرس بعثتها لها مع شهاب. كانت القاعة راقية ومبهرة، لأول مرة ترى مثلها. "ياقوت... هتفت بها هناء، فوجودها بالعرس شيء محسوم، فنادية زوجة عمها. أحتضنوا بعضهم بشوق. لتبعد هناء عنها ونظرت له بتدقيق وتفحص. "إيه الشياكة دي؟ لا، القاهرة غيرتك."

رغم بساطة الثوب ولونه الهادئ وعدم وضع الزينة على ملامحها، إلا أنها شعرت بالحرج. سماح هي من أعطتها إياه وأصرت على ارتدائه. "دي سماح اللي خلتني ألبسه." طالعتها هناء بسعادة وهي ترى جمالها الذي أظهره الثوب. "بس إنتي طالعة قمر يا ياقوت." ثم أردفت بعدما غمزتها بنظرة لعوبة. "كنتي مخبية عنا الجمال ده كله فين؟ ***

استمعت إلى حديث خطيب شقيقتها وقد بدأ يرسم عليهم محبته. خطبة اقترحها عليه أحد أصدقائه. عروس تخطت منتصف الثلاثون، لديها وظيفة وشقة، وشقيقة كفيفة. من السهل التخلص منها إذا استولى على قلب الشقيقة الكبرى. وماجدة كانت امرأة مشتاقة لمشاعر النساء التي تسمع عنها من صديقاتها المتزوجات. ورجل خبير مثل سالم كان يعرف من أين يصل إليها ويخضعها له. كلام معسول، مداعبات ستتمنع عنها في البداية، ولكنها ستريد ولن تمانع بعد التجربة.

وها هو جالس يُحادث مها بلطف، ويداه تجول على فخذ ماجدة بحرية، والأخرى تجلس جانبه تعض على شفتيها مستمتعة. "بس إنتي صوتك حلو يا مها. ما تغني لينا أغنية كده تاني لام كلثوم." أبتسمت مها بسعادة لإطراء خطيب شقيقتها. لتتمالك ماجدة حالها وهتفت فخورة وسعيدة بشقيقتها. "مها جميلة وشاطرة في كل حاجة."

العلاقة بين الشقيقتين كانت قوية. ليُطالع سالم سعادة مها وعيناها التي لمعت من مديح شقيقتها. فأرتسم المكر على شفتيه وتمتم وهو يقترب من ماجدة أكثر. "مها، أنا دلوقتي زي أخوكي. أوعي تتكسفي مني. أي حاجة عايزاها، اطلبيها." *** جلست على أحد الطاولات البعيدة بعض الشئ تتأمل العرس. وهناء صديقتها التي اندمجت مع تقي ابن عمها وفتاة أخرى عرفت اسمها من هناء ولم تكن الفتاة إلا مريم، التي كانت أغلب الوقت متعلقة بذراع حمزة أو شقيقها.

ونادية، المرأة الجميلة تسير بين الحضور. ترابط جميل كانت تراه. لم ترَ السيدة سلوى اليوم لعدم مجيئها من البلدة. ودارت عيناها بين الضيوف، ثم عادت تبتسم وهي ترى هناء تراقص ندي التي كانت تتحمل تلك الليلة بصعوبة بعد الحديث الذي سمعته بين شهاب وحمزة. اهتزاز هاتفها أخرجها من تأملها، فنظرت لرقم والدها لتخرج من الحفل بعيداً عن أصوات الموسيقى. أتاها صوت زوجة أبيها التي تسألت: "إيه الدوشة دي؟ إنتي فين؟

لم تمهلها الرد لتردف سناء حاقدة. "إنتي رايحة تشتغلي ولا رايحة تدوري على حل لشعرك." بهتت ملامحها من الكلمات. لو كانت تعلم أن زوجة أبيها هي المتصلة، ما أجابت عليها. "بابا عارف إني في فرح. خير يا مرات أبويا." أحتدت ملامح سناء من الرد، وأبدلت الحديث بمهارة امرأة ماكرة. "أبوكي عيان بس مش راضي يقولك ومحتاجين فلوس عشان التحاليل وكشف الدكتورة." وتابعت وهي تلوي شفتيها بأستنكار. "هتبعتي الفلوس امتى؟

ولا إحنا بعتينك تشتغلي من غير فايدة؟ لو مش هتيجي من الشغلانة دي فايدة، أقول لأبوكي وترجعي البلد." تجمدت يد ياقوت على هاتفها وقد وصلتها رسالة زوجة أبيها. أما الاستجابة لتدبير المال، أو بث السموم في أذن والدها لعودتها وترك العمل والمشوار الذي بدأته. "فاضل لسه أسبوع على المرتب. هجيب فلوس منين أنا؟ أول ما آخد مرتبي هبعت الفلوس علطول." لم يعجب سناء الحديث لتهتف بأنفعال قبل أن تغلق الهاتف. "اتصرفي، ولا أبوكي يضيع مننا."

كانت آخر كلمة سمعتها، ليصلها بعدها انغلاق الخط. وصوت لم تتوقع سماعه. "ابقى عدي على الحسابات بكرة وخدي الفلوس اللي هيحتاجها علاج والدك." عينيها اتسعت بصدمة وألتفت بجسدها. لتجده خلفها يمسك هاتفه وكأنه أنهى مكالمته للتو. وقبل أن تهتف بشيء، انصرف من أمامها بثقته المعهودة وهيبته. وخطت بأقدام سريعة تتبعه واسمه يخرج من بين شفتيها بهتاف خافت. "حمزة بيه...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...