الفصل 11 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
34
كلمة
3,651
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

هتافها الخافت وصل لمسمعه فوقف دون أن يستدير لها. ظنت أنه سيلتفت نحوها ولكنه ظل ثابتاً مكانه منتظراً أن تُخبره بما تريد. خطوات خطتها ببطء حتى صارت أمامه لتخفض عيناها خجلاً تُطالع طرفي فستانها. "السلفة أكيد هتتخصم من المرتب مش كده؟ جالت عيناه بتدقيق على ملامحها، لا يعلم لما تشعره بالماضي. نفس أفعال صفا قديماً، الخجل، التوتر، الارتباك. ونظرة عيناها الضائعة.

وعندما طال صمته رفعت عيناها بتوتر نحوه. وكانت كنظرتها تماماً نظرة تحمل الحزن، نظرة تطلب الحماية والدعم. قبضة مؤلمة جثمت على قلبه من تذكر الماضي الذي بدأ يتذكره منذ أن عرف بهوية صاحبة الخطابات التي كانت تُرسل إليه. "حمزة بيه، حضرتك سامعني؟ سؤالها أفاقه من حالة الشرود التي انتابته، ليعود إلى غطرسته المعهودة. ورفع كفه نحو جانب خده يمسح عليه. "أكيد يا آنسة." ثم نظر إليها يسألها بلامبالاة. "أنتي اسمك إيه؟

تورّدت وجنتاها وهربت بعيناها بعيداً عن نظراته الثاقبة نحوها. "ياقوت." اسمها كان يعرفه، ولكن أراد أن يسمعه منها. وخطوة تخطاها للأمام ليقف على صوتها مجدداً. ولكن تلك المرة كان صوتها مصحوباً بابتسامة صادقة ممتنة لم يستطع عقله التشكيك في نواياها. "شكراً." قالتها وانصرفت على الفور دون كلمة أخرى. عيناه رصدتها بتروٍ. ومن بعيد كانت نادية تُطالع المشهد متعجبة. ***

سعت وراء حلم كانت تعرف لعنته. وجاء اليوم الذي اكتمل فيه زواجهم. وانتهى الحب الذي تمنته بالزواج والحفل السعيد وثوب الزفاف. السعادة التي تمنتها لم تشعر بها معه. فالفرحة أصبحت ناقصة كلما عاد الحديث الذي سمعته عنها يغرز سهامه بقلبها. قبلات متفرقة حاوط بها وجهها، ويداه أخذت تجول بحرية على منحنيات جسدها. وصَدَى الكلمات يتردد في أذنيها: "جوازنا هيتنهي على التقدير والاحترام، وده كفاية أوي."

الكلمة الأخيرة أخذت تجثم على روحها. يبخل عليها بكلمة حب ويرى ما يقدمه لها ما هو إلا كافٍ. وهي كانت عطشى لكلمة واحدة أعطتها له ولم تنالها. "كنتي جميلة أوي النهاردة." وعادت شفتيه تلثم خدها. "طالعة زي القمر." عيناها انفتحت على وسعهما. لتبتعد عنه بعدما تملكت ضعفها معه. فنظر لانتفاضها من بين ذراعيه متعجباً. "مالك يا ندي؟

رمقته بنظرة طويلة تحمل اللوم والألم. وحملت فستان زفافها واتجهت نحو الفراش الواسع في الجناح الذي تم حجزه تلك الليلة وجلست بهدوء. "مالي يا شهاب؟ أنا كويسة أه." فأبتسم واقترب منها. لن يُنكر أنه فتن بها اليوم لحظة رؤيتها بثوب الزفاف. لحظتها شعر بخفقان قلبه بقوة وكأنه لأول مرة يراها. "لا فيكي حاجة يا ندي. انتي متغيرة من قبل الفرح. في إيه هتخبي على شهاب حبيبك؟ ألقى كلماته بهدوء وجلس جانبها مُحركاً كفه ببطء على خدها.

أشاحت وجهها عنه تغمض عيناها بقوة. تجمدت ملامحه وهو يرى نفورها الواضح. فنهض من جانبها صارخاً. "انتي فيكي إيه؟ قبل الفرح وقولت من الضغط اللي عليها. أما دلوقتي مالك؟ صوته كان هائجاً. لم يتحمل لحظة نفور واحدة. وهي التي تحملت منه الكثير منذ أن أحبته. دموعها الحبيسة سقطت دون إرادة. لتنهض صارخة به بقهر. "متحملتش لحظة رفض واحدة يا شهاب." وأردفت تتحسر على حالها وترخيصها لنفسها. "لدرجادي أنا كنت مرخصة نفسي أوي؟

وطرقت على قلبها وقد فاض بها. وأعادت على مسمعه العبارات التي أخبر بها حمزة. "حب وتقدير كفاية عليها أوي كده. مش كده يا باشمهندس؟ الصدمة احتلت ملامحه. لا يصدق أنها سمعت حديثه الأخير مع شقيقه. ولكن ها هو حدث ما لم يتوقعه. دموعها انسابت على وجنتيها دون توقف. وجسدها ارتجف من شعورها المميت بوحدتها ويتمها الذي لأول مرة تشعر به مع عائلة زوج شقيقتها الراحلة.

"محبتش غيرك ولا عمري شوفت راجل غيرك. حبيتك أوي. بس حتى كلمة حب بخلتها عليا. كان نفسي أتحب منك انت وبس. من قالك إني محستش بعدم حبك ليا؟ بس كنت بكذب على نفسي." وأردفت تخفي وجهها بين كفيها. "خدعت نفسي وقلبي." كان يسمعها وهو يحتقر حاله. يُحبها ولكن حبه من نوع آخر. نوع الاحتلال والأنانية وإشباع الرجولة. ومن دون كلمة جذبها نحوه يضمها إليه بقوة. "أهدي يا ندي. أنا لو مش عايزك مكنتش اتجوزتك." فهتفت ببكاء. "بس محبتنيش."

تنهد وهو يريد أن يخبرها شعوره الحقيقي نحوها. شعوره الذي يجهله. "الحب بيجي مع العشرة. الحب إحنا اللي بنقدر نزرعه." الألم جثم أكثر على قلبها وهي تتذكر صورة الفتاة التي كان محتفظاً بصورتها لمدة طويلة رغم زواجها وخطبتهم. ولولا غيرتها وإصرارها عليه ما كان أزالها من جزدانه. دفعته عنها. ثم أخذت تضرب على صدره بقوة ممزوجة بضعفها.

"أنا بكره نفسي يا شهاب. بكره كل لحظة نفسي اتكسرت فيها بسببك. بكره كل لحظة شحت حبك. كل لحظة شوفت حمزة رافض جوازنا وبيأجله خايف عليا. وبكرهك انت كمان." ولم يشعر بعدها إلا بانغلاق باب المرحاض بقوة خلفها. ليهوي بجسده فوق الفراش مطأطأ الرأس. "كان عندك حق يا حمزة." *** ارتسمت السعادة على شفتيها وهي تتذكر أحداث اليوم معها. واتكأت على جانبها الأيمن. "طلع لطيف أومال ليه أنا بخاف منه؟ واستدارت بجسدها لتتكئ على جانبها الآخر.

"فوقي يا ياقوت وبلاش رسم أحلام. طلع لطيف عشان عمل معاكي موقف عادي. وكمان ديه سلفة هتدفعي تمنها من مرتبك." وتسطحت على ظهرها تلك المرة تُخبر نفسها. "لو مكنتش سلفة مكنتش هقبلها. ده دين والدين لازم يترد." كذا مضت ياقوت ليلتها تُحادث نفسها وتفسر لطافة حمزة الزهدي معها، حتى لو كانت لطافته أحاطتها عنجهته وغروره. *** دلف من الشرفة بعدما وقف لأكثر من ساعة يزفر أنفاسه مُفكراً ببداية ليلتهم التي انتهت عكس ما خططت لها.

وجدها تت دثر نفسها أسفل الغطاء. "انتي هتنامي؟ فتحت عيناها لتُطالع هيئته المشعثه. أزرار قميصه مفتوحة للمنتصف، وأزرار أكمام القميص قد أزالها وشمر أكمامه للعلو. "تفتكر يعني هعمل إيه؟ أجابته بتهكم ملحوظ. رآه هو. أما هي أجابت على سؤاله كما سأل. اقترب منها حانقاً. "ندي بطلي لعب عيال ده. انتي جايه دلوقتي تعاقبيني على حبك؟ انتي بتهزري صح؟

ملامحها كانت هادئة رغم أن داخلها عكس ذلك. ولكن ستستمع لقرار عقلها حتى ترى ثمار العقل. ولابأس أن تحرم قلبها قليلاً من أحلامه الوردية. "لعب عيال وبهزر. على العموم شكراً." وتابعت وهي تهندم خصلات شعرها بأنوثة قصدتها. "أنا تعبانة وعايزة أنام. ممكن تطفي النور؟ وقبل أن تدفن رأسها أسفل الوسادة هتفت بتلاعب وهي تراه يبتعد عنها زافراً أنفاسه بغضب. "عندنا طيارة بكرة بعد الضهر عشان شهر العسل. ولا انت نسيت؟

الواحد محتاج ينام كويس عشان يعرف يستمتع بالسفرية." وأغمضت عيناها. ليُطالعها بأعين متسعة غير مصدق أن التي أمامه الآن ندي التي كانت تتمنى رضاه وقربه. *** فتح فؤاد عيناه ليجد نادية مستيقظة والتفكير يشغل بالها. فسألها بنعاس وهو يعتدل في رقدته. "انتي لسا صاحية يا نادية؟ انتبهت لصوته ونظرت إليه متسائلة. "انت صحيت؟ يضحك على هيئتها. من يراها يشعر وكأنها فتاة في العشرين من عمرها وليست امرأة في سنوات عمرها الأربعين.

"إيه اللي شاغل بالك؟ طول عمرك مدام حاجة شغلاكي مبتعرفيش تنامي." ابتسمت بدلال ودفعته برفق كي تضع رأسها على صدره. "حمزة وياقوت يا فؤاد." تعجب من عباراته وارتفع حاجبه. وقبل أن يتساءل وجدها تخبره بوقوف شقيقها وياقوت خارج قاعة الزفاف. ضحكة عالية انفرجت من بين شفتي فؤاد. "مش معقول يا نادية. ياقوت وحمزة. أكيد جري لعقلك حاجة." وأردف بتعقل.

"أبسط تفسير لوقوفهم سوا أما بتسأله على حاجة أو بيساعدها. أما عقلك بيقوله ده خيال يا حبيبتي." وعاد يضحك مجدداً. فأبتعدت عنه ترمقه بغضب. "انت بتضحك على إيه يا فؤاد؟ جذبها فؤاد نحوه مُحتضناً إياها. "نادية حمزة استحالة يفكر في ياقوت أو يجمعهم عالم واحد. فنامي يا حبيبتي وانسى اللي بتفكري فيه." وهكذا باتت نادية ليلتها. ***

ابتسمت مريم وهي ترى حماس صديقتها الجديدة هديل. الصديقة التي كانت يوماً تتنمر عليها. ولكن المصاعب تولد داخلنا أشخاص جدد، بل وترينا معادن الناس الحقيقية. "الله يا مريم العروسة جميلة أوي والعريس كمان." قالتها هديل بعفوية وخجل فطري. لتضحك مريم وهي تكمل لها عرض الصور على هاتفها ذو الثمن الباهظ. "آه لو ندي سمعتك بتقولي على شهاب كده. تاكلك."

فاتسعت ابتسامة هديل ونظرت لباقي الصور. لتقع عيناها على شخصان ومريم تقف بينهم. فأشارت مريم نحوهم باعتزاز. "ده شريف أخويا. وده بقى يا ستي بابا حمزة." لمعت عين هديل وهي ترى أسرة مريم الراقية. عيناها كانت تلمع بتمني أن يكون لديها عائلة هكذا. ولكن أمنيتها لم تحمل ضغينة أو حقداً. واتجهت يدها بحسرة نحو ذراعها المكدوم تخفيه ملابسها. ومن بعيد وقفت رؤى تُطالع ضحكاتهم ببغض وغيره. ***

ضجر حمزة من تصرفات سيلين ودلالها الذي بات يزعجه. لم يرد إزعاجها بكلامه احتراماً وتقديراً لوالدها الذي يقدره. ولكن صدره ضاق وهو يراها اليوم تميل نحوه وقد تعمدت فتح أزرار قميصها الضيق من علو. رجع بمقعده خطوتان بمقت تاركاً قلم توقيعه. فأعتدلت سيلين في وقفتها وطالعت تحركه باندهاش. "في حاجة أزعجتك يا فندم؟ أغمض حمزة عيناه ثم نهض من فوق مقعده ووقف يُطالع الطريق من نافذة مكتبه. "سيلين، شغلك هنا انتهى."

تجمدت ملامحها بصدمة واتسعت عيناها وهتفت بنبرة مذبذبة. "ليه يا فندم؟ أنا عملت تصرف يضايقك؟ أراد أن يخبرها أنه يمقت أعيب النساء ويفهمها بسهولة. كان يراها في البداية مديرة مكتب رائعة. ولكن عندما دخلت دائرة نادية شقيقته مقت تصرفاتها. نبرتها المذبذبة وتذكره لاحترامه لوالدها جعله يهتف بنبرة لطيفة بعض الشئ. "انتي هتتنقلي لفرع الشركة في دبي. أظن ده كان حلمك في البداية."

سقط قراره على مسمعها. فجمدها في وقفتها. فلمعت عيناها بالدموع. فنادية قد أعشمته بزواجها منه. "بس ده كان زمان. أنا دلوقتي عجبني الشغل هنا." فهم أفكار شقيقته. فسيلين كما توقع وقعت بحبه بل وأرادته بالفعل. استدار نحوها ببطء وكانت الحقيقة واضحة على ملامحها. "مستقبلك أهم يا سيلين. أهم من لعبة وهدف هتطلعي خسرانة منه." *** رفض بشدة ذهابها لأحد البلدان لآخر مرة كمراسلة تعمل في إحدى القنوات الفضائية. "جاكي، قلت لك عودي."

فهتفت برجاء. "مراد، هذه آخر مرة لي بالعمل. ارجوك اجعلني أودع عملي بإنجاز حقيقي." احتدمت ملامحه وهو ينهي هذا النقاش. "إنجاز؟ من جاكي؟ البلد الذاهبة إليها بها نزاعات بين شعبها. قلت لا يا جاكي." ضحكت بدلال وسعادة من خوفه عليها. "ارجوك يا مرادي. مرة واحدة يا حبيبي." دلالها ورجائها أوصلها لهدفها. ليتنهد بقله حيلة مع إصرارها. "جاكي، رغم رفضي فلن أقمع أحلامك. ولكن عملك كمراسلة سينتهي." تاه صوتها الناعم. "لا تقلق حبيبي."

ووضعت يدها على أحشائها. فاليوم علمت بحملها. "عندما سأعود سأخبرك بخبر يسعدك يا حبيبي." تمنت سعادته بالفعل كما هي سعيدة. *** العمل كان هادئاً منذ سفر شهاب لرحلة زواجه. يومان مرا وهي تأتي للعمل تنهي بعض الأعمال البسيطة ثم تكمل باقي اليوم دون شيء يذكر. وضعت سماعات الأذن الخاصة بهاتفها الجديد الذي ابتاعته بالتقسيط من إحدى المغتربات معها بالسكن. وأغمضت عيناها تسرح براحة مع ما يطيب النفس والقلب.

"وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ."

وقف يتأمل اندماجها وهو حانق. فقد جاء اليوم لفرع الشركة الذي يديره شقيقه من أجل بعض الأوراق الهامة التي تطلب اطلاعه وإمضائه. ولكن قدومه قد جاء بنفع ليطردها من عملها. وصفق بيداه بقوة ثم هتف ساخراً. "نسيب شغلنا ونخلينا مع أغاني الحبيبة؟ فانتفضت ياقوت فزعاً من صوته ونهضت من فوق مقعدها تزيل سماعات الأذن من أذنيها. وقبل أن تحرك شفتيها وتخرج الكلمات من فاها تحرك من أمامها نحو غرفة المكتب صارخاً بها. "حصليني."

تبعته بقلق وهي تخشى طردها. وطرقت باب غرفة المكتب والقلق يدب بقلبها. كان يقف معطياً ظهره لها. تلمع عيناه بالحدة والجمود. سمع نححتها المرتجفة ليستدير نحوها بجسده. "ده آخر تحذير ليكي على الإهمال. المرة الجاية فيه طرد. ومش معنى إنه متوصي عليكي وتعينك جه بالواسطة يبقى مسموح لك بالتجاوزات. ده مكان شغل يا آنسة." ألقى كلماته عليها بحزم جاف. وكادت أن تُدافع على حالها لكنه أشار إليها بالصمت.

"رجعي مكتبك وهاتي الأوراق اللي كان مفروض شهاب يطلع عليها." خرجت من مكتبه تتماسك تهتف لنفسها وهي ترتب الأوراق المطلوبة. "متعيطيش يا ياقوت. خليكي قوية." عادت إليه بالأوراق ليرمقها بنظرة جامدة. وقفت تنتظر اطلاعه على الأوراق وإمضائه. ولكن كان اليوم هو يوم تعويض راحتها في الأيام السابقة. مدير حسابات يهاتفه ليأتي. موظف الشئون القانونية وقهوة تأتي بها وأوامر لا تنتهي.

حمدت ربها أنها تعمل تحت إدارة شهاب وليس هو. وانتهى اليوم أخيراً. لتجلس فوق مقعد مكتبها تأخذ أنفاسها متمتمة. "الحمد لله اليوم خلص." رتّبت مكتبها وبعض الأوراق وضعتها في الملف الخاص بها. ليخرج من المكتب يُطالعها. "انتي لسا ممشيتيش؟ ثم أردف بحدة ومقصد. "ياريت النشاط اللي شوفته وقت وجودي يبقى على طول كده حتى لو المدير مش موجود." أهانته عباراته. ولو كانت صمتت منذ ساعات فلن تصمت الآن.

"حضرتك بتهيني عشان لقيت السماعات في ودني رغم إن مكنش فيه شغل مطلوب مني." فاتسعت عين حمزة من جرأتها. لتخرج هاتفها من حقيبتها. ثم ضغطت على أحد الأزرار. "اتهمتني إني قاعدة بحب وبقضي وقتي. آه أنا كنت قاعدة فعلاً بحب وبقضي وقتي. بس فيه حاجة أهم وأفيد من الدنيا كلها يا حمزة بيه." وحملت حقيبتها لتترك غرفة المكتب بعدما دافعت عن حالها برضى. "استني عندك." التفتت نحوه بجرأة وداخلها كان قلبها يرتعش. "مبعترفش بغلطي مع حد."

وصمتت للحظات ثم أردفت قبل أن ينصرف من أمامها مُغادراً الشركة. "بعتذر على سوء ظني يا آنسة ياقوت." السعادة ارتسمت على شفتي ياقوت. لتقف غير مصدقة أن حمزة الزهدي بغطرسته وجفاءه اعتذر منها. لتصيح كالطفال مصفقة بيديها. "ده اعتذار مني." *** ضحكت سماح بصخب وهي تستمع لفعله ياقوت وسعادتها بما حققته اليوم. "كل ده عشان اعتذر منك؟ لاا حمزة الزهدي عمل إنجاز في حياته." لتُشير ياقوت نحو حالها. "أنا يا سماح بقى حد يعتذر مني؟

وأردفت تخبرها عن شعورها وهي تقف أمامه. "لو تشوفيني قدامه كنت عاملة زي القطة اللي واقفة قدام الأسد." ضحكات سماح تعالت بقوة حتى بدأت تسعل دون توقف. لتتجه نحوها ياقوت تضربها على ظهرها وهي الأخرى تضحك. *** وقف شريف بملامح جامدة في مكانه وهو يرى أحدهم يصطحب مها من أمام المدرسة نحو سيارته الصغيرة ويُحادثها لتبتسم إليه.

ضاقت عيناه بغضب وخاصة وهو يرى نظرات الرجل لتفاصيل جسدها الذي أظهره الثوب الذي لم يراه بها من قبل. ولو كان رآها به لحذرها من ارتدائه. زفرة حانقة أطلقها من شفتيه وتمنى لو اقترب منهم ولكم ذلك الرجل الذي يُساندها لدخول السيارة ويترك يداه تتحسس جسدها ليس كمساعدة وإنما شهوة يشعر بها كونه رجلاً ويفهم نظرات الرجال مثله. ***

رفعت سماعة مكتبها تتلقى الأوامر من مديرة مكتب حمزة بأن تأخذ أحد الملفات الموجودة لديها وتذهب إليه في عنوان الشركة التي أملتها لها. نظرت للعنوان بقله حيلة. فهي لا تعرف إلا بعض الأماكن هنا ومازالت خبرتها محدودة وتتعلم كيف تذهب وتأتي. بعثت علب الملف ووضعته في حقيبتها وغادرت المكتب. تدق على سماح تسألها عن المواصلة التي يجب عليها اتخاذها. ولكن سماح لم ترد عليها. فوقفت خارج الشركة تنظر لسيارات الأجرة تحسم قرارها.

"مش مهم يا ياقوت نبقى نوفر الفلوس في حاجة تانية. اترفهي في تاكسي النهارده." وأوقفت سيارة أجرة لتملي السائق العنوان. وبعد مرور نصف ساعة كانت تخرج من سيارة الأجرة وتنظر للشركة المدون عليها أنها خاصة بالحراسات. تعجبت من امتلاكه لشركة هكذا. ولكن تذكرت هيئة جسده المتناسق والقوي. وبخطوات بطيئة كانت تدلف الشركة. لتنظر لهيئة الموظفين واجسادهم مندهشة وبأعين متسعة. "هي الشركة كلها رجالة كده ليه؟

وعندما وقعت عيناها على فتاتان في الاستعلامات. ذهبت نحوهم مبتسمة تُخبرهم بهويتها وأنها آتية من فرع الشركة الأم لجلب ملف. أشارت إليها الفتاة نحو المصعد. فتحركت ياقوت خطوتان ثم عادت للفتاتان متمتمة. "انتوا شغالين هنا إزاي؟ ده كلهم مصارعين."

ضحكت الفتاتان. فأكملت ياقوت سيرها ضاحكة إلى أن وصلت أخيراً لمكانه. لتدلف مكتب واسع للغاية ثم حجرة وجدت بابها مفتوحاً على وسعه وحمزة يسير بين بعض الرجال يُلقي عليهم تعليماته. لتتحرك نحوه وعيناها متسعة على أجساد الرجال الضخمة. صوتها خرج غير مسموع. "حمزة بيه." ففزعت من صياحه بالواقفين. فنظرت لهيئتها. "انتي عاملة زي الصرصار كده ليه؟

كانت تقف خلفهم مباشرة ولم ينتبه أحد لدخولها الغرفة. انحنت نحو حقيبتها تخرج الملف حتى تكون مستعدة لإعطائه له فور أن يُنهي حديثه. صرخة خرجت من بين شفتيها. يتبع بأذن الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...