الفصل 9 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل التاسع 9 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
33
كلمة
3,777
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

جالت عيناها بالحضور وهي تشعر بالرهبه من حضورها ذلك الاجتماع. حاولت بث الطمأنينة في نفسها، تُذكر حالها بنصائح سماح التي باتت تعطيها دفعاً، وتمتمت داخلها لتزيد من عزيمتها: "أنتي دلوقتي بتشتغلي يا ياقوت والشغل هنا غير شغل الملجأ، لازم تبقي واثقة في نفسك." حقيقة لم تكن تلك عباراتها، بل سماح التي أخذت تحفظها لها. وفي ظل تردديها ما يطمئنها، دلف حمزة غرفة الاجتماعات بهيبته المعهودة، تتبعه سيلين مديرة مكتبه.

مال نحوها شهاب قليلاً يُخبرها: "ركزي في كل كلمة بتتقال واكتبي الملاحظات.. تمام." فأومأت برأسها سريعاً. وما هي إلا لحظات، كانت تسمع وتدون ما يجب عليها تدوينه. عيناها وقعت على آخر شخص تُريد أن تُطالعه، ولسوء حظها المعتاد، تقابلت عيناهما. ثبّت حمزة نظراته عليها، ولكنها أشاحت عيناها عنه خجلاً. واكتمل الاجتماع، ليستدير شهاب نحو ياقوت مُتسائلاً: "دونتي النقاط المهمة يا ياقوت؟ فتُحرك رأسها إيجاباً.

ومر الوقت وشهاب جالس مع حمزة يُناقشه في عمله. نظرات ياقوت كانت تلك المرة نحو سيلين التي تعمدت القرب من حمزة، فتتلامس كتفها بكتفه بعض الأحيان. تعجبت من ذلك التحرر، ولكن أبعدت ذهنها عما ترى، ففي النهاية هي ليست أكثر من موظفة. *** ضحكت سماح بصخب وهي تستمع إليها عندما بدأت تصف لها شعورها اليوم: "يعني حمزة الزهدي بعبع بالنسبالك؟ قزفرت ياقوت أنفاسها بأرهاق: "بخاف منه أوي يا سماح.. البشمهندس شهاب مش كده خالص.. راجل ذوق."

فحركت سماح حاجبيها بنظرة عابثة: "قولتيلي ذوق؟ فسرعت تُحرك رأسها نافيه: "لا مش قصدي اللي فهمتيه.. أنا بس بحكي عن شخصيته.. بشمهندس شهاب خاطب ندي اللي حكيتلك عنها." فأبتسمت سماح وهي تضحك على وداعتها: "ما أنا عارفه بس برخم عليكي... المهم سيبك من العيلة دي بقى.. إيه رأيك تيجي معايا حفلة المفروض هعمل لقاء صحفي فيها؟ وقبل أن تنطق ياقوت برأيها، أردفت سماح بحماس: "دي مش أي حفلة يا ياقوت.. هتتبسطي وتقولي سماح قالت."

انتابها الحماس، ولكنها تذكرت موت عمتها وحزنها عليها، ولم تنسى هدفها الأساسي في المجيء للعاصمة.. الهدف لم يكن إلا العمل لا أكثر. "مش هينفع يا سماح... روحي انتي ده شغلك." كانت تعلم داخلها أن سماح تفعل ذلك معها لتجعلها تخرج من قوقعتها المغلقة. سماح فيما مضى لم تكن إلا كشخصية ياقوت الفتاة الهادئة المنطوية، ولكن الحياة تُعلم أن تصبح مع مرور الأيام شخص آخر. *** في مكان آخر مظلم والكل في ثبات عميق، كان هناك صوت خافت يصدر

عن صاحبته بكلمات متقطعة: "مظلومة.. متسبنيش.. حمزة." نطقت اسمه بصرخة ضعيفة، ثم انتفضت من غفوتها، تضع بيدها على قلبها وتدور بعينيها يميناً ويساراً... لتجد جميع النساء في العنبر نائمين بعمق. فالتقطت صورته من أسفل وسادتها وداعبت ملامحه بأناملها: "خايفة يكون فات الأوان يا حمزة.. بس أنا زيك اتظلمت، محدش بيختار أهله."

وسقطت دموعها وهي تتذكر والدها، فلم تكن إلا ابنة تاجر مخدرات لسنوات، ترى والدها أشرف رجال، وفي النهاية انكشف الستار. *** اليوم كان أسعد يوم بحياتها. لم تعد تتذكر كم يوم بعمرها فرحت، ولكن اليوم مختلف. شقيقتها الحنونة المعطاءة سوف يتم خطبتها غداً، وكل جيرانهم وأصدقائهم سعداء ويجلسون يغنون ويرقصون على أصوات الموسيقى العالية. تلك عادات منطقتهم البسيطة، فكل شيء يأخذ حقه على أكمل وجه.. الفرح فرح والحزن حزن.

الضحكات كانت تتعالى بين فتيات المنطقة ويجذبونها لترقص معهم: "يلا يا مها انتي هتفضلي قاعدة كده... ده انتي أخت العروسة." أطربتها الكلمة، وتمنت لو كانت مبصرة.. لترى سعادة شقيقتها التي كانت تجلس على أحد المقاعد تدندن مع الفتيات وتحرك كتفيها بدلال، وإحداهن تقف أمامها تنظف لها حاجبيها ووجهها. فدارت بجسدها بين الفتيات تتخبط وترقص، وكل عالمها يتلخص في سماع الأصوات والضحكات، حتى تعبت من الرقص والغناء.

وعادت لمكانها بصعوبة، وكادت أن تجلس على المقعد، ولكن أحد أطفال جيرانهم سحب المقعد لتهوي على الأرض. لم يرَ المشهد أحد، فنهضت سريعا من فوق الأرض تُلملم شتات نفسها قبل أن ينتبه إليها الجالسين ويشفقون على وضعها الذي تقبلته بكل رضي وحمد. واتجهت لغرفتها تتواري خلف الباب باكية، تكتم صوت شهقاتها، وكأن قلبها بدأ يشعر بأن القادم ليس هين. ***

أشاحت مريم رأسها للجهة الأخرى بملل بعدما ملت من تكرار سؤال الأستاذة ريما، معلمة الرياضيات، المادة التي لا تتفوق فيها إلا إذا تولى حمزة مذاكرتها لها: "إمتى حمزة بيه هيجي يا مريم؟ فأطلقت مريم أنفاسها ثم هتفت بصفاقة: "بابا مش بيجي دلوقتي... عنده شغل مهم." فلمعت عين ريما وأخرجت تنهيدة حالمة: "ده المتوقع من حد زي حمزة بيه، أكيد وقته مش ملكه."

فحركت مريم رأسها بفتور وأكملت حل مسألتها بسرعة، فموعد وصول حمزة قد اقترب وهي تريد رحيلها قبل قدومه. وناولتها كشكولها: "أنا كده خلصت يا مس." تثاءبت لتشعرها بأنها بالفعل انتابها النعاس. وبعد دقائق كانت تجمع ريما أوراقها، ولكن ببطء شديد للغاية. ومريم تجلس تراقب الوقت وتنظر لمعلمتها المعجبة بوالدها الأرمل. اتسعت عين ريما عندما سمعت صوت حمزة والخادمة تحمل حقيبة عمله وترحب به.

فانتفضت مريم من مكانها واتجهت نحوه وكأنها تريد أن تُخفيه من أعين معلمتها التي وقفت تتابع المشهد بابتسامة متسعة. غير مصدقة أنه يُدللها هكذا، وهو زوج أمها الراحلة ليس أكثر، فماذا ستكون معاملته نحو أطفاله مستقبلاً؟ تخيلت منظر أولادها منه في تلك اللحظة ورسمت نفسها الزوجة. ليقترب منها متسائلاً: "آنسة ريما، إنتي سمعاني؟ فانتبهت ريما وأدركت أنه واقف أمامها منذ مدة يُحادثها وهي ليست معه. وعدلت ريما نظارتها تهتف بحرج:

"أيوه معاك.. حضرتك كنت بتقول إيه؟ فأبتسم حمزة بلطافة رغم تعجبه من أمرها: "بسألك عن مستوى مريم." فتعلق عين ريما بمريم الواقفة بجانب حمزة ترمقها بنظرات متلاعبه. واقتربت منها تداعب خدها: "مريومة بنوتة شاطرة.. اطمن يا فندم." فأرمق صغيرته بنظرات فخورة، ثم عاد ينظر نحو ريما: "أكيد أنا مطمن طول ما إنتي معاها." قالها بلطف وتقدير لها، ولكنها فسرتها بطريقة أخرى. فحدقت مريم بـ ريما التي اتسعت ابتسامتها فور أن سمعت مديح حمزة.

ولم يقطع ذلك الحديث إلا رنين هاتفه. فأستأذن منها قبل أن يصعد الدرج متجهاً نحو غرفته ليقابل ندي على الدرج وهي تهبط لأسفل: "ندي، اعرضي على مس ريما تتعشى معانا.. وادي خبر للسواق يبقى جاهز عشان يوصلها." فأومأت ندي برأسها مبتسمة. والتقت بـ ريما التي كانت مريم تسرع بتوديعها: "أستاذة ريما، حمزة موصي إنك لازم تتعشي معانا، مش معقول تمشي كده." تهتفت مريم داخلها: "تتعشى.. يا ريتك يا ندي ما نزلتي."

وتهللت أساريرها وهي تسمع ريما تُجيب معتذرة: "شكراً يا آنسة ندي.. مقدرش أتأخر على البيت أكتر من كده." ولكن داخلها كان رأي آخر: "لازم تتقلي يا ريما، مش معقول من أولها أقبل عزومته، هو فاكرني إيه." "طب خلاص هخلي السواق يجهز عشان يوصلك، دي أوامر حمزة." فأستاءت مريم من حديث ندي وحملت كتبها حانقة وغادرت. تنفض رأسها من أفكارها بأن يتزوج حمزة مس ريما التي لا تطيقها.

أما الأخرى غادرت بأحلام وردية لاهتمامه بها وخوفه عليها، ولم يكن ذلك إلا واجب يفعله. *** أغلقت ياقوت مع هناء التي ظلت لساعة تُحادثها وتُخبرها عن حلمها بيوم زفافها بمراد، ولكن ثوب زفافها قد أفسدها بقعة متسعة لا تعلم من أين أتت، ولكنها أفسدت مظهر ثوب زفافها. لم تجد ياقوت إلا كلمات الاطمئنان لصديقتها، وانقلب الحديث إلى ضحكات بعدها: "ربنا يسعدك يا هناء وتحققي حلمك وتتجوزي الإنسان اللي بتحبيه." دعت ياقوت لصديقتها بإخلاص.

وانتبهت لطرقات الباب، ثم دلفت سماح غرفتها بطريقة مسرحية، واتسعت عيناها بصدمة وهي ترمق ياقوت ساخطة: "إنتي هتروحي معايا الحفلة بالبيجاما؟ أشارت نحو حذائها المنزلي: "وبالشبشب ده؟ فضحكت ياقوت على ظن سماح أنها وافقت على قدومها لذلك الحفل الذي لا تعرف لما تذهب إليه، ف سماح صحفية وهذا هو عملها، أما هي ماذا سيكون سبب ذهابها؟ "عندي شغل بدري يا سماح وكمان هاجي معاكي بصفتي إيه؟ فأشارت سماح نحو حالها باعتزاز:

"بصفتك صاحبتي، ولا دي حاجة قليلة؟ فصدحت ضحكات ياقوت، سماح تخرجها من أي حالة هي فيها بأسلوب دعابتها المرح: "روحي انتي يا سماح، أنا هصلي العشاء وأنام." ومع إلحاح سماح، لم تذهب ياقوت لفراشها كما كانت تخطط، إنما وقفت أمام مكان الحفل متسعة العين من هيئة الوافدين للحفل. فنظرت لهيئتها بملابسها المحتشمة، ثم تعلقت عيناها نحو سماح التي انشغلت مع مصور الجريدة في الحديث قبل دخولهم الحفل. ***

خرجت من غرفتها تبحث عن شقيقتها بعدما بدلت ملابسها وانتهت الخطبة على خير وقد سعد الجميع. كانت تمسك في المقاعد التي مازالت مصطفة في شقتهم تهتف باسم شقيقتها: "ماجدة، إنتي فين؟ لم تسمع شقيقتها صوتها، فقد كانت في صراع بين إقناع خطيبها أن علاقتهما ليست إلا عابرة، فمجرد قبلات ولمسات ومداعبات ليس أكثر وسيستمتعان. تركت نفسها له وقد أخمدت عقلها. وعاد هتاف مها باسمها إلى أن اقتربت من الغرفة لتسمع صوت تأوه،

ففتحت الباب بقلق وفزع: "ماجدة، إنتي فيكي حاجة؟ مالك؟ فانتفضت ماجدة بعيداً عن خطيبها الذي يدعي سالم، تخفي بيدها ما أزاله عنها من ملابسها وتشير له أن يصمت: "إنتي لسه صاحية يا مها؟ فهتفت مها بطفولة لم تضيع من برائتها: "أصل عايزة آكل من جاتوه الخطوبة.. مأكلتش في الخطوبة خوفت أوقع على نفسي وأنا باكل قدام الناس." تألمت ماجدة على شقيقتها وقد ارتدت بلوزتها سريعاً: "حاضر يا حبيبتي تعالي هجيبلك من التلاجة وأكلك كمان."

هتفت عبارتها بأرتباك، ومسكت يدها تخرجها من غرفتها. وعادت للجالس على فراشها متكئاً بأستمتاع وأخرج سيجارته ليُدخن: "إنتي بتعمل إيه يلا امشي من هنا بدل ما تاخد بالها... وتابعت بأرتباح: "الحمد لله إنها ملاحظتش حاجة." لترتسم السخرية على شفتي سالم: "تشوف إيه؟ أختك عامية... يلا روحي حطيلها الأكل وتعالى عشان نكمل." ألقى عبارته وهو يرمقها بنظرات خبيثة، ولكنها تمالكت حالها سريعاً: "لا يا سالم أنا مش هعمل كده تاني...

لما نتجوز... حرام." أستاء سالم منها وأخذ يهندم من أزرار قميصه ونهض من فوق الفراش ومال برأسه نحوها: "حرام؟ بكرة إنتي اللي تطلبي مني كده يا بتاعة الحرام والحلال." وانصرف بهدوء. فتعلقت عيناه بـ مها: "حلوة بس الحلو مبيكملش." *** وقفت تتأمل الحفل الصاخب الذي دعتها إليه سماح كي تريها بعض من مظاهر العالم الخارجي.

ليلة رائعة بكل ما فيها، ورغم الانبهار الذي ظهر في عينيها وهي تُشاهد مظاهر الحفل، إلا أنها لم تشعر أنها ضمن هذا العالم، وأن الحياة ليست كما ترى الآن، إنما هذا مظهر من مظاهر الخدع. كأس العصير المثلج ارتفع لشفتيها ترتشف منه بأستمتاع وتتابع بعينيها الحفل على بعد أمتار. سماح وزميلها بالجريدة يتنقلون بين رواد الحفل يلتقطون الصور والأخبار الحصرية. خطواتها تعثرت قليلاً لتنحني نحو حذائها تحكم ربطه جيداً: "إنتي بتعملي إيه هنا؟

صوته جعل ملامحها تتجمد. رفعت عيناها تتمنى أن لا يكون هو، ولكن سوء حظها معه يجمعها به في أوقات عجيبة: "حمزة بيه." وأدركت وضعها سريعاً لتعتدل في وقفتها: "أنا.. أصل... كنت. فأقترب منها متفحصاً هيئتها المُرتبكه: "إنتي إيه..؟ ثم أردف وهو يرمقها ساخراً: "حتى مش عارفة تجمعي كلمتين على بعض." تُهكمه جعلها تشيح عيناها عنه سريعاً قبل أن تصرخ به، ولكنها للحظة فكرت في وظيفتها ولم تجد إلا الصمت: "ساعات بحس إنك خرسا." فهتفت حانقة:

"بس أنا مش خرسا وبتكلم عادي." فضحك حمزة مستمتعاً بزعرها منه: "لا كده عرفنا إن ليكي صوت." وتركها وانصرف دون كلمة أخرى... لتتعلق عيناها به وهي تستعجب من بغضه العجيب لها. "ياقوت، إنتي مالك واقفة كده ليه.. ومين اللي كان واقف معاكي ده؟ فالتفت نحو سماح وكأنها وجدت نجدتها كي تغادر الحفل: "إنتي مقولتيش ليه إن حمزة الزهدي من ضيوف الحفلة؟ فأبتسمت سماح وهي تقترب منها وضحكت مازحة:

"ما لازم تتوقعي حضوره، هو مش من صفوة المجتمع ولا إيه؟ وأردفت بجوع وهي تتحسس على معدتها: "يلا عشان البوفيه اتفتح وده أحلى أكل يا بنتي... بدل أكل المعلبات والشارع اللي وجع بطننا." فأرمقت سماح بأعين ضائقة: "لا روحي انتي كلي وأنا هستناكي هنا... أكل المعلبات أحسن عندي من الأكل ده." ولم تُجادلها سماح بقرارها، فانصرفت نحو الطعام الشهي مشيرة لها: "استنيني هنا أوعي تتحركي." ***

تابع بعيناه مكان وقوفها بعيداً وابتعاد صديقتها عنها ثم اتجاهها نحو المكان المخصص للطعام وانهماكها في تذوق كل ما يقع تحت يدها... ارتسمت السخرية على شفتيه وحرك رأسه وقد عرف سبب قدومها الحفل. *** ابتسم شريف وهو يجدها تجلس في مكانها وترجل من سيارته وقراره أن اليوم سيعتذر لها عن وقاحته فيما مضى. وبخطوات معدودة كان يقف بجانب مقعدها ثم جلس جانبها: "إنتي مين؟ وكادت أن تنهض من جانبه: "اقعدي يا مها متخافيش." لم تعرف صوته كما

أن رائحة عطره لم تنساها: "إنت عايز مني إيه... أنا قاعدة في حالي موقفتش قدام عربيتك وعطلتك." فأبتسم وهو يسمع صوتها واعتدل في جلسته ليصبح وجهه مقابل لوجهها: "أنا جاي أعتذر منك على أول لقاء بينا." وتابع وهو يجدها صامتة وعيناها التي ضاع نورها تُقابل عيناه: "أنا ملازم أول شريف نور الدين.. عرفتي اسمي وشغلي أه عشان متخافيش مني." فدارت بعينيها بعيداً عنه: "أنا مش خايفة منك... ممكن تقوم بقى من جانبي." فأرتسمت

ابتسامة صادقة على شفتيه: "ولو مقومتش؟ فنهضت وهي تسند يدها على ظهر المقعد الخشبي: "هقوم أنا." فنهض شريف وهو يعتذر: "خلاص تعالي اقعدي مكانك... أنا كنت جاي أعتذر منك وماشي." ثم تابع وهو يرمقها بابتسامة ذات مغزى: "مع إني كنت جايبلك حاجة وقعت منك يوم ما وقعتي وأختك أخدتها." فتقف في مكانها تمد يدها نحوه: "إنت لقيت الآلة بتاعتي؟ رأي اللهفة في عينيها. فأعطاها لها متعجباً فهو يعلم أنها نوع من أنواع الآلات الموسيقية القديمة:

"بتعرفي تعزفي عليها؟ فعادت تجلس على المقعد وبدأت تعزف وكأنها وجدت نفسها معها، ومع كل لحن يخرج من بين شفتيها كان يغمض عيناه مستمتعاً. *** وقفت خلفه تحتضنه من خصره: "الوقت بدأ يمضي يا مراد." كان يعرف مغزى سؤالها.. فرفر أنفاسه بقوة من المواجهة الحقيقية التي سيواجه بها والده... فوالده طلب ابن عمه إليه وأصبح أمر الخطبة علانياً، حتى حمزة لم يستطع مساعدته بعد عرض فؤاد على شقيقه الوحيد أمر خطبة ابنتها.

هناء اسمها بات في الأيام الأخيرة يقتحم مخيلته ببغض ولا يعلم السبب، يراها المذنبة فيما وصل إليه. وعندما شعر بلمسات جاكي العابثة على صدره من فتحتي قميصه، أغمض عيناه بقوة لعله يطرد أفكاره. وألتف نحوه مبتسماً: "جاكي، إنتي مراتي دلوقتي وجوازنا مش سر هخاف منه... هننزل مصر سوا والكل هيعرف إنك مراتي." فتسعت ابتسامتها سعادة وألقت نفسها بين ذراعيه تخبره بحقيقة مشاعرها نحوه:

"أنا أحبك يا مراد ولم أحب أن أكون مجرد رفيقة، أردت أن أكون امرأتك... أنا في غاية السعادة الآن حبيبي." وابعدت عنه قليلاً وقبلة طويلة راغبة وضعتها على شفتيه. لم يشعر بها لا بمذاق الحلوى الذي كان يسمع عنه ولا أنفاسه كانت تلهث من المشاعر... فكل مشاعره تلخصت في ليلتنا فقط منذ زواجهم. لحظتها شغفه بها انتهى وكأن إعجابه بها لم يكن إلا فتنة ورغبة. *** أخفضت عيناها بحرج وهي تتناول من الطعام الشهي.

العزيمة لم تأت لها بالمقصد، ولكن مهاتفة نادية للسيدة سميرة وعزيمتها لها في وجودها جعل نادية تُخبر سميرة أن تجلبها معها. وانتهى العشاء الهادئ. فأخذت نادية سميرة جانباً يحتسون القهوة معاً. ونظرت لياقوت التي جلست تضم يداها بحرج وتخفض عيناها: "تقى حبيبتي، سيبي التليفون شوية واتكلمي مع ياقوت... أنا وطنط سميرة هنقعد مع بعض نتكلم شوية." واقتربت من ابنتها تُقبل وجنتها بحب، فأبتسمت تقي برقة لوالدتها: "حاضر يا ماما."

انجذبت عين ياقوت إليهم ولمعت عيناها وهي تتخيل نفسها مع والدتها في مشهد هكذا. لتنتبه لصوت تقي بعدما انصرفت نادية نحو سميرة: "إحنا شوفنا بعض كتير بس متعرفناش ولا مرة على بعض." فأبتسمت لها ياقوت وقد شعرت بلطافتها. وقد ظنت أنها لا تحب الحديث معها: "أنا عارفة عنك حاجات كتير من هناء." فأقتربت منها تقي بحماس: "هناء بقى حكتلك إيه عني؟ قوليلي وأنا هقولك هي حكتلي إيه كمان." ضحكت ياقوت على حديثها كما ضحكت تقي:

"هتحسي إني طفولية شوية بس أنا مش كده إطلاقاً." وعادت ضحكتهم تتعالى ثانية. وفي نفس اللحظة كان يدلف فؤاد المنزل وخلفه حمزة: "أختك النهاردة مش هتصدق إني جبتك معايا." فنهضت تقي على الفور نحو والدها تتعلق بعنقه، ثم اتجهت لخالها تحتضنه وتقبله: "خالو وحشتني." فضمها حمزة إليه، ثم انتبه لياقوت التي اقترب منها فؤاد مرحباً بها، فهو يعلم بهويتها وصداقتها من ابنة شقيقه: "أهلاً يا بنتي." ونظر فؤاد نحو حمزة:

"أكيد عارف ياقوت يا حمزة... موظفة عندكوا." وأردف مبتسماً: "موصيك عليها بقى." فضاقت عين حمزة ورمقها ببطء... فأشاحت عيناها عنه. لتأتي نادية بلهفة نحو شقيقها: "حبيبي وحشتني... عاش من شافك." فحضرن شقيقته وهمس بأذنها وقد ضغط على شفتيه حانقاً: "ليلتك سودة يا نادية." فابتعدت عنه نادية بارتباك وأدركت أنه عرف مخططها مع سيلين: "تعالى أعرفك على سميرة صديقتي."

فرحب حمزة بـ سميرة متجاوزاً شقيقته تلك اللحظة، ثم أشارت نادية نحو ياقوت التي وقف فؤاد يُحادثها قليلاً: "تعالي يا ياقوت أوصيك أعرفك على حمزة أخويا صاحب الشركة اللي إنتي شغالة فيها." أرادت نادية أن تلطف الجو بأي شكل. وانصرف فؤاد مستأذناً منهم كي يبدل ملابسه، واتبعت تقي والدها كي تخبره برحلتها الجامعية مع زملائها. فتقدمت ياقوت منهم بارتباك من نظرات حمزة، فأومأ برأسه قائلاً بلامبالاة: "مش دي سكرتيرة شهاب؟

شعرت أنها يقصد تقليلها، فضمت نادية ياقوت إليها: "مردتش أطلب منك إنت تعينها.. أصل عارفاك." فحدق بها حمزة وقد وقفت تتلاعب بيدها: "كويس إنك عارفاني إني مبوظفش أي حد عندي غير مؤهل." شحب وجهها من عبارته العدوانية... ورفعت عيناها نحوه فوجدته يُطالعها بنظرات غامضة مستمتعاً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...