الفصل 40 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الأربعون 40 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
28
كلمة
4,483
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

صراخه جذب أنظار العاملين. الكل وقف ينظر إلى رب عملهم كيف يتحرك صوب تلك الفتاة الملقاة أرضًا. تعجب عنتر من زمجرته القوية به ونظراته الحادة. أزاح عصاه جانبًا قبل سقوطها عليها. انحدرت دمعة فوق خدها الأيسر، أزالتها سريعًا وهي تسمع صوت حورية الراكضة نحوها تهتف باسمها. "كل واحد يروح على شغله." قالها عنتر بحدة ببعض العاملين الواقفين حولهم حين أصبح فرات أمامه. أطرق رأسه خزيًا. لينظر نحوه فرات بجمود وحدق بصفا يمد لها كفه.

فعلته جعلت حورية وعنتر ينظرون للأمر بأعين متسعة، وخاصة عنتر الذي عاشره لسنوات طويلة. تعلقت عيناها بكفه ثم انتقلت لعينيه. استنكرت رحمته العجيبة ولم تنظر لفعلته إلا متهكمًا. احتدمت عيناه من تجاهلها له، وقبض على كفه بقوة يراها تنهض بمفردها تتجاوزه. "أنتي يابت إزاي البيه يمد إيده ليكي وتمشي وتسبيه؟ عنتر. عاد يصرخ به ثانية متجاوزًا فعلتها بجمود. اقتربت منها حورية تُنفض لها عباءتها تنظر لفرات الذي اتجه نحو سيارته.

"إيه اللي عملتي ده ياصفا؟ ده صاحب المزرعة وممكن يطردك." لم تهتم بما تخبرها به حورية، فهي تكرهه وتكره لمسته. يكفيها ما عاشته معه. دمغ جسدها ونالها اقتدارًا وغصبًا. سارت أمام حورية بخطى واثقة، تعجبت حورية من أمرها لتهتف بها: "أنتي مش خايفة إنه يطردك ياصفا؟ التقطت عيناهما والسيارة تتحرك ببطء من جانبهما لتلتف نحو حورية تجيبها: "الأرزاق بيد الله ياحورية." *** جلسة كانت فيها الأخرى مجرد مستمعة تستمع في صمت.

شعورها كان يتبدل بين الدهشة والحزن والأمل، وبين أن الشخص الذي تمنته أصبح زوجًا وليست هي من تفكر في رجل زوجًا لأخرى. يوم أن أعجبتها شخصيته كان أرملًا وكان الأمل ينبت داخلها، ولكن إعطائه لها عملًا في فرع آخر من شركته بعيدًا عنه جعلها تتأكد أنه لا أمل كي يشعر بمشاعرها وأن حكايات الروايات وقصص الأفلام ما هي إلا خيال.

انتهت مريم من نسج الحكاية التي ساعدتها صديقتها رؤى في تأليفها وتمتمت بوداعة تليق بسنها الصغير وليس كـ "ماكرة". "أنا خايفة على بابا من البنت دي، أنتي متعرفيش بتعمل إيه عشان تبعده عننا. كانت طيبة وفجأة ظهرت نيتها." واردفت بوداعة أكثر: "تعرفي إن سمعتها بتكلم راجل غريب وقولتلها بابا لو عرف كده هيكون رد فعله قوي. عملت تمثيلية عليه وصدقها. كان ناوي ياخدني معاهم في سفرية بس ده كان عقابي عشان زعلتها."

وسقطت دموعها وقد أجادت الخطّة كما اتفقت هي وصديقاتها وساعدتهم فيها زوجة عم رؤى في إحكامها. "مريم مش معقول حمزة بيه يتخدع في حد، حمزة بيه أنا اشتغلت معاه وعارفة دماغه كويس." ومدت كفها تربت على يديها المتشابكتين ببعضهما. "أنا ممكن أكلم حمزة بيه وأقوله على سوء الفهم ده." ارتجف قلبها خوفًا من تلك الفكرة وخشت أن تفعل سيلين ذلك. "لا أرجوكي هيزعل مني وعمتو نادية كمان، عمتو نادية شايفة إني عايزة أخرب حياتهم."

وأطرق عيناها صوب مشروبها البارد تكمل حديثها الذي بدأ يتوغل داخل عقل الأخرى. "أنتي مش معجبة بـ بابا." وأردفت ببرائة تجيدها بملامحها الطفولية: "من كلامك عنه الكتير حسيت بكده، شكلي فهمتك غلط." ألقت عبارتها وهي تنظر لملامح سيلين المرتبكة وتوترها لتدرك أنها تسير نحو هدفها. "مريم مش معنى إني بتكلم عن حمزة بيه بفخر يبقى جوايا حاجة." تمنت سيلين أن تستطيع إخفاء مشاعرها التي فهمتها مريم.

طردت وسوسة شيطانها فهي لا تريد أن تكون امرأة لعوب بشعة تسرق رجلًا ليس لها. "أنتي ليه بتداري مشاعرك بعد ما فهمتك حقيقة جوازهم؟ عمتو نادية هي اللي جابتها حياتنا وهي اللي أصرت على بابا يتجوزها. دي لعبة رسموها سوا هي والبنت دي، يرضيكي بابا يعيش مع واحدة بتستغفله؟ ونهضت تحمل حقيبتها الصغيرة والأمل قد تلاشى بداخلها فـ سيلين تظهر لها صورة المرأة العفيفة وهذا ما لا ترغب به.

تنهدت سيلين ووجدتها تتحرك من أمامها وشيء داخلها يحركها يخبرها أن تفعل شيئًا لذلك الرجل الذي تقدره وتخلصه من زوجته اللعوب كما أفهمتها الصغيرة. ضميرها ورغبتها تحركوا معًا ولم تدرك أن رغبتها هي التي قادتها وأن الضمير ما كان إلا القناع المزيف. "مريم استني." اتسعت ابتسامة مريم وهي تسمع ندائها لتخفي ابتسامتها سريعًا وتلتف نحوها. حدقت بها سيلين بتوتر تفرك يداها ببعضهما. "أنا موافقة أساعدك وبس."

اقتربت منها مريم تحتضنها تشعر بالزهو مما حصدته اليوم تهتف بداخلها: "ياقوت بس تطلع من حياتنا وانتي كمان هتطلعي، وترجع عيلتنا زي ما كانت." *** نظرت نحوه ونحو تلك السيدة التي تحدثه ببراعة بلغتها الأم ويبدو أنهم يتناقشون. كانت عزيمة مع شركائه هنا وكل منهم أتى بزوجته. جلست بينهم لا تفهم إلا كلمات بسيطة من حديثهم الذي تحول إلى مناقشة نحو الأعمال والاستثمار. خجلت من تناول طعامها واكتفت باحتساء الشوربة وأكل القليل من السلطة.

مضى وقت الطعام ليأتي دور ارتشاف المشروبات وهي جالسة تنظر حولها تارة وتارة تنظر إليه. إلى أن جذبت عيناها طفلة تركض في المطعم ببالونتها وعلى وجهها ابتسامة صافية. المشهد جعلها راغبة في رسمه. تذكرت مفكرتها الصغيرة في حقيبتها ولكن الأمر توقف عند حاجتها للقلم. تنهدت بإحباط لتقع عيناها على قلم الكحل الذي يعد هو زينة وجهها الوحيد.

شردت في الراحة التي تحتل ملامح الطفلة مع ركضها بحلم بسيط وهي تتعلق ببالونتها فكلما فقدت الخيط من بين أصابعها قفزت لتلتقطه فرحة بصنيعها. أحدهم أخبره أن زوجته تجلس بينهم منعزلة فرغب بالاعتذار منها لأن حديثهم بات مملًا. دار رأسه نحوها حتى يسألها عن رغبتها في المغادرة مادام لم يعجبها الأمر. عيناه وقفت على أصابعها وهي تتنقل بالقلم واتجه بعينيه نحو ما تطالعه لتقع عيناه على الطفلة ببالونتها.

ابتسم لما خطته أصابعها فحتى رسوماتها تشبهها. "تشبهك البنوتة." وقفت يدها على القلم لتلتف نحوه تنظر إليه وإلى شركاءه المندمجين مع زوجاتهم وتخضبت وجنتاها خجلًا. "تشبهني إزاي، أنت كده بتظلم البنت." طالعتها بنظرة لأول مرة تراها في عينيه ولكنها كانت أجمل نظرة طالعتها. طالع ياقوت الفتاة البسيطة، ياقوت التي حكمت عليها الحياة أن تعيش في قفص كالطائر إلى أن حرره صاحبه أخيرًا فأخذ يتخبط بجناحيه يبحث عن وطن، وكانت عيناه هي الوطن.

"مش لازم تشبهك في شكلك، يكفي روحك." ونظر للفتاة ثم إليها يحثها على مواصلة ما تفعله. "كملي يلا قبل ما البنت توقف لعبها." أومأت برأسها وعادت إلى ما تفعله ومشاعر الحب نحو ذلك القابع جانبها تعلو وتتدافق بداخلها. وبعد أن كانت خائفة من حبه تحرر قلبها راغبًا بنيل المزيد يخفق بين أضلعها بتراقص صائحًا مهللًا بسعادته. *** نهضت من غفوتها وقد ظنت أنها غفت ساعة كما ضبطت منبه هاتفها الذي يجاورها ولكن كالعادة لا تشعر بشيء.

نظرت للساعة تشهق بفزع فالساعة أصبحت التاسعة ولم تطهو الطعام له ولها. ارتدت حذاءها وركضت خارج غرفتها تتساءل لما لم يوقظها لتأتيها الإجابة من وقفته أمام الموقد يحمر الدجاج ويقلب الصلصة وينتقل بخفة ليكمل عمل السلطة. لا تعرف كيف يقف يفعل ذلك بتلك السرعة وببراعة ونظافة. فركت عيناها من النعاس لعلي الرؤية تتضح أمامها. مراد الذي يهتم بنظافة ملابسه ورائحته العطرة يقف يعد الطعام وبتلك البراعة.

أغلق الموقد والتف نحو الطاولة كي يسكب الصلصة على المكرونة المعدة بالأطباق ليتفاجئ بوجودها وخصلات شعرها مرتفعة كأرسال الراديو. ابتسم على اتساع عيناها وتحديقها به ينظر إلى منامتها القصيرة الطفولية. "مالك واقفة كده، وشكلك مش مصدقة إني بعمل أكل." اقتربت منه بعد أن فاقت من تحديقها الأبله به وارتفع حاجباها دون تصديق.

"أصل مراد اللي أعرفه بيخاف على نضافة هدومه ومش بيطيق ريحة العرق، فجأة ألاقيه في المطبخ وبيطبخ وبقعة صلصة على قميصه." انتقلت عيناه سريعًا نحو بقعة الصلصة. ليقطب حاجبيه مستاءً من نفسه. داعبت رائحة الطبخ أنفه وهو يركز حسه الشم نحو ثيابه. التوى محياه عبوسًا ينظر إليها فأنفجرت ضاحكة مما يفعله. "لقيتيها فرصة تضحكي عليا مش كده، أعمل إيه لقيتك نايمة ومافيش أكل قولت أعمل أنا، بس الظاهر أنا غلطان."

ازدادت ضحكاتها أكثر على تذمره. فانتفخت أوداجه. "أصل الناس النضيفة اللي زيك بتبهرنا لما بتعمل حاجة من حاجات الناس الطبيعية." وعادت تضحك ثانية بصوت صخب. ودون أن تشعر وجدت بعض الصلصة على منامتها أيضاً. اتسعت حدقتاها مصدومة تجذب منامتها للأمام. "ينفع اللي عملته ده، كده هغير البيجاما وأنا لسه لابساها النهارده." "أول مرة أعرف إنك معفنة كده ياهناء، وفيها إيه لما تلبسي غيرها." أتتها إجابته التي زادتها مقتًا.

ولم تتركه إلا بعدما فعلت نفس فعلته. قفزت وصفقت بسعادة على رد الصاع له كطفلة صغيرة. "واحدة بواحدة عشان متستهونيش بيا." ركضت من أمامه قبل أن ينال منها. لم تجد إلا الأريكة لتتحامي بها. "حقي هاخده ياهناء." لحظة نسوا فيها حكايتهم وبدايتهم. نست فيها جرحه الغائر وأحلامها الذي كسره. خفق قلبه وهو يراها كيف تدور خلف الأريكة وتركض هنا وهناك لتتحامي منه.

لم يشعر إلا وهو يجذبها لتسقط فوق الأريكة وهو يحاصرها بين ذراعيه ينظر إليها بشغف. "خلاص مسامحك عشان مبحبش شغل العيال ده." ارتبكت من وضعهم ودقات قلبها أخذت تتسارع يشعر أنه يشتهيها. يشتهيها كزوجة. "خلينا نبقى زي أي زوج وزوجة طبيعيين ياهناء وننسى اللي فات." عينيها وصوت أنفاسها الهائجة جعلته يتيقن أنها مازالت تحبه. لتتجمد ملامحه بعد نطقها رفضه وفاق من صراعها بين العقل والقلب. "لا يا ابن عمي."

ورغم خفة دفعتها إلا أن رفضها ذلذله. وعاد الزمن للوراء وها هو يذوق نفس ما عاشته. والحب مازال بداخلها إلا أنها لم تنسى كلماته الجارحة له في تلك الليلة. *** شعرت حورية بيد توقظها وصوت أذان الفجر يعلو حولها. فتحت عيناها لتجد صفا واقفة أمامها تسألها: "مش هتصلي؟ تفاجأت حورية بها. توقظها للصلاة. ارتبكت صفا من تحديقها واطرقت عيناها خجلاً.

"أنا عارفة إنك مستغربة. تعرفي أنا كنت بصلي زمان وواحد بس اللي ساعدني عشان أتغير وأغير من لبسي وضاع الشخص ده. وضعت أنا من تاني مع نفسي." صمتت حورية وهي تسمعها تشعر أنها مثلها لديها حكاية أدمت قلبها وروحها. فهل أحد ليس لديه حمل يثقل على روحه.

هي هربت من قهر زوج أراد أن يقودها للحرام مخبرًا إياها أن لا فائدة منها مادام لم تنجب تزوج عليها فرضت، ولكن عندما طالبها أن تعصي خالقها لم تجد حلاً إلا الهرب حتى لو قادتها الحياة للقاع، ولكن ها هي تعمل وسعيدة بحالها راضية. صمتت صفا بعد أن أخذها الحنين للماضي وعادت تهتف: "مش هتقومي تتوضي بقى ياحورية؟ فاقت حورية من شرودها وابتسمت وهي تزيح غطاءها الخفيف ونهضت من فوق الفراش تجر قدميها نحو دورة المياه.

"قومت أه ياست صفا، وأه النهارده أنتي أخدتي الثواب بس اعملي حسابك هسابقك فيه." أنهت حورية صلاتها ونظرت نحو صفا التي علا صوت بكائها في سجودها. همهماتها وشكواها إلى الله كانت خافتة. رمقتها حورية وقررت أن تذهب لفراشها تتركها في خلوتها. ولم يكن الرجاء إلا في الخلاص والعفو وكان لها ما رغبت تلك الليلة. *** لم تصدق أن اليوم هو ختام رحلتهم هنا. ألقت رابطتي البالونات من بين يديها وعيناها تنتقل معهم.

اتسعت ابتسامتها من تلك التجربة التي جعلتها تعيشها وكأنه أعادها لطفولتها التي لم تنعم بها إلا بالتنظيف والطبخ. التقطت عيناها به وهو يقف يعقد ساعديه أمامها وينظر لفرحتها. فاقتربت منه تلقي نفسها بين ذراعيه تخبره عن سعادتها. "أنا فرحانة أوي." يضحك وهو يضمها إليه. لم تفرح يوم أن أهداها عقدًا بثمن غالي ولكن بعض من النفخات جعلتها تطير من السعادة. "فرحانة من شوية بلالين يا ياقوت."

ابتعدت عنه ترفع عيناها إليه وثغرها يحمل ابتسامة متسعة. "السعادة ممكن تكون في حاجة بسيطة." وأخرجت من حقيبتها مفكرتها التي تحملها دومًا وتلك المرة كان لديها قلمًا. رسمت له ملصقًا مبتسمًا لترفع له وجه الملصق تضعه فوق شفتيه. "وممكن تكون كده." هتفت عبارتها بمرح ومشاغبة لمعت في عينيها ليضحك من قلبه على فعلته يجذبها إليه. "أقولك أنا إيه كمان السعادة.. في إني أحضنك جامد." "حمزة الناس."

علت ضحكته أكثر ينظر إلى مرور البعض والكل مشغول بحاله. "محدش هنا بيبص على حد." حررها من بين ذراعيه بعدما استكفى من دفئها. *** تنهدت سماح بقلة حيلة وهي تنظر للوقت. أخبرته عندما هاتفته صباحًا قبل تدريبه أنها تريد الحديث معه. وها هي الساعة تجتاز منتصف الليل ولم يأتي. "أنا كان مستخبيلي فين كل ده.. أخلص من ماهر أقع في الراجل الغامض ده." وضحكت على حالها تحك ذقنها متذكرة اسم أحد الأفلام السينمائية "الراجل الغامض بسلامته".

انتبهت لقدوم سيارة. فنهضت من فوق الفراش نحو الشرفة لتجده يصف سيارته الرياضية بالخارج. تمتمت بمقت من أفعاله معها منذ ليلة زفاف شقيقه فأصبح يتجاهلها وكأنها هي السبب في زواج شقيقه من تلك. "أما نشوف آخرتها معاك ياسهيل باشا." ألقت عبارتها وهي تغادر الغرفة. لترى خيال جين وهي تهبط الدرج في تلك الساعة. سارت بخطى هادئة حتى لا تنتبه عليه. نظرت من علو الدرج لتجد جين تلتف حول نفسها قبل أن تدخل أحد الغرف.

هبطت بخفة تخشى أن يكون حديث سهيل خاطئ وتصبح هي في النهاية المغفلة. كتمت صوت أنفاسها وهي تقترب من الباب تتلصص عليهم وصوتهم يصل إليها. "انت من جعلتني أفعل ذلك سهيل.. أصبحت ممرضة لشقيقك من أجلك أنت.. أخبرتني أنك لا تهوى النساء وتكرههم وفي النهاية تزوجت." نطقت عبارتها الأخيرة بحرقة وهي تقترب منه ولكن يده منعتها من الاقتراب واظلمت عيناه وهو يتذكر مشهد خيانة والدته مع عمه.

لقد رأى تفاصيل كل شيء تلك الليلة عندما توارى مختبئًا بالخزانة. "اخرجي جين اخرجي لا أفضحتك وطردتك من هنا." "لن أخرج سهيل.. أنا أريدك.. لم أستطع تحمل لمسات شقيقك لم أستطع." أظلمت عيناه ولم يشعر إلا وهو يحط بكفه فوق وجنتها. لتسقط على الأرض من أثر الصفعة. "سأخبر الصحافة بحقيقة زواجك من تلك العربية.. سأخبرهم بكل شيء.. لقد علمت بالحقيقة أنت لم تتزوجها إلا لتجعلني أموت قهرًا وأرحل عنك."

لم يعد يطيقها تشبه والدته لدرجة كلما نظر لها كرهها أكثر وها هو الزمن يعود الزوجة تهوي شقيق زوجها. ضاقت أنفاسه ومشهد الخيانة الذي اقتحم عقله وهو طفلًا لم تمحيه السنين. طالعته وهو يهوي فوق المقعد يتنفس بصعوبة. "لن تخبري أحدًا عن سبب زواجي جين.. لن تخبري افهمتي." ألمعت عيناها وهي تلمس خدها الذي تخدر من صفعته. "طلقها أولاً واجعلها ترحل من هنا." وصمتت قليلاً تنظر له قبل أن تخرج ما بجعبتها. "وبعدها إذا أردت رحيلي سأرحل."

*** كانت تشعر بالتعب ولكن عندما أخبرتها الخادمة أن شقيقتها هنا نهضت على الفور من فوق الفراش تمد يديها نحو شقيقتها التي احتضنتها ببرود. "عشان أنا الكبيرة بس جيت أسأل يامها.. مش هنسى اللي عمله جوزك وإنه صغرني قدام سالم جوزي ورفضتوا تساعدوني." بهتت ملامح مها من عتاب شقيقتها. فما ذنبها هي. حاولت مع شريف ولكنه رفض دون رجعة. "كده ياماجدة هونت عليكي."

رمقتها ماجدة باقتضاب تتذكر حديث سالم فتلك المرة لو رفضت شقيقتها مساعدتها فهي أصبحت ترى حالها عليهم. "ما أنا بقيت بهون عليكي.. وعلى العموم أنا جيالك النهارده في مساعدة بعيدة عن شغل جوزك." وانتقلت عيناها هنا وهناك ونظرت للعقد الثمين الذي يزين جيدها. "محتاجة فلوس يامها.. أختك وقعة في ضيقة." "أنا لو معايا ياماجدة مش هتأخر عليكي ومقدرش أطلب من شريف." ضاقت أنفاس ماجدة وكما أخبرها سالم أنها سترفض مساعدتها.

"بقولك أختك وقعة في ضيقة، وتقوليلي مقدرش.. أظاهر إنك نسيتي أختك بعد ما عيشتي في العز." تألمت من كلمات شقيقتها. فلو لديها مال ستعطيه لها دون أن تفكر. فهي لا تعرف كيف تطلبه من شريف. "ياماجدة مقدرش أطلب من شريف." نفضتها ماجدة من أمامها تهتف بغضب: "انسى إن ليكي أخت يامها." أسرعت تجذب ذراعها تتساءل بقلة حيلة. وقد ظنت أن المبلغ بسيط سيوفي مصروفها الذي يعطيها إياه شريف وتدخره. "أنتي عايزة كام ياماجدة؟

تعلقت عين ماجدة بالعقد الذي ترتديه واقتربت تتلمسه. "تمن العقد اللي لبساه يفك ضيقتي.. ادهوني أرهنه عند واحد معرفه وأول ما أقبض فلوس الجمعية هرجعلك تمنه.. ساعدي أختك يامها.. وأه ياستي المحروس جوزك اللي بقى كرهني أنا وجوزي مش هيعرف حاجة." *** اندفع مكرم لمكتب فرات بعدما سمحت له سكرتيرته. التقط أنفاسه وعلى أمل أن يجدها لديه وأن لا يكون فعل ما طلبه منه والده في طردها. "صفا فين يافرات بيه.. وديتها فين؟

نطق عبارته بأعين قاتمة ينتظر إجابة فرات. سنوات قضاها يأخذها بذنب والدها. تحرر أخيرًا من جموده وصمته وقبض على القلم الذي بيده بقوة يرمقه بنظرات فاحصة يرى لهفته عليها. "طردتها." تصلب مكرم في وقفته يسأله بلهفة وأمل. "راحت فين.. لازم تعرف الحقيقة." واقترب من مكتبه يتمنى أن يخببره إلى أين رحلت. "لازم تعرف إن عدنان الأنصاري مش أبوها.. صفا مش بنت عدنان الأنصاري."

تجمدت أطراف أصابعه على القلم واظلمت عيناه بالحقيقة التي أتت متأخرة. صورتها وهو يأخذها بالقوة وصوت صراخها يسير أمام عينيه. وعاد صراخ مكرم ثانية. "صفا فين يافرات بيه.. مش معقول متعرفش مكانها.. عملت فيها إيه؟ نهض من فوق مقعده يبتعد عن أنظار مكرم. "معرفش فين." *** وقفت أمام المرآة تجهز حالها للذهاب للمركز فقد انتهت الرحلة وعادوا. تورّد وجهها وهي تتذكر تفاصيل ما عاشته. أيامًا رُسخت بداخلها.

انتبهت على رنين باب الشقة فقطبت حاجبيها فمن سيأتي إليها. لفت حجابها بإحكام وأسرعت نحو الباب لتقف تحدق بـ نادية المبتسمة. "حمدلله على السلامة." ودلفت للداخل تنظر إليها بتمعن وعلى وجهها علامات الراحة. "شكلها كانت رحلة ممتعة." ارتبكت من تلميحها المخجل. "الله يسلمك.. اتفضل." فوقفت نادية ترمقها. "لا أنا مستعجلة.. شكلك كنتي خارجة يا ياقوت." "عندي حصة في المركز." أومأت نادية برأسها متفهمة.

"اعتذري منهم النهارده أو أجلي حصة لأن ورانا ميعاد عند الدكتورة." بلعت ريقها بتوتر تسألها. "حضرتك تعبانة؟ ضحكت نادية على فهمها أن الأمر يخصها. "لا الدكتورة عشانك يا ياقوت.. عشان الحمل.. نشوف لو محتاجة حاجة تتعالج ولا محتاجة مقويات." وأردفت وهي تفحصها بنظراتها الثاقبة. "مش عايزين نضيع وقت." ارتجف قلبها وهي تسمع عبارتها. "نضيع وقت إيه.. إحنا بقالنا شهرين ونص متجوزين بس." ابتسمت نادية وهي تصحح لها المعلومة.

"تلات شهور يا ياقوت يا حبيبتي.. ده أنا قولت هتحملي من أول شهر بس يلا مش مهما." جادلت نادية دورها وكأنها والدة زوج. "مش عايزة تروحي للدكتورة ليه يا ياقوت؟ شحب وجهها وهي تطالعها. فاليوم أخذت قرارها أن لا تتناول تلك الحبوب ولكن مجيء نادية اليوم جعلها تدرك أن إخفاءها للأمر أتى عليها بمأزق. "أنا ورايا شغل النهارده ومينفعش آخد إجازة.. حمزة لو كان عايزني أروح كان قالي الصبح قبل ما يخرج أو اتصل بيا."

ضاقت أنفاس نادية من تعليلاتها فأحتدت نظراتها. "أنتي خايفة كده ليه.. ياقوت أنا اقترحتك على أخويا عشان هتديله الحاجة اللي ناقصاه." لاحظت نادية أنها أخطأت في كلامها فتنهدت بضيق. "روحي كلمي جوزك وقوليله إنك خارجة معايا وريحين نطمن نطمن على موضوع الحمل.. مظنش إنه هيقول لأ." ارتجف قلبها وهي تتذكر حينما أخبرها عن رغبته بطفلًا. تحركت ببطء لداخل غرفتها فأتجهت نادية نحو الأريكة تنتظرها تلوي شفتيها بضيق من كل ذلك الجدال.

فهي لم تضع فكرة الزواج داخل عقل شقيقها إلا لترى أطفاله. *** عادت هناء من عملها في وقت مبكر لتتفاجئ بوجوده. وضع فنجان قهوته جانبًا فتسألت وهي تلقي بجسدها فوق الأريكة. "جيت بدري يعني؟ اقترب منها يجلس جانبها يزفر أنفاسه حتى يتقن داخله الدور. فهو من اقترح فكرة قدوم شقيقته. "تقى جايه تقضي معانا شهر ياهناء.. مضطرين نظهر قدامها زي أي زوج وزوجة زي ما إحنا متفقين." قبضت حاجبيها تستوعب عبارته الأخيرة. "يعني إيه؟

ابتسم وهو يطالعها. "يعني مش هينفع كل واحد فينا ينام في أوضة ياهناء." انتفضت من فوق الأريكة ترمقه بمقت. "قصدك إن هتجمعنا أوضة واحدة؟ *** خرج من شركته لا يرى أمامه. حديث مكرم مازال صداه بداخله. عدنان أيضًا قتل والدها لكي يحصل على والدتها بعدما أعجبه. قبض على كفه بقوة وقد تخلى اليوم عن عصاه. أسرع سائقه في فتح باب السيارة له ليدلف داخلها آمرًا سائقه. "روح على المزرعة." *** انتظرت إجابته على هاتفه وقلبها يدق بعنف.

بللت شفتيها بطرف لسانها لتسمع صوته فهتفت فور رده. "نادية عايزة نروح للدكتورة عشان موضوع الحمل." ارتبكت وهي تخبره بالأمر وأكملت بتوتر. "أنا ورايا النهارده حصة في المركز.. وانت عارف إن... لم تكمل عبارتها. واتسعت حدقتاها وهي تسمعه. "تعرفي إن أكتر حاجة بكرها في حياتي الكدب يا ياقوت.. كان نفسي تصرحيني من غير كدب حتى مكالمتك دي كان عندي أمل خيبتي.. افتكرتي مش هعرف بموضوع الحبوب." وزفر أنفاسه بقوة. فارتعشت يداها.

"انت كنت عارف.. أنا عملت كده عشان... وقبل أن تبرر له سبب فعلتها. أتاها صوته حازمًا جعل قلبها يرتجف خوفًا. شحب وجهها وسقطت دموعها من برود كلماته. فهو يعرف بفعلتها وشقيقته تنتظرها بالخارج لاصطحابها للطبيبة. "أدي التليفون لنادية يا ياقوت." يتبع بإذن الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...