الفصل 12 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
29
كلمة
2,257
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

حالة من الصمت احتلت المكان على أثر صراخها الذي صدح فجأة. عيناها كانت مسلطة على قدمها التي دُهست. لم تستطع رفع عينيها لأعلى خشية مما ستراه، ولكنها لن تظل هكذا. اعتدلت في وقفتها ببطء وتوتر لتتسع حدقتاها وهي تجد أنظار الموجودين بالغرفة، وأولهم حمزة، مسلطة نحوها. دقيقة كاملة مرت وهي على تلك الحالة حتى صدح صوت حمزة منهياً اجتماعه بالمتدربين الجدد بشركته. "اتفضلوا أنتم.. ولينا لقاء تاني يا شباب."

ابتعدت عن طريقهم تجر قدمها التي دُهست بصعوبة. عيناها تعلقت بأعين حمزة الحادة، لتشيح بوجهها عنه تنتظر توبيخه. "فين الملف اللي طلبته؟ أدهشها عدم صراخه بها. فأقتربت منه تعطيه الملف وهي تود أن تهرب من أمامه. "اتفضل يا فندم." وأردفت بلهفة: "أقدر كده أمشي يا فندم؟ كادت أن تسير بقدمها التي مازالت تؤلمها، لتقف جامدة في مكانها. "أنا أذنت لك تمشي؟ تنهد بها بعدما رمقها بنظرة لم تستطع تفسيرها، ولكنها أربكتها.

وأرخت كتفيها بقله حيلة تنظر إليه وهو يتجه صوب مقعده خلف مكتبه. نظرت حولها تتأمل مساحة المكتب الفخم التي تعد أوسع من غرفتها المُقيمة فيها. لم يعيرها أدنى اهتمام واستمرت في وقفتها لعشر دقائق تنتظر أن يخبرها أن تجلس أو تنصرف، ولكن لا شيء حدث. وتنفست براحة وهي تجده يرفع رأسه عن الأوراق بعدما وقعها. يده امتدت بالملف، فأسرعت تأخذه منه كي تنصرف من أمامه. وجودها معه يُربكها. وتجمدت في وقفتها قبل أن تستدير بجسدها وتُغادر.

"تطلعي على الفرع الرئيسي توصلي الورق للسيد مدحت في الشئون القانونية، مفهوم.. الورق يوصل ليه." بهتت ملامحها وهي تستمع إلى أمر آخر من أوامره التي تخلوا من الذوق. كانت تظن أنها ستعود بالاوراق للشركة التي تعمل بها، ولكن مشوار آخر ستذهبه، حتى أنه لم يراعي ألم قدمها. حركت رأسها وهتفت بنبرة خافتة: "حاضر."

وداخلها كانت تود أن تصرخ به تخبره أن لولا حاجتها للعمل وأنها لن تجد وظيفة مثل التي تعمل بها لكانت ألقت بوجهه الأوراق وجلست ببيتها عزيزة النفس. ضحكة ساخرة صدحت داخل روحها، فأي بيت تتحدث عنه؟ هي مغتربة بمدينة أخرى وتعيش في غرفة بسكن مغتربات تبحث عن لقمة عيش وحياة تعول فيها نفسها. سارت خطواتان. ثم أشرقت ملامحها وهي تسمعه يحادث أحدهم عبر الهاتف. "خلي السواق يجهز عشان يوصل الآنسة ياقوت لفرع الشركة الرئيسي."

تبدلت كل أفكارها عنه تلك اللحظة وغادرت وهي سعيدة بتخليصها من بهدلة مواصلات أخرى. دلفت للسيارة التي كان سائقها ينتظرها لتجلس باسترخاء متمتمة بخفوت: "الراحة حلوة.. ياسلام لو عندي عربية زيها." حديثها الخافت وصل لمسمع السائق فضحك رغماً عنه. *** وقفت مستمتعة بالأجواء تلتقط لنفسها الصور تحت أنظاره. كانت كالطفلة الصغيرة أمام عينيه بملامح مشرقة مما زاده حنقاً منها، فهي تستمتع برحلة زواجهم على أكمل وجه وما هو إلا متفرجاً.

"مش كفاية كده؟ ألتفتت نحوه بابتسامة واسعة وحركت كتفيها بدلال. "لا أنا مبسوطة بالمكان يا شهاب." احتدمت ملامحه ولكن ليست لها، إنما نحو ذلك الذي وقف يرمقها بابتسامة وتفحص. يده طبقت على رسغها وأخذ يجرها بضيق خلفه. "قولت كفاية كده." سارت معه حانقة من تصرفه الأهوج. إلى أن وصلوا لغرفتهم بالفندق، فدفعت يده عنها. "أنت بتجر جاموسة وراك؟ عينيها استقرت نحو شفتيها ومن دون إرادة منه جذبها من خصرها.

"هنفضل في لعب العيال لحد امتى يا ندي؟ تفننت في صنع مكرها، رغم أنها لا تجيده، إلا أن آلام قلبها جعلتها تدرك اللعبة. شهاب ماهو إلا رجل شرقي يعشق النساء المتمنعات، يعشق من تجعله يأتيها هي، وليست هي. رسالة أدركتها في آخر محطة لهم معاً. "هو اللي أنا بعمله ده لعب عيال يا شهاب؟ وأردفت بتلاعب: "أنا باخد إجازة من حبي ليك.. بيتهيألي أنا كده رايحتك مني." أصابت الكلمة هدفها لتتبدل ملامحه للجمود. "إنت عقلك جرى له إيه...

إجازة إيه وإحنا خلاص اتجوزنا؟ يَده قبضت على كتفيها بقسوة. "ندي الصبر ليه حدود.. مش كلمة سمعتيها وإنتي بتتصنتي عليا أنا وأخويا؟ هتعملي فيها الضحية.. فُوقي بقى جاي دلوقتي تشوفي نفسك المظلومة وإني مستاهلش حبك."

لو كانت شعرت بزهوة النصر منذ لحظات، ولكن الآن كل شيء انتهى. قسوة كلماته كانت كَنصل السكين تُغرز بقلبها. دموعها التي جاهدت على إخفائها انسابت فوق وجنتيها. دفعته عنها بضعف، وقد شعر بالندم، ولكن تبريره لنفسه أنها السبب، أنها تستحق ذلك. "عندك حق.. أنا لسه فاكرة أعيش دور الضحية." شعوره بالمقت تلك المرة كان على حاله. "أنا أسف يا ندي." ولم تعد للكلمة معنى، فقد أخبرها بالحقيقة. ***

دفعتها حانقة من نوبة الضحك التي انتابتها عندما وصفت لها لحظة سحق قدمها. لم تتحمل سماح تخيلها لهيئة ياقوت وسط الديناصورات كما أطلقت عليهم. "كفاية يا سماح أنا غلطانة إني حكيتلك." صدحت ضحكات سماح بعلو وأخذت تتنفس ببطء. "الصداقة دي جت أخيرًا بفايدة يا ياقوت... بقى ليكي طرائف وعجائب." وأردفت ضاحكة: "والديناصورات على كده حلوين؟ ضاقت عين ياقوت من سماجة سماح، فدفعتها بقوة أكبر حتى كادت تسقط من فوق الفراش.

"خلاص يا مفترية هسكت... شوية جد بقى عشان محتاجة منك مساعدة." *** كان كالغيور الغاضب منذ أن رآها مع ذلك الرجل تصعد سيارته. حاول أن يمنع نفسه من القدوم إليها، ولكن قدماه أخذته لها. كالمعتاد وجدها جالسة على المقعد الخشبي تنتظر شقيقتها. فأقترب منها وقبل أن يجلس جانبها ويتحدث، هتفت بابتسامة واسعة: "شريف! اندهش من معرفتها بوجوده، فسألها بلطف وقد تبدلت كل مشاعره المتهجمة إلى أخرى سعيدة. "عرفتي إزاي؟

ابتسامتها كانت أجمل ما يراه في يومه وجلس جانبها ينتظر سماعها. "عرفتك من ريحتك." تعجب من إجابتها وأخذ يشم رائحة عطره ثم ضحك. "افرض غيرت ريحة برفان بتاعي... هتعملي إيه؟ نطقت بعفوية: "هعرفك وده هيكون بإحساسي." لم يفهم معنى كلامها، ولكن المعنى كان واضحاً لا يحتاج لتفسير أكثر. "إنت مجتش ليه اليومين اللي فاتوا... مش قولتلي هتيجي وتجبلي من شيكولاتة الفرح؟ لم يعرف بماذا يجيب عليها، ولكن عقله قد صنع كذبته. "كان عندي شغل مهم."

أومأت برأسها متفهمة، وشعرت بجلوسه جانبها، ثم تناول كفها يضع به الحلوى التي وعدها بها. ارتسمت السعادة على شفتيها وهي تداعب بكفها الآخر الحلوى. "دي شكولاتة الفرح." حرك رأسه إيجاباً على سؤالها، ولكن أدرك سريعاً أنها لا تراه، فتمتم مبتسماً. "شكولاتة الفرح زي ما وعدتك." قلبها خفق من قطعة حلوى. أزالت غطاء الحلوى وأخذت تقضم منها. كانت تترك له حرية رؤيتها ومطالعتها. "احكيلي عن الفرح... العروسة كانت حلوة." وأردفت بحماس طفولي:

"أنا بعرف أتخيل الناس بسهولة من الوصف، متخافش." انطفأت لمعة عينيها وهي تخبره أنها تتخيل الأشخاص من وصفهم. وفي لحظة عادت ملامحها تشرق ثانية وهو يصف لها ملامح العروس ومريم شقيقته، وهي تستمع بابتسامة تنير عينيها قبل وجهها. *** وجدت سماح تقف على باب غرفتها تنتظرها بحماس جلي على ملامحها. "عرفتي تاخديلي ميعاد معاه يا ياقوت؟ ومن نظرة واحدة وجهتها ياقوت لها، فهمت سماح أنها لم تستطع. "أنا آسفة يا سماح...

معرفتش. إنتي عارفة إنه مستنيني فرصة واحدة بس ويطردني." فابتسمت إليها سماح وهي تعلم بصدق ما تقول. "أنا عارفة يا ياقوت... ولا يهمك." لم تحزن سماح بالفعل، فقد كانت تعلم بعدم مقدرة ياقوت لأخذ لها موعد، ففي النهاية هي موظفة ومازالت في بداية وظيفتها. "أوعدك هحاول تاني... بس يجي فرع الشركة عندنا... أنا بس بقيت مهمتي حالياً أودي ورق يتمضي." وانتظرت ياقوت سماعها وخشيت أن تكون حزنت منها، ولكن: "إنتي هبلة يا ياقوت...

أزعل من إيه أنا؟ لو هزعل، هزعل من نفسي عشان استغليت صداقتنا وأنا أكتر حد عارف معاملة حمزة الزهدي ليك." هتفت ياقوت على الفور: "بس أنا عايزة أساعدك." لتتحول وقفتهم لعناق، وكالعادة كانت سماح تبتعد عن الدراما وتنهي الحوار بمزاح. "مكنش مقال صحفي ده اللي هيعمل فينا كده... تعالي نروح نتجمع مع بنات السكن." وانتهى الأمر بهم بتجمع فتيات السكن في سهرة ممتعة، لم تخلُ من المزاح والضحك. ***

وجدها تصفف شعرها أمام المرآة دون أن تُعيره اهتماماً. كان يحمل باقة من الأزهار، واقترب منها معتذراً. "لسه زعلانة؟ لم تجب بشيء وأكملت تمشيط خصلاتها، لتجده يمد باقة الأزهار لها. "ميبقاش قلبك أسود يا ندي." ابتسامة ارتسمت على شفتيها لم تستطع إخفائها. شجعته ابتسامتها، فأقترب منها أكثر حتى التصقت أجسادهم.

كانت تستنشق عبير الأزهار مغمضة العين، وشعرت بقبلاته الدافئة على عنقها. يداه تحركت بعبث على جسدها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تنتفض من بين ذراعيه متمتمة: "لا يا شهاب." تجمدت يداه وهو يراها تتخلص من أسره. وتعالت أنفاسه، وقبل أن يفعل ما لن تسامحه عليه، خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه بقوة. وأصبحت رحلة زواجهم ما هي إلا تصفية حسابات. ***

دلفت صفا لحجرة مأمور السجن. كان جالس يطالع بعض الملفات أمامه وانتبه لدخولها فرفع عيناه نحوها مبتسماً، فمنذ أن تولى إدارة السجن وهو لا يرى في سلوكها أي شيء يشينها، حتى أنه تعجب من تهمتها، فكيف لملاك مثلها تكون تاجرة للمخدرات. "تعالي يا صفا." أقتربت من مكتبه خطوتان لينهض من فوق مقعده مقترباً منها. "عندي لكِ خبر هيفرحك." كانت تنتظر أن تسمع ما سيفرحها، رغم علمها أن لا شيء سيفرحها إلا أنها تتحرر من سجنها.

"بعد أيام هتاخدي إفراج... ومش هتستني شهرين كمان يا ستي." وتحدث وهو يرى الدموع التي لمعت بعينيها. "وده طبعاً بسبب حسن سلوكك يا صفا." *** تجمدت يداه على الهاتف وهو يستمع للمتصل. زوجته ماتت في حادث. "إنت بتقول إيه؟ أنفاسه أخذت تنسحب ولم يتمالك حاله، فهوِ بجسده على المقعد وسط ضجيج المطعم الذي يتناول به فطوره. ولسانه أخذ يردد بصعوبة: "جاكي ماتت... لا أكيد الكلام ده غلط."

ونهض من جلسته بخطوات أشبه بالركض ولم يشعر بنفسه إلا وهو يضع ملابسه بحقيبة سفره ويُهاتف إحدى شركات الطيران من أجل حجز تذكرة متجهاً لسويسرا. ومن حسن حظه كان هناك مقعد شاغر بعد ساعات سينتظرهم في جنون. *** تعجبت نادية من عدم وجود سيلين وقد تبدل مكانها برجل. احتدت عيناها وقد فهمت أن شقيقها يقطع عليها كل الطرق. وهتفت بداخلها وهي تتجه نحو غرفة مكتبه بعدما حياها مدير مكتبه عندما أخبرته بهويتها.

"وتفتكر إني هسكت يا حمزة.. مبقاش نادية إلا ما جوزك." ودلفت لغرفة مكتبه تطالع انغماسه بين أوراق العمل. "تفتكر لما تمشي سيلين هسكت؟ زفرة طويلة خرجت من بين شفتيه متجاهلاً حديثها. "أهلاً يا نادية." ونهض ليُعانقها. "مش ملاحظة وجودك كتر هنا؟ ضحكت وهي تفهم تلميحه. "ما سبب وجودي خلاص أنت مشيته... بس بصراحة النهارده جاية عشان حاجة تانية." دقق حمزة النظر بوجهها منتظراً معرفة سبب مجيئها. "من غير لعب ولف يا حمزة...

إيه رأيك تتجوز ياقوت؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...