الفصل 6 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل السادس 6 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
34
كلمة
2,650
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

دارت عيناها على ملامح زوجها الجامدة بعدما ألقى كل ما يعتريه ويخطط له. فؤاد، الرجل الذي سقط في بئر الخيانة يوماً من حبيبته وزوجته الأولى، مازال يفكر أن الرجل لا يجب أن يتزوج على أهواء قلبه. رغم أنه عشق نادية وأحبها، إلا أن هناك جزء مظلم بداخله لا يريد أن يعيد ولده تجربته. ولم يرَ غير هناء، ابنة شقيقه، العروس المطلوبة. وضع خيوط لعبته بإتقان، ولكن هل هناك شيء يسير وفقاً لتدبير عقولنا؟

وإذا سار، فهل سينجح أم سيصحبه الفشل؟ كعادة نادية، تعرف كيف تحتوي الأمر بهدوء معه.

"فؤاد، بلاش دايماً تحط مراد في دايرة محسوم فيها القرار ليك. من وهو طفل بتتعامل معاه كده. حرمته من دراسة الطب وخليته يدرس هندسة عشان أنت عايز كده. حبه لجاكي اللي ممكن ما يكونش من الأساس حب، رفضته. من صغره وأنت تقول "اعمل كده، ما تعملش كده". ده حتى طفولته كلها كانت "أنت راجل، والرجالة مينفعش تعمل ده". القيود الكتير بتصنع منا ناس تانية، ناس يوم ما هتتمرد هتتمرد على اللي حطوا عليهم القيود، وأنت أول واحد. مراد بقى يتمرد عليك يا فؤاد."

وتابعت وهي تسلط أنظارها عليه بعدما أعطاها ظهره معلنة أنه لا يرغب بسماع المزيد. "قرار جوازه من هناء مش صح يا فؤاد. ما يمكن في يوم هو اللي يجيلك ويقولك عايز أتجوزها." أدار فؤاد الحديث بعقله قليلاً، ولكن بصلابة عقل لم ترَ إلا صوابه. والتفت نحوها يحسم قراره. "القرار في الموضوع ده انتهى يا نادية. أخلص بس من سفريته الصين وهفتح الموضوع مع مهاب أخويا." ولم تكن سفريته الصين إلا شهراً واحداً.

تُطالعه نادية بهدوء، ولكنها صمتت وداخلها تفكر كيف ستجعل فؤاد ينسى ذلك الأمر ويترك حق الاختيار لمراد. *** استيقظ حمزة فزعاً، يرفع جزعه العلوي قليلاً. ينظر حوله يبحث عن سوسن والطفل الذي كانت تعطيه له. ارتفع صوت أنفاسه الهادرة وهو لا يفهم سبب ذلك الحلم العجيب. سوسن تعطيه طفل! لمن هذا الطفل؟ اعتدل في رقدته فوق الفراش وأخذ يمسح على وجهه بقوة، وعقله يقنعه بالإجابة المقنعة. الطفل ما هو إلا طفل ندي وشهاب. فعرسهما هو المنتظر.

*** في الصباح، وقفت سيارة حمزة أمام مدرسة مريم لتهبط مريم بابتسامة متسعة تحمل حقيبتها المدرسية خلف ظهرها. حمزة أبوها مهما قالوا، ودوماً هي طفلته المدللة. التفت بجسدها تلوح له بيدها تودعه، ليفعل لها بالمثل مع ابتسامة حنونة ارتسمت على شفتيه. فقد انتبه لحالة مريم المنزوية بعدما بدأ ينشغل عنها في وسط أعماله التي اتسعت خلال تلك السنة. لتقف مريم أمام إحداهن ترمقها بتحدي، ثم أكملت سيرها. فالتفتت رؤى نحوها بغيظ هاتفة بوعيد:

"عيشي الدور علينا يا مريم." ولم يكن حقدها على مريم خصوصاً، ولكن الحقد كان منصباً على حصول مريم على الحب الذي تتمناه هي. والحب لم يكن إلا حب الأسرة. وأين هذا الحب؟ فوالداها يعملان بأحدي دول الخليج وهي تعيش مع جدتها. *** التقطت أذنيه بعض الكلمات من تلك المحادثة الهاتفية: "فتاة بحاجة لعمل.. من البلدة."

لم يعره الأمر اهتماماً، وأشار لـ نادية التي مهما مرت السنون فهي والدته وليست زوجة أبيه، ولكنه يناديها باسمها كما اعتاد منذ الصغر. "سيبي طنط سلوى لحظة واسمعيني." فانتبهت له نادية وأزاحت الهاتف عن أذنها. "ثواني بس يا حبيبي... هخلص مع سلوى." ثم عادت تحدث سلوى. فتنّهد مراد بملل ونظر لساعة يده. وقبل أن يطلب منها أن تؤجل حديثها مع زوجة عمه وتسمع ما سيخبرها به: "اسمها إيه البنت دي... آه عرفاها يا سلوى.. مش دي صديقة هناء؟

ياقوت." فتعلقت عين مراد بها، وأخذ يربط كل شيء ببعضه: العمل ويا ياقوت، وكأن الفرصة قد أتته في اكتشاف سبب جذبه لتلك الفتاة دون عن غيرها. وفكرة لمعت بعينيه. فالعمل لن يكون إلا معه. فلقاءاتهم المعدودة وهروبها الدائم من نظراته ورؤيته جعلته راغباً بها، رغبة ليست بالجسد، فرغبة الجسد لم يشعر بها مع أي امرأة قط، حتى جاكي، حبه لها ما هو إلا عناداً مع والده. وهتف بداخله بحماس: "الفرصة جاتلي معاكي يا ياقوت...

لازم أفهم سبب انجذابي ليكي." وأخذ يحرك كفه على لحيته المنمقة بعناية، ولم يشعر بـ نادية التي وقفت ترمقه ببطء متسائلة بغمزة ماكرة: "إيه اللي شغال عقلك.. جاكي مش كده؟ فتعلت ضحكات مراد ومد كفيه يداعب وجنتيها. "شقية أنتِ يا نادية." فلطمت نادية كفيه. "ولد عيب.. كل يوم بكتشف إني معرفتش أربيك." كانت الدراما تتخلل نبرة نادية الحنونة، فمراد طفلها، طفلها الذي لم تنجبه.

ورسمت العبوس على شفتيها وسارت مبتعدة عنه بغنج. ليتعبها محيطاً كتفيها بدلال. "لأ، مسمحش ليكي تغلطي في تربية نادية جميلة الجميلات." تلتفت إليه نادية تكتم ضحكتها بصعوبة. "يا واكل بعقلي حلوة.. عنده حق فؤاد يقولي بيضحك عليكي بكلمتين حلوين." فصدحت ضحكات مراد، ثم رفع كفها يلثمه. "ده أنتِ الغالية." لتدفعه عنها ضاحكة. "عايز إيه يا مراد قول... أنا عارفة الأسطوانة الناعمة دي.. آه يا قلبي الضعيف منك."

وعندما وصل الأمر إلى ما يريده هتف مشاكساً. "دايماً فهيماني." ثم أردف بطلبه الذي يعلم أن والده سيقبله بمقت. "أنا عزمت جاكي على العشا الليلة في البيت." فأومأت نادية رأسها بتفهم، فمهما كان فجاكي ضيفه وهي تراها فتاة لطيفة. فالتقط مراد كفها يلثمه مجدداً بحب. "أحلى نادية في الدنيا." وكاد أن ينصرف إلا أنه عاد يلتف إليها. "بمناسبة موضوع الشغل... قولي لصاحبتك هناك تبعت ورقها."

وانصرف دون كلمة أخرى. لتُحدق به بذهول، ولكن سريعاً تلاشى ذهولها. فألتقطت هاتفها كي تحدث سلوى وتخبرها أن أمر العمل قد وجد. *** حملت حصتها بعد معاناة من السلع الغذائية التي تمنحها الدولة للمواطنين. لتجد هاتفها يعلن رنينه. فوقفت على جانب الطريق وأخرجته بحرص وهي تظن أن عمتها من تهاتفها كي تجعلها تتعجل في عودتها. لتقع عيناها على اسم هناء، فتمنت لو أتاها ما أرادت. "أيوه يا هناء... بجد هشتغل... طب ومكان إقامتي؟

وجاءها رد هناء الفرح من أجل صديقتها. "كل حاجة اتدبرت يا ياقوت... السكن لقيناه الحمد لله... أصدقاء ماما القدام طلعوا جامدين أوي." قالته هناء مازحة، ولكن تلك هي الحقيقة. نادية وجدت لها وظيفة، وأخرى لديها بناية تحتوي على طابقين أعدته للمغتربين. "أنا مش مصدقة نفسي يا هناء... الحمد لله." وتصاعدت أصوات المارة لتهتف هناء متسائلة. "إنتي في شارع يا ياقوت؟ فأجابتها ياقوت بابتسامة مشرقة. "بجيب السلع لـ عمتي... هروح وأكلمك."

وسارت بخطوات فرحة حالمة وتفكر كيف ستقنع عمتها وتجعلها تقنع والدها. *** وقف بسيارته يُحادث صديقه بالهاتف منتظراً أن تُفتح إشارة المرور. "إزاي طلب نقلي متوفقش عليه؟ ليأتيه صوت صديقه وهو يحاول تهدئته. "اهدِ يا شريف.. أنا مش عارف ليه أنت عاوز تتنقل.. عايز تخدم في العريش؟ في حد عاقل يطلب كده؟

فتنهد شريف بسأم، يعلم أن حمزة لديه دخل بذلك الأمر وكل شيء يصل إليه عنه بسهولة. فالكثير بالداخلية يخدمه. فمنذ زمن كان هو أيضاً ضابطاً. "اقفل دلوقتي يا سيف." وأغلق الهاتف بحنق. وانفتحت الإشارة وكاد أن يسوق سيارته ليجد أحداهن تمر الشارع ببطء وتخفي عينيها بنظارة سوداء، بل وتقف ثواني ثم تكمل السير ولا تستمع لبوق السيارات والسباب التي تخرج من الألسنة. واندفع من سيارته حانقاً ليجذب ذراعها بغضب. "إنتي طرشة ولا عامية؟

الطريق كان فاضي قدامك." فدفعت يده بعنف عنها بعدما شعرت بالألم من قبضته. "لأ، أنا مش طرشة بس عامية." تركته مذهولاً وأكملت سيرها بخطوات سريعة تمسح عينيها بعنف من دموعها التي أخذت تتساقط. لا تعلم لماذا اليوم حظها هكذا، فكل يوم تمر الطريق دون أن تسمع سباب أحد فيشعرها بعجزها.

وأكملت سيرها تحت نظراته، ولكن تصاعد بوق السيارات جعله يعود لسيارته يقودها لجانب الطريق وألتف بجسده داخل السيارة ليجدها بعدما مرت الطريق سارت لخطوات معدودة ويبدو أنها حفظت خطواتها، ثم جلست على مقعد خشبي تعلم موضعه وكأنها تنتظر أحداً. وزفرة طويلة خرجت من بين شفتيه وقد شعر بالذنب. فهو أخرج غضبه بها وليته لم يخرجه. ***

سقط ما تحمله أرضاً وهي تجد الكثير يقفون أمام منزل عمتها ووالدها بينهم ويبكون. لتركض نحوهم وكل ما تتذكره أن عمتها كانت ذاهبة لتقديم واجب العزاء مع بعض النسوة لقرية مجاورة. "هو في إيه.. فين عمتي؟ ووجدت والدتها تأخذها بين أحضانها تُخبرها بآخر شيء تمنت سماعه. "عمتك ماتت يا ياقوت." *** ارتشف قهوته بملل ينظر من حين لآخر لساعة يده، فنادية أخبرته أنها تريد لقائه في أحد المطاعم. بدأ الشك يمتلكه ليتأكد بالفعل من خطة شقيقته.

"أسفة على التأخير يا حمزة بيه.. معلش عربيتي اتعطلت." قالتها برقة وجلست بغنج. ليرمقها حمزة بنظرات متفحصة وزمجر بحنق من فعله شقيقته به. "مافيش مشكلة." أخذت المرأة التي تبدو في الثلاثين من عمرها تصفف شعرها بيديها وتتفحصه بوقاحة. "من زمان نفسي أقابلك... آخر مرة قابلتك فيها كانت في حفلة جواز حازم الأسيوطي. أصل أنا أبقى بنت خالة العروسة." فأومأ برأسه بصمت وداخله يلعن شقيقته متوعداً لها حين رؤيتها.

ومال نحو الطاولة يرمق الجالسة أمامه ببطء، فأقتربت منه مبتسمة تظن أنه سيهمس لها بكلمات غزل. "حلال عليكي سهرة النهارده واعتبرِ العشا حسابه مدفوع." واعتدل في جلسته لينهض بعدها. "معلش أنا راجل بحب أنام بدري." وغادر بحضوره الطاغي لتتسع عين الجالسة. "ده مشي وسابني." *** مرت أيام العزاء ببطء لم تتركها فيهم هناء ولا السيدة سلوى.

وقفت هناء جانبها تعد معها حقيبتها فالآن سوف تنتقل لبيت والدها فلا داعي للجلوس هنا. فالبيت به ورثة والكل سيطالب بحقه فيه. فعمتها لم يكن لديها أولاد. إلى الآن لا تصدق أنها توفت. فالوفاة جاءت صادمة للجميع. الحادث لم يُصب عمتها وحدها إنما امرأتان أخريان بالقرية. فبجانب الطريق الذي كانوا ينتظرون عليه وسيلة مواصلات، انصدمت إحدى عربات النقل بعمود الإنارة ليسقط عليهم وانتهى كل شيء في ثوانٍ معدودة.

ودمعت عين ياقوت وهي تودع كل أنس بذلك المنزل الذي احتواها ويد هناء تربت على كتفها. "أمر الله يا ياقوت... ادعيلها بالرحمة." لترمِ ياقوت نفسها بين ذراعي صديقتها. "مش قادرة أصدق يا ناس." وبكت بحرقة ليدلف والدها غرفتها بوجه حزين على شقيقته. "يلا يا ياقوت يا بنتي.. معدش ينفع أسيبك في البيت." وازداد انهمار دموعها واليوم شعرت أنها بلا مأوى. فهي تعلم الحقيقة، لن ترحب بها زوجة أبيها ولا زوج أمها، وخاصة بعد أن رفضت ابن شقيقه.

*** وقف شريف بسيارته بجانب الطريق وهو لا يعلم لماذا يأتي هنا. كانت جالسة نفس جلستها تطأطأ عيناها أرضاً ولم تعد ترتدي تلك النظارة السوداء. وبعد وقت تأتي سيدة تأخذها وترحل. وخرج السؤال الذي أراقه لأيام. "ياترى إنتي مين وحكاياتك إيه؟ وليه بقيت آجي كل يوم أشوفك؟ *** أسبوعاً مر على مكوثها في بيت والدها ولم تعرف كيف تفاتحه بأمر عملها. رغم أن كل يوم هناء تصر عليها أن تبلغ والدها، ولكن ردها لا يكون إلا:

"إزاي عايزاني أقوله عايزة أنزل مصر أشتغل وعمتي مبقاش ليها أسبوع ميتة يا هناء؟ شعرت بيد سناء تدفعها وهي بين الغفوة واليقظة. لتنتفض فزعاً من رقدتها. ولكن كما اعتادت، ميعاد استيقاظها المعتاد الثامنة صباحاً فور أن يرحل والدها لفتح محل الفاكهة خاصته. تأتي زوجة أبيها تُوقظها لتبدأ مهام اليوم من مسح وتنظيف وطبخ وركض وراء التوأم ذو العشر سنوات والمذاكرة لهم. "اصحى يلا... مش عارفة إنتي مدلعة كده ليه.. شكل خديجة كانت مدلعاكِ."

تُمسح عيناها من نعاسها، ف ياسمين ظلت طوال الليل تُحاكيها وقد غفوا في وقت متأخر. وانصرفت سناء خارج الغرفة لتلتف نحو شقيقتها تحكم عليها الغطاء بحنان. فالخدمة لها وحدها. وحين تسأل ياسمين عن سبب استيقاظها المبكر يكون رد زوجة أبيها: "أصل ياقوت اتعودت على كده.. ماشاء الله نشيطة من ساعة ما جت مريحاني.. اتعلمي بقى منها يا حبيبتي ولا أقولك بلاش تتعبي نفسك كلها شهور وتتجوزي وتشيلي المسئولية...

ادلعي في بيت أبوكي شوية ده إنتي الدلوعة بتاعتي." وتنطلي الكذبة الماكرة على ياسمين التي تُخبرها بحب أن لا تستيقظ في وقت مبكر وتستيقظ معها في الظهيرة وستساعدها. وخرجت من الغرفة لتجد سناء أمامها. "الست سلوى قالتلي على موضوع الشغل اللي جبته لكِ." تعجبت ياقوت من أخبار والدة صديقتها لزوجة أبيها بأمر عملها لترمقها سناء بنظرة طويلة. "هقولك لـ أبوكي وهساعدك تمشي من هنا لكن بشرط... ولم يكن الشرط إلا.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...