دلفت خلفه تتباطأ بغرور وثقه واهيه. عيناها كانت تترصد المكان هنا وهناك. وقفت كما وقف هو ليصافح أحدهم، ويبدو أنه ذو وضع بالشركة، ومن ضمن حديثهم علمت أنه محامي الشركة. طالعت المكان بتأفف، فلم تكن ترغب بعملها معه، إلا أن نظرات نغم نحوها أصبحت تجعلها تشعر وكأنها مذلولة لستر عملها لديهم. شردت بأمس حينا قدمت استقالتها، ونفعها سفر خالد خارج البلاد، فلو كان هنا لكان رفض.
لا تعلم سبب واضح لاهتمام خالد بها، ولم تنظر للأمر إلا أنه رجل خلوق يُعاملها كشقيقه، فهو زوج لامرأة بها كل شيء وأب لطفل جميل. انتهى الحديث بينهم، ولم تشعر بتحركه أمامها، الي أن وقف أمام المصعد لينتبه على وقفتها وتحديقها في إحدى الموظفات التي كانت تقف أمام موظفة الاستقبال، ويبدو أنها تسألها عن أمر ما. انتبهت الفتاة إليها لتتسع عيناها غير مُصدقة بها هاتفة بأسمها: -هناء مش معقول.
ولم يتركا لحظة أخوي للحديث ليتعانقوا بشوق. لم تكن صداقة قوية بينهم، إلا أن الذكريات التي جمعتهم بالجامعة كانت قوية، جعلت كل منهما يحمل ذكرى جميلة للآخر. -يااا ياهناء على الزمن نتقابل أخيراً، وفي إسكندريه.. انتي عاملة إيه طمنيني عنك. وانتبهت للدبلة التي تُزين إصبعها لتبتسم: -اتجوزتي؟ -اتجوزت من شهور وجيت أعيش هنا.. وانتي مش كنتي في السعودية مع جوزك؟ تلاشت ابتسامة جيهان وهي تتذكر طلاقها، ارتسم الحزن على
محياها تتلاشى ذكرى طلاقها: -أطلقت من سنة وجيت أعيش عند خالي. -ده انتوا واخدين بعض عن حب.. راح فين الحب اللي بينكم؟ -الحب طلع مجرد كلمة ياهناء. لمسة الحزن في صوتها لتشعر بوجعها متذكرة حكايتها مع مراد، والتي حصدت من حبه الألم وحده. أردت أن تواسيها ببعض الكلمات، ولكن شهقتها المفزوعة وهي تنظر لساعة يدها وبدء دوامها: -الكلام أخدنا ونسيت أسألك بتعملي إيه هنا؟ -المفروض هعرف النهارده هشتغل إيه.
تعجبت جيهان من عبارتها، ولكن لم يعد لديها وقت لتستفسر عن الأمر: -خلاص نتقابل في البريك. وأسرت في الانصراف نحو وجهتها. ظلت نظراتها مصوبة نحوها، فاتسعت عيناها وهي تدرك أنها كانت تتبع مراد، ولكن أين هو؟ ظلت تلتف يميناً ويساراً تبحث عنه. ............................ فتحت غرفة مكتبه بضيق لا تعرف سببه، فبعد أن كانت سعيدة برؤيتها لصديقتها، ولكن رؤيتها لسكرتيرته التي تجلس بالخارج وتتزين جعل الدماء تفور داخلها.
انتبه نحو قدومها، فرفع عيناه عن الأوراق يرمقها: -مالك.. ما كنتيش كويسة مع صاحبتك؟ تأففت حانقة لمرة واثنتين، ليصوب عيناه نحوها هاتفاً: -هناء. -اه جيت معاك الشركة هتشغلني إيه؟ تعجب من تغير مزاجها السريع الذي بدأ يكتشفه معه. انهض من فوق مقعده مقترباً منها بهدوء يرمقها بتلاعب: -عايزة تشتغلي إيه ياهناء؟ قطبت حاجبيها من سؤاله الذي لم يروق لها: -إيه المتوفر عندك؟ راقته عبارتها فضحك مستمتعاً جالساً قبالتها:
-للأسف مافيش حاجة متوفرة حالياً ياهناء. -نعمة. انهضت بغضب وهي تهتف بالكلمة، فهتف بحزم: -اقعدي ياهناء. دارت عيناه عليها وهي تعود لمكان جلوسها تتحاشى النظر نحوه، تدور بعينيها هنا وهناك. كان يعلم أنها تخشى الضعف. عقلها كان ينهرها عن حماقة قلبها بالخفقان له مجدداً. تهتف داخلها أن تظل صامدة، أن لا تنسى زواجه من قبلها وجرحه لها بقسوة وكأنها دون قلب.
شرودها لم يجعلها تنتبه لقربه منها، فقد تحرك من فوق المقعد وجلس على المنضدة التي تقع بالمنتصف، يُلامس بأطراف أنامله وجهها برقة. بدأ عقلها يقدم إنذاره، ولكن قلبها جعلها كالمغيبة. -هتشتغلي معايا ياهناء. -هشتغل إيه معاك؟ قالتها بهدوء استعجبه وليس كطبيعتها معه منذ أن تمردت: -السكرتيرة هتفهمك كل حاجة. لم يعد إلا أنفاسهم التي تفصلهم. أراد أن يرضي غروره كرجل ويعلم هل ما زالت تحبه أم كما ينطق لسانها.
اختلطت أنفاسهم لتُحدق نحوه، فنظرت للمسافة المنعدمة بينهم، فأنتفض جسدها مع شهقة خرجت من بين شفتيها جعلته يمد يده يجذبها نحوه مستمتعاً بما أراد الحصول عليه. ................................. ضمها إليه بشوق ساحق بعدما غمرها بقبلاته المشتاقة. -ما كنتيش بتردي على اتصالاتي ليه.. أعاقبك دلوقتي ياندي. بين ذراعيه، فأبعدها عنه ظناً أنها تبكي من شوقها إليه: -بتعيطي ليه وأنا معاكي ياحبيبتي؟ عادت لتدفن وجهها في صدره تُخبره
بضعف وألم اقتحم روحها: -متسبنيش ياشهاب... مقدرش أعيش من غيرك. لتتجمد ملامحه بصلابة ناطقاً بقلق وهو يرفع وجهها نحوه: -فيكي إيه ياندي.. انهيارك دلوقتي وعدم ردك على اتصالاتي في ورا حاجة؟ شحب وجهها وهي تنظر إليه لا تعرف بما تخبره. هل تخبره الحقيقة ليدعمها أم تترك له الفرصة ليتركها ويتزوج عليها؟ ................................. اقتربت ماجدة من شقيقته تنظر لبطنها التي لم تظهر بعد متحسرة على حالها.
فمها أصبحت حامل وتزوجت بعدها وهي لم تصبح بعد، والعمر يجري ولم يتبقى إلا القليل من السنوات. -جوزك عامل إيه معاكي يامها... محسستيش إنه زهق منك؟ تعجبت مها من حديث شقيقتها. لا تعلم لما ماجدة أصبحت هكذا. وفي ساعة صفو بينها وبين شريف سألته لما أصبحت شقيقتها بعيدة عنها بقلبها. الإجابة لم تكن إلا أنها تعيش مع رجل مثل سالم، فماذا ستنتظر بعد منها. كانت ماجدة غارقة في تعامل سالم معها.
أصبح يضربها بكثرة، يسرق مالها، يُعايرها بكبر سنها وأنها لم تعد تصلح. تعلق عين ماجدة بالخلخال الذي تريده حول كاحلها: -حلو الخلخال ده.. بس لازمته إيه؟ تخضبت وجه مها بحمرة الخجل تتذكر تلك الليلة التي أهداها إياه. نسي فعلتها مع شقيقتها واعطائها العقد دون أن تُخبرها، بل وجاء لها بهدية أخرى متجاوزاً الأمر، قارصً وجنتيها يُخبرها: "أن لا تفعل شئ من دون علمه ثانية". -شريف جابهولي هدية.
اشتعلت الضغينة قلب ماجدة دون شعور، ف سالم أصبح يُلقي صراحة أمامها عن جمالها وحظ شريف بها، وكلام وقح لا ترغب في تذكره كلما عاد يطرب أذنها. -ماجدة انتي فيكي حاجة؟ رمقته ماجدة بصمت، لتُحرك مها يدها باحثة عنها ناسيه كل ما مروا به: -أنا اتفقت مع شريف أني لو جبت بنت هسميها فيروز عشان انتي بتحبي الاسم ده أوي. جمر اشتعل في قلب ماجدة وهي تتذكر حبها لذلك الاسم وكم تمنت أن يرزقها الله بفتاة لتسميها به.
................................. جلست ياقوت تحيك إحدى القطع الصوفية وعيناها تلمع كلما اقتربت من الانتهاء منها. أرادت أن تهديها لهند بعدما رأت عليها شال صوفي تلفه حول عنقها وقد أعجبها. طبقت باحترافية صنعها، فقد ساعدتها الدورة التي اتخذتها منذ شهر للتطوير لتصبح ماهرة. انتبهت لرنين هاتفها، فنظرت لرقمه الذي يُضاء على شاشة هاتفه متذكرة ما حدث بالصباح بوجه متورد تتدفق السخونة فيه. -تعرفي إنك وحشتيني.
ينطق عبارته دون قيود ودون النظر نحو نفسه كل يوم بالمرآة يخبر حاله أنه حمزة الزهدي ولا يعلق به أفعال المراهقين. فالمراهقين وحدهم هم من يعبرون عن مشاعرهم بسهولة. قاعدة كان يُخبرها لنفسه، وها هو اليوم تحرر منها. كان يسير في غرفة مكتبه يزيل رابطة عنقه، يسمع صوت أنفاسها المضطربة: -ياقوت روحتِ فين؟ توترت وهي لا تعرف كيف تبادله المشاعر، ولكن
نصائح هناء ترددت بأذنيها: "اتحري من خجلك ياياقوت عبري عن مشاعرك.. شخصية حمزة الزهدي عايز الست اللي تبادر بجذبه مش العكس". -وانت كمان. -وأنا إيه يا ياقوت؟ صمتت ليهتف بتلاعب: -هو أنا لازم أستنى كتير بعد كل تصريح منك؟ -وحشتيني. خفق قلبه ليبتسم متذكراً شغفهم معاً بالصباح وذهابها للعمل متأخراً ليس راغباً: -بتعملي إيه؟ مشاعر متدفقة اليوم تغرقها به واهتمام يقف قلبها بسببه راقصاً: -بشغل على إيدي كوفيه لهند هدية.
ابتسم على ما تقدمه لغيرها على سبيل جهدها ولعلمه لحبها لذلك، لكان وبخها على جهد عينيها التي هي سبيل ضعفها. آه مشتعلة صدحت بقلبه. ضعفها ونقائها يُضعفه: -هنتعشا بره.. متعبيش نفسك النهارده. أسرعت تسأله وهي لا تقصد، ولكنه ترغب بوجودها معه وحدهما: -لوحدنا؟ ضحك على عبارتها وهو يعلم أنه من حقها. فطيلة اليومين اللذان قضتهما معهم مريم وهي لا تلقى منه سوى اهتمام حذر. تخدم مريم وتتقبل دلعها من أجله:
-لوحدنا ياياقوت.. هقفل عشان أكمل شغلك. كانت بحاجة لدعوة مثل تلك منه، دعوة عشاء من زوجها دون أن ترافقهم مريم ورؤية حدقها عليها وكرهها منه. مسح على وجهه المرهق وهو يشعر براحة الضمير. فملاحظته لسوء معاملة مريم لها بدأ يراها. انتبه على طرقات غرفة مكتبه ودلوف سكرتيره: -فرات النويري منتظر مقابلة حضرتك يافندم. لم يكن ينهي سكرتيره عبارته ليجد فرات أمامه وجهاً لوجه. يتبع بأذن الله ********
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!