انحصر الزمن أمامه وهو يراها بتلك الهيئة المزرية بجلباب واسع رث. كتفاها مرتخيان بضعف، ووجه شاحب كالموتى. أنفاس تخرج مثقلة من بين شفتيها، وتقبض على يدها المضمومة بضعف، كحال عينيها التي تطالعه بأمل ألا يغلق بابه بوجهها. الزمن عاد للوراء. عاد لتلك الفاتنة التي سلبت لُبه قديمًا، وكانت أول حب عرفه. لم تكن هيئتها عندما خرجت من السجن بمثل هذا الضعف. كانت صفا التي عرفها وأحبها قديمًا.
أشاح عينيه بعدما طالت مدته في مطالعتها، وقد شعر بضعف قلبه نحوها للحظات. كأن رؤياها اليوم أكدت له أنها دفعت الثمن بكثرة. "ظهرتي تاني ليه يا صفا؟ عاد يركز عينيه عليها بجمود، وأردف: "قولتلك في آخر لقاء بينا طرقنا اختلفت." تذبذبت كلماته قلبها، الذي أتى إليه متيقنًا أنها ما زالت تحيا بقلبه بجزء جميل لم تضيعه الخيبات. وعندما طال صمتها، ورغب قلبه في مساعدتها بعد رؤيتها هكذا، أدار جسده بعبارة صريحة بأن ترحل.
صوتها خرج بصعوبة بعدما رطبت شفتيها. وصوت خادمه فادية يخبرها أن تفر هاربة وتُخلص نفسها من عذاب سيدتها، يتردد بأذنيها. "مكنش عندي غيرك أروحله. احميني منهم أرجوكوا." صدح صوت نحيبها مع تحديقها بظهره، فقد كان آخر شخص لديها في هذه الحياة تلجأ إليه. "مجيتش ليك عشان عايزة حبك. أنا عارفة إنك اتخلصت من حبي خلاص."
ارتجفت شفتاها مع صمتها للحظات. ومع تحرك خطواته للأمام، بعد أن التقطت عيناه ما خلف نادية، شقيقته. ياقوت زوجته التي تخطو صوبهم. "جيتلك عشان محتاجة عطفك... بس حتى عطفك طلع صعب عليا." تجمدت حركته وهو يسمع آخر كلماتها. التفت ببطء منه نحوها ثانية، وقلبه يؤنبه على غلق بابه. تطلب مساعدته بذل وانكسار، وجسدها يبدو عليه الهزل الشديد. تحركت بأقدام تجر خيبة صاحبتها، راحلة من هنا ودموعها تتساقط من قسوة الحياة عليها.
"متعودتش أقفل بابي في وش حد. هحاول أستخدم عاطفي معاكي يا صفا." ضغط على كل كلمة من عبارته حتى يجعلها تفهم حقيقتها بالنسبة إليه. ملت نادية من وقفتهم هذه، وعيناها عليهم متربصة لكل حركاتهم. ولكن سؤال ياقوت عن هوية صفا، جعلها تلتف نحوها ناظرة إليها بقوة، ثم لانت ملامحها تتدارك الوضع. "قريبة لينا من البلد متعرفهاش." ابتعدت عنها ذاهبة، إلا أنها عادت إليها مشيرة للداخل.
"مظنش إنها حاجة لطيفة وقفتك دي. ارجعي للحفلة وابقى افهمي بعدين من جوزك." وانصرفت نحوهم لتنهي ذلك الأمر السخيف. *** وقفت مريم تتعلق به، متشبثة كطفلة صغيرة تطلب منه البقاء والمبيت هنا. لم تهتم بوجود ياقوت في دمج اسمهما معًا، وكأنها دخيلة على حياتهم. الكل بدأ يراها فردًا من العائلة، إلا مريم ما زالت تراها سارقة لحبه وذكري والدتها، وسيأتي يوم ولن ينظر إليهم مطلقًا. "خليك هنا معانا يا بابا أرجوك."
رمقت ياقوت الواقفة بصمت تتابع المشهد دون ضغينة. ومع إلحاح مريم وتوسلها، رضخ للأمر رغم ما به من تشتت منذ رحيل صفا مع نادية شقيقته. زال الضيق الذي يمتلكه مبتسمًا. "خلاص يا مريم، انتي عارفة مقدرش أرفض ليكي طلب." قفزت عاليًا صائحة بسعادة تحت نظرات ندي الحزينة، وشريف الذي لا يعرف كيف سيرد معروفه يومًا نحو كل ما يفعله من أجلهم، وكأنهم من دمه.
ضحك هو الآخر وقرص وجنتيها، وعين ياقوت تتابعهم مبتسمة، تتمنى لو تحظى بتلك المشاعر الأبوية، فقلبها مملوء بذكريات حسرتها وهي متنقلة بين بيت والدها أسبوعًا، وآخر لدى والدتها وهي كالمتطفلة على قوت أولادهم. "طيب يلا يا مشاغبة، اطلعي أوضتك نامي." ولرغبتها في النعاس، اتجهت لغرفتها وهي سعيدة أنه بينهم. وظنت أنه سيصرف ياقوت لشقتهم ويبقى هو وحده، ولكن قدماها تخشبت وهي تسمعه. "ندي، من فضلك خدي ياقوت أوضتين."
نيران الغيرة حطت داخل قلبها وهي تتخيل ياقوت نائمة فوق فراش والدتها وهو معها. صعدت الدرج بخطوات سريعة، ولم تسمع باقي عبارته بعدما أضاف لكلمة "غرفته" بغرفته الخاصة التي كان يبيت فيها عندما كان يعود من عمله في ساعة متأخرة، يجد شريف ومريم يعانقون والدتهم كالصغار نائمين جوارها. أومأت ندي برأسها، تتمنى أن ينقضي اليوم لتسقط على فراشها باكية على حلم أمومتها الضائع.
اتجه شريف لغرفته حتى يلحق بمها التي قادتها الخادمة لأعلى منذ ساعة عندما أصابها التعب ورغبتها بالنوم. "يلا يا ياقوت." وعندما وجدت ندي تشبث نظراتها نحو حمزة وقد دخل غرفة مكتبه وأغلقها عليه. انصرفت ندي ليصبح المكان خاليًا بها. فأتبعته حتى تسأله عما سمعته من حديث نادية والسيد فؤاد زوجها. طرقت الباب بخفة، ثم دلفت دون أن تنتظر إجابته، لتنظر نحوه وهو واقف أمام الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية للمنزل، يطالع الظلام بشرود.
"حمزة." خرج صوتها أخيرًا، وجاء رده جامدًا. "مطلعتيش الأوضة ليه؟ "مين صفا دي؟ أنا سمعت أستاذ فؤاد ونادية... وقبل أن تكمل باقي عبارتها، صدها بجمود. "مش وقت أسئلة يا ياقوت. اطلعي نامي وأنا هحصلك." اقتربت منه بخطوات مترددة، رغم جفاءه معها منذ لقائه بتلك السيدة. وبالأصح، كلما وطأت قدميها هنا تشعر وكأنها لا شيء بحياته، وكأن حنانه وشوقه لا يكون إلا في شقتهم وعلى فراشهم. "طيب، أنت مش هتنام؟ "مش دلوقتي."
جاءها رده مقتضبًا، لتقف تطالع جسده الصلب، وانصرفت راغبة بالبكاء. تنهد بثقل بعدما سمع صوت إغلاق الباب، وعاد يلتف بجسده نادمًا على فظاظته معها التي قصدها هارباً من سؤالها الذي ترغب بإجابته. انتبه على رنين هاتفه، ليجد رقم شقيقته. "أيوه يا نادية." لم تقو عن الصمت، رغم تحذير فؤاد لها أن تنتظر إلى أن يأتي هو إليهم. "كانت عايشة في مزرعة فرات النويري." استغرب من معرفتها بفرات وعملها لديه. لتبعث عبر الهاتف حقيقة أخرى.
"فرات النويري اتجوزها عشان ينتقم من عدنان الأنصاري." *** دلف للغرفة بعد أوقات قضاها بمفرده بغرفة مكتبه، منفردًا بنفسه. قدومه وهي ضعيفة مهزومة، آثار داخله شيئًا لا يعرفه، عكس ما أتت إليه يومًا وهي صفا الجميلة الراقية. طالع ياقوت الغافية في منتصف الفراش بملابس بيتيه مريحة، يبدو أن ندي أعارتها إياها. فتحت عينيها بتشويش بعدما أضاء نور الغرفة، لتنظر إليه بعدما مسحت عينيها من أثر النعاس. "فضلت مستنياك، اتأخرت ليه؟
"كان عندي شوية شغل بخلصه في المكتب." التقط ملابسه من الخزانة ليبدل ثيابه تحت نظراتها. فركت يداها متعجبة من اقتضاب كلماته التي تؤلمها. "مالك يا حمزة؟ ولكي تجعل الحديث يأتي نحو تلك المرأة المسماة بـ صفا، رغم أنها رأتها من قبل، إلا أن الظلام وهيئتها الهزيلة أخفت ملامحها. "من ساعة ما قابلت قريبتكم في الجنينة وانت متغير. هي قالتلك حاجة ضايقتك؟ وضمن كلامها، علم أن نادية بالتأكيد هي من أخبرتها أنها قريبة لهم.
"ياقوت، أنا تعبان وعايز أنام، ممكن نتكلم بعدين." صمتت بخيبة، وعيناها تتابعه إلى أن استلقى جانبها وصورة صفا بتلك الهيئة وما أخبرته به نادية يقتحم عقله. شعر بها وهي تلتف بجسدها، ولكنه ظل بأفكاره. دموعها انسابت وهي تشعر بقلة حيلتها. تكره شخصيتها تلك، ولكنها تربت وعاشت مهزومة خاضعة. وفي وسط أفكارها، شعرت بيديه على جسدها وقرب أنفاسه منها. ***
جلس فرات فوق فراشه ينتظر اتصالاً من أحد رجاله يخبره عن مكانها بعدما خصص رجالاً للبحث عليها. عبارة عنتر ما زالت صداها في عقله وهو يخبره عن حملها ويصفها بالعاهرة، وأن فعلتها بالتأكيد مع أحد العاملين بالمزرعة. ارتفعت صوت أنفاسه ومع اهتزاز ساقيه. فبعد هذه السنوات، سيصبح لديه طفل ناتج عن زيجة جاءت من أجل الانتقام. أضاء هاتفه مع نغمته، ليتساءل بقلق. "لقوها؟ وكانت الإجابة كالخيبة بالنسبة له. فلم يصلوا لمكانها حتى الآن.
وها هو الصباح يشرق في الأرجاء. *** طالع شقيقته وهي جالسة أمامه صامتة بعدما قصت عليه كل ما عرفته منها. ناهية حوارها أنها لأول مرة تشعر بالعطف عليها، وخاصة وهي تعرف حقيقة لم يعرفها هو، أنها ليست ابنة عدنان، وأنه قتل والدها كما دمر حياتها وجعلها لعبة في يديه يشكلها كما يشاء. وعندما لمحت صفا تدلف صوبهم مطأطأة الرأس بفستان واسع وحجاب، تعجب من ارتدائها إليه، وقد عادت بعض الدماء لوجهه. انهضت نادية تنظر نحوها ثم إليه.
"هسيبكم تتكلموا مع بعض." وخرجت وهي تتمنى أن تنتهي تلك الحكاية بعدما يسمع منها حمزة سبب لجوئها إليه بعد أن تزوجت. دققت النظر إليها للحظات وهي واقفة أمامه منكسرة ضائعة. زفر أنفاسه مرات متتالية، ثم اعتدل في جلسته مشارًا لأحد المقاعد. "تعالي يا صفا. مظنش هنتكلم وانتي واقفة." قاطعته بطرف عينيها، ثم تحركت نحو المقعد جالسة عليه، تضم ساقيها وتقبض بيديها على فستانها، ولا يعلم إلا تفسيرًا واحدًا لتلك الحركة: "الخوف".
عطف عليها، فما يمتلكه الآن نحوها ليس إلا عطفًا واشفاقًا. "احكيلي كل حاجة عشان أعرف أساعدك إزاي. وأتمنى المرة دي مكنش بوقع نفسي في فخ جديد معاكي." ألمتها عبارته، فتحجرت عيناها نحو نظراته، تبتلع غصتها. "متخافش يا حمزة." وأتبعت عبارتها بحقيقة تصف بها حالها. "محدش بيخاف من حد."
لم ينطق بكلمة أخرى بعد أن سمع ردها. تركها تسترد أنفاسها قبل أن تبدأ بقص كل شيء، بداية من صراخه بها بشركته وطردها من حياته، لزوجة عزيز التي ظنتها تدور حول زوجها كما ظن هو عندما رآها تخرج من السجن وعزيز ينتظرها، إلى عملها بالمزرعة تجمع المحاصيل وتنظف الحظائر، إلى سفرها الكويت مع فرات وجبروته، ثم إلى أصعب ما وصلت إليه، اغتصابها. ولحظة وصولها لتلك النقطة، رفعت ذراعيها تضم جسدها بخوف.
شعر بالذنب لأن غضبه وكرهه منها جعله ينبذها، ناسيًا أنه يتركها في حياة شخص كعزيز. وشعورها بالذنب ازداد عندما أخبره مروان صديقه بعد زواجه من ياقوت أنها تزوجت من عماد شريك والدها من أجله هو، حتى يخرجه من تلك الورطة كما وعدها عماد. لم يرد قديمًا أن يخبره ذلك اللقاء الذي دار بينهما حينها، قبض عليها شامتاً بها أنها وصلت لتلك النقطة بعد خيانتها لصديق عمره.
حقيقة لو عرفها قديمًا كان سيُسامحها، لأنه وللأسف لم يحزن لما أصابه، إنما خيبته كانت وهو يراها زوجة لآخر بعد أن دمرت حياته. صفا كانت حلم حياته، مع كل نجاح كان يصعده كان ينظر لصورة يرتدون فيها دبلتين بالخفاء، إلى أن تسمح الفرصة وتصير له علنًا. كل شيء عنها أزاله عندما تزوج ياقوت. لم يكن مخلصًا كفاية لسوسن مهما كذب على عقله، فلم ينساها لسنين طويلة، وكأن الحب لعنة حقيقية تجعلك كالعمى. خرج صوتها مهزوزًا يفيقه من أفكاره.
"احميني منه. مش عايزة أرجع تاني ليه. ومحدش هيشوفني تاني. هبعد عنكم مش هضايقكم تاني. كل واحد حد انتقامه مني خلاص." ونهضت من فوق مقعدها متجهة إليه، تلتقط كفيه حتى تقبله. "أرجوك يا حمزة ساعدني." "فرات مش هيسبني." تفاجأ من فعلتها ليبعدها عنه، ناهضًا من فوق مقعده يدير ظهره لها بعد أن اهتز جسده من أثر فعلتها. "وليه هربتي منه دلوقتي يا صفا؟
"كنت عايزة أسيبك في حالك. مكنتش عايزة أشوفك غير سعيد. وجودي في حياتك كان بيعيد الماضي من جديد. أنا عارفة إن حكايتنا انتهت." "فعلاً يا صفا، حكايتنا انتهت من زمان." وألتف نحوها يطالعها بعينين جامدتين. "أنا بساعدك كعطف مني مش أكتر." طرقت عيناها تخبر قلبها أن لا ينتظر أن يسمع شيئًا آخر منه. *** نظرت إليه نادية بعدما صعدت صفا لأعلى حيث غرفتها الحالية كضيفة ببيتها.
"أنت علاقتك كويسة مع فرات النويري. بلاش تخش في متاهات بسببها. اديها فلوس وتسيبها تروح لحالها." ضاقت عيناه وهو يستمع إليها. "وعدتها أساعدها يا نادية. وأنا عند وعدي." وأردف وهو ينحني يلتقط هاتفه من فوق المنضدة المستديرة. "لو مش حابة وجودها ممكن أوديها الفيلا." "وياقوت يا حمزة؟ تصلب جسده، ففي الصباح كانت عيناها تطلب منه تفسيرًا لهوية تلك المرأة ومجيئها إليه. "ياريت تفضل إجابتك ليها زي ما هي."
وانصرف من أمامها مغادرًا، يفكر بلقائه مع فرات. *** أنهت عملها في المركز لتتجه نحو منزل نادية حتى تفهم منها كل شيء وما سمعته من حديث. لم تنتبه لكل الحديث الذي دار بين فؤاد ونادية، إلا أن بعض الكلمات علقت بأذنها. فما هو الماضي الذي ربط زوجها مع تلك المرأة؟ استقبلتها نادية التي كانت ستخرج من المنزل للتو للقاء إحدى صديقاتها. اعتذرت بلباقة. "أسفة جيت ليكي من غير معاد."
ابتسمت نادية بلطف، ورغم أنها أحيانًا تكون معها كحماة، إلا أنها تتعامل معها بود. "تعالي يا ياقوت، لسا معايا وقت." وتنفست بذكاء وهي تدلف لغرفة الجلوس وياقوت خلفها. "أكيد جايه تسألي نفس سؤال امبارح." ارتبكت ياقوت من نظرات نادية بعدما جلسوا. فأبتسمت نادية. "أي زوجة مكانك أكيد هيكون عندها فضول زيك." توترت ياقوت من نظراتها المسلطة نحوها. "هو إيه الماضي اللي بيجمع حمزة مع الست دي؟ ثبتت نادية عينيها عليها، ثم عادت تبتسم.
"قولتلك إنها واحدة تقرب لينا من بعيد. وعشان أريحك، كانت بتحب جوزك." "بتحب حمزة؟ قالتها بصدمة، لتهتف نادية بدهاء. "مالك مصدومة كده؟ طبيعي أي راجل ليه ماضي."
تساءلت وهي تخشى الإجابة. حمزة لم يخبرها يومًا صراحة أنه يحبها. حتى أنها لا تشعر أنه ملكها إلا عندما يكونوا سويًا. لا مساحة بينهم كما كانت تسمع من هناء صديقتها أن الأزواج المحبين لا بد أن يكون بينهم دعابات ومرح ودلال وجنون وشغف. صحيح أن الشغف بينهم، حتى أنها مجرد أن يلمسها تنسى كل شيء وتسلمه حالها بقلب راغب. عاشقة. ولا تُنكر أنها عشقته بجنون، وكأن لمساته بها سحر قوي.
"ياقوت، أنا بقولك هي كانت بتحبه. مقولتش إن حمزة كان بيبادلها نفس الشعور." تساءلت بضياع. "طب ليه جات ليه؟ وليه مرضاش يحكيلي؟ اشمعنا هو اللي جاتله؟ ضحكت نادية وهي ترمقها. "معندهاش حد غيرنا." واسترسلت حديثها ببطء. "صفا متجوزة بس فيه مشاكل كبيرة بينها وبين جوزها. وجات لينا تطلب مساعدتنا. البنت مسكينة." وأخذت تقص لها عن بعض المعاناة التي حصلت عليها صفا من زوجها، لتنظر بصدمة مما فعلته بها أيضًا شقيقته وطردها لها.
"لدرجة دي فيه ناس وحشة كده؟ تعاطفت معها حقيقة، حتى أنها نسيت أن المرأة التي يساعدها زوجها كانت تحبه ومن الممكن أنها ما زالت مغرمة به. تعمقت نادية بالنظر إليها واقتربت منها. "أتمنى قريب أسمع إنك حامل. الطفل هيقرب بينك وبين حمزة أكتر وكل الحواجز هتتلاشي." ***
نظرت إليه هناء بقلق وهي تسمع اسمها. كلما عاد للمنزل تخشى أن تكون نغم أخبرته بعملها في فندقهم. تنهدت عندما أنهى مكالمته واقترب منها يلتقط بعض شرائح الخيار التي تقطعها حتى يتناولوا عشائهم. "عاملة إيه في شغلك؟ ارتبكت من سؤاله وخشت أن يكون تمهيدًا لما تخشى معرفته.
فأكثر أسبابها خشية أن يعلم أن عصيانها قادها إلى العمل في فندق ليس إلا، رغم أن العمل ليس عيبًا، ولكن كيف سيتقبلها عقلاً زوجها يدير إحدى أفرع الشركات الكبرى، وما هي إلا موظفة عادية؟ أقسمت أنها ستواصل البحث عن عمل كما أصبحت تفعل منذ أن رأتها نغم. شعرت بيده على خصلات شعرها يهمس وهو قريب منها للغاية. "رحتي في إيه يا هناء؟ رفعت عينيها بتوتر عندما رأت قربهم، فأبتعدت عنه. "مسرحتش في حاجة. كنت بسأل عن إيه؟
ابتسم وهو يراها مشتتة، ناعمة تهلك قلبه حسرة لأنه السبب في تمرده. "بأسألك عاملة إيه في شغلك." "أنا هسيب الشغل ده وهدور على مكان تاني." ضاقت عيناه وهو يسألها عن السبب. "حد ضايقك في حاجة؟ أنا من الأول قولت مافيش شغل، انتي اللي حبيتي تتمردي عليا." احتقن وجهها عندما شعرت أن صوته بدأ يعلو عليها. "مراد، لاحظ أن تقي بره." تنهد بمقت ينظر إليه وهي تعود لتقليب الطعام. "هسيب الشغل عشان مش مبسوطة فيه. هدور على شغل تاني."
"وأنا مش عايزك تشتغل ياهناء." سئمت من جداله معها نحو العمل دوماً. "مراد، متنساش اتفاقنا." أصبح تذكيرها له بذلك الأمر الذي لم يعد يتقبله، بمقته. "مافيش اتفاق. انتي مراتي ياهناء وهتفضلي مراتي، وأنا صابر عليكي عشان أنا الغلط كان مني أنا." وابتعد عنها حتى يغادر المطبخ، ولكنه توقف عائدًا إليها. "اعملي حسابك هتيجي تشتغلي معايا. مدام شايفة إن الموضوع تمرد يا زوجتي العزيزة." ***
وضعت أطباق الطعام وجهزت المائدة بالأكلة التي تعلم أنه يحبها. اقترب منها بعض أن أنهى استحمامه، ينظر للطعام الذي تحرص على صنعه بيديها كأي زوجة تعرف مهامها، رغم أنها ليست مرغمة على فعل ذلك، فلديها من يجلب أكثر من خادمة، بل ومنزل كبير وليس شقة، رغم أنها شقة في أرقى المناطق، ولكنها لا تهتم كما ظن مروان صديقه أن مثال ياقوت يريدون الشبع بسبب حرمانهم من متع الحياة وحياتهم الصعبة.
ولكن كل يوم يرى أنه أجاد الاختيار، امرأة تحمل اسمه ثم أولاده. وكم يشتاق أن ينجب منها ويكمل حياته للنهاية معها، ولكنه لا يستطيع أن يبرهن مشاعره لها إلا في أوقاتهم الخاصة، وبعض العدل الذي يمنحه لها من حقوقها. "تسلم إيدك." حاوط خصرها بعدما نظر للطعام وتأمل هيئتها الجميلة.
فرفعت يدها نحو شعره الرطب، تداعبه بجرأة بدأت تكتسبها من حوارات زميلاتها في المركز، فحياتها كانت تقتصر على هناء ومن بعدها سماح، وكلتاهما كانت تختلف شخصياتهم. "شكلك مرهق." ابتسم وهو يلتقط يدها يقبل أناملها. "جداً يا ياقوت." ثم همس بأذنها فتخضبت وجنتاها خجلًا. "حمزة." ضحك وقد نسي أمر صفا كليًا، كما نسيت هي الحكاية. وجلس وأجلسها جانبه راغبًا تعويضها بما شتته اليومان اللذان مضيا.
تناولوا الطعام وأخذ يُطعمها ينظر إلى ابتسامتها الهادئة. انتهت تلك اللحظة الجميلة وساعدها في حمل الأطباق للمطبخ، لتشرع في غسل الأطباق وهو يقف يبحث عن إناء لإعداد الشاي. "بتدور على إيه؟ التقطت عيناه ما يبحث عنه رافعًا لها ما التقطه. "هعمل شاي لينا. بقالي كتير مقعدتش معاكي أسألك عن شغلك في المركز." خفق قلبها وهي تحمل الطبق وتنظر إليه وهو يشعل النار.
"غير عايزين نخطط لزيارة لأهلك والهدايا اللي هنجبها ليهم، وخصوصًا ياسمين عشان جوازه." لم تشعر بحالها إلا وهي تحاوط خصره بيديها الغارقة بسائل الصابون، ليضحك وهو يرى الصابون يتقطر من يديها. "مكنتش أعرف إنك هتبسطي كده." "أنا مبسوطة أوي." وشعر بظلمه لها، فأبسط حقوقها لا يهتم بها معها، ناسيًا أن لها أهل تود أن تمنحه مما تعيش فيه وتساعدهم. "أنا بقول نقفل على الشاي وبلاش تغسلي الأطباق ونتكلم في حاجة أهم."
أزالت يداها عنه مبتعدة بعدما فهمت مغزى كلماته، لتعود لجلي الأطباق كالطفلة الخجولة. كاد أن يُكمل مزاحه إلا أن رنين جرس المنزل جعله يذهب ليعلم هوية الطارق، ليفتح الباب. "مريم." *** جالسة تقلب طعامها ببطء شارده في آخر حوار بينهم. تلك الليلة التي استمع لمكالمتها وهي تخبر من تهاتفها بنيتها للهروب منه وبطفلها. أقسم أن فعلت ذلك سيجعلها ترى وجهه الحقيقي، مخبرًا
لها بصفاقة: "إذا أردتي الرحيل، ارحلي دون طفلي سماح. ستنجبين ذلك الطفل." كانت عين جين تتابعها بخبث، فهي استمعت لصراخه بها، شاعرة بالنشوة وهي لا ترى أي حب بينهم، وأنه لم يفعل ذلك إلا هربًا منها ومن أجل شقيقه اللعين الذي أحبها. سلطت نظراتها نحو نور الدين وهي تتمنى الخلاص منه ومن سماح حتى يصبح سهيل لها. صدح رنين هاتف المنزل، لتجيب الخادمة على المتصل وأتت سريعًا نحوهم تخبر نور الدين. "سيدي، سيد سهيل أُصيب وهو بالمشفى."
انسقطت المعلقة من يد سماح، ولا تعلم لماذا شعرت بالخوف عليه. لتتجمد ملامح جين تخشى أن تُفضح مشاعرها. *** دلف للمطبخ يطالعها وهي تعد بعض السندوتشات لمريم وأكواب العصير والفشار الذي طلبته أيضًا. انقطع سحر اللحظة وأتت مريم تشاركهم اليوم في المبيت لديهم. ضمه نحوه متسائلًا. "تحبي أساعدك في حاجة؟ ابتسمت وهي تنهي ملء آخر سندوتش. "اقفل النار على الفشار."
فعل ما طلبته. أفرغ حبات الفشار في الطبق، ومن دون قصد منه طرف عينها اليمنى لتتأوه بألم. "وريني عينك كده." انحنى ينفخ في عينها لعلها تستطيع فتحها. "بقيت أحسن." أومأت برأسها نافية، ليعيد فعلته إلى أن استطاعت فتح عينها. كان فضول مريم وغيرتها يقتلها لتأخيرهم. تحركت ببطء حتى وقفت متلصصة على أعتاب المطبخ، تُداري جسدها وعيناها مثبتة عليهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!