الفصل 64 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والستون 64 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
29
كلمة
2,702
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

كانت نظرات عيناها كالجليد وهو يقف يدور حولها يمسح على وجهه من حيناً لآخر. يسألها للمرة الثالثة نفس سؤاله: -عايزه تختفي مني يا ياقوت.. طب ليه؟ صمتها أزعجه، فأردف بغضب أعمى وحديث هاشم يخترق صداه عقله: -ردي... -مش عايزة أرد.. لو رديت هاوجعك. جمدته عبارتها، فلطم فوق صدره بجنون: -كل اللي عملتيه ده ولسه ما وجعتنيش؟ عارفة يعني إيه ألجأ للناس تعرفني مكان مراتي المختفية عني بمزاجها؟ طالعته بألم استوطن قلبها قبل عينيها:

-وجعك ليا فاض.. لو ما كنتش بعدت عنك وعن عيلتك كنت هموت.. هموت مقهورة.. القهرة اللي عشت حياتي كلها بدوق مرارها على أمل إن الحياة تدوقني حلوها.. لكن حتى يوم ما الحياة غرقني في نعيمها.. القهرة فضلت جوايا. ارتعشت شفتيها كمثل باقي جسدها: -ياقوت انتي... صرخت بضعف، وتعلقت عيناها بأعين شقيقتها التي وقفت على أعتاب المطبخ ثم توارت بداخله ثانية، حزينة على حال شقيقتها. -هتقولي إن أنا الضعيفة؟

واه مشيت وسيبتلك حياتك.. سيبني بقى في حالي واهتم بعيلتك، هي أولى باهتمامك. لم يكن يقصد إخبارها بما ظنته، إنما أراد أن يخبرها لماذا لم تقف بوجه شريف وتدافع عن حقها. صمتت تلتقط أنفاسها، واندفعت نحوه لا تشعر إلا بحرقة قلبها. -اتهمتني بحادثة مريم.. كلكم اتهمتوني من غير ذنب.. عشت بينكم كإني دخيلة على حياتكم، باخد حاجة مش ليا.. عشت فرد زايد لا ليه حق يتكلم ولا يعترض.. سيبتهم يهينوني.

وعند تلك العبارة سقطت دموعها وهي تتذكر أفعالهم جميعاً.. تتذكر أفعال نادية وأوامرها لها وكيف تُعامل ندي بتقدير.. تتذكر سخط وكره مريم وفعل شريف. -ياقوت أنا تعبت من المشاكل.. تعبت إني أعيش أراضي من كل الجهات. وهوي بجسده فوق الأريكة يرمي بثقل جسده: -حنانك هو اللي بيعوضني.. يمكن أكون أناني في حبي ليكي بس أنا... وصمت عاجزاً عن التعبير باحتياجه لها ولحبها. -للأسف اتجوزت الإنسانة الغلط عشان أنا...

ألتقطت أنفاسها، ولملمت شتات حالها وأشارت بإصبعها صوبها: -عشان أنا محتاجة حبك وحنانك يا حمزة.. محتاجة حد يعوضني.. محتاجة اللي يشيل عني قسوة السنين.. يشيل عني الضياع.. اخترت الإنسانة الغلط. تجمدت عيناه فوق صفحات وجهها وملامحها الشاحبة وهو يسمعها تفيض له بأوجاعها.. نظراتها له كانت ضائعة، تُخاطبه دون شعور منها.. فنهض مقترباً بعد أن رآها تنحني بجزعها العلوي تضم بطنها بيديها. -مالك يا ياقوت.. اهدي يا حبيبتي.

-اه مش قادرة يا حمزة.. بطني... ارتبك وهو يراها بذلك الوضع، لا يعرف ماذا يفعل. -طب انتي حاسة بإيه؟ صرخت بقوة، فالألم الذي كانت تُجاهد على مقاومته ازداد حتى أصبحت لا تتحمله. خرجت ياسمين من المطبخ مسرعة تنظر لشقيقتها المنحنية وقد اقترب جسدها من الأرض وحمزة جاثٍ على ركبتيه أمامها. -مالها يا ياقوت يا حمزة؟ -ياسمين ساعديني.. ياقوت شكلها بتولد. -ده لسه ميعادها.

عاد صراخها يزداد بقوة، ليحملها خارجاً بها من المنزل، وياسمين تركض هنا وهناك داخل المنزل بضياع تلتقط ما تستطيع التقاطه وخرجت تتبعه بهرولة. وقف كالضائع يسير في رواق المشفى دون هوادة.. تعلقت عيناه بساعة يده، زافراً أنفاسه بقوة، ولكن كل شيء توقف وهو يسمع صوت ياسمين الراكضة إليه. -ياقوت ولدت يا حمزة وجابت ولدين زي القمر. -ولدين؟ ياقوت كانت حامل في.. قبل أن يُكمل باقي عبارته، كانت ياسمين تهز رأسها إليه بسعادة هاتفة:

-أيوه يا حمزة.. ياقوت كانت حامل في توأم. عيناه لمعت بالدموع التي ظلت عالقة بين أهدابه.. دار حول نفسه غير مصدقاً أنه أصبح أباً.. أن الحلم تحقق، وأنه سيرى ذريته. -الحمد لله.. وتعلقت عيناه بياسمين التي وقفت تطالعه بسعادة واشفاق عليه من حالة الضياع التي لأول مرة تراه بها. -مبروك.. يتربوا في... لم تكد تُنهي عبارتها، فوجدته يتجه نحو شقيقتها التي خرجت للتو من غرفة العمليات. تمتمت لحالها وهي ترى لهفته:

-أختي لو شافت خوفه ولهفته عليها، هتعرف قد إيه بيحبها. تعلقت عيناها بأفعال نادية وسعادتها بعدما رأت الصغيران. -يااا يا ياقوت متعرفيش سعادتي قد إيه النهارده وأنا بشوف ولاد حمزة.. انتي جبتيلنا السعادة معاكي. ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيها.. فمنذ متى كانت نظرتهم إليها هكذا؟ إنها كانت بالنسبة لهم نذير شؤم. -بس أنا ليا عتاب عندك يا ياقوت.. كده تختفي شهر بحاله.

دخلت ياسمين الغرفة بعدما ودعت والدها ووالدتها على باب المشفى، خلصها من ذلك السؤال الذي لو أجابت عليه لانفجرت غاضبة في شقيقة زوجها. عاد حمزة بعد أن اطمئن على صغيريه من طبيب الأطفال، واتبعه شهاب يتنحنح حرجاً. -حمد الله على سلامتك يا ياقوت. تمتمت بهدوء، فشهاب الوحيد الذي لم تر منه يوماً ردات فعل تجعلها تحمل منه بغضاً داخل قلبها. -الله يسلمك.

شعر بالحرج لأن ندي لم تأت معه، متعللة بحزنها على مريم ومقاطعة حمزة لشريف، ولكن الحقيقة كانت في مكنونها غير ذلك.. فهي لن تحتمل أسئلة نادية عن سبب تأخر حملها. غادرت نادية وزوجها، كما غادر شهاب الذي تبدلت ملامحه بعد مكالمته مع شريف، ولم يهتم حمزة لأول مرة بمعرفة تفاصيلها. سعادته كانت متعلقة بأولاده، كان وكأنه ولد من جديد. شعرت ياسمين بالحرج من وجودها بينهم. -أنا هخرج أجيب حاجة.

وانصرفت دون انتظار كلمة اعتراض من شقيقتها، واتسعت ابتسامتها وهي ترى هاشم يتقدم نحو غرفة شقيقتها. -حمد الله على سلامتك. قالها حمزة وهو ينحني يلثم جبينها بقبلة حانية، شاكراً داخله ذوق شقيقة زوجته في تركهم. ورفع يدها يُقبلها. -جبتيلي أجمل هديتين يا ياقوت.. رغم إني زعلان عشان خبيتي عليا إنك حامل في توأم. كانت رأسها مائلة للجهة الأخرى صامتة، ولكن عندما عاتبها على تلك النقطة، نظرت إليه ساخرة:

-قولتلك مرتين وسط كلامنا، لكن عمرك ما أخدت بالك.. انت ما كنتش مهتم بينا وشايفنا يا حمزة بيه. دار بعقله يتذكر متى قالت، ولكنه لم يتذكر شيئاً.. يعلم أنه لم يكن يشاركها بأي شيء في فترة حملها، إلا حيناً تخبره بحاجتها أو تلفت نادية انتباهه.. عقله كان مع عائلته الأخرى، وهي آخر فرد في أولوياته. تنهد وهو يرمقها بأسف: -هنعوض اللي فات يا ياقوت مع ولادنا. وتبدلت ملامحه سريعاً للسعادة وهو يتذكر أولاده: -الفيلا الجديدة هتعجبكم.

وأردف بابتسامة متسعة: -دلوقتي أستاذ أدهم محتاج سرير زي أستاذ عبد الله. -أنا هرجع بيت بابا يا حمزة. تلاشت ابتسامته تدريجياً، ينظر إلى عينيها. -ترتاحي شوية يعني عندهم.. يا حبيبتي أنا معاكي، وفيه هناك مربية للأولاد وخدم، وياسمين معاكي كمان. -حمزة أنا مش هرجع معاك.. اللي بينا خلاص اتكسر، واللي بينكسر مبيرجعش تاني.

-انتي بتقولي إيه.. ياقوت أنا موافق إنك تثوري عليا، تغضبي مني، لكن بعدي عني انتي والولاد.. لا يا ياقوت.. ورجوعك معايا أمر مفروغ منه، فاهمة.. أنا مش عايز أحاسبك على اختفائك وبديكي كل العذر، لكن... توقف الكلام على أطراف شفتيه وهو يسمع طرقات ياسمين على باب الغرفة، ثم دخولها. رمقتهما اثنتين لتشعر بالتوتر. وقفت هناء عندما سمعت خطوات جنات، لترحب بها جنات بجمود، فشعرت هناء بالحرج. -خير يا مدام هناء؟

أطرقت هناء عيناها تفرك يديها بارتباك، تهتف بحالها أن تُخبرها بالحديث الذي أرادت إخبارها به. -أولاً أنا آسفة على اللي سمعتيه.. وصدقيني ما فيش بيني وبين مستر خالد حاجة. طالت نظرات جنات إليها، مشيرة لها بأدب من شمتها. -اتفضلي اقعدي. جلست هناء سريعاً توضح لها: -مستر خالد بيحبك وبيحب ابنه.. يمكن بس أنا فهمت مشاعره غلط.. دي كانت مشاعر أخوة. ارتسم الألم فوق شفتي جنات التي ضحكت:

-انتي جاية تضحكي عليا ولا على نفسك يا مدام هناء؟ جوزي حبك.. جوزي كان بينطق اسمك في علاقتنا الزوجية. تجمدت أعين هناء وهي تسمع عبارات جنات: -على العموم أنا مش زعلانة.. عارفة ليه؟ لأن خالد عمره ما حبني وعمره ما وهمني بحبه. وربتت فوق بطنها: -عايشين مع بعض عشان ولادنا بس.. زي ما ستات كتير عايشة.

كلمات مقهورة كانت تخرجها زوجة ارتضت بمشاعر زوجها الفقيرة نحوها.. كنساء كثيرات.. لم تعرف هناء بماذا تُجيب عليها، فماذا ستُخبرها بعد أن علمت منها أن خالد يهتف باسمها وزوجته بين أحضانه؟ أي مشاعر قهر عاشتها تلك المرأة. خرجت من المنزل وحمدت ربها أنها لم تلتقِ بنغم.. لتعود للمنزل شاردة. دَلفت للشقة وألقت مفاتيحها وحقيبتها وحذائها كما اعتادت دوماً، لتُسعل من دخان السجائر وهي ترى مراد جالس فوق الأريكة يُدخن بشراهة.

-مراد انت جيت امتى؟ مش قلتلي عندك اجتماع مع مارتن؟ دهس عقب سيجارته في المطفاة، لتتعلق عيناه بها يتذكر لقاءه مع مارتن، ولم يشعر إلا وهو يُلقي أقرب شيء التقطته يداه. -مارتن طلع أخو جاكي يا هناء.. مارتن خسرني شركتي. ورنين الهاتف أخذ يتعالى برقم والده. صراخها كان يتعالى من شدة الألم.. تُنادي باسمه "سهيل" ولكن أين هو؟ لا أحد معها. سقطت دموعها من شدة الألم وقهرها.

سهيل اختفى وترك البيت بعد مقتل جين، وقد اتهم في البداية بمقتلها، ولكن براءته ظهرت بعد ساعات من اتهامه. -ماذا بكِ سيدتي؟ -سهيل... هاتفي سهيل. أخرجت الخادمة هاتفها ودقت عليه، لكن الهاتف ما زال خارج نطاق التغطية. -الهاتف مغلق سيدتي. تصاعد صراخ سماح، لتسرع الخادمة نحوها: -أنتي بتولدي سيدتي. جلست ندي بحديقة المنزل الذي أصبح كئيباً، تنظر حولها شاردة تتنهد بألم على حالهم.. انتفض جسدها وهي تسمع صراخ شهاب باسم شريف.

-شريف استنى عندك.. انت هتفضل متسرع كده لحد امتى؟ انت عارف انت رايح تقف في وش مين.. ده أحمد الأسيوطي. -وحق أختي.. مدام القانون اللي أنا بخدمه مش هيساعدني عشان مكانة البيه.. أنا هساعد نفسي بنفسي. لطمه شهاب فوق صدره بغضب: -قولتلك أنا هبلغ حمزة.. انت اللي عملت فيها راجل. -أنا راجل طول عمري. ولكن أطرق رأسه للحظات وهو يتذكر كيف كان حمزة سنداً لهم وسط الجميع.. كيف كان ينجدهم من أي شيء، داعماً له.. أباً وشقيقاً وصديقاً.

-اعقل يا شريف.. أخوه مختفي أصلاً ومدير أعمال الراجل بلغنا نستنى تليفون منه. -وهفضل أستنى اتصال الباشا. اقتربت ندي منهم باكية، وركضت بعدها لداخل المنزل صاعدة لغرفتها، مُلتقية بمها ترمقها بنظرات لائمه. -لو كان حمزة هنا ما كانش ده كله حصل. صعد شريف لسيارته مُنطلقاً.. فتنهد شهاب بسأم واتبعه بسيارته.

وقفت مها تُطالع السيارتين وهم يغادروا.. لتتنهد وهي تضع يدها فوق رأسها من أثر الصداع الذي بات يُداهمها بقسوة في الأيام الأخيرة بعد أن أهملت أدويتها. سارت بالحديقة تُرفه عن نفسها، ونظرات بعيدة كانت تتبعها بأعين مظلمة، ولم يكن إلا سالم الذي فاق من غيبوبته وغادر المشفى منذ أسبوعان بعد أن فقد شريف الأمل في إفاقته وناسه.. ناسياً أن بينهم قضية يجب تصفية حساباتها.

ألتمعت عيناها وهي ترى وضع أساس المصنع.. حلمها تحقق وستساعد كل امرأة عانت مثلها.. تعلقت عيناها بفرات الواقف يفرك جبينه من حرارة الشمس ويتحدث مع المهندس المسؤول على بنائه. تأوهت بخفوت من ألم ظهرها وهتفت بأحد العمال وهي تشعر أن اليوم هو ولادتها. -نادولي فرات بيه لو سمحت. رمقها العامل بنظرة سريعة وأسرع نحو سيده.. ألتف فرات نحوها مذعوراً واتجه إليها بخطوات سريعة قلقة. -مالك يا صفا.. حاسة بإيه؟

ألتقطت أنفاسها تمسك ظهرها بيدها. -حاسة إني هولد. أشار لسائقه بالاقتراب بالسيارة، يبلع ريقه متوتراً وهو يسمع تأوهها. -طب اهدي.. كل حاجة هتبقى تمام. صعدوا للسيارة، فألتقط كفيها يُدلكهما يأمر سائقه بأن يُسرع. -خدي نفسك براحة.. هكلم الدكتورة حالا. وكاد أن يُخرج هاتفه من جيب سرواله، إلا أنها منعته بعد أن شعرت بالراحة وزوال الألم. -الألم راح.. روحني البيت أرتاح.

-لا لازم نروح المستشفى يا صفا.. انتي ميعاد ولادتك الأسبوع اللي جاي. -أنا بقيت كويسة يا فرات.. عايزة أروح.. رجوك. أرضخ لطلبها بعد جدال طويل.. ليدلفوا لغرفتهما بعد وقت قصير وهو يسندها مُتجهاً بها نحو الفراش، وكادت أن تجلس ليعود إليها الألم أكثر. -ألحقني يا فرات. كانت أعين الخدم تُلاحقهم وهم يروا سيدهم يحمل زوجته بين ذراعيه هابطاً الدرج بسرعة، رغم شعوره بآلم ساقه، يصرخ بعنتر وسائقه.

توارت إحدى الخادمات عن الأنظار تُخرج هاتفها من عباءتها تبحث عن رقم سيدتها بخوف تنظر حولها هنا وهناك. -أيوه يا ست فادية.. مرات البيه بتولد. يتبع بأذن الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...