الفصل 56 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
26
كلمة
3,978
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

عيناها كانت شارده كحال عقلها وهي تطعمه وجبة افطاره. إلى الآن لا تُصدق ما سمعته ليلة أمس. كانت تعلم أن جين حقيرة، ولكن لم تتوقع أن تصل حقارتها للخيانه. تأملت نور الدين الذي يتناول منها طعامه بفمه الملتوي وعيناه التي تُريد الإفصاح بما يرغبه عقله. دقائق مرت وهي على هذا الحال لتنهض من فوق فراشه مُتجها نحو باب غرفته، ترصد الرواق بعينيها، ثم عادت نحوه سريعاً تحت نظراته لتسأله: -جين السبب فيما حدث لك نور الدين، أليس كذلك؟

أماء نور الدين برأسه بلهفه، فأخيراً وجد من سيخبره بحقارة تلك التي تُسمى زوجته. -الطفل ليس طفلك. حرك رأسه بحزن وقد ألتمعت عيناه بالدمع. فهي تنسب له طفلاً ليس من صلبه، وهو الذي كلما حاول بعجزه أن يمسها كزوجة أو يساعده على هذا الأمر، كانت تبتعد عنه نافرة. ارتعشت شفتاه وقاوم دموعه وهو يشعر بالخزي مما هو فيه. فشعرت به سماح، لتربت على كفه بدعم. -سأساعدك لنيل حقك نور الدين. تبدل حاله وهو يسمع كلماتها، وأشرقت ملامحه.

فلا يريد الموت إلا وتلك الخائنه تنال ما تستحق ولا ترث أمواله. *** احتضنت شقيقتها بسعادة، ولكن كان قلبها يتفطر ألماً وهي تراها منطفئة الروح والوجه وقد فقدت الكثير من وزنها. -وحشتيني أوي يا ياسمين. -وأنتي كمان يا ياقوت، أنا كنت محتاجاكي أوي. ابتعدت عنها ياقوت تنظر لملامحها الباهتة، فربتت فوق وجنتها بحنان. -وأنا هكون جنبك ديما. عادت لتحتضنها ثانية، ولم ينتبهوا لهبوط مريم الدرج.

فوقفت تتأملهم بأعين لامعة تتمنى داخلها لو كانت لها شقيقة ترمي بين أحضانها. نفضت رأسها سريعاً وهي تتذكر من تتمنى أن تكون مثلهما. اقتربت منهما وفحصت ياسمين بعينيها. -إزيك. ابتسمت ياسمين إليها، ولكن توترت من نظراتها، فهي تعلم أنها لا تطيقها. -الحمد لله. تعجبت ياقوت من تقبلها لقدوم شقيقتها ومكوثها هنا معها. أخرجتها من دائرة أفكارها وهي تهتف: -عايزاكي في كلمتين. رمقتها ياقوت بأستنكار، ولكن تجاوزت صفاقتها واتبعتها.

-عشان انتي طلعتي جدعة ومعرفتيش بابا باللي حصل. -وأنا أه طلعت جدعة معاكي ومع أختك وسمحلها تبقى ضيفة في بيتنا. مقتت حديثها الذي أغاظها. -وتفتكري هفضل ساكته؟ شحبت ملامح مريم وهي تتذكر وعدها له ليلة أمس. فهي بالفعل قررت أن تتخلى عن رفقة رؤى وأصدقائها، ولكن حبها الذي بدأ ينمو نحو هاشم لن تتخلى عنه. قطع حديثهم قدوم ندي نحوهم وترحيبها بياسمين.

التي وقفت تفرك يديها بتوتر، تخشى أن تكون ضيفة ثقيلة بينهم، ولكن مع ترحيب ندي شعرت بالراحة. *** انفردت ندي بمريم غير مصدقة صمتها دون إلقاء كلام جارح لياسمين. -كويس إنك مقولتيش للبنت كلمة تجرحها، قدري حالتها وبلاش تضايقيها يا مريم. تركت مريم هاتفها الذي تبعث به وتعلقت عيناها بندي. -أنا وعدتك انتي وبابا مش هضايقها، هي هتمشي إمتى؟ ياريت الزيارة متطولش. تنهدت ندي بيأس. -يعني نحدد إقامة للبنت، واحدة وقاعدة في بيت أختها.

انتفضت مريم من فوق مقعدها ترمق ندي بغيره. -لا ده بيت ماما وأنا ساكته عشان بابا. ودمعت عيناها وهي تبكي على ذكرى والدتها. -أخدت كل حاجة كانت لماما يا ندي، بابا مبقاش يتكلم عن ماما ومبقاش شايف غيرها. -أنتي إزاي نسيتي ماما يا ندي، دي كانت أختك. ترقرقت عين ندي، فكيف تلومها على ذكرى شقيقتها وحبها لها، ولكن الحياة تمضي مهما كان وتقذفنا هنا وهناك.

-إزاي أنسى أختي وأمي يا مريم، بس حمزة من حقه يعيش برضه، كفاية اللي عملوه عشانا ولسا بيعملوه وسوسن هي اللي وصت بجوازه. ومسحت دمعتها بوهن. -سوسن زمانها فرحانة عشانه. ألقت مريم نفسها بين ذراعيها تستمد منها قوتها وظلت تبكي، ثم ابتعدت عنها. -ندي أنا عملت حاجة غلط وعايزة أعترفلك بيها، بس متقوليش لشريف ولا بابا هيزعلوا مني. لتتجمد ملامح ندي بقلق. فابتلعت مريم لعابها. -أنا كنت بخرج من وراكم بالليل.

اتسعت عين ندي ذهولاً لتسرع بإخبارها. -هما كام مرة بس؟ وكمان شربت سجائر. وتلك المرة شهقت ندي غير مصدقة ما سمعت. *** طرقت باب غرفتها ثم دلفت إليها لتجدها جالسة فوق الفراش تقرأ في كتاب الله. صدقت ونظرت نحو شقيقتها، فلمعت عيناها بسعادة وهي ترى ياقوت بأبهى صورة وهيئتها كهيئة نساء المجتمع المخمل التي قد ظهرت عليها. -طالعة جميلة يا ياقوت. تمتمت بها ياسمين بحب حقيقي لتقترب ياقوت ثم دنت منها تلثم خدها.

-أنتي اللي جميلة وعيونك جميلة يا حببتي. ابتسمت ياسمين فربتت فوق خدها. -معلش هسيبك لوحدك، بس لو عايزاني ألغي. أسرعت ياسمين بقطع عبارتها. -لا متلغيش خروجتك مع جوزك عشاني، اخرجي واتبسطي عشان ترجعي تحكيلي عملتي إيه. ابتسمت بحب لنقاء شقيقتها وطيبتها. لم يؤثر كره زوجة أبيها لها بقلب شقيقتها، وكأن بطن واحدة قد حملتهما. فشقيقتيها من والدتها لم يكونوا مثل ياسمين. فالوحيدة كانت القريبة منها تراها أختها الكبرى. -مش هتأخر عليكي.

هتفت بها وهي تلقي عليها قبلة بالهواء ثم غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها. سارت نحو غرفتها لتنظر لحمزة الواقف ومازال يهندم قميصه، فأقتربت منه تلثم خده. ابتسم وهو يشعر بملمس قبلتها فوق خده. -لا ده أنا كده أوديكِ كل يوم معرض. ضحكت برقة وهي تناوله سترته. -وأنا موافقة. -بقيتي مكارة يا حببتي. -ماهي اللي تتجوز راجل زيك لازم تبقى كده، ياقوت الهبلة مكنتش نافعة. قطب حاجبيه بعبوس مصطنع.

-مسمحش ليكي تغلطي فيها، بس منكرش إن ياقوت الجديدة بقت خطر عليا. ألتقط منها سترته وهو يُخبرها بعبارته الأخيرة. فلطمت صدره بخفة. -بقيت أتعلم، ماهو الأهبل مش بيفضل أهبل بيتعلم يا حمزة باشا. ضحك بخفة وهو يفحصها بنظراته. -باشا إيه ده انتي اللي بقيتي باشا. ومال نحوها يتسأل. -مش هتقوليلي المرادي واخده مين قدوتك وبتتعلمي منه.

ومهما فعل لن يتخيل أن سبب في تغيرها لكل هذا هي السيدة سميرة صاحبة البناية التي كانت تقطن بها عندما أتت من بلدتها. زيارة دون سبب قررت فعلها إكراماً لطيبة تلك المرأة. ولم تنتهي تلك الزيارة هكذا، إنما اتبعها اتصال من والدتها تخبرها أنها ألتقيت بزوجة أبيها في عرس أحد أقاربهم لتخبرها أن ابنتها خائبة الرجاء لا تملئ عين زوجها وستعود إليهم مطلقة. فما الفائدة من فتاة آتية من خلف البهائم.

أقسمت لحظتها أنها لن تجعل أحد يشمت بها. ركلة قوية ركلها بها صغارها لتتأوه ثم ضحكت. -مش عيب كده. ابتعد عنها بعدما كان غارقاً في إغداقها بمشاعره لينظر لها وهي تضع يدها فوق بطنها ثم ابتسم بعد أن استوعب مقصدها. -وجعك أوي. ضحكت وهو تمسك يده تضعها فوق بطنها. واليوم أيضاً لم تنتبه لحديثها كما لم ينتبه هو. -دول بيلعبوا. مسح على بطنها بخفة وعيناه قد لمعت.

-تعرفي إن شعور الأبوة جميل أوي، نفسي أشيله على إيدي وأتابع كل خطوة وهو بيكبر قدامي. وتنهد وهو يتذكر فترة إصرار نادية على زوجها وسؤالها المتكرر له كيف لا يتمنى تجربة ذلك الشعور. -تعرفي إن نادية كان عندها حق. ورفع كفيه يمسح فوق خديها وعيناهما ثابتة نحو بعضهما. -أنا كنت محتاجكم فعلاً يا ياقوت. وانتهى الكلام وهو يحتضنها ولأول مرة يشعر أنه تحرر من الماضي الذي كان يحاوطه وعاد حمزة ذو الثالثة والعشرين عاماً. ***

ابتسمت هناء بخفة وهي تنظر إليه وهو يُعلمها كيف يتم أكل طعام السوشي. -مهما حاولت يا مراد مش هعرف. رمقها وهو يضيق عيناه. -طب جربي قدامي ووريني. زمّت شفتيها وهي تخبره بقدراتها. -يا مراد أنا عارفة نفسي أنا غبية. ضحك على نعتها لنفسها بالغباء. -بيعجبني فيكي صراحتك يا حببتي. ألتمعت عيناها بشر ولكن بشر لذيذ يروقه. -قصدك إيه يا مراد، بدل ما تقولي لا انتي مش كده يا حببتي. -أكذب يعني يا حببتي.

ألتقط كفها يُقبله وهو يهتف بعبارته. خفق قلبها وهي ترى شفتيه تلثم راحة كفها ثم باطنها. -مراد الناس. همست اسمه برقة وهي تسبل أهدابها بطريقتها العفوية. ليقرب مقعده منها. -بعد مراد ديه، نفسي أروح أبوس إيد ورأس عمي. كانت نغم تدلف برفقة إحدى صديقاتها تلك اللحظة وقد اختارت ذلك المطعم بعدما استمعت لسكرتيرة مكتبه وهي تحجز له فيه. اشتعلت الغيرة في طيات قلبها ولكنها تمالكت نفسها واتجهت نحوهم وهي تشهق دون تصديق.

-مش معقول، إيه الصدفة دي. رمقها مراد بابتسامة مصطنعة وهو يتمنى داخله ألا تعزم نفسها وتطلب رفقتهم. -فعلاً يا نغم صدفه عجيبة. ونظر نحو صديقتها ليرحب بها. وبعدما شعرت نغم بعدم رغبته في إطالة الحديث معها وكيف يقبض على كف هناء التي رحبت بها أيضاً ولكن داخلها كانت لا تتمنى رفقتها لشعورها بمشاعرها نحو زوجها. صورة كانت تلتقط لثلاثتهم وعنصر آخر كان يدخل في تصفية الحسابات ولكن تلك المرة كان العنصر داعماً. ***

كان يُحاصرها بعينيه وهي تتأمل رسم اللوحات بأعين مدققة. حاوط خصرها وهو يميل نحو إحدى أذنيها. -ناقص تدخلي جوه اللوحة يا ياقوت. ابتسمت على مازحته. -لو سمحت متتريقش عليا، انت كمان بتنسى نفسك وسط شغلك. همهم مفكراً وهو يحك ذقنه. -عندك حق، بس أنا أسمع إن الرسامين مجانين شوية. -أفندم. هتف بها أحدهم كان يمر جانبهم مستنكراً حديثه. -آسفين يا فندم. تقبل الرجل اعتذارها رامقاً حمزة بنظرات ساخطة. ثم انصرف لتكتم هي صوت ضحكاتها.

-عجبك كده؟ أشار نحو حاله وهو يهتف بسخط مماثل. -بقى أنا يتبصلي البصة الحقيرة دي. -مش انت اللي غلطت. امتعض وهو يجرها خلفه. -مش اتفرجتي ودققتي كل رسمة يلا بينا. أسرع في جذبها خلفه وهي تضحك رغماً عنها متمتمة باسمه حتى أوقفهم صوت هاشم. -إزيك يا حمزة. صافحه حمزة وقبل أن يهتف هاشم بسؤالها لماذا لم تخبره برغبتها بالمجيء لهنا وكانت أتت برفقته. -عن إذنك يا هاشم. ألتقط يدها ثانية تسأله بفضول. -رايحين فين بس قولي.

ولم يعد يسمع أي حديث آخر فقد ابتعدوا عنه. كانت عيناه تتبعهم ليتنهد وهو يمسح على وجهه وكان قلبه لأول مرة يخفق بقوة راغباً بتلك المشاعر. *** فتحت ندي عينيها وأغلقتهم ثم عادت تكرر فعلتها بسهاد. كان شهاب جالس جوارها يعمل على حاسوبه. -مالك يا ندي؟ اعتدلت في رقدتها وهي تزفر أنفاسها لا تعرف كيف تنهي قلقها وحيرتها. -شهاب أنا بقيت خايفة على مريم.

لم تفضح أمر مريم فقد أقسمت لها أن لا تفشي سرها ولم ترغب أيضاً في فضح ابنة شقيقتها وتغير نظرة الجميع لها. تعرف طباع مريم إذا عُوقبت سيزداد الأمر سوءً معها. -مالها مريم يا ندي؟ -مريم كبرت يا شهاب وإحنا لسا مش حاسين إنها كبرت. ابتسم وهو يتذكر كل تفاصيل طفولتها ثم تسأل. -طيب ما أي حد بيكبر يا ندي. وطبيعي إننا لسا مش حاسين إن مريم كبرت، دي لسا طفلة بضوافيرها. -أنا قولت برضه مش هتفهمني يا شهاب.

كاد أن يجيبها إلا أن رنين هاتفه جعله ينظر لها. فنظرت له هي الأخرى بنظرات فاحصة. -مين اللي بيتصل بيك دلوقتي؟ ألتقط هاتفه وكانت الأسرع في رصد اسم المتصل. -أنت رجعت تعرف معتصم من تاني يا شهاب؟ لم يعطيها إجابة تريحها فهتف مجيباً. -أيوه يا معتصم، بتقول إيه. ثم أردف ساخطاً تحت نظرات ندي. -يعني متصل بيا دلوقتي تقولي بحب سمر سكرتيرتك، اقفل يا معتصم. لتتسع عين ندي ذهولاً. -معتصم وسمر مش معقول! ***

جلس جوارها فوق الفراش بخفة حتى لا تشعر به. تأملها وحديث أحد أصدقائه يدور بعقله ويخترق أذنيه. "يعني يوم ما تتجوز يا فرات تتجوز واحدة خريجة سجون... وعندما لم يتلقى منه صديقه إجابة هتف غير مصدق. "حبيتها يا حضرة المقدم." وعند نطق صديقه ذلك اللقب، كانت إجابته. "فلم يعد يربطه أي قانون عسكري." تلملمت في غفوتها فأنتبه لتحركها فوق الفراش. لينحصر ثوبها بين ساقيها مع انفراج شفتيها.

قلبه كان يقوده فلم يشعر بدنوها منه ولا نيل ما رغبت شفتيه. إلا عندما فتحت عيناها تصم شفتيها بقوة تهتف بأنفاس متقطعة. -انت... بتعمل... إيه... هنا؟ -محتاجك يا صفا. ولم يُمهلها اعتراضاً آخر وكان يُحاصرها بين ذراعيه. ولم تكن إلا جثة هامدة تُعطيه ما يريد. يخبرها عقلها. "لن تصبحي سيدة كل شيء وتثأري لحقك إلا بذلك." ومضت الليلة وقد غفا جوارها لتسحب نفسها من فوق الفراش بعد أن غطت جسدها.

ثم جلست جوار الفراش باكية تكتم صوت شهقاتها التي كانت تصل لمسمعه فتطعن رجولته. تعيده إلى ذكرى بعيدة لأشهر وهو يُخبرها أن تُعرّي جسدها أمامه وهي تفعل ذلك مسلوبة الإرادة حتى لا تُسجن مرة أخرى وتجعله يثأر لحبيبته القديمة بذنب لا دخل لها فيه. *** لثم خدها برفق ثم ابتسم وهو يراها تفتح عينيها. -صباح الخير يا حضرة الفنانة. ابتسمت رغماً وهي تفرك عينيها. -صباح النور. -هي الساعة كام دلوقتي؟ نظر لساعته ثم عاد يُشبع عيناه منها.

-لسا فاضل ساعتين على ميعاد شغلك، أهم حاجة تفطري قبل ما تخرجي يا ياقوت سامعة وهسأل ندي لا، إلا إنتي عارفة العقاب. -حاضر. هتفت بها وهي تضحك فعاد يلثم خدها مرة أخرى. -اعملي حسابك هنتغدى بكرة. -وياسمين؟ ابتسم وهو يعود لهندمة أكمام سترته. -الخروجة دي عشان ياسمين ومريم واحتمال باقي العيلة تنضم لينا. وغمز لها مشاكساً. -هنغير مثلاً ولا إيه؟ فوثبت على أقدامها تُشاكسه مثلما يفعل.

-هغير ليه مثلاً، أنا متجوزة حمزة الزهدي بعيلته الكبيرة وأنا راضية. وتعلقت بعنقه تتلاعب بحاجبيها. -بس ده ميمنعش إني طماعة في حقي فيك. أجاد إلقاء عبارتها لتتسع ابتسامته شيئاً فشئ. -حمزة الزهدي ليكي انتي لوحدك. ومال نحو أذنها هامساً. -بقيتي تعرفي تغويني صح يا ياقوت وحمزة الزهدي رفع راية الاستسلام. وابتعد عنها غامزاً. -وكسبتي الجولة. وليست النساء من تخسر إذا قررت الفوز. ***

سارت بالمزرعة بخطى شارده تتأمل العاملات وهم يعملون. تتذكر حالها وكيف كانت تُعامل بقسوة. الكل كان ينظر لها بحسد يتهامسون بالشئ الذي أخبرتها به حورية من الأقاويل التي تدور عنهم. ربتت حورية فوق كتفها بعدما تركت مكان إشرافها الذي نُقلت إليه. -الكل بقى يحسدك على اللي انتي فيه، ومدام الواحدة منا معملتش حاجة غلط تمشي رافعة راسها. ابتسمت صفا لها.

فرغم أنها لم تُخبرها بتفاصيل زواجها من فرات إلا أن كلمة واحدة أخبرتها بها فصدقتها. "أنها لم تكن عشيقة لفرات وأن هذا الطفل ناتج عن زواج وليس طفل زنا." -ياريت الناس كلها زيك يا حورية. كادت أن ترد عليها حورية إلا أن ألتقطت عينيها قدوم فرات نحوهم وجانبه يسير عنتر. -جوزك جاي علينا. أروح أشوف شغلي أنا بقى. وانصرفت حورية سريعاً بخطوات مرتبكة. ليقترب منها فرات. فهتف عنتر. -إزيك يا هانم.

"هانم" كلمة فهمت وأدركت أنها لا تساوي شيئاً حينما دلفت السجن لسنوات وقد جردها وعلمها أن الكل سواسية. ولكن عيشتها مع هؤلاء جعلوها تستشعر معنى الكلمة وعزوة اللقب. وداخلها يضحك ساخراً. ف هذا الذي ينعتها بالهانم يوماً ضربها بعصاه التي مازال يحملها. نشلها فرات من تفكيرها وهو يميل نحوها. -الدكتورة مستنياكي! *** تعلقت عين الخادمة الصغيرة بالزوجين وعيناها تلمع بشغف. منذ خدمتها بالمنازل لم تقابل زوجين هكذا.

انتبه شريف على وقوفها وتحديقها بهم. -مش حطيتي العشا خلاص تقدري تروحي. ابتلعت لعابها بحرج ومسحت يديها بعباءتها. -آه يا بيه. أجي بكرة الساعة كام؟ -شريف متخليهاش تتأخر عليا بخاف أقعد لوحدي وأنت في شغلك. هتفت بها مها فتمتم بحنو. -حاضر يا حببتي. ونظر نحو الخادمة التي تدعو نعمة. -متتأخريش بكرة الساعة تسعة تكوني هنا. -حاضر يا بيه. وانصرفت الخادمة وهي تهتف داخلها. -ده كان بيبوسها قبل ما أدخل عليهم. ثم أردفت بحسرة.

-ناس عايشة ومتهنية. وناس بتخدم في البيوت. *** اتبعت رؤى مريم حانقة بعدما سدت عليها جميع الطرق بأنها لن ترافقهم في سهراتهم ثانية وقد اعترفت لخالتها بخطيئتها. -خلاص بقى يا رؤى، قولت مش هسهر تاني معاكم. كانوا قد وصلوا لبوابة المدرسة. لتتعلق عين مريم بهديل التي وقفت تطالع المدرسة بحسرة وأعين دامعة. أسرعت مريم نحوها ولكن رؤى ظلت واقفة بعيداً تتابع الأمر بعينيها. فهي لا تحب هديل ولا تراها إلا شريدة متطفلة على طبقتهم.

عندما اقتربت مريم منها. ألفت هديل بجسدها وأسرعت في الابتعاد. -هديل استني يا هديل، انتي صحيح طلعتي من المدرسة. سقطت دموعها. فالمنحة قد دمرها والدها في نهاية عامها الثاني بآخر امتحان بعدما تهجم على مدرستها. ولم يعد لها لا مستقبل ولا حضن والدتها الحاني فقد تركتها ورحلت لعالم أكثر راحة من قسوة والدها وذل الحياة. -هديل ردي عليا. جذبت مريم مرفقها لتدور هديل نحوها بعينيها الباكيه. -ليه سبتي المدرسة يا هديل؟

-اللي زينا مبيتعلموش يا مريم، أرجوكي سبيني في حالي. أرادت الهروب من نظراتها ولكن مريم عادت تسألها بفضول عن أحوالها وكيف لن تكمل سنتها الأخيرة وتدخل الجامعة مثلهم. وما كانت ثرثرتها إلا تزيدها حسرة. -كفاية كلام يا مريم، مش هبقى ولا هكون زيكم، أنا دلوقتي بدور على لقمة عيشي عشان أعيش. وقفت مريم صامتة تُتابعها وهي تتحرك بعيداً عنها ورؤى تقف على مقربة تناديها فالسائق الخاص بها قد أتى.

ألفت مريم بجسدها لترحل كما وقفت هديل ولم تتحرك وعادت تلتف مرة أخرى تتذكر صفعة والدها لها بأن لا تعود إلا وقد وجدت وظيفة تعمل بها. -مريم. أدارت مريم جسدها لتنظر إليها. فأطرقت هديل عيناها أرضاً. -ممكن تساعديني ألاقي شغل، أي شغل أنا موافقة أشتغله حتى لو خدامة عندكم. ذللت الكلمة قلبها. فزميلتها التي تماثلها بالعمر تطلب أن تعمل لديها خادمة وهي تعيش كالملكة لا شيء تطلبه إلا ويُلبي لها.

وبعد أكثر من نصف ساعة كانت اثنتيهما يقفان في غرفة ياقوت بالشركة التي تعمل بها. تعجبت ياقوت من قدوم مريم بزيها المدرسي وبرفقتها صديقتها. -ياقوت أنا عايزة أتكلم معاكي ممكن. ابتعدوا قليلاً عن هديل لتهمس مريم. -ممكن تطلبي من هاشم يشغل هديل صاحبتي. تعلق عين ياقوت بها متعجبة من طلبها ومن نطقها لاسم هاشم بعشم وكأنه صديق لها. -هو مديرك هنا وهيسمعك، وهديل محتاجة شغل. وأردفت وقد اتسعت عين ياقوت ذهولاً.

-أنا لولا اللي عملته قدامه كنت دخلت طلبت منه، ماهو عم فارس صديقي. ولم يُخرج ياقوت من ذلك الذهول إلا مرور هاشم بجانب غرفتها. وعندما ألتقطه عين مريم أسرعت خارج الغرفة تُنادي باسمه ولكن تلك المرة ليس مجرداً. -عمو هاشم. أنتبه هاشم إليها وقد تذكرها. -أنا جيت النهارده أعتذر منك، دي كانت لعبة سخيفة مع صحابي وأنا قطعت علاقتي بيهم، ووعدت ياقوت بكده. ونظرت صوب ياقوت الواقفة على بعد خطوات منها متسعة العين مما يحدث.

-سامحتني خلاص وقبلت أسفي. لم يكن هاشم أقل دهشة ولكن أماء برأسه. -حصل خير يا. -مريم، انت لحقت تنسى اسمي يا عمو؟ -آه مريم. اقتربت منه سكرتيرته تلك اللحظة تُخبره. -حضرتك عايز مواصفات إيه للخدامة يا فندم عشان أبلغ مكتب التخديم. فأسرعت مريم بجذب ذراع هديل. -وتدور ليه يا عمو، هديل صاحبتي شاطرة. ومحتاجة الشغل ده أوي أرجوك ساعدها. وبين حسرة وألم وذهول وتخطيط كان يسير الأمر، ولكن للقدر حكاية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...