خرجت من المطعم تتمالك دموعها التي سقطت رغماً عنها. الصغيرة جعلتها وسط أصدقائها المرأة اللعوب التي ترمي شباكها على الأثرياء. أتت من بلدتها تبحث عن وظيفة، وفي النهاية حصدت زواجاً. وأكثر ما قهرها أنها كانت تأتي لمنزلهم من أجل أن تقترب من والده. "مجرد دردشة"، كما سمتها الصغيرة، وما وراء ذلك كان مكراً وخبثاً. "أنا آسف." اعتذرت ياقوت من المرأة التي انحنت تلتقط ما سقط منها بعدما اصطدمت بها. "أنا شوفتك قبل كده صح؟
حدقت بها هند لفترة كي تتذكرها. "أنا ياقوت، شوفتيني في المعرض بتاعك." صافحتها هند بود. ولم تكن تعلم لا هي ولا زوجها مروان أنها لم تعد فقط فتاة عادية جلبها معه حمزة. "افتكرتك.. وكويس إني قابلتك." كتمت ياقوت بقلق. وعندما شعرت هند بقلقها، ابتسمت حتى تطمئنها. "متقلقيش، عايزاكي في شغل.. مش انتي بتعرفي ترسمي؟ ارتعشت يد صفا بصدمة وهي تنظر لملامح ذلك الجالس مع رب عملها. خشيت أن يتذكرها ويذكر ملامحها.
وضعت القهوة أمامهم وانصرفت سريعاً تُداري حالها في المطبخ الذي أصبح مكان جلوسها. أنهت جلستها مع هند بسعادة بعدما اقترحت عليها الأخرى العمل ضمن الفريق الذي أسسته في مركزها. سارت تتمشى قليلاً حتى تنسى لقاءها مع مريم. فوقعت عيناها على حديقة صغيرة بسيطة. جلست بها تتأمل الجالسين حولها. لمعت عيناها وهي ترى من يجلب لزوجته قرطاساً من الترمس ثم يربت على بطنها المنتفخة.
ومن يجلس بجانب خطيبته وتمسك ورقة وقلم ويبدو وكأنهم يدونوا ما سيحتاجونه وتكفيه أموالهم. ومن ما زال في زهوة حبه. ومن تجلس مع ابنها تلاعبه. تنهدت بأنفاس مثقلة تتمنى لو تزوجت رجلاً بسيطاً وكان لها وحدها، ولكن الحياة لا تعطي كل شيء ببساطة دون ضريبة. تاهت في حياتها التي تعيشها لتنتبه على رنين هاتفها، تظنه هو، ولكنها تفاجأت بهناء تدق عليها. "ياقوت، انتي فيكي حاجة تعباكي؟
ابتسمت ياقوت لشعور هناء بها، فزفرت أنفاسها وهي لا تعلم بما تُجيب عليها. أتخبرها أنها بخير، أم أنها ضائعة؟ شعرت بها هناء فأجابت بمقت: "مفيش غيرهم، الرجالة هما اللي بيدخلوا حياتنا ويبوظوها." كانت لأول مرة هناء تخبرها عن الرجال هكذا. الرجال كانوا في مخيلتها هم الأمان والحب. كانت تتكلم بقلب عاشقة، أما الآن أصبحت امرأة خذلها الحب. "شكلك زعلانة مع مراد يا هناء."
ضحكت وهي تتمنى أن تخبرها أن زعلها منه شيء قليل عما تعيشه معه، ولكنها تجاوزت الحديث عن حياتها. "سيبك مني أنا، وقوليلي فيكي إيه." صمتت ولم تتحدث. ففهمت هناء ما تعيشه. فوالدتها أخبرتها عن مخاوفها من زيجة ياقوت. رغم أنه رجل ذو خلق، إلا أن حياته المعقدة ومسؤولياته لن تناسب ياقوت التي حلمت كثيراً بزوج تكون هي عالمه كما سيكون هو عالمها الصغير. "ياقوت، اخرجي من دايرة أحلامنا في الجواز...
بلاش أحلام الروايات، كل ده مش موجود في الجواز." وأردفت وقد آلمتها ذكرى أحلامها التي هدمها مراد دون رحمة: "الجواز مش عايز الست الحالمة اللي فاكرة جوزها هيكتبلها كل يوم قصيدة شعر وهيجروا ورا بعض بالمخدات ويحضنها وهي في المطبخ." أثار حديث هناء جزءً داخلها. رغم أن علاقتها بحمزة هادئة، إلا أنها لا تتذكر أنه ضمها إليه يسألها عن أحلامها البسيطة أو جلسوا يتسامرون ليلاً سوياً. "مش هي دي كانت أحلامنا يا هناء؟
فضحكت هناء وهي تتذكر أنها من أثرت عليها بتلك الأحلام. "ذنبك في رقبتي أنا عارفه." "في إيه بينك وبين مراد يا هناء خلاكي كده؟ نظرت للقلم الذي تحمله في يدها وتكتب التقرير الذي طلبه منها مديرها. "صدقيني يا ياقوت، أنا حالياً في أحسن وأفضل فترة في حياتي. قوليلي بتعملي إيه في يومك؟ رجعتي شغلك؟ تنهدت ياقوت بيأس. فحمزة رفض فكرة عملها بالشركة عندما فتحت معه رغبتها بالعودة. "حمزة رفض.. بس النهارده جالي عرض شغل تاني."
ولم تمهلها هناء إكمال تفاصيل ذلك العمل، لتهتف بإصرار: "انتي بتحبي هوايتك، أوعي تضيعيها منك. واتغيري يا ياقوت، الحياه عايزة الست الذكية." مضت المكالمة كما مضى لقاءها بهند، ولكنهم حركوا شيئاً داخلها. أسرعت صفا في وضع الأطباق فوق المائدة خشية أن ينتبه مكرم لملامحها. كان يبدو من وجوده مع فرات أنه شخص قريب منه يثق به. منذ الصباح وهو معه في مكتبه يتناقشون بأمور عدة.
وجوده يخيفها، تخاف أن يتذكرها ويأخذها بذنب ليس لها دخل فيه، إلا أنها ابنته، رجل لم يعرف الرحمة يوماً ولم يكن إلا شيطاناً. "متعرفش وجودك هيفرق قد إيه معايا في الشغل يا مكرم." قالها فرات وهو يسير بجانبه نحو مائدة الطعام. فأطرقت صفا عيناها أرضاً حتى لا يرى مكرم ملامحها. رمقها فرات بسخط: "واقفة عندك ليه؟ وقوفها كان من أوامره. فتعلثمت في ردها: "دي أوامر حضرتك."
تخفي ملامحها على مكرم، ولكنه فضل الصمت بذكاء حتى يفهم كيف وصلت للعمل مع فرات. شرعوا في تناول طعامهم. وعقل مكرم يدور في وجودها هنا. ولكن أخيراً وجدها، فحق شقيقته سيأخذه منها. وكأن وقت الحساب قد أتى. تظاهر مكرم بتذكر مكالمة هامة: "تسمح لي يا فرات بيه.. أعمل مكالمة؟ ابتسم فرات بلطف مشيراً إليه أن يفعل ما يحلو له. خطواته أخذته إلى المطبخ الذي خمن وجودها فيه. وجدها تجلي الأطباق بذهن شارد.
"يااا على الزمن.. صفا بنت عدنان الأنصاري آخرتها خدامة وخريجة سجون كمان." ألقى عباراته متهكماً. فأغمضت عيناها بخوف، فما خشت منه حدث. "انتي وصلتي لفرات النويري إزاي؟ ولا شكله الصيدة الجديدة بعد حضرت الظابط؟ عدنان الأنصاري هيخلف إيه غير أفعى." سقطت دموعها وهي تتذكر مكرم صديق طفولتها وشقيقته منال توأمه.
منال صديقتها الجميلة التي انتهك والدها حرمة جسدها بعد أن جعلها فتاة مدمنة، ومن أجل أن تنال جرعتها كانت تعطيه جسدها كعربون. لم تعرف كل هذا إلا يوم وفاتها. "فاكرة منال يا صفا؟ دموعها ملأت وجهها ولم تشعر إلا بالطبق يسقط من يدها ودخول فرات عليهم متعجباً من وجود مكرم بالمطبخ. "بتعمل إيه هنا يا مكرم؟ أجابه بصلابة وهدوء: "كنت بطلب منها كوباية ميه." وغادر المطبخ دون كلمة أخرى حتى لا يثير شكوك فرات.
ليرمقها فرات وهي تنحني تجمع الأجزاء المنثورة فوق الأرضية. "ابقى خدي بالك بعد كده." تمتم عبارته بجمود وانصرف ليتركها في الماضي الذي أبى أن يتركها رغم ما تدفعه لتكفير ذنوب والدها. انتظرت قدومه بفارغ الصبر حتى تعلمه بمقابلتها لهند وعرض عملها. ابتسمت وهي تقترب منه، ولكن ابتسامتها اختفت سريعاً. "ليه عملتي مريم وحش يا ياقوت قدام صحابها؟ انصدمت بما يخبره به. فأردف بأسف لفعلتها: "كنت فاكر عقلك أكبر من كده."
لم تتحمل إهانته الظالمة، فلم تفكر أن تخبره بإهانتها لها أمام صديقاتها ولم تهينها كما أهانتها، ولكن في النهاية يكون هذا جزاءها. "انت جاي تتهمني؟ أشارت نحو حالها بألم. فتنهد بضيق: "فين إهانتك؟ احنا بنتكلم.. ياقوت مريم بنتي ولازم تتقبلي ده." ابنته وما هي إلا خاطفة الرجال كما أسماها الصغيرة. ذلك هو الخلاص الذي تمنته. اتضحت لها مكانتها بحياته، وكما أخبرتها زوجة أبيها ستعود لهم بحقيبتها مطلقة. دمعت عيناها قهراً:
"بنتك اللي فخور بيها دي كدابة وأنانية." صرخ بها بقسوة وكأنها أجرمت فيه هو: "ياقوت.. حاسبي على كلامك." ألمها صراخه بها. رأت صورته القديمة وكأن زهوة الزواج قد انطفأت. "أنا مكدبتش، دي الحقيقة... للأسف انت فشلت في تربيتك يا حمزة بيه. البرج العالي اللي معيش بنتك فيه خلق منها إنسانة أنانية ومريضة." لم يحتمل حديثها، فصغيرته لا أحد يفهمها غيره، يعذر صغر سنها. "قلت اسكتي.. ظاهر إنك مش واعية لكلامك." بكت بحرقة وهي تنظر إليه:
"أنا واعية لكل كلمة.. بنتك محتاجة دكتور نفسي يعالجها من أنانيتها وكذبها." تجمدت نظراته نحوها ورمقها بقسوة: "خيبتي نظرتي فيكي.. كنت فاكر معاملة أهلك ليكي هتخليكي تعامليها كويس وتحسي بيها.. بس ظاهر فاقد الشيء مش بيعرف يدي حاجة." صفعتها كلماته، لتتسع حدقتيها وهي تسمع اتهامه: "انت بتعيرني بحياتي... أنا كل ضعفي وطيبتي من اللي شوفته، بخاف أذى الناس لأني دُقت مرارة الأذى." ضاقت أنفاسه وهو يدرك ما تفوه به.
لم يكن يقصد جرحها، ولكن مريم في كفة أخرى بحياته. أزالت دموعها بعنف من فوق وجنتيها آسفة على حالها: "سمعت بنتك ومفكرتش تسمعني حتى؟ وارتجفت وهي تعض شفتيها حتى لا تعود لبكائها. "عملت زي ما طردتني من شركتك عشان غلطة كانت غصب عني." تنهد بيأس عما حدث، وأخذ عقله يدور في صغيرته التي لا تكذب عليه أبداً، وكيف ستكذب وهي من هاتفته تطلب منه أن تقابل ياقوت وتعرفها على أصدقائها ويقتربوا من بعضهم لأجله.
سارت من أمامه وهي لا تشعر بقدميها. ها هو الظلم يعود إليها من جديد. ضحك شريف بقوة وهو يزيح وجهه بعيداً عن عبث يداها. "كفاية لعب في وشي يا مها.. الظاهر إن جلسة النهارده أثرت عليكي يا حبيبتي." أكملت عبثها بالمثلجات بشقاوة، ليلتهم إصبعها فصرخت بتأوه: "أكلت صباعي! مال نحوها يداعب أنفه بأنفها: "مرتاحة... عرفتي تتكلمي مع الدكتورة وتحكيلها؟ شبكت يداها ببعضهما تزفر أنفاسها نحوه: "أنا بحبك أوي يا شريف."
ضمها نحوه ناسياً كل شيء معها. رغم أن فارق العمر بينهما سوى عام، إلا أنه لا يراها إلا كابنته. سبحانه من وضع حبها في قلبه. "مها، أنا بقول نروح.. كده هنتفضح يا حبيبتي.. وسمعتك المهنية هتدمر بسببك." ابتعدت عنه بعدما أتم عباراته وفهمت مغزى كلامه. "ابعد عني يا شريف.. انت اللي بتستغل الفرص." أدار مفتاح سيارته ضاحكاً على فعلتها: "ياريت لما نروح تبقى كده يا حبيبتي.. بدل ما انتي لا نايمة أو قاعدة مع ندى."
بكت حتى أصبحت ليس لديها طاقة للبكاء. كلما تذكرت كلماته التي طعنها بها، شعرت بوجوده معها بالغرفة. وعندما تسطح جانبها، نهضت تلتقط وسادتها وغطاءً. "رايحة فين يا ياقوت؟ رمقته بغضب هش وضمت وسادتها وغطائها نحوها. "رايحة أنام في مكان تاني." تنهد ممسحاً على وجهه، فالمشاكل قد بدأت وعليه أن يراضي ويتقبل أعاصير النساء. "ارجعي مكانك ونامي وبلاش شغل العيال ده." لم تشعر بنفسها وألقت ما في يدها فوق الفراش.
"أنا عيلة.. عشان زعلانة أبقى عيلة." وعادت تلتقط أشياءها. فقبض على معصمها ناهراً: "مش بأول نقاش بينا هنوصل لكده... أنا مبحبش تصرفات الستات وصغر عقلهم." انسابت دموعها وهي تسمع عباراته، لا تصدق أنه قاسٍ هكذا. "ده مكنش نقاش.. ده كان اتهام وظلم." ذبذبة بكائها تخلي عقله عن قيوده وضمها نحوه. "خلاص يا ياقوت، أنا آسف على الكلمة اللي قولتها لك، مكنتش أقصد أعايرك بحياتك." جهشت بالبكاء وهي تُخلص حالها من أسر ذراعيه.
"انت مصدقتنيش، شايفني كدابة؟ مريم محتاجة تتعالج صدقني." زفر أنفاسه مقرراً أن يجمعهم ببعضهم وهو بينهم حتى يفهم الأمر منهما سوياً. فعقله رجح الحكاية له غيرة من كلتيهما ليس أكثر. "خلاص يا ياقوت.. هنخرج أنا وانتي ومريم، والغلطان فيكم هيراضي التاني. أنا عايزكم تقربوا من بعض لأن كده هرتاح." لم تحب الفكرة، ولكنها لم تجد إلا الصمت. وعندما تذكرت أمر العمل، ابتعدت عنه. "أنا قبلت هند النهارده."
وقبل أن يفهم منها كيف تمت مقابلتهما، أردفت بحماس: "قدمت لي عرض شغل في مركزها التعليمي.. نفس العرض اللي انت قدمته لي لما كنت موظفة عندك." تذكر ذلك العرض الذي لم يكن غرضه منه إلا نسج خيوط لعبته. كان ذلك من الماضي، ولكن الآن هي زوجته. "لا يا ياقوت، مافيش شغل. عايزة ترسمي؟ فضي لك أوضة وهجيب لك كل اللي تحتاجيه وارسمي في البيت." أطفأت حماسه لتنهض من جانبه تلتقط وسادتها تاركة الغرفة له. "ياقوت...
تعلق عين شهاب بندى متعجباً من وجوم وجهها بعدما خرجت من المرحاض. "إيه اللي في إيدك ده يا ندى ومالك حزينة كده؟ سلط عيناه نحو ما تقبض عليه بيديها. "مطلعتش حامل يا شهاب." ضحك على درامتها، فالأمر لا يفرق معه. "وزعلانة عشان كده؟ ده أنا قولت مات ليكي حد." داعبها حتى تضحك، ولكنها لم تبتسم. فأقترب منها يرفع وجهها إليه: "المرادي مفيش حمل... المرة الجاية يحصل، احنا مش مستعجلين يا حبيبتي."
ومال نحوها يخبرها بعباراته الوقحة، فدفعته عنها بسبب وقاحته. "بطل كلامك ده." تنهد بارتياح عندما سمع ضحكتها. "أيوه كده اضحكي.. صحيح يا ندى، سمر دي انتي واثقة من قواها العقلية؟ هزمت شفتيها بعبوس وهي تسمع تهكمه بشقيقة صديقتها. "شهاب متقولش كده، البنت بتمر بظروف نفسية.. والشغل هيخرجها من اللي هي فيه." كان غارقاً في تأملها غير مبال بقصة الأخرى. "سيبك من سمر دي وخليكي معايا."
خرج فرات من غرفة مكتبه بعد أن أنهكه عقله باتصال محاميه به. لم يكن الاتصال إلا اطمئناناً ومزاحاً، ولكن العبارة التي رماها أسعد محاميه كانت بمقصد. أسعد لم يكن محاميه وحسب، إنما صديقاً له. "عزيز كان بيسأل عن العقارات والأراضي اللي ملكك.. وفرحان بالفلوس والأملاك اللي بتعملها، ماكله هيكون لأولاده مش ولاد فادية هما اللي هيورثوك." عزوفه عن الزواج كانت رغبته. الفتاة التي أحبها في شبابه رحلت وأخذت أحلامه معها.
وأصبحت النساء أمامه متعة لا يرغبها. وعادت كلمات أسعد تصب في أذنيه: "لو هاشم النويري كان عايش وشايف نسله بينتهي وماله وأراضيه هتكون لواحد زي عزيز كان مات بحسرته يا فرات." قبض على عصاه بقوة ودق بها الأرض حتى ينفض أفكاره. شعر بحاجة إلى فنجان قهوة يعيد له توازنه، ليخطو نحو المطبخ. فوقعت عيناه على صفا الممددة أرضاً تضم غطائها على جسده. تنهد بمقت من فكرة شقيقته في إبعادها عن مصر حتى ينسى زوجها أمرها.
رغم أنه يعرف أن يقدر على ردع عزيز أو تطليق شقيقته منه، ولكن حب شقيقته لزوجها يجعله يتغاضى. قضت سنوات شبابها تخدمه وتخدم أبيه وترعاهم، وكانت رغبة أبيه أن تظل معهم دون زواج، فهي ليست بحاجة لأن تتزوج. عقد كان داخل والده وأفكار عقيمة لم يطبقها إلا على شقيقته. ولكن هو كان يشعر بها ولم يُكمل رحلة حرمانها من حقوقها بعد وفاة والدهم. أعطاها حريتها، ورغم عدم تقبله لعزيز، إلا أن إصرارها جعله يرضخ في النهاية حتى يتبرأ من ذنبها.
سكب قهوته التي كادت أن تفور، ليقف منصتاً لهمهمات صفا. "أنا مظلومة.. منال.. حمزة.. انت السبب." كانت تنادي عليهم وتبكي. ترددت الأسماء في أذنيه. هو يعلم بحكايتها مع حمزة الزهدي. ولكن من منال تلك التي تهتف باسمها؟ انتفضت من نومتها تلتقط أنفاسها لتقع عيناها على فرات القريب منها ويحمل في يده كأس الماء. طالعته بخوف تضم جسدها بذراعيها. "خدي اشربي." مد كفه بكأس الماء، لتتعلق عيناها به خوفاً. أما هو فوقف يسبر أغوارها.
اتسعت حدقتيها وهي ترى الصغيرة تقدم لها هدية وتبتسم نحوها. "ممكن تقبلي مني الهدية دي يا ياقوت؟ جالت عين حمزة بينهما بعدما أخرجت صغيرته هديتها المغلفة من حقيبة ظهرها وقدمتها لها. ألجمتها فعلتها. فالصغيرة منذ أن دلفت معهم السيارة إلى أن وصلوا لأحد المطاعم وهي تحدثها بلطف وكأنها باتت ليلتها واستيقظت لتجد أنها تحبها. "ياقوت، مريم بتكلمك. انتي سرحتي في إيه؟
انتبهت على صوته الجاد وهو يرمقها بتأنيب على صمتها وحديثها عن صغيرته. وها هي صغيرته تثبت لها حسن نواياها بقلب حنون. رسمت ابتسامتها بصعوبة من هول دهشتها وألتقطت الهدية تنظر لاعين مريم التي كانت تطالعها براءة. "أتمنى تعجبك الهدية.. ونتصالح ونبقى أصدقاء يا ياقوت." أسبلت جفنيها بوداعة تنظر نحو ياقوت التي دخل عليها الدور ولانت ملامحها وابتسمت نحوها بصدق.
ولامت نفسها على حديثها عنها، فيبدو أنها فهمت اندفاعها خاطئ، وها هي تعتذر منها. "هو أنا ممكن أقولك ياقوت عادي؟ لمعت عين ياقوت واشرقت ملامحها بابتسامة حانية. "طبعاً يا مريم.. هكون سعيدة لو بقينا صحاب ونقرب من بعض." طالعهم حمزة بسعادة حقيقية ينفث أنفاسه براحة وهو يراهم منسجمين هكذا. "المهم بابا يكون مبسوط." قالتها الصغيرة بدهاء ليُطالعها حمزة وهو سعيد بأن صغيرته تتقبل كل شيء لأجله.
"حبيبتي، أنا هبقى مبسوط لما تقربوا من بعض.. وكده أقدر أوعدكم إننا نسافر أي مكان تختاروه سوا." وكأنه أراد أن يكافئهم. فلا شيء يرق مضجعه تلك الفترة إلا هما. عواقبه تتلخص بين صراعه معهم، يرغب بزوجته والتمتع معها براحة، ولكن أبوته غرزت في أعماقه ولا يوجد مقارنة لديه بين حبهما. لمعت عين الصغيره وهي تنظر لملامح ياقوت التي تنظر لحمزه بسعادة عندما أفصح عن نيته برحلة معهم وحدهم. تمتمت داخلها بحقد: "مش هتاخدي مكان ماما أبداً."
"خلي مريم هي اللي تختار المكان.. أكيد هي محتاجة الرحلة دي قبل الدراسة." تمتمت ياقوت عبارتها وهي تطالع مريم. ليسعد حمزة من ردة فعلها. بدأ النادل يضع أطباق الطعام أمامهم. ليصدح رنين هاتفه فنهض يُجيب على المتصل ناظراً لهم بحب. "كلوا لحد ما أخلص المكالمة ورجعلكم." أومأت ياقوت له برأسها وشرعت في ارتشاف الشربة بمعلقتها، غير منتبهة على نظرات مريم التي تحولت للعداء. "متحلميش أوي بالعيشة دي كتير."
انصدمت من عبارتها لترفع عيناها نحوها وقد استوعبت الأمر أخيراً. الصغيرة تمثل أمام والدها. "انتي بتعملي كده ليه معايا؟ رمقتها مريم بحقد. انتظرت ياقوت أن تخبرها عن سبب كرهها، ولكن الصغيرة صمتت وبدأت تتناول طعامها. "اتأخرت عليكم." صوت حمزة وقدومه كانت الإجابة عليها. فالصغيرة صمتت حيناً وجدته عائداً نحوهم. كان سهيل بارعاً في رسم دوره حتى أنه صدمها. تجاوزاته كانت مخجلة بالنسبة لوضعهم. "أخيراً رأيتك تحب أخي وتزوجته."
تنادى نورالدين عبارته وهو يرمق سهيل الذي كان يمسد كف سماح داخل قبضته. ابتلعت جين طعامها بغصة وعيناها ترى المشهد. لم تتحدث بكلمة. فالمشهد الغرامي الذي يعرضه سهيل جعلها تحترق بنيران الغيرة. "سماح سرقت لي عقلي." سلط عيناه نحو جين وهو يتمنى أن تأخذ دورها الصحيح وترحل عن شقيقه. يعلم أن شقيقه سيتألم، ولكنه سيعتاد. لو استطاع إخباره سبب مكوثها بينهم وتضحيتها العظيمة بأن تظل ممرضة له.
رسمت بسمة حنونة على شفتي نورالدين لتتعلق عيناه بجين. "أنا وجين لدينا خبر لكم." لم يشعر بالراحة مما سيخبره به شقيقه. وفي ثوانٍ كان يخبره بآخر شيء ينتظره. المخادعة جعلت شقيقه يرغب بزواجها. ستخدعه كزوج وتنتقم منه. "سنتزوج." حدقت بهم سماح صامتة وأكملت تناول طعامها سعيدة بما سيحدث لذلك المغرور. فالحكاية تعقدت وبدلاً من كانت مجرد حبيبة ستنتقل لرتبة أكبر وتكون زوجة شقيقه. تنهد وهو يجدها تبتعد عنه بعدما حاوطها بذراعيه.
يدنو منها ليقبلها: "وهتفضلي لامتى زعلانة؟ تمتمت بحزن وهي لم تنسى معايرته لها ونظراته التي اتهمتها أن ابنته ذات نية صادقة. "لما توافق أني أشتغل.. أنا تعبت من القعدة لوحدي طول اليوم." اعتدلت في رقدتها لينظر لها ضائقاً عيناه. "انتي كلمتي نادية؟ توترت وهي تتذكر مجيء نادية إليها اليوم صباحاً وقد طلبت منها أن تساعدها حتى تجعله يقبل أمر عملها. ولكن نادية وضعت لها الحل دون أن تظهر هي في الصورة.
"حمزة دلوقتي جوزك يا ياقوت، ابدأي افهمي مداخل جوزك وألعبي عليه... وصدقيني الراجل بيعند أكتر لما طرف تالت بيدخل في قراراته مع مراته." وأخذت تخبرها بنصائحها. شعرت أنها تتعلم من جديد. وضحكت ساخرة على حالها، فمن أين ستتعلم وكل حياتها كانت مغلقة. "مدام سكتي يبقى كلامي صح." وزفر أنفاسه مقتاً: "ياقوت، أنا مبحبش الجدال كتير." ارتبكت وهي عازمة على فعل ما أخبرتها به نادية. فاقتربت منه تمسك كفيه برجاء:
"ارجوك، أنا بحب الرسم ودي فرصة ليا.. ده يعتبر عمل تطوعي." وأردفت بتلاعب من أفضال نادية: "انت طول عمرك حنين.. هتيجي معايا أنا ومش هتبقى حنينا." ابتسم على عبارتها: "ما شاء الله، نادية ليها تأثير ساحر." ورغم أنه لانت ملامحه ووافق من أجل ألا يحرمها من هوايتها، أراد التلاعب بها. "قلت لا يا ياقوت." حاولت كثيراً معه إلى أن ضاقت أنفاسها. فنهضت من فوق الفراش حانقة. خرجت بمنامتها القصيرة وقد نسيت أمر مبيت مريم لديه.
دلفت للمطبخ تبحث عن شيء تخرج به حنقها. ألتقطت إحدى حبات الطماطم تلتهمها بضيق. لتشعر بوجوده. رمقته وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويحدق بها مستمتعاً. "نفسك قصير يا ياقوت.. وعلى العموم أنا موافق مدام ده حلمك." اتسعت عيناها ذهولاً غير مصدقة أنه وافق أخيراً. ركضت إليه تتعلق بعنقه والسعادة تغمرها. "بجد موافق؟ أنا مبسوطة أوي." ضمه نحوه وقد خفق قلبه وهي بين ذراعيه. شبت على أقدامها تلثم خده مما جعل قلبه يخفق أكثر بمتعة.
ولم ينتبهوا لنظرات الصغيرة وقد تأكدت من صدق حديث صديقتها رؤى أنها ستأخذه لها وسينساها. دفع سهيل كل شيء يقابله أمامه غاضباً وهو لا يرى أمامه. خطته كانت لكي ترحل عندما ترى زوجته. كان يعلم أن رحيلها لن يكون سهلاً، ولكن لم يظن أن الأمر سيقلب لزواج. فماذا ستريد من شقيقه وبوضعه هذا؟ "حقيرة.. ماذا سأنتظر من النساء إلا المكر." التوت شفت سماح تهكماً ولم تعبأ بثورته. "تستاهل.. فاكرها هتقعد تبكي عليك؟ أهي ألشتك وهتتجوز أخوك."
وصلته همهمتها فتوقف عما يفعله لتحتد نظراته نحوها. أرعبتها نظراته الحادة لترفع كتفيها بثقة. "بتبصيلي كده ليه.. لو فاكرني هخاف منك مش هخاف." قبض سهيل على كفيه يجاهد محو أفكاره الشنيعة مقترباً منها. "مدام اتفاقنا لم يجني ما خططت له.. سآخذ حق أموالي التي دفعتها لك." اتسعت عيناها وهي تجده يرمقها بنظرات فهمتها. لعنت اللحظة التي قابلته فيها والمال الذي أخذته منه وقد ظنت أنه سيأتي شيء في أمواله.
أخذت بعض المال منه لتدفعه في دار أيتام. أوشكت على السقوط. اتفاقهم كان بعد نهاية مدة العقد، ولكن حدث ما حدث. "بس ده مكنش اتفاقنا." مرت أمامه صورة والدته وهي في أحضان عمه. ذكرى لعينة لم ينساها يوماً. ابتلعت سماح لعابها بخوف من قربه لها وانتفضت من فوق الفراش هاربة، إلا أنه كان أسرع منها. "سآخذ حقي بمالي سماح." قلبت الغرفة رأساً على عقب تبحث عن الخاتم الماسي الذي يتهمها بسرقته.
عصرت ذاكرتها لعلها تتذكر شيئاً أثناء تنظيفها لغرفته، ولكن لم تلتقط عيناها شيئاً كهذا. سقطت دموعها بعجز تدور حول نفسها هنا وهناك حتى نهكت قواها. ليتصلب جسدها وهي تسمع صوته. "ساعة بتدوري عليه." وأردف متهكماً: "مش لايق عليكي التمثيل ده." واقترب منها يدفشها أمامه: "والله ما سرقت حاجة ولا شفته وأنا بنضف.. أنا مش حرامية." ارتسمت السخرية على شفتيه ومازال يدفعها أمامه إلى أن وصل بها للمطبخ الذي تبيت فيه، آمراً إياها:
"دوري في حاجتك ووريني." تعلق عيناها بفرشتها التي تأخذ ركناً في أحد أركان المطبخ. اعتصر الألم قلبها، فأي حياة تلك التي كانت تنتظرها وتعد لها الأيام حينما كانت في سجنها. انحنت تبحث أسفل وسادتها وتنفض فرشتها. رمقه فرات بوجه جامد لتنظر إلى مكان نومتها. "مفيش حاجة." كان يعلم أين ستجد ضالته ولعبته التي خطط لها. ولكن بعقله العسكري كان يرسم الدور بإتقان وببطء. "دوري في هدومك."
طالعته بأعين غامت بها دموعها لتفعل ما أمرها حتى تتخلص بعدها من هذا الاتهام، ثم سترحل مهما كلفها الأمر. بحثت في ملابسها لتقع يدها على شيء مستدير. ارتجفت أوصالها وهي تخرج كفها من أسفل ملابسها تخشى مخاوفها. ألتقط يدها بعنف ناظراً إلى ما تقبض عليه بكفها. لتسقط عيناه على ضالته ناظراً لها باحتقار: "هستنى إيه من واحدة خريجة سجون؟
وفي ثوانٍ كان يخرج من المطبخ متجهاً إلى الخارج صارخاً بالحارس الذي يقف على بوابة المنزل والذي دلف سريعاً بعد أوامره ليحاصرها بسلاحه. والتهمة التي لم تفعلها سقطت على عاتقها لتصرخ بألم. "مسرقتش حاجة، والله ما سرقت حاجة." صراخها لم يُحرك به ساكناً وهو يرفع هاتفه أمامها. "مكاني السجن اللي خرجتي منه." ركضت نحوه تتوسله بعدما أزاحت الحارس عنها.
"أنا عمري ماكنت حرامية في يوم.. واتسجنت ظلم..ابوس إيدك رجعني مصر، ولو بتعمل كده عشان عزيز ميقربش مني أحلف لك إن هبعد عنه ومش هتشوفوني في حياتكم خالص." جعلها تصل إلى حد الانهيار. ترجته وتوسلت أن يرحمها ولن يروها بحياتهم ثانية. ليشعر فرات بالإشباع وهو يرى ذلولها. يقسم أنه سيجعلها تعيش ما عاشته منال حبيبته وقد عرف سبب رحيلها بعد سنين دفن فيها حبه. "اخرج انت يا إبراهيم."
أشار إلى حارسه بالخروج، فأنصرف الحارس دون كلمة لتتعلق عين صفا به تظن أنه سيعفو عنها من ذنب لم تقترفه. "حريتك ولا السجن؟ تف عبارته بوجه جامد جعل جسدها يرتجف من قسوة ما تعيشه. قضمت شفتيها بقوة ودموعها تسيل فوق وجنتيها. "جدران السجن كانت أحن عليا من قسوة البشر." طالعت وجهه الذي كرهته. "يعني اخترتي السجن؟ تمتم فرات عبارته متهكماً. وكاد أن يعود لرفع هاتفه ثانية فوق أذنيه كي يطلب الشرطة.
أغمضت عيناها والألم يجثم فوق روحها، ستُلقى في السجن مرة ثانية ظلماً. "عايزة حريتي." سمع الجملة التي ينتظرها ليُحدق بها للحظات يتأمل هيئتها الشاحبة. "مدام اخترتي حريتك يبقى هتدفعي حق منال وهتعيشي زي ما عاشت." شعرت بقبلاته تغمر صفحات وجهها ويده تعبث بخصلاتها. تقلبت في نومتها ترفع كفها تبحث عن وجهه. ابتسم شريف إليها وهو أسعد رجل بعد أن وهبت له نفسها برضى. "صباح الخير يا حبيبتي." خجلت وهي تتذكر أحداث ليلة أمس.
كانت لمساته تخرجها من ظلامها. سقطت دموعها ورغبتها في رؤية وجهه الآن حتى ترى سعادته بأنها أصبحت له. "بتعيطي ليه يا حبيبتي.. في حاجة تعباكي؟ ارتجفت شفتيها وبحثت عن صدره بكفيها ثم دفنت رأسها به. "نفسي أشوفك.. كل اللحظات الحلوة محرومة منها." انهمرت دموعها بغزارة. فمهما خرج من بين الشفاه كلمات تأخذنا لعالم آخر، إلا أن لغة الأعين أقوى في إيصال مشاعرنا.
"هتعملي العملية وتخفي يا مها.. وهنعوض كل حاجة من تاني، أوعدك يا حبيبتي." سمع شهقاتها فضمها إليه أكثر. مازحها حتى يجعلها تنسى نقصها. "المفروض الواحد يصحى على كلمة حبيبي وبوسة على خد ده والخد ده مش عياط يا مها." ابتعدت عنه بعدما شعرت بحماقتها. فعاد لضمها مستمتعاً سعيداً. طرقات قطعت لحظتهم لتهتف الخادمة: "شريف بيه.. أخت مدام مها وجوزها تحت علينا." سمعت اسمه تلاشت سعادتها وعادت لحضنه من جديد. "قوليلهم نازلين يا مجيدة."
احتست ياقوت كأس الشاي الذي جلبته لها العاملة في غرفة هند التي طلبت منها انتظارها في غرفة مكتبها لتتحدث معها عن الراتب الذي تريده مقابل عملها معهم. "اتأخرت عليكي." ألفت ياقوت نحوها ترمقها بابتسامة هادئة. "لا أبداً." جلست هند في المقعد الذي أمامها تنظر إليها بلطف. "تعرفي يا ياقوت، بساطتك دي أحلى حاجة فيكي.. واتوقع إن من أسباب اختيار حمزة لكِ كشريكة حياته." تخضبت وجنتيها خجلاً.
فهي لا تعرف سبب اختيار حمزة لها كزوجة، فأحياناً تشعر أنها شيء ثمين بحياته وأحياناً أخرى لا تشعر بشيء. كل ما ترغب به أن تنال حياة هادئة ناجحة معه ولا ترى شماتة زوجة أبيها بها. "وشك جاب ألوان الطيف.. خلينا نرجع لموضوعنا الأساسي.. قولي لي عايزة راتب قد إيه." انتظرت هند أن تجيبها، ولكنها كانت تشعر بالحرج.
بمثل هذه الأمور هي تمارس هوايتها حبّاً، والمال لو أخذته ستبعثه لوالدها، فعمله في محل الفاكهة لم يعد يكفي حاجة إخوتها ولا علاجه. "اللي تشوفيه.. أنا بمارس هوايتي حب مش عشان الفلوس." كانت تعلم هند أن هذه ستكون إجابتها. اتفقوا على الراتب. ليدخل أحدهما بطريقة درامية. "وردتي الجميلة." شعر مروان بالحرج عندما لم يجدها وحدها، ولكن فور أن وقعت عيناه على ياقوت ابتسم بود. "إزيك يا مدام ياقوت؟
أصبح على علم بزواج حمزة واختيار ياقوت. ورغم أنه لا يرى توافقاً في هذه الزيجة، إلا أنه في النهاية هذا قرار صديقه. "لسه كنت عند حمزة في شركة الحراسات بعاتبه على جوازه اللي كنت آخر من يعلم عنه." شعرت ياقوت بالحرج وتوترت وهي تبل شفتيها بطرف لسانها. "كل حاجة جت بسرعة والفرح كان في البلد." طالعت هند زوجها بابتسامة محبة. "خلاص بقى يا مروان، قلبك طيب.. إحنا ندبس حمزة في عزومة محترمة وناخد حقنا منه."
وقف مروان لوهلة مفكراً وكأن العرض راق إليه لينظر لزوجته ضاحكاً بداعبه. "تصدقي عندك حق." ابتسمت ياقوت على عباراتهم ولطافتهم وأقتربت هند من زوجها تهندم له قميصه. "قلت لك مليون مرة اقفل القميص للآخر." ضحك مروان على أفعال زوجته. لترمقه بحنق وهي تغلق له أزرار قميصه. خجلت ياقوت من وجودها بينهم وألتقطت حقيبتها. "همشي أنا.. محتاجة مني حاجة؟ ابتعدت هند عن زوجها بعد أن هندمت له قميصه. "لا يا حبيبتي، تقدري تمشي."
خرجت من المركز تحسم أمرها بالذهاب إليه. مشهد مروان وهند جعلها تشعر أنها بحاجة أن تجرب مثل هذه المشاعر. قادتها أقدامها إلى مقر الشركة لتقف تنظر إلى وجهتها ثم دلفت إليها. الجميع كان يعلم أنها موظفة في إحدى فروع شركته، فقد أتت من قبل هنا. ولكن هويتها الجديدة ليست بكثرة من يعرفها، فزواجه لم يكن معلناً للجميع. صعدت لغرفة مكتبه التي تعرف وجهتها.
في نفس اللحظة التي صعدت بها عبر الدرج كان يهبط من المصعد وبجانبه سيلين التي عادت من عملها بدولة الإمارات. وقفت ياقوت أمام سكرتير مكتبه تطلب مقابلته وعلى ثغرها ابتسامة واسعة تلاشت حينا أخبرها: "حمزة بيه لسه خارج من دقائق." أسرعت في خطاها وتلك المرة صعدت المصعد كي تلحقه. خرجت من الشركة كما دخلت، ولكن تلك المرة بخطوات سريعة لتقف في مكانها وهي ترى سيارته تغادر وبجانبه امرأة.
انطفئ حلمها الذي تخيلت فيه حضنه حينا تذهب لمقر عمله. يمازحها، يغمرها بقبلاته فتخجل. أحلاماً حلم بها القلب. "أظاهر إن الأحلام دي في الروايات بس يا ياقوت." خاطبت حالها بأنفاس متقطعة وضاقت عيناها وهي تود معرفة هوية تلك المرأة. "أكيد ليها شغل معاه.. يعني هيكون بينهم إيه.. اكبري يا ياقوت." أوقف سيارته بغضب بعد أن تعب من صراخها المتواصل. "هرجع بلدي يعني هرجع ياسهيل.. مش أخدت تمن فلوسك." أغمض عيناه وهو يزفر أنفاسه بقوة.
"اصمتي قليلاً." ضاقت أنفاسها من بروده العجيب عليها، فرفعت كفيها تدفعه على صدره. "هفضحك وسط الإعلام.. وأحكي عن لعبتك الحقيرة واغتصابك لي." تجمدت ملامحه وقد نفر من تلك الكلمة. "وهل تظني أنهم سيصدقونكي؟ ثانياً أنتِ زوجتي سماح، كنا متفقين أم لا، فأنتِ زوجتي وهذا حقي." اشتغل قلبها بالحقد وكادت أن ترفع يدها لتصفعه. فقبض على كفها بقوة محذراً: "احذري من أفعالك سماح." تعلق عيناهما بتحدي. "عايز إيه تاني مني...
أخوك وهيتجوز جين خلاص." أغمض سهيل عيناه ليزفر أنفاسه بغضب. "سأجعلها تدفع ثمن لعبتها." ونظر لها بهدوء يعرف أن هذه الطريقة تجدي معها نفعاً. "اعتبري هذه المرة خدمتك من أجل أخي سماح." تلملمت فوق الفراش لا تشعر بالنعاس. رقدت على جانبها تتأمل ملامحه وهو غافي. مدت كفها نحو وجهه تُحرك باطن كفها بخفة تسأل حالها. "ياترى جوازنا نهايته إيه؟ نهضت من جانبه تلتقط مئزرها وتغلقه جيداً على جسدها.
سمعت رنين هاتفها وقد تجاوزت الساعة الثانية عشر. تعلق عيناها باسم هناء لتسرع في الإجابة عليها. "هناء، انتي فيكي حاجة؟ زفرت هناء أنفاسها وهي تقضم أظافرها من فرط توترها من المصيبة التي حلت عليها. "بكرة معزومين على العشا عند نغم شريكة مراد." "طب وفيها إيه يا هناء، متتعزميش؟ قالتها ياقوت وهي تلتقط زجاجة المياه من الثلاجة ترتشف منها. "ركزي معايا يا ياقوت.. مديري في الفندق اللي شغالة فيه يبقى ابن عم نغم ويبقى جوز أختها."
وقبل أن تسألها ياقوت عن المشكلة في ذلك الأمر، أردفت هناء وهي تزفر أنفاسها بقوة. "محدش يعرف في الفندق اللي شغالة فيه إني متجوزة.. ومراد ميعرفش إني شغالة في فندق.. اعمل إيه؟ فهمت ياقوت ما يشغل بال صديقتها لتهتف ضاحكة. "ما ده آخرة الكذب، كان فيها إيه لو قولتي إنك متجوزة؟ قطبت هناء حاجبيها بضيق. "شروط الوظيفة إني مكنش متجوزة." وكتمت صوتها وهي تسمع طرقات على باب حجرتها. "ياقوت، هكلمك بعدين."
وأغلقت الهاتف فوراً لتسرع في فتح الباب ولم تنظر إلى ما ترتديه. سقطت عين مراد عليها. عيناه بدأت تراها كامرأة يشتهيها رجلاً وليست ابنة العم الذي أجبره عليها والده. "في حاجة يا مراد؟ تحنح مراد حرجاً من تحديقه بها. ولم يعرف سبب قدومه إليها. لمعت عيناه وهو يجد الجواب لقدومه. "محتاجك تختاري معايا بدلة تنفع لاجتماع بكرة." تعجبت من طلبه، فمنذ متى يهتم برأيها بملابسه.
مراد المعروف بعنجهيته وثقته بجاذبيته يطلب منها اختيار ما سيرتديه غداً. سارت من أمامه لتختار له ما يرتديه ليقف خلفها يتأملها وهي تنتقي له ما يروق لها. عيناه أخذت تنتقل مع حركتها وقلبه يلعن غباءه. "إيه رأيك ديه أو ديه؟ ابتسم وهو يقترب منها ينظر لما اختارته. "أنا شايف ديه." تعلق عيناها بما وقع عليه الاختيار، فأومأت برأسها تأكيداً. "أنا برضوه ده رأيي."
وضعت ما في يدها وكادت أن تنصرف من غرفته، ولكن يده جذبتها إليه وذاق ما كان يتوق إليه تلك اللحظة. صفعة صدحت على خده لتفر من أمامه تضع بيدها فوق شفتيها. وقلبها العاشق له يئن سعادة وألماً. وقف يتأملها وهي منبطحة أرضاً منحنية على دفتر رسوماتها. وتربط شعرها بأحد أقلام الرسم. أبعدت الرسمة عن عينيها قليلاً لتتسع ابتسامتها. "فعلتها." فزعت من أثر ضحكته بعد قفزها وسعادتها أنها أتمت الرسمة التي كانت ترغبها. "انت هنا من امتى؟
حاوطها بذراعيه وهو يضحك. "بعد النطة اللي نطتيها." خجلت من نظرته ليرفع وجهها نحوه ثم ألتقط رسمتها يتأملها. "تستاهل فرحتك." ألصقت به بعد أن جلس فوق الأريكة ويُحدق برسمة الطفل الرضيع بين أحضان والدته. "بجد الرسمة حلوة." تأملها ثم عاد يتأمل الرسمة وأومأ برأسه صامتاً للحظات. "تعرفي إني متخيلك في الرسمة دي يا ياقوت." بللت شفتيها بتوتر وتعلقت عيناها به. "عايز طفل منكِ." وكانت الكلمة كالصاعقة بالنسبة لها.
فقد حرصت على تناول الحبوب منذ أول ليلة في زواجهم خائفة أن يحدث لها مثلما حدث مع والديها. "رحتي فين؟ مد كفه يمسح على وجنتيها. "معاك." ظنت أنها ما زالت تشعر بالخجل منه، فأبتسم وهو يداعب وجنتيها وانتقل كفه نحو القلم الذي تربط به خصلات شعرها ليزيله عنها. فتحررت خصلاتها بتموجاته الغجرية. "كده أحلى يا ياقوت." دق قلبها وهو يفرد خصلاتها بيديه. ثم أغدقها بمشاعره العطشة لتشعر أنه يسحبها معه لعالم آخر بارعاً هو فيه.
ارتجفت أصابعها وهي توقع باسمها على صحيفة هذه الزيجة. سينتقم منها بالزواج. السجن كان مصيرها للمرة الثانية، أو أنها تمضي على صك ملكية عذابه. وها هي توقع هذا الصك بقلب جامد. الظلم. ستجعله يأخذ ثأره الذي لا ذنب لها فيه. فالجميع يأخذ حقه منها ولم يعد يفرق معها، فالقلب قد مات. انتهت المهمة المثقلة وخرجت من المحكمة التي تم عقد القران بها. سارت خلفه بخطوات بطيئة ترافقه وهي لا تشعر بشيء. "اتحركي ولا هتعملي نفسك عروسة؟
رمقته بألم تنظر إليه بصمت. دَلفت للسيارة ودلف هو الآخر ليأمر سائقه بالتحرك. بعد نصف ساعة وصلت السيارة لمنزله الذي اتهمت فيه بالسرقة. وبخطى سريعة دلفت للمطبخ ترثي حالها. "مش قولتلك حصّليني على مكتبي؟ أشاحت عيناها بعيداً عنه تكره سماع صوته. "فاضل إيه تاني؟ احترقت الكلمة أذن فرات لتصدح ضحكاته. "فاضل إيه.. لا إحنا لسه هنبدأ وخطوة خطوة." واقترب منها يجذبها من مرفقها صاعداً بها لغرفته يُلقيها فوق الفراش بقسوة.
"زي ما اتعمل فيها وماتت بسبب أبوكي هيتعمل فيكي. رحمتك من إني أخليكي تبيعي نفسك عشان جرعة تشميها." اتسعت حدقتي صفا وهي تفهم نواياه التي لم تكن تظنها. ظنت العقاب سيكون ذلاً، ولكن كلماته توحي بشيء لا تريده. الرجل الوحيد الذي أرادت أن يلمس جسدها وتكون له، نبذها من حياته. "انت هتعمل فيا إيه؟ تجلجلت ضحكاته بقوة وهو يُلقي بعصاه وبدأ في فك أزرار قميصه.
"هتكوني عاهرة لمتعتي يا صفا.. هخليكي تكرهي نفسك.. هغتصبك كل يوم.. هخليكي تصرخي تطلبي الرحمة.. هخليكي ست من غير روح." تصلب جسدها ونهضت كي تفر من جحيمها، إلا أنه أحكم حصاره عليها ولم يفقد قوة جسمانه رغم الحادث الذي أدى إلى تركه لرتبته بالجيش. هجمها بقبلاته. كان يضع فيها ضياع حبيبته التي أخذها منه الموت بسبب والدها اللعين. استسلمت بعد أن خارت قواها وهمست باسمه تستنجد به وتصرخ صرختها. "حمزة."
ابتعد عنها وهو يلهث، وآخر شيء كان يتوقعه. صفا عذراء. يتبع بإذن الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!