قهقه شهاب وهو مازال يتذكر مشهد ياقوت أمام شقيقه. لم تكف عن تكرار معرفة هويته. ولولا خروج شهاب من غرفة مكتبه ذلك الوقت لكان انفجر شقيقه بها. "دي كتلة من الغباء... إنت إزاي توافق على توظيفها؟ " هتف حمزة عباراته حانقاً من غباء ياقوت وضحكات شقيقه. عادت ضحكات شهاب تتصاعد وهو يسمعه. "حصل خير يا حمزة خلاص... وكمان دي متوصي عليها من نادية وسلوى." فارتسمت السخرية على شفتي حمزة وجلس بفخامة. "كمان جاية بواسطة...
خد بالك إحنا مبنفرقش بين الموظفين. أي غلطة منها إنت عارف إيه اللي هيحصل. طرد على طول." تعالت ضحكات شهاب مجدداً. "متقلقش، البنت شكلها بتاعت شغل وعايزة تشتغل." لا يعلم لما أثارت غضبه، ولكن حظها جعلها تلتقي به في الوقت الخطئ. فيكفيه انحدار مريم بمستواها الدراسي وحديث أخصائية المدرسة عنها. "إيه الموضوع اللي كنت عايزني فيه وضروري؟ صمت شهاب للحظات وهو لا يعلم كيف يخبره. "اللي بتبعت لك الرسايل هي صفا يا حمزة."
فاحتَدت عيناه بكره لم يعرفه إلا معها. الحبيبة الخائنة هي صاحبة الرسائل المجهولة. وتعلقت عيناه بأعين شقيقه وكأن الماضي أمامه من جديد. والكلمة عادت تخترق أذنيه. "إنت مرفود يا حضرة الظابط." وشعر بالاختناق، فنهض مشيراً لشقيقه بالصمت. وتحرك بخطى جامدة. ولحظها العسر اليوم معه فتح الباب في نفس اللحظة التي كانت ستطرقه وتدلف. فارتطمت بصدره الصلب لتسكب قطرات من القهوة التي كانت تحملها على قميصه.
فسقطت عيناه على فعلتها صارخاً بها وقد أعماه الغضب. "إنتي غبية! صراخه أفزعها وجعلها تتراجع للخلف بخطوات خائفة. "أنا آسفة... مكنش قصدي." خرجت الكلمات من شفتيها بصعوبة وعيناها انخفضت لأسف. وظهر الخوف على ملامحها ليندفع كالاعصار مغادراً المكان. كان شهاب واقفاً يتابع المشهد بصمت. واقترب منها معتذراً بلباقة. "متزعليش يا ياقوت، حمزة كان خارج غضبان من مكتبي."
فلم تتمالك دموعها أكثر من ذلك، فكل شيء أصبح يجثم على روحها. زوجة أبيها هاتفتها أمس تسألها عن كم ستتقاضى من راتبها، ووالدتها اليوم هاتفتها تخبرها عن عدم رضا زوجها بأمر عمله. دموعها أخذت تتدفق بغزارة وهي لا تشعر بحالها. فتقدم منها شهاب لا يعرف ماذا يفعل لها. "ياقوت خلاص الحكاية عدت... لو عايزة تاخدي نص يوم تروحي تمام مافيش مشكلة." هتفت بنبرة باكية كالاطفال. "أنا معملتش حاجة والله يا أستاذ شهاب... هو إنتوا ممكن تطردوني؟
فانفرجت شفتي شهاب بضحكة قوية وأخرج من جيب سترته منديلاً يعطيه لها. "تطردي إيه بس يابنتي... خدي امسحي دموعك." وأردف مازحاً. "أصل أنا ضعيف قدام دموع الستات." التقطت منه المنديل سريعاً وطأطأت عيناها أرضاً تشعر بالخجل من حديثه. فوقفت ندي على أعتاب الغرفة تُطالع المشهد بوجه محتقن. "شكلي جيت في وقت مش مناسب." لـتـلـتـفـت شهاب على سماع صوتها مندهشاً من قدومها واقترب منها بابتسامة ثم عانقها. "أهلاً ياحبيبتي."
تعـلـقـت عين ياقوت بهم. ومن نظرات ندي النارية نحوها أشاحت عيناها سريعاً تلوم نفسها على بكائها أمام شهاب. صرخت ندي بوجهه وقد فسرت الأمر كما خيله لها عقلها. "عايز تفهمني إنها كانت صعبة عليك وبـتـراضيها.. ولا البنت عجبتك يا شهاب؟ فـتـنهـد شهاب مُغمضاً عيناه. لقد تغير بالفعل من مُطالعة النساء بنظرات عابثة وأصبح يقدر حبه. لم يحبها أو مازال يرى ذلك. "ندي أنا مش هحاسبك على الكلام اللي بتقوليه عشان عارف إنك مش في وعيك."
لـتـقـتـرب منه تدفعه على صدره بغضب. "حط نفسك مكاني." دفـعـاتـه كان يتلقاها بهدوء يجعلها تخرج جنونها به. حبها له هوس يعلم صدقه. "هتحبيني إمتى ياشهاب وتحس بيا؟ سؤالها صدمة. فحاوط خصرها بذراعيه وترك قبلته تفسر لها ما يريد إخبارها به. وأبتعد عنها بأنفاس لاهثة يسند جبينه على جبينها وهي كالضائعة معه.
أوقف سيارته في مكان خالٍ زافراً أنفاسه بقوة. كان صدره يعلو ويهبط من أثر الماضي الذي مازال محفور بداخله. حب قضى على وظيفته التي عاش يحلم بها في طول سنوات دراسته، ولم يكن حلمه وحده إنما كان حلم والديه. وفي النهاية ماذا حدث؟ مرضت والدته بعدما فصل من الداخلية ولم تتحمل رؤيته هكذا فماتت وهي ترى مستقبله قد هدما.
أخـنـقـته الذكريات فـتـرجـل من سيارته يطلق الحرية لأنفاسه الهائجة. ومـر الوقت وهو يقف في ذلك المكان المنعزل يتأمل ما أمامه بشرود مُتذكراً اليوم الذي عرف بمحاكمتها وأن والدها قد قتل. أخبروه زملاؤه وقد ظنوا أنه سيرتاح حين يعلم بهذا، ولكن ليلتها عاد إلى سوسن يرمي نفسه بين ذراعيها يضمه وكأنه طفلاً صغيراً. لم تكن قد تطورت علاقتهما ولكن تلك كانت البداية إلى أن صارت حياتهم الزوجية كأي رجل وامرأته.
لم يخرجه من شروده إلا رنين هاتفه. ليلتقط الهاتف من جيب سترته مُطالعاً رقم المتصل بغرابة. "أنا اتجوزت يا حمزة." ولم يكن المتصل إلا مراد يخبره بآخر شيء توقع حدوثه. رمقت ندي ياقوت بنظرات قاتمة بعدما خرجت من غرفة مكتب شهاب. واقتربت منها بخطى بطيئة تتفرس ملامحها. فـنـهـضـت ياقوت سريعاً فور رؤيتها تتقدم منها وقبل أن تخرج كلمات الاعتذار لها موضحة المشهد الذي رأته. "انتبهي على شغلك.. وبلاش عينك تبص لحاجة مش بتاعتك."
قالتها ندي وانصرفت دون أن تلتف نحوها مرة أخرى. لـتـحـدّق ياقوت بخطاها وعلى ملامحها معالم الصدمة. فقد فسرت ندي المشهد كما ظنت. وقف شريف بسيارته أمام المكان الذي اعتاد رؤيتها فيه ولكن اليوم لم يجدها. نظر لساعته يده متنهداً فهو لا يعلم سر قدومه هنا ومطالعتها من بعيد. عندما قص على شهاب مشاعره تلك أخبره أن شعوره ليس إلا شعوراً بالذنب واشفاقاً على حالتها.
عادت ياقوت من عملها تحمل بعض المعلبات. وضعت الأكياس التي كانت تحملها على الطاولة الصغيرة التي تأخذ ركناً جانباً في غرفتها وجلست على الفراش تنظر للغرفة التي تقيم بها بشرود. ثم انفجرت باكية دون شعور. فقد ظنت أن خروجها للعالم الخارجي بعيداً عن أهل قريتها البسطاء سيكون سهلاً. ولكن كل يوم تكتشف أنها دخلت بقدميها أصعب مراحل الحياة.
لم تنتبه لطرقات سماح على باب غرفتها ودخولها للغرفة. وعندما رأتها سماح هكذا ركضت نحوها تسألها بقلق. "ياقوت مالك فيكي إيه؟ فـأدارت عيناها عنها ومسحت دموعها. "مفيش حاجة أنا كويسة." فـأاتجـهـت سماح للجهة الأخرى ونظرت لها بتمعن. "مش إحنا اتفقنا هنكون صحاب.. وتحكيلي اللي يضايقك؟ فلم تشعر بحالها إلا وهي تندفع لأحضان سماح وتحكي لها عن كل ما مرت به اليوم. لـتـصـدح ضحكات سماح عالياً. "بتعيطي عشان كده... ياااا ياما هتشوفي."
فـأتـسـعـت عين ياقوت وهي تخشى أن يلحق بها المزيد من الأذى. "أنا كنت فاكرة إن كل الناس طيبة زي أهل القرية عندنا." فـحـركـت سماح رأسها ضاحكة من برائتها في فهم البشر. "الحياة شبه المعركة والبشر مبقوش زي زمان.. الكل دلوقتي بقى بيصارع عشان يعيش. الطيبين موجودين بس بيداس عليهم." نـصـتـت لحديث سماح. فأبتسمت سماح وهي تراها تركز في حديثها ثم هتفت مازحة.
"يخربيت الغم والنكد خلتيني أقول كلام عميق مش بتاعي.. بقولك إيه أنا جعانة عندك أكل ناكل؟ فـضـحـكـت ياقوت على تحولها السريع. "مش بقول بتفكريني بـ هناء." و نهضت نحو المعلبات التي جلبتها والخبز وأشارت للطعام. "جيتي في وقتك أنا كنت جايبة معايا الأكل." لـتـقـتـرب منها سماح وتنظر إلى ما تشير إليه بسخط. "تونه بقولك جعانة... إنتي هتأكلي قطة." وألتقطت ما بيدها ووضعته في مكانه.
"يلا يابنتي أنا هعزمك وأمري لله.. سيبك من أكل القطط ده مبيسدش الجوع." جلست على فراشها تتأمل صورة على هاتفها. كانت صور عائلية ولكن عيناها لا تقع إلا عليه وحده. وأبتسمت وهي تُحرك أناملها على ملامحه. فالحديث الذي سمعته اليوم بين والدها ووالدتها دون قصد منها أعاد إليها روحها من جديد. وسريعاً ما تذكرت ياقوت لتدق عليها وتخبرها ما سمعت. "ياقوت عمي طلب إيدي من بابا لـ مراد."
كانت ياقوت تسير خلف سماح بعدما أخبروا سميرة بوجهتهم. "بجد يا هناء... احكيلي ده حصل إمتى وإزاي؟ فـحـركـت هناء أصابعها على خصلات شعرها بهيام. ولكن قبل أن تخبرها بتفاصيل ما سمعته كان شقيقها يدلف لغرفتها. "هكلمك بكرة أحكيلكم." وأغلقت هناء لتنظر سماح التي توقفت عن السير وتتمعن النظر في ملامح ياقوت المبتسمة. "شكلك سمعتي خبر حلو." تـتـسـع ابتسامة ياقوت بسعادة. "هناء هتتخطب قريب.. أنا فرحانة أوي يا سماح."
فـأرتـسـمـت السعادة على وجه سماح هي الأخرى. "أنا بقيت شاهدة على قصة الحب العجيبة دي بين هناء وابن عمها... لازم أكون أول المعازيم مفهوم؟ و وضحت كلتاهما ليكملوا سيرهم في الطريق فالمطعم قريب من المسكن.
وقفت مريم أمامه في غرفة مكتبه بعدما طلب منها اتباعها. كانت تعرف بما سيحادثها فيه. فحضوره للمدرسة قد ذاع، وخاصة من مدرستها الحالمه به منذ زمن. ولكن لم تظهر مشاعرها إلا بعد وفاة والدتها، وكأن والدتها كانت حاجز بينه وبين النساء. "ارفعي عينك ليا يا مريم." فـرفـعـت عيناها بتوتر وهمست بخفوت. "هو أنا عملت حاجة تزعلك يا بابا؟ فـأقـتـرب منها حمزة بهدوء. "ليه بتعملي في نفسك كده... مش دي مريم اللي ربيتها.. وبقول إنها شبهي."
لم تتحمل كلماته. حمزة قدوتها. والدها الذي تُدرك تماماً أنها ليست من دمه. وما هو إلا زوج أم أعطاها أبوته بمحبة خالصة. وبكت بحرقة وهي تخبره باشتياقها لوالدتها. بخوفها أن يتزوج بأخرى فيسمع وترى. ولكن تصمت. "عمتو نادية عايزة تجوزك... إنت كمان هتروح مني. وشريف بقى بعيد عني مبيرجعش البيت غير على النوم. وندي بقت مشغولة مع شهاب.. وتقي بقى ليها صحابها اللي بتحبهم... كلهم بيبعدوا... ماما هي اللي كانت بتجمعهم."
ضـمـهـا حمزة إليه وهو يرى انشغال الجميع عن صغيرته وإشعارها بغياب سوسن. "وتفتكري أنا في يوم هتخلي عن بنت؟ فـتـرفـعـت مريم عيناها نحوه. "بيقولولي إنك مش بابا... أنا عارفة كده بس إنت بابا صح." مـعـت عيناه وهو يسمعها. فأبعدها عنه يمسح على وجهها. "إنتي بنتي يا مريم وهتفضلي بنتي... أنا عايز مريم ترجع زي ما كانت شاطرة في مدرستها متعملش مشاكل مع حد ولا بتتخانق."
فـخـجـلـت من تلميحه لمشاجرتها مع رؤى بعدما طفح الكيل ولم تعد تحتمل حديثها. "أوعدك هرجع مريم القديمة... بنت حمزة الزهدي." نـطـقـت اسمه بفخر. ليبتسم على عفوية صغيرته. "طب اعملي حسابك مس ريما هتيجي تذاكرلك مادتها.. مستواكي نزل فيها خالص." وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتي مريم لتُحرك رأسها مُرددة. "مس ريما اه."
اتبع خروجها من المدرسة وقد ارتاح قلبه عندما رآها اليوم. فقد تغيبت يومان عن المدرسة التي تعمل بها مدرسة موسيقى. خرجت اليوم بمفردها تتحسس الطريق الذي حفظت خطواته. ولم تنتبه لدراجة الهوائية التي مرت بجانبها فدفعتها لتسقط على ركبتيها. ركض شريف نحوها فالأمر فلم يكن يتوقع حدوث ذلك. ولكن صاحب الدراجة البخارية مال قليلاً فدفعها دون عمد. ورغم الدفعة لم تكن قوية إلا أنها تعرقلت في خطواتها. "إنتي كويسة؟
لم ينسى صوته طيلة الأيام الماضية. فخشت أن يكون هو صاحب الدراجة ويعنفها مثل المرة القادمة. "آه كويسة." وشعرت بقربه الشديد منها. وقبل أن يمد يداه ليساعدها. اقتربت شقيقتها راكضة نحوها. "مالك يامها إيه اللي حصلك؟ مش قولتلك متخرجيش من المدرسة لوحدك."
وألتقطت شقيقتها يدها وعنفتها كأنها طفلة صغيرة. ولم تهتم بوقوف شريف الذي كاد يطمئنها عليها. فـوـقـف يُطالع المشهد صامتاً. ولأول مرة يشعر أن بداخله إحساس بدأ يسير في اتجاه جديد عليه. ذهبت لعملها بحماس. فصحبتها مع سماح عادت عليها بفعل. دلف شهاب مكتبه أمامها بعدما ألقى عليها تحية الصباح. ومر الوقت إلى أن جاءت ساعة الظهيرة. فخرج من غرفة مكتبه يطلبها بعمليته وهو ينظر إلى ساعته.
"ياقوت هاتي الملف اللي قولتلك أطبعه وحصليني عشان رايحين على الفرع الكبير في اجتماع مهم." تـجـمـع الأوراق سريعاً في ملفها المخصص وحملت حقيبة يدها تتبعه بصمت. تقدمت سيلين من الطاولة التي تجلس عليها نادية وتنتظر قدومها. "آسفة يا مدام نادية اتأخرت عليكي." وجلست تلتقط أنفاسها. "مش قدامي غير نص ساعة بس." لـتـبـتـسـم نادية متفهمة وأسندت ذراعيها على الطاولة وظلت للحظات تُطالعها بتفحص ومالت نحوها. "من غير لف ودوران...
أنا عارفة إنك معجبة بحمزة." ألقت نادية كلماتها ببطء ثم عادت تسند ظهرها على ظهر مقعدها. فأرتبكت سيلين من صراحتها. "أي حد بيشتغل مع مستر حمزة لازم يعجب بشخصيته يافندم." فـضـحـكـت نادية بخفوت وهي تسمع عباراتها المنمقة. "يعني أسحب عرضي ونشرب بس القهوة سوا؟ تـلـمـع عين سيلين غير مصدقة لما تشير إليه نادية. "حضرتك تقصدي إيه؟ فـدابـعـت نادية ذقنها مُفكرة. "تقربي من حمزة... وأنا هساعدك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!