كانت المشاعر الجديدة تغمرها وهو يقبض على كفها بحنو، يسألها عما ترغب في تناوله. لم يُفرق بينهم في التعامل، ولكن مريم كانت تنظر إلى ما يفعله كأنه كثير عليها، وأنها وحدها من تتدلل. سألها عما تُريده. حدقت مريم بطبقها بمقت، فلو كانت تعلم أن خروجتهم سوياً، والتي ظلت ليومين تطلبها منه، ستُشاركها بها ياقوت، لكانت جلست بغرفته. رفعت عيناها نحو ياقوت، ترمقها بضيق. تراها لا تستحق تلك الحياة ولا مكانة والدها. فأين هي وأين هم؟
ياقوت ذات الملامح البسيطة الخالية من مستحضرات التجميل، وحجابها البسيط الذي لا يليق بموضة العصر، وملابسها الهادئة الطويلة. كل هذا لا تراه الصغيره إلا أنها امرأة أقل من العادي. فكيف تكون في النهاية المرأة التي تأتي وراء والدتها الراحلة؟ غرزت شوكتها بقوة، لينظر نحوها حمزة متعجباً. "مالك يامريم؟ وابتسم وهو يطالعها. "متخافيش الخروجه مش هتقف على كده.. هنعمل شوبينج كمان، لأني عارفك بتحبي الشوبينج أكتر من أي حاجة."
تهللت أسارير الصغيرة من الاقتراح، ونست حقدها على ياقوت، التي ابتسمت على سعادتها وأنهم يتشاركون حبه. وعندما التقت عيناها بمريم، لم ترَ فيهم إلا بروده ونظرة لم تفهمها. "مبتأكليش ليه يا ياقوت.. أغيرلك طبقك بصنف تاني؟ انتبهت ياقوت على تلاعبها بالملعقة، فالطعام كان يُعجبها، ولكنها كانت شارده تتساءل: إلى متى ستظل مريم تبغضها؟ إلى متى ستراها بشعة، خاطفة للرجال، وستخطفه منها وتنسيه أبوته التي يمنحها لها؟
تمنت أن تُخبرها أنها سعيدة، أنها بينهم، سعيدة بوجودها بين عائلة متكاملة. شعرت بأطراف أنامله فوق شفتيها، يزيل لها الصوص الذي سقط بخيط رفيع على طرفي شفتيها. ارتبكت وهو ينظر لها بعدما أزاله عنها. "كملي أكلك.. لو مش عاجبك قوللي." رمقته بسعادة، تتأمله اليوم بنظرة أخرى. "الأكل طعمه جميل وعجبني جدا."
المشهد كان يسير أمام مريم، التي جلست تتأملهم وتتذكر والدتها. مكان ياقوت، وكيف كان يفعل ذلك مع والدتها. المشاعر التي كان يمنحها لوالدتها، جاءت أخرى وحصلت عليها، بل وأكثر. فمشهد القبلة وهو يأسرها بين ذراعيه حينًا، ودلفت مكتبه، مازال مسطرًا داخل عقله. تنهدت بمقت، تهتف داخلها بضيق. "مصيرك تخرج من حياتنا." مضى الوقت، ورغم عدم تصريحه أنه سامحها على فعلتها، إلا أنه كان يحتويها بحب كما يحتوي مريم.
وصلوا إلى المول التجاري الذي اقترحته مريم. نظر إليهم وكأنه ينظر لأطفاله. "يلا ادخلوا اشتروا اللي انتوا عاوزينه.. وأنا عليا أدفع." ألقى عبارته مبتسمًا وهو يطالعهما، مشيرًا إليهم أن يبدؤوا. لم تشعر إلا وهي تلقي بنفسها بين ذراعيه دون حواجز أو خجل. "ربنا يخليك لينا."
كان اليوم هو يوم المفاجآت التي تقدمها، ولكنها كانت تفعل كل ما يريده قلبها. حدقت مريم بفعلتها، الغيرة تكاد تقتلها. بدأ شيطانها يخبّرها أن ياقوت لا تفعل ذلك إلا لتعطيها إشارة أنها ربحت في النهاية، وأصبح لها وحدها. وقد صدقت صديقتها رؤى في التفاصيل التي حكتها عن أحد أقاربها، وكان نفس حكاية والدتها.
لم تستمتع مريم بالجولة كما كانت تتمنى. تنظر إليها وهي تقتني الثياب، وكما يفعل معها حمزة كالمعتاد في إخبارها برأيه، كان يفعل معها، برؤية زوج لا أب. يفحصها بكل تفاصيلها، وكلما رفض شيئًا، بدّل الآخر، وأتت لتريه. كان لا يفرق بينهم، ولكن مريم كانت ترى كل شيء بقلب تنهشه الغيرة، فتراه يميزها عنها، ولا تفسر ذلك إلا أنها خدعته، وأنها ماكرة.
انتهى التسوق الذي احترقت فيه مريم بالغيرة، وقضته ياقوت بالاستمتاع، ليس لأنها تشتري ثيابًا جديدة، إنما وجودها معه واهتمامه بها كان يكفيها. أوصلوا مريم المنزل، فحملت حقائبها وانصرفت للداخل لتركض لأعلى تحت نظرات ندى المتعجبة. اتبعتها ندى، هاتفة باسمها، ولكنها لم تُجب عليها. "مبترديش عليا ليه.. مالك يامريم؟ انفجرت مريم بالبكاء، تدفن وجهها في وسادتها، تقص عليها كل شيء، ولكنها حذفت مشهد قربهم بمكتبه، فالمشهد يحرق قلبها.
"اخدتوا يا ندى... خلاص بابا هيبعد خالص، هيبقى بتاعها هي وبس. دي ضحكت عليه. انتوا قولتلولي إنها وصية ماما وكانت لازم تتنفذ، وإنه اتجوزها عشان كده وبس. بس هي خلاص شالت ماما من قلبه." صدمت ندي من حديثها عن سبب الزيجة، الذي لم يخبروها به إلا عندما شعروا بحزنها الشديد ونومها في غرفة والدتها كل ليلة باكية، تُخبرها أنه لم يعد موجودًا بينهم.
"مريم دي مراته.. بكرة لما تكبري وتتجوزي هتفهمي ياحبيبتي.. ياقوت مش وحشة أوي ومش هتاخدوا مننا." احتدمت عيناها وهي تسمع اسمها. "لا وحشة وأنا بكرهها.. دي كانت بتقرب منه النهارده عشان تضايقني." وما كانت تفعله الأخرى تلقائيًا، حتى تُجرب إحساس هند الذي قصته على صديقتها. كانت تراه الصغيرة مكيدة لتقهرها. اختلس النظر إليها، وعادت عيناه نحو الطريق، يبتسم على طفولتها في فتح الأكياس. حملقت به، وقد لمعت عيناها بالسعادة.
"أنا مبسوطة أوي." فابتسم للحظة، ثم أودع تركيزه في القيادة. شعرت وكأنه مازال غاضبًا منها، وأن لطفه طيلة اليوم لم يكن إلا لإخفاء غضبه أمام مريم. بهتت ملامحها، وقبل أن تسقط دموعها، نست ضعفها وابتسمت، تضم كفيها ببعضهما. "كنت غبية لما مفكرتش أشاركك في خوفي.. اعتبره درس واتعلمت منه." لم يكن غاضبًا منها تلك اللحظة، ولا غضبًا بسبب فعلتها، فهو يعلم بحياتها وكيف عاشت. ولكن تجنبه لها كان مجرد عقاب.
وقد ضاع العقاب اليوم، لحظة دخولها مكتبه وارتماءها بين ذراعيه. "حمزة، انت سامحتني؟ أوقف سيارته في مكانها المخصص أسفل البناية التي يقطنون بها. جاهد على أن يُخرج صوته صلبًا جامدًا، لتكون ردة فعلها الأسبق وهي تندفع نحوه، تدفن وجهها في عنقه. "أنا بحبك ياحمزة.. بحبك أوي." وأصبحت العقد تنفك، وأصبح القلب مستسلمًا.
أصبحت لا تراه، كل ما عرفته أنه في دولة أخرى مع فريقه. حقائبها جهزتها حتى ترحل، قبل أن يطردها هو، ملقيًا عليها كلمة حريتها منه، التي وضعتها جين مقابل لرحيلها. انتبهت على طرقات على باب غرفتها، وقبل أن تزيل الحقائب تخفيها خلف الخزانة، دلفت جين تنظر إليها، ثم نحو الحقائب، وابتسامة ساخرة احتلت فاها. "أراكِ تعدين حالك للرحيل... هذه النهاية عزيزتي."
تنهدت سماح بضيق، فقد ملت من نظراتها الساخرة، وكأنها تخبرها أنها ستفضح أمرها. ولكن اليوم قررت أن تفصح بكل شيء. "أحب أن أخبرك أن سهيل سيلقيكِ خارج ذلك البيت." تبدلت ملامح سماح لابتسامة واسعة، تُداري داخلها خيبة. أعادت إليها الماضي. "لا بأس.. أنا أنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر. ولولا مساعدتك العظيمة ما كنت رحلت."
خرجت الكلمات من بين شفتيها بحرقة، ولكنها أقسمت أن تكون قوية رغم كل شيء. لا رجال استطاعت التخلص منهم بحياتها، ولا تجربة لم تُخض مثلها ثانية. الفشل عاد إليها وعاد عذابها مجددًا، تلعن سهيل في كل لحظة. تلاشى الزهو الذي يرتسم في عين جين وهي تجدها بتلك القوة، غير عابئة بشيء. رمقتها جين بحقد، فقد تمنت أن تراها ذليلة باكية. "أنتِ تعرفين بكل شيء." وتجلجلت ضحكاتها، تلتف نحوها تبث سمها. "وهل سيعطيكِ سهيل باقي خدماتك؟
كم تبقى لكِ عزيزتي." وأخرجت من جيب فستانها المال، لتمسك كفها، تضع داخله المال، ونظرات سماح ترمقها بحدة وألم. ولم تشعر إلا وهي ترفع كفها تصفعها، وجين تشع حقداً، تلامس خدها من أثر الصفعة. "المال لأمثالك وليس لي." خرجت من الغرفة حتى تُحرر دموعها الحبيسة، وصوت أنفاسها يتصاعد. جعلها كالعاهرة تُشتَرى بالمال. عذاب ومرارة ذاقتهم، وفادية لا تفعل شيئًا إلا التفنن في مذلتها. طوال اليوم عمل، حتى باتت لا تشعر بجسدها.
جلست على أحد المقاعد بالمطبخ، تفرد ساقيها بتعب. نظرت نحوها السيدة نعمات بإشفاق، واقتربت منها تربت على ظهرها. "ست فادية طيبة بس موت جوزها أثر عليها.. كانت بتحبه أوي." تعلق عين صفا ودمعت عيناها وهي تطالعها، فقد كثر الظلم عليها. "أنا معملتش ليها عشان تكرهني كده." واسَتها المرأة بطيب خاطر. "بنتي سميحة بتشتغل عند فرات بيه في القاهرة. يرجع بس من الدولة اللي مسافرها، وهخليها تستعطفه ترجعي شغلك في المزرعة مع العمال تاني."
عندما استمعت لاسمه، ارتجف جسدها. لتنظر لها المرأة بحنو. وفجأة، تعالى صياح الخادمة التابعة لفادية. "ست فادية عايزاكي.. قومي يلا." تنهدت هناء بمقت، وهي تجلس بالمطبخ. كبرياؤها كل ليلة منذ قدوم تقي يأخذها إلى هنا، لتعود بعد أن يثقل على جفونها النعاس إلى الغرفة التي تجمعهما، لتجده نائمًا لا يعبأ بشيء. ولا تجد شيئًا تفعله من حنقها إلا النوم جواره، لتستيقظ تسأل نفسها: هل كانت تحلم به وهو يضمها ويمسح على وجهها؟
أم قربه بدأ يجعلها راغبة إليه؟ فراغ الفراش جوارها يعلمها الإجابة، فكل هذا ما هو إلا أوهام. ولكنها كانت الحقيقة التي يعيشها معها وهي نائمة بعمق. "أنتِ هنا ياهناء." انتفضت هناء فزعًا من صوت تقي. ارتبكت من نظرات تقي التي وقفت أمامها تتثاءب. "بتعملي إيه في المطبخ في الوقت ده؟ "كنت جاية أشرب.. قولت أقعد شوية." ضحكت تقي، ثم اتسعت عيناها وهي تجده ترتدي عباءة منزلية. "أنتِ بتنامي جانب مراد كده؟
هبطت عين هناء بالتدريج نحو ما تريده، فهي بالفعل تنام جانبه هكذا. أما باقي الوقت في وجود تقي، ترتدي الثياب بحرية بعض الشيء حتى لا تشك بالأمر. لم تجد إجابة تكذب بها عليها، ولكن الخلاص جاء على صوت مراد، الذي وقف على باب المطبخ يطوي ساعديه، يرمقهما بتساءل. "انتوا بتعملوا إيه؟ احتواها بذراعيه بعدما استخرجت كل ما في جوفها. أسندها بذراعيه نحو صنبور المياه، يمسح فمها برفق.
"قولتلك نروح للدكتور يامها، بقالك يومين تعبانة وتقوليلي دور برد وهخف." خارت قواها بين ذراعيه بضعف. "هبقى كويسة ياشريف، متقلقش." تألم قلبه وهو يراها بهذا الضعف. "السفر بعد بكرة.. هتقدري تسافري إزاي يامها.. أنتِ مش شايفة شكلك عامل إزاي؟ ضحكت بألم، فهي لا تعرف ملامحها، ولا تعرف كيف تبدو. أهي بشعة أم جميلة؟ عندما رأى صمتها، أدرك فداحة كلمته التي لم يقصدها. "حبيبتي أنا مقصدش."
"عارفة ياشريف.. أنا بس كان نفسي أكون عارفة ليا ملامح." قادها نحو فراشهم، وأجلسها برفق، ثم ضم كفوفها بين راحتي كفوفه. "هتعملي العملية وتشوفي كل حاجة، بس أوعي تقوليلي طلعت وحش ياشريف، عايزة أتغير." للحظة، تبدل حالها من بضعة كلمات. ارتاح قلبه وهو يرى ابتسامتها، لتتعلق عيناه بجيدها. "فين العقد بتاعك يامها؟ ومن نظرة واحدة منها، علم أن هناك ما تخفي عليه. دلفت هناء لغرفة خالد تحمل بعض الأوراق التي طلبها منها.
اتسعت حدقتاها وهي تجد نغم جالسة على مقعد خالد، ترفع عيناها عن الأوراق. فأصابها الذهول مثلها. "أنتِ بتشتغلي هنا؟ ارتجف قلب هناء، فكل شيء قد انكشف، والأمر الذي تخشى معرفته زال الغطاء عنه. "مراد يعرف إنك شغالة هنا." "لا ميعرفش.. ويا ريت متقوليش." دفعت نغم مقعدها للوراء قليلاً، ونهضت من فوقه، وبنظرة دقيقة شملتها، فاحصة. "وليه مراد مش عارف؟ وقطبت حاجبيها، متذكرة خالد.
"وتقريبًا خالد كمان ميعرفش إنك متجوزة.. أنا فاكرة وقت توظيفك مكناش عايزين واحدة متجوزة لسبب ما." "أنا مش مقصرة في شغلي." رمقتها نغم بتحديق، تسألها عن كذبتها. "ليه كذبتي علينا؟ تحجرت عيناها نحو الطبيب، تستمع ما يخبّرها به، وقلبها يتمزق من الألم. "أنتِ بتعاني من مشاكل في الرحم يامدام ندي." ارتجفت شفتيها وهي تخرج عبارتها بثقل. "يعني إيه.. يعني مش هكون أم؟ ثاني مرت عليها كالدهر، عندما عاد الطبيب لمطالعة فحوصاتها.
"أنا مقولتش كده يامدام ندي، بس المشوار طويل ولسه في بدايته في رحلة علاجك." سقطت كلماته عليها، ولم تشعر بقدميها، ولا دموعها التي أغرقت وجنتيها وهي تسير بالشارع دون سيارتها. أخبرها أن لا تذهب لعمل فحوصات، فهو لا يرغب بالأطفال الآن ولا يفكر بالأمر. ولكن منذ أن علمت بحمل مها، وقد تأجلت سفرتهم إلى أمريكا بسبب ذلك، وهي تريد أن تُجرب ذلك الشعور.
وضعت يدها على فمها، تكتم صوت شهقاتها بألم. صحيح أن هناك أمل، ولكن الأمل طويل أمام حلم تمنته. "ندي.. ندي." وقفت في مكانها ساكنة، لا تميز صاحبة الصوت، لتجد سمر أمامها. "مالك يا ندي.. فيكي إيه؟ ظلت صامتة لا تتحدث. فطالعت سمر المكان حوله، لتجد أحد المطاعم. فقادتها نحو الداخل، تمسك يدها الباردة قلقًا. "فيكي إيه.. فين عربيتك طيب؟ أجلستها سمر وهي تنتظر منها أي إجابة، وجلست أمامها تعيد سؤالها.
أغمضت ندي عيناها، والألم ينهشها. "الدكتور قالي صعب أخلف ياسمر." دفعت سماح الاختبار نحو السلة بعنف، لا تُصدق أنها تحمل طفلاً في أحشائها منه. الشكوك منذ يومين تدور داخل عقلها، وكل المؤشرات تؤكد الأمر، ولم تجد إلا الفحص المنزلي حتى تتأكد وتخرج حرة من تلك الزيجة، والتي في النهاية أثمرت بطفل. تعلم أن مجيئه سيكون غدًا، بعد غياب دام لأسبوعين، تركها معلقة فيهم. تتلاشى جين بحقده.
تعالى رنين هاتفها برقم السيدة سميرة، صاحبة المسكن الذي كانت تعيش فيه. "ها يا سماح طمنيني، عملتي الفحص؟ "طلعت حامل.. مش لازم يعرف بالطفل مش لازم." "هتربي طفل بعيد عن أبوه ياسماح؟ سقطت دموع سماح بعجز، ولم تنتبه لوقوف سهيل يقبض على مقبض الباب بقوة، وقد عاد اليوم من تدريبه. سقطت تحت قدميها بعدما تلاشت الرؤيا أمامها. جسدها لم يعد يتحمل كل هذا العبء. لتنظر لها فادية من علو، تدفعها من أمامها، صارخة بخادمتها.
"نادي عنتر يشوف لها دكتور أو رشوا مايه على وشها." اقتربت الخادمة من صفا، وكما رأت بالأفلام فعلت لها، فحصت نبضها هاتفة بهلع. "دي نبضها ضعيف خالص ياست." احتدمت نظرات فادية. ليدلف عنتر للداخل ليجد صفا ممدة أرضًا. "شوف مالها." وقف عنتر في مكانه، لا يعرف كيف يتصرف. وقبل أن تصعد فادية نحو غرفتها، لمعت عين فادية. "خدوها المستوصف اللي على الطريق."
استوعب عنتر أخيرًا الوضع، وحك دقنه ليركض للخارج، يأمر السائق بأن يستعد حتى ينقل إحدى الخادمات للمستوصف. اقتربت فادية من مهجة، تُحلق بها. "اسمعيني كويس يامهجة." ففقها مهجة وعنتر للمستوصف، وعندما اقترب الطبيب لفحصها، تمللت رقدتها. "أنا فين؟ لم يعبأ أحد بسؤالها، وبدأ الطبيب فحصه ليبتعد عنها. "تعمل التحاليل دي دلوقتي حالا." ألتقطت مهجة الورقة المدونة بها بعض التحاليل.
ابتسمت ياقوت براحة على صنيع يداها. أخبرتها ندي أن مريم تعشق المشغولات الصوفية، بعدما سألتها عن الهدية التي تفضلها مريم حتى تُهاديها في احتفالهم العائلي البسيط بعيد ميلادها. تأملت الكنزة الصوفية برضى، ثم رفعتها بيدها حتى تتأملها أكثر. أسبوع تجلس تصنعه دون تعب، حتى تتقرب منها. هناء هي من اقترحت عليها ذلك، تُخبرها كما أخبرتها تقي أن مريم طيبة القلب، ولكن تحتاج الصبر قليلاً.
نظر عنتر للغرفة الخالية بعدما ركضت إليه مهجة تُخبره أن صفا دفعتها بقوة وهربت. لم تتبعه مهجة، فخشيت أن يكتشف عنتر أنها وراء ذلك. تنهد بشأن ما حل به اليوم. عاد بأدرجه للخارج حتى يبحث عنها، فأقتربت منه إحدى الممرضات تعطيه فحوصاتها. لينظر عنتر إلى ما أعطته له، ضائقًا عيناه. "إيه ده؟ تعجبت الممرضة من سؤاله، لتحملق به بنفاذ صبر.
"فحوصات المريضة اللي جيتوا بيها الضهر. هي دلوقتي عايزة دكتورة نسا تتابع معاها وتهتم بأكلها عشان الجنين." "جنين إيه؟ "إيه اللي جنين إيه يافندي.. المدام حامل." تعلق عين سيلين بحمزة، الذي يتجه نحوهم وياقوت متعلقة بذراعيه مبتسمة. حدقت مريم بهم، ورؤى جانبها تنظر لهم. "ده باباكِ شكله وقع خالص يامريم." كانت تعلم أن مريم تكره ذلك الحديث، ويزداد حقدها، ولكن تلك كانت مهمتها.
أخفضت سيلين عيناها حتى لا يري أحد ضعفها نحوه. فالصغيرة أيقظت داخلها الأملاق. اقتربت نادية منهما، واجتذبت ياقوت جانباً بعدما صافحت شقيقها. "إيه يا ياقوت مافيش حاجة برضوه في السكة.. مها حامل اهي، وأنتي؟ ارتبكت ياقوت من سؤال نادية، وقد أصبحت تسألها كثيرًا. كانت ندي قريبة منهم حتى تصافحها، ولكن عندما استمعت لحديث نادية، ابتعدت تمسح دموعها، تخشى أن يأتي دورها.
كان شهاب هذه الأيام في رحلة عمل خارج البلد، مما أعطاها الوقت في لملمة أوجاعها. اقتربت ياقوت من مريم، التي وقفت تضحك وتتمازح مع أصدقائها. "كل سنة وأنتي طيبة." عبست مريم عندما رأتها، ولم يأتها الرد إلا الصمت، وجذبت الهدية من يدها وألقتها وكأنها ترميها، وأعطتها ظهرها لتكمل حديثها مع صديقاتها. تعلق عين ياقوت بهديتها، التي نالت منها جهدًا كبيرًا حتى تصنعها لها. ابتعدت بخجل عندما لم تجد اهتمامًا من الصغيرة.
الكل كان مشغولًا في الحفل. مها وشريف، الذي لا يصدق إلى الآن سيسير أبًا، وذلك الخبر هو من أجلها يغفر لها صنيعها واستغلال ماجدة. ونادية، وقفت بين زوجها وشقيقها. ولم ينتبه منهم على مشهد مريم معها إلا ندي، التي اقتربت منها تربت على ذراعها. "متزعليش منها يا ياقوت.. مريم طيبة بس أنانية في حبها شوية." زفرت ياقوت بقله حيلة، فأنانية مريم لا تصيب إلا هي.
اقترب عنتر من فرات، الذي عاد من سفره وجاء المزرعة، وقد علم من السيدة نعمات بما حدث لصفا. كان يريد أن يسأله عن حالها، ولكن كبرياءه جعله يصمت. "فرات بيه، في حاجة لازم تعرفها." رمقه فرات، وهو يقطب حاجبيه، ينتظر ما سيخبره به. "صفا هربت من المستوصف." تصلب جسد فرات، وزمجر به بحده. "هربت إزاي.. أنا مش قولتلك تبقى تحت عينك.. وفادية إزاي تجيبها هنا تخدم وأنا معرفش؟ ارتبك عنتر بقله حيلة. "فادية هانم كانت مصممة عليها يابيه."
وصمت حتى يرتب الكلمات ليُفجر حقيقة أخرى. "طلعت حامل يابيه." الكلمة سقطت على مسمعه كالصاعقة. صفا حامل. اقترب الحارس من حمزة، الذي كان غارقًا في الحديث مع فؤاد. "في واحدة ست مستنياك بره يابيه.. باين عليها إنها متبهدلة. أنا كنت هطلب لها البوليس بس قالت إنك تعرفها كويس.. حد من الماضي." رمقه حمزة وابتعد عن فؤاد، الذي وقف لا يفهم شيئًا. سار معه لتقلق نادية من ابتعاد شقيقها، فتركت ندي بمفردها واقتربت منه. "في إيه يا فؤاد؟
قص لها فؤاد ما أخبرهم به الحارس، لتتسع عين نادية وهي تعرف هوية المرأة. "إحنا مش كنا خلصنا منها.. إيه اللي جابها تاني؟ "قصدك مين يانادية؟ تنهدت بمقت، وهي تتذكر صفا. "صفا يا فؤاد.. أنا مصدقت حمزة ينساها وينسي الماضي ويتجوز." لم تنتبه نادية لوقوف ياقوت خلفهم، تحمل هاتفها حتى تعطيه لنادية كي تُحادث هناء. شهقت نادية، متذكرة أمرًا.
"لأيكون مكرم وصل لها وعرف مكانها وعرفها الحقيقة.. حمزة ممكن يحن لها من تاني لو عرف إنها مش بنت عدنان الأنصاري." واندفعت سريعًا لخارج الفيلا، فألتف فؤاد بجسده، زافرًا أنفاسه، فوقعت عيناه على ياقوت، التي وقفت تُحلق به، لا تفهم شيئًا. "مين هي صفا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!