الفصل 53 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
29
كلمة
3,403
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

اندفعت نحوه وارتمت بين ذراعيه، كان ذلك كافيًا ليُنسي إجابة سؤاله. ابتسم وهو يُعانقها، يغمرها بعاطفته التي أوْقَدَتْها الظروف والعثرات. "قومتي ليه من جانبي مدام أنا وحشك كده؟ تمتمت عبارته بغرور رجولي مصطنع، ينتظر سماع ردها. وما كان جوابها المشاكس إلا خفقان قلبه من أضلعه. ارتفعت عيناها نحوه تنظر إلى ملامحه المبتسمة. "عندك اعتراض إنك تكوني وحشني؟ تجلجلت ضحكته في سكون الليل وهو يأسر وجهها بين كفيه.

"لا ما عنديش اعتراض يا ياقوت هانم.. بس قوليلي مين بقى يعلّمك الردود دي؟ ابتسمت خجلًا، وقد أنساها للحظات تلك التي أرادت الذهاب إليها حتى تعرف من أين أتت. "ياقوت." تمتمت بخفوت وقد أفاقها هتافه باسمها. "نعم." "عيونك جميلة." تعجبت من رده لتبتعد عنه تسأله. "أنا عيني جميلة؟ طب إزاي دي؟ حتى مش ملونة." وقبل أن يمتلكها بعباراته التي أصبحت تجعلها مسحورة به، وكأنه عرف أخيرًا ماذا كانت تريد. "حمزة أنا عطشانة."

قطب حاجبيه وهو يتجه بعينيه نحو دورق المياه الفارغ. ثم حك رأسه. "هنزل أجيب لك." تحرك من أمامها لتسرع في جذب ذراعه. "لا أنا هنزل أجيب، والمرة دي أشوف حاجة آكلها، أصلي جعانة." ضحك وهو ينظر نحو بطنها التي باتت بارزة قليلًا. "قولي كده.. خلاص هجيب لك." "لا يا حبيبي متتعبش نفسك.. هنزل بسرعة." هتفت عبارتها وهي تبغته بقبلة دافئة فوق خده، واندفعت لخارج الغرفة بعدما تأكدت من أحكام حجابها وهيئتها. ***

أردفت داخل غرفتها بخطوات هادئة بعدما طرقت على باب غرفتها عدة طرقات. وجدت مريم تهز وتُحرك رأسها يمينًا ويسارًا، ولم تبدّل ثيابها، ويحتل جسدها وسط الفراش. "مريم." رفعت مريم عيناها نحوها ضاحكة. "يييه! هتضيعي الدماغ اللي عاملاها؟ أصابها الذهول واقتربت منها تُطالعها. "مريم انتي كنتي فين من شوية؟ لم تُجبها، وأغلقت عيناها، ثم سقطت بعدها في سبات عميق. انحنت ياقوت نحوها لتفزع من الرائحة التي تشمها.

ظلت لدقائق جالسة جانبها لا تُصدق أن مريم رائحتها سجائر وخمر. أخذت تدفعها بيدها حتى تستيقظ. "مريم اصحي.. اصحي عشان نتكلم." ولكن لا إجابة كانت تحصل عليها. احتل الحزن معالم وجهها، فمهما وصل حقد مريم عليها، فلن تتمنى لها ضياعًا. ألقت نظرة أخيرة صوبها بعد أن بدلت لها ملابسها وغادرت الغرفة وهي تفكر فيما ستفعله. دلفت لغرفتهما شارده، تضم بين يديها دورق الماء المملوء. رمقها بعدما اعتدل من فوق الفراش وأصبح وجهه إليها.

"اتأخرتي كده ليه... وأردف مازحًا وهو يفحصها بعينيه: "كويس إنك نزلتي تاكلي، لا أصحى ألاقيقي وكلاني." لم تضحك أو تبتسم، ولكن كل ما فعلته هو وضع دورق المياه وتسطحت جانبه تنظر إليه بعمق. "لو في يوم قولتلك إني شاكة في سلوك مريم، هتصدقني يا حمزة؟ حدق بها لثوانٍ، ثم استرخت ملامحه وابتسم. "مريم متربية كويس يا ياقوت وأنا واثق فيها." تنهيدة خافتة خرجت من بين شفتيها، فها هو يعبر لها عن ثقته بصغيرته، فكيف ستُخبره عما رأت؟

ضمها نحوه، فلم يعد يرغب باختلاق المشاكل بينهم. "ياقوت، عشان ما يبقاش في مشاكل، ابعدي عن مريم.. لحد دلوقتي انتي مش قادرة تكسبها." انتفضت من ضمته وقد أشعرها أنها هي من تكرهها. "مريم بتكرهني.. لكن أنا عمري ما كرهتها." "عارف يا ياقوت إنك مش بتكرهيها... وعشان كده الأفضل تبعدوا عن بعض، مش عايز أتحط بينكم." وأردف مازحًا وهو يلتقط ذراعها ويجذبها نحوه: "مش هنام بقى." "لا مش هنام.. ومش هنام جنبك لأن كلامك ضايقني."

التقطت إحدى الوسادات ناهضة من فوق الفراش، وقد أغضبها حديثه. "رايحة فين يا ياقوت؟ دفعت وسادتها فوق الأريكة وعادت ترمقه بغل. "هنام هنا أفضل ليا... وزي ما بتبسطني بكلامك وبراضيك... هتضايقني هقلب عليك." اتسعت عيناه ذهولًا مما يسمع، يضرب كفوفه ببعضهم، يتساءل: "شكلي حسدت نفسي ولا إيه؟ *** هرج كان يضج بالمشفى بعد خبر استيقاظ فرات النويري. الكثير كان يتمنى شفاءه من عائلته، فالجميع يراه قطبًا هامًا من أقطاب العائلة.

عيناه كانت تبحث عنها وحدها، يتذكر صوتها الذي لا يعلم أكان حقيقيًا أم مجرد أضغاث أحلام. الشيء الوحيد الذي يتذكره أنه رأى عزيز زوج شقيقته، ثم بعدها سقط في غيبوبة قصيرة، عاد يُحارب فيها ظلامه ليعود لنعيم الحياة التي رآها في غفوته، وكأن الحياة تُخبره أن هناك ما ينتظره من سعادة. أنهى الطبيب فحص مؤشراته الحيوية وابتسم نحوه. "حمدلله على سلامتك يا فرات بيه." أومأ برأسه وخرج صوته مهزوزًا وضعيفًا. "الله يسلمك."

كانت فادية تقف خلف الطبيب، رغم سعادتها بعودة شقيقها واكتشافها أنها مسنودة بوجوده، لكانت مشاعرها المريضة قد ظهرت. "حمدلله على السلامة يا فرات." تعلقة عين فرات بها وكأنه وجد من يسأله. "الله يسلمك يا فادية... فين صفا؟ "مشيت." هتفت بها ببرود مما جعله يتحرك من رقدته بصعوبة. "بتقولي إيه؟ مشيت راحت فين؟ "فرات بيه مينفعش كده... أي مجهود على حضرتك دلوقتي مش سليم."

هتف بها الطبيب قبل أن يرحل من غرفته، فعاد يسأل عن شخص آخر سيخبره بمكانها. "فين عامر طيب... اتصليلي بعامر." ليمتقع وجه فادية ثم غادرت الغرفة حانقة، داعية: "ما كنتيش متي بقى وريحتني... تيجيبي الطفل اللي متمسك بي بس، وبعدين أمحيكي من على وش الدنيا." ولم تكن تعلم أن تعلق شقيقها كان بالاثنين معًا. *** فتحت عيناها تمسد الفراش جانبها بذراعيها، تتساءل كيف أتت لهنا بعدما غفت فوق الأريكة، وقد تركته يهتف باسمها لمرات.

ابتسمت وهي تشعر أنها أصبحت تستقبل يومها بعمل ترى نفسها فيه. ولكن تلاشت ابتسامتها سريعًا وهي تتذكر حديثه معها أمس عن مريم. زفرت أنفاسها وهي حائرة. داخلها شيء يُخبرها أن تصمت وتتركها حتى يكتشفوا هم بأنفسهم أفعال الصغيرة المدللة، وشيء آخر يرفض صمتها يهتف بها أن تنصحها. كان الوقت قد تجاوز العاشرة صباحًا وهي تهبط الدرج تبحث بعينيها عن أحد. قابلتها ندي بابتسامة مشرقة، وقد تغيرت علاقتهما. "صباح الخير يا ياقوت...

إيه رأيك نروح لمها المستشفى سوا؟ رغم إدراكها أنها لن تلحق اجتماع اليوم الذي سيكون في الساعة الواحدة ظهرًا، إلا أنها أومأت برأسها. "تمام.. هروح المطبخ آكل حاجة سريعة وأستناكي في الجنينة تكوني جهزتي." أسرعت ندي في التحرك لأعلى حتى تعد حالها. أرادت أن تهتف باسمها وتسألها عن مريم، إلا أنها تراجعت. دلفت للمطبخ فنهضت الخادمة كالعادة تسألها عن طلبها. "هعمل لنفسي.. ده مجرد فطار، كملي شغلك انتي."

أنهت إعداد كأس اللبن والشطيرة وقررت الخروج للحديقة للجلوس فيها وانتظار ندي. ألتقطت عيناها مريم الجالسة تداعب فرو قطتها. "صباح الخير يا مريم." حدقت بها مريم بحقد وقد لمعت عيناها. "تعرفي لو اتكلمتي وقولتي إنك شفتي حاجة... هضيعك معايا." اتسعت عين ياقوت ذهولًا، أما مريم فأخذت تستعيد حديث صديقتها رؤى حتى تهددها وتخاف. "هقولهم إن انتي السبب وهحط رجلك معايا." "مش معقول تكوني وصلتي لكده... حمزة لازم يعرف إنك بتضيعي."

لم تشعر مريم بنفسها إلا وهي تدفعها بقوة، فكادت أن تسقط أرضًا. "مالكيش دعوة بحياتي انتي سامعة؟ ولا بـ بابا... أنا فاهماكي، عايزة تخليني قدامه في صورة وحشة عشان يبقى ليكي لوحدك." "اللي انتي فاهمه غلط.. أنا عايزة أعيش وسطكم ونبقى عيلة." "عمرك ما هتبقي مننا، انتي دخيلة علينا." نفس الكلمة التي كانت تخبرها بها زوجة أبيها. دخيلة، كلمة حفظتها عن ظهر قلب. تفاجأت بصراخ مريم باسم شقيقها. "شريف!

كان شريف يقترب منهم، وقد كان سعيدًا لرؤية ياقوت مع شقيقته، ولم ينتبه أن وقفتهم لم تكن إلا عداء. "مالك يا حبيبتي في إيه؟ ضم شقيقته إليه وعيناه مثبتة نحو ياقوت. كانت ستحل الأمر بأي كذبة وتخبره أنهم كانوا يتحاورون قليلًا، ولكن الصغيرة أسرعت في نجدة نفسها كما علمتها رؤى بخبرتها التي تفوق سنوات عمرها. "شايف ياشريف أبلة ياقوت بتقولي إني بنت مش كويسة."

وقفت ياقوت في حالة من الذهول لا تستوعب بكاءها، وكأنها حقًا أساءت لها. أخرسها تمثيلها لتظل عيناها على وسعهما، والصغيرة تروي لشقيقها حديثًا نسجه عقلها. "خلاص يا حبيبتي اهدي." وحدق بياقوت الواقفة بنظرات ضائقة. "مدام ياقوت، اختي ولو سمحتي... إحنا بنحترمك عشان حمزة بس... وقبل أن يُكمل شريف حديثه الذي أهانها. "كلامك وصلني ياحضرة الظابط... وانصرفت تجر أقدامها بخيبة. فالزيجة التي أحسدها الجميع عليها لم تكن إلا صراع عائلي."

تنفست مريم بارتياح بعدما رحلت ودفنت وجهها في صدر شقيقها. لولا تذكرها صباحًا لصورة ياقوت وهي تبدل لها ثيابها وأنها رأتها بتلك الحالة، لكان الذعر أصابها فور أن واجهتها، ولكنها أعدت أسلحتها وانتظرت قدومها. *** دلّف عامر غرفته بصحبة فادية التي أخذ كعب حذائها يدق أرضية الغرفة. "حمدلله على سلامتك يا فرات." فور أن استمع فرات لصوته، فتح عينيه واعتدل في رقدته بلهفة يسأله: "عامر فين صفا؟ ديه الأمانة اللي وصيتك عليها."

تعلقة عيناه بعين فادية التي ارتبكت وخاشت أن يفضح فعلتها وطردها لها. "مراتك في الحفظ والصون يا فرات... قوم بس أنت بالسلامة." "فرات، الدنيا كلها عرفت إن مراتك كانت مسجونة... ديه آخرتها عيلتنا تبقى سيرة على لسان الناس." هتفت بها فادية غاضبة، وكادت أن تُكمل حديثها إلا أن نهوض فرات من فوق الفراش جعل عامر يصرخ به. "فرات أنت بتعمل إيه؟ "رايح أشوف مراتي وابني يا عامر... هتف بها وقد اشتد الألم مما جعله يقطب حاجبيه متألمًا.

"ابنك إيه؟ أنت المفروض ترميها هي واللي في بطنها... دول وصمة عار في تاريخك... يا ريت كانت سقطت وريحتنا." ارتجف قلبه وهو يسمع شقيقته تتمنى موت طفله وحرمانه من تلك السعادة التي ينتظرها. "فادية! صرخ بها، ولأول مرة يرى وجهًا آخر لشقيقته. هوى بجسده فوق الفراش ثانية يتخيل لو كان عمره قد انتهى، هل سيأتي صغيره لهذه الحياة منبوذًا؟ "ياااا يا فادية لدرجادي كره يكون ليا نسل في الحياة... لو كنت مت كنتي رميتي ابني في الشارع."

"تقدر تتجوز وتخلف تاني... العيلة كلها معترضة على الجوازة دي، أنت ناسي أنت مين." "وإنتي نسيتي إنتي بنت مين يا فادية... تجمدت ملامح فادية ولكن سريعًا ما هتفت: "أنت بتعايرني يا فرات... بتعايرني عشان أمي خادمة وأنت أمك كانت هانم." "أنا بفكرك بأصلك يا فادية... لأنك نسيتي وبقيتي تدوسي على غيرك." اندفعت لخارج الغرفة، فأطرق عينيه أرضًا نادمًا. "ليه قولتلها كده يا فرات؟ "عايزها تفوق زي ما أنا فوقت...

مش هنفضل باصين للناس وكأنهم عبيد عندنا." *** وضع قلمه فوق الأوراق الموضوعة على الطاولة يُنهي اجتماعه. الكل نهض إلا هي، كانت جالسة تتلاعب بقلمها شارده فيما حدث منذ ساعات. "الاجتماع خلص يا ياقوت." نفضت رأسها وهي تنتبه على سماع صوته لتنظر إليه بأسف. "مأخدتش بالي، بعتذر." لملمت أوراقها ونهضت كي تغادر الغرفة إلا أنه أوقفها. "العرض هيكون في شرم الشيخ، هتقدري تسافري معانا؟

هتف عبارته وهو لا يعلم سبب سؤاله هذا، ولكن لم يجد ردًا منها إلا إيماءة خافتة من رأسها، ثم غادرت. رمقها وهي تخرج بحيرة، وإجابة واحدة كانت تصل لعقله. "إنها تعيش حياة تعيسة... فكما أخبرته هند شقيقته أن عائلة حمزة إلى الآن لا تتقبل ياقوت زوجة." *** ضمها نحوه وهم يستمتعون بآخر يوم لهم في أجواء لبنان. كانت السعادة ترتسم فوق شفتيهم. "مراد هو أنا بحلم؟ ضحك مستمتعًا وهو يضمها إليه أكثر حتى كادت أن تختنق، فلطمته فوق ذراعه.

"السؤال ده سألتيه كتير أوي النهاردة." "عشان في يوم حلمت ملقتش حاجة." تلاشت ابتسامته وهو يسمعها وابتعد عنها بعدما تذكر جرحه، وأنه لولا عشقها له ما كانت سامحته. تعلقة عيناها به تهمس بألم رغماً عنها. "مراد أنا سامحتك... بس الذكرى لسا محفورة جوايا." لم يجعلها تُكمل ما رغبت بالفيض به، فكانت ذراعيه تسبق أي حديث. "عارف يا هناء إني وجعتك أوي، وعلى قد ما وجعتك على قد ما أنا ندمان ونفسي أعوضك."

وصورة تلو الأخرى كانت تلتقط لهم، وآخر جالس فوق مقعده يُطالع تلك الصور يتأملها بحقد. "قريبًا سأحرق قلبك مثلما احترق قلبي يا مراد." *** اجتمعت العائلة إلا شريف كالمعتاد. فأصبح أغلب وجوده لدى مها بالمشفى. كانت عين نادية متعلقة ببطن ياقوت التي أصبحت ظاهرة، مما يجعلها تشعر بالسعادة، فحلمها لرؤية أبناء لشقيقها قد تحققت. كانت ندي تُشارك ياقوت الفكرة التي رغبت في فعلها من أجل إنشاء ملجأ وتديره مثل السيدة سلوى.

ضحكاتهما معًا كانت تجعل الشقيقان ينظران إلى بعضهما مبتسمين من تطور العلاقة بينهم، إلى أن قطعت تلك السعادة حين سألت نادية: "مش هتفرحينا يا ندي بخبر كده؟ صمت الجميع، فبهتت ملامح ندي، فنادية ضغطت على أكثر أوجاعها. "خبر إيه؟ "خبر حملك... أطرقت ندي عيناها، فأي حديث ستقوله؟ "في إيه يا فؤاد بتبصلي كده ليه؟ مش مراتي أخويا وعايزة أفرح بعيالهم." "نادية دي حاجة تخصني أنا ومراتي، ممكن؟

هتف بها شهاب وهو يشعر بمشاعر زوجته، ونهض يسحب يدها يتمتم بسعادة. "أنا وندي مقررين نستمتع بحياتنا شوية... أودع قبلة فوق كفها مما جعل ياقوت تنظر نحوهم بسعادة. ولم يكن حمزة مهتمًا بأي حديث إلا نظرات زوجته نحو شقيقه وزوجته. *** "مش عارفة يا رؤى أخرج... قوللي أجي إزاي بس." "براحتك يا مريم... البارتي يجنن، هتضيعي من إيدك." تسألت مريم بحماس. "هو البارتي بدأ؟ "لا لسا بس أنا قاعدة مع فارس، بيته يجنن."

تعلقة عيناها بـ نادية وزوجها من خلف زجاج شرفتها وهم يصعدون سيارتهم. "شكلي مش هعرف أجي يا رؤى." أتاها صراخ رؤى بحماس عن جمال الحفل. ولكن أسرعت في غلق هاتفها وهي تسمع طرقات ندي فوق باب غرفتها. وكانت كالعادة تجلس ندي معها لدقائق تثثرثر معها ثم تذهب لغرفتها سريعًا، وكأنها تقضي واجبًا ثقيلًا عليها، ولم يكن إلا شيطانها يفسر لها هذا. تنفست بارتياح متمتمة: "عقبال اللي في بالي ما تمشي خالص من البيت." ولم تكن تقصد إلا ياقوت.

*** دلّفوا لغرفتهما واتجهت لالتقاط منامتها حتى تبدل ثيابها، ولكن اقتراحه الذي سمعته للتو صدمها. التفتت نحوه ببطء تنتظر سماعه ثانية. "إيه رأيك يا ياقوت؟ "رأي في إيه؟ تمتمت بغباء ليقترب منها ضاحكًا. "نخرج نسهر بره." "أنا وانت نسهر وبره؟ وشغلك الصبح؟ تسألت وقد اجتاز الغباء معها مراحله. "شغلي وأنا عارف هصحاله إزاي... وحتى لو مصحتش ليه أنا اشتغلت كتير ومن حقي أسهر." "هتسهرى معايا ولا أشوف واحدة غيرك؟

أردف عبارته الأخيرة يرمقها بمشاكسة، إلى أن استوعبت حديثه بأعين متسعة. ركضت من أمامه نحو الخزانة تلتقط ثيابها. "أنا جهزت أه." وفي دقائق كانوا يهبطون الدرج، ناسيه كل همومها مع عائلتها. أضاءت سيارته شرفة مريم، فأقتربت من شرفتها تبعد ستائرها قليلًا وعيناها عالقة بـ ياقوت التي تصعد السيارة والسعادة ترتسم فوق ملامحها. فرفعت هاتفها نحو أذنها تُخبر صديقتها. "ابعتيلي العنوان أنا جاية الحفلة." ***

وقف فرات أمام باب الشقة يسند جسده فوق الحائط. فوقفت خلف الباب تسأل بخوف. "مين؟ "افتحي ياصفا." صوته جعلها تبتعد عن الباب ثم عادت تقترب لتفتحه غير مصدقة أنها تسمع صوته. تعلقة عيناها به وفعلت آخر شيء توقعه منها. فقد ارتمت فوق صدره، ولم تكن فعلتها إلا استمدادًا للأمان، ولأول مرة يشعر بدفء امرأة بين ذراعيه، فكل ما مضى كان شيئًا آخر. "متسيبناش ثانية."

تفت بها بضياع وقهر، وضعته فادية في قلبها وهي تتذكر جرها خارج المنزل تحت أعين الخدم وإلقائها وكأنها كالقمامة. وها هي أفعال فادية قد أثمرت وستجعلها تحتمي في مغتصبها، تقسم أنها ستكون سيدة هذا المنزل الذي طردت منه كالشريدة. *** تعلقة عيناها بذلك الوافد نحوهم بهيام وكأنه آسرها من أول نظرة. رمقهم هاشم ساخطًا، فلولا إلحاح فارس عليه وتوسله بأن يقيم حفل عيد ميلاده هنا، لكان الآن عائدًا لمنزله حتى ينعم بالراحة.

وكظت رؤى مريم التي تحمل في يدها كأس عصير، فلم ترغب بالشرب ثانية بعد تجربتها الأولى. "عينك هتطلع على الراجل." "مين ده يا رؤى؟ ألتمعت عين رؤى وهي تنظر لملامح مريم المبهورة بجسد ذلك الواقف. يتبع بإذن الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...