أحياناً نصبر على الصمت، لأن هناك أشياء لا يعالجها الكلام. أشياء كثيرة أشتقت لها، لا أعلم هل ستعود أم ستظل ذكرى. نشعر بضيق يخنق أرواحنا، نهمس في داخلنا بعمق اشتياقنا لهم خشية أن تعلو صوت لهفتها فيجرحنا صدودهم. *** صُدم ناصف من طلبه الأخير ووقف منتفضاً، يخطى من خلف مكتبه مردداً بغضب أعمى وهو يتجه إليه: –اااه يا واطي يا حقير. وصل إليه وكاد يلكمه، ولكن حمزة تفاداها، يميل ثم يعتدل، يقبض على يده محذراً بقسوة:
–أوعى تغلط، متقولش عليا حاجات فيك إنت. قدامك يومين تفكر كويس وتعمل اللى قولته كله، وإلا إنت عرفت اللى هيحصل. تعالت وتيرة أنفاسه وظل يطالعه بغضب وصدمة وهو يكرر طلبه الأخير في عقله، ثم نفض يده بقوة وابتعد يهز رأسه، يردف برفضٍ تام وجنون: –مستحيل، مش هطلقها، مش هسبهالك، هاخدها معايا فرنسا، ومش هتقدر تمنعني. أنا عارف أن عينيك منها يا واطي يا زبالة، وشوفت الصور القديمة وانت كنت بتحاول تقرب منها، بس تبقى بتحلم لو سبتهالك.
استمع إلى جملته بصدمة، أي صور؟ إذاً هو الآخر يعلم بأمرهم؟ ضيق عينيه مستفسراً: –صور إيه اللي بتتكلم عنها؟ طالع بحقد وكره وتابع بحدة وغضب: –إنت عارف كويس أنا بتكلم عن إيه يا خسيس، طلاق مش هطلق، ريتان مراتى أنا ومش هسيبها وهاخدها معايا.
التوت أحشاؤه من كلماته، برغم أنه يعلم أنها زوجته إلا أن كلمته جعلت غيرة المحب تتدفق في عروقه وتهاجمه بضراوة. نظر لعينيه ورأى الإصرار، فغير دفته للجهة المبادلة الذي أرسلها له القدر أمس بعدما تحدث مع حمدي، وأردف بثبات ظاهري وثقة يخفي وراءها عشقاً قوياً: –مين اللي ضحك عليك وقالك الكلام ده؟
أنا مافيش بيني وبين مراتك أي حاجة لا زمان ولا دلوقتى، عيب الكلام ده في حقي. شوف مين اللي فبرك الصور دي وضحك عليك. أنا طلبت طلاقها بناءً على رغبة عم حمدي اللي جالى واترجاني أتدخل بعد ما كان رايح يبلغ عنك لأنه من فترة حاسس إن بنته متغيرة. وكان عندك وحس إنك حابس بنته وبتعاملها بعنف وإنك عايز تسفرها معاك غصب عنها، وأنا منعته إنه يبلغ وقولت أن الموضوع عندي. أنا جايلك ومعايا عرض ضامن حياتك وفلوسك وحريتك وكمان مش عاجبك؟
أومأ عدة مرات ينظر داخل عين ناصف بثقة ودهاء، يتابع: –تمام، خليني أقولك البديل. تنهد وزفر بقوة، ثم طالعه بثبات يكمل:
–لو مش عايز تطلقها براحتك دي حاجة ترجعلك، بس أنا هطلع من هنا على عم حمدي وهقوله أنك رفضت تطلق بنته وهو بقى يروح يبلغ بما أني مقدرتش أساعده. وساعتها هيتحقق معاك وهتدخل في سين وجيم وهتفتح على نفسك بلاوي خصوصاً لو كلامه ثبت فعلاً إنك حابسها وبتعنفها. وهى كده كده هترفع قضية وتطلق منك ومش هتسافر معاك بما إنها مش عايزة. ووقتها أنا كمان هتضطر أسلم الدليل اللي معايا وهما يتصرفوا بطريقتهم لأني مش هصبر عليك كل ده.
زفر وتابع بتشفي وترقب وهو يلاحظ تشتت ناصف وغضبه: –يعني إنت قدامك خيارين ملهمش ثالث. الأول تطلق ريتان وتصفي شركتك وتبعد عن مصر باللي فيها تماماً وتكمل حياتك في فرنسا زي ما كنت، يا إما يتقبض عليك والدليل قوي والشحنة تتمسك وتتعدم والمافيا يقتلوك أو تتسجن طول عمرك. وساعتها يا هتطلقها أو هي هتترمل. زفر وتابع ساخراً بسعادة داخلية وهو يلاحظ استسلامه وصمته:
–يعني في الحالتين هتخلص منك، وانت إختار اللي يريحك أكتر، أنا مش بضغط عليك. نظر له بقوة وعندما لاحظ صمته وحيرته ابتسم وأردف قبل أن يغادر: –فكر كويس يا ناصف في اللي قولته وشوف هتعمل إيه. تركه حمزة وغادر، ووقف ناصف يستوعب ما يحدث معه، ولما بين لحظة وأخرى انقلب السحر على الساحر وكيف وقع بين قبضة حمزة هكذا بمنتهى السهولة. يفكر بتشتت لإيجاد حل، هل يطلقها؟
هو يحبها أو يتوهم ذلك، ولكنه يحب نفسه أكثر من أي شيء آخر. يحب حريته ويتنازل عن أي شيء لأجلها. وماذا سيفعل مع هؤلاء؟ إن تم الإمساك بالمواد المخدرة وقتها فحتماً سيقتلونه، لذا فهو مجبر على تعويضهم بالكثير من المال وإيجاد خطة بديلة.
لم يتحمل التفكير في الأمر أكثر، فصرخ يزيح كل ما على المكتب أرضاً بغضب ويكسر كل ما تطوله يده، ثم ارتد على المقعد، صدره يعلو ويهبط بعنف قبل أن يقف يبحث عن المايك بجنون. اتجه للجهة الأخرى من المكتب وانخفض يبحث في المقعد والمكتب والطاولة فلم يجد شيئاً.
جن جنونه أكثر فأصبح يزعق بقوة، ثم تذكر أن حمزة وقف عند النافذة لإجراء مكالمة، فأسرع إلى النافذة يبحث حولها بجنون حتى وجده مثبت أسفلها. نزعه بقوة ثم نظر له بغل وسحقه تحت قبضته يلويه بين أصبعيه حتى كسره، ثم نظر من النافذة بغضب وألقاه بعلو يده. خسر أمام حمزة الجواد. أردف بتوعد وفحيح وغضب: –تمام يا ابن الجواد، كسبت الجولة دي، بس راجعلك. أنا هعرفك مين ناصف السوهاجي يا واطي. ***
وصل حمزة إلى شركته وطوال الطريق يفكر في قرار ناصف. لن يرتاح إلا إذا خلصها وتحررت من هذا الحقير. يخشى عليها من رد فعله، ولكن عليه أن ينتظر للغد. أما عن مسألة الصور فيشك باثنين، والده ومها، ولكن لن يكشف أمره الآن، لينتظر خلاصها وليرى من الفاعل. يتذكر ليلة أمس عندما رن هاتفه برقم حمدي السائق فتعجب وأجاب، يردف: –عم حمدي؟ خير؟
تنهد حمدي الذي قرر الاستعانة به بعد تفكير، بعدما رأى حال ابنته التي يعلمها جيداً ويوقن أن هناك أمراً مريباً، لذلك أردف بترقب: –ازيك حمزة بيه؟ أنا كنت محتاج مساعدتك في أمر مهم ومعرفش حد غيرك ممكن يساعدني. تعالت وتيرة انفاسه يتساءل بترقب: –خير يا عم حمدي؟ زفر حمدي وتابع بتوتر: –موضوع بخصوص ريتان بنتي، خليني أقابلك لو سمحت ونتكلم؟ وكأن القدر يدعمه ويساعده ويعطي له الإذن بخلاصها، أردف متلهفاً:
–طبعاً يا عم حمدي، نص ساعة وهقابلك في كافيه... أومأ حمدي وشكره وأغلق يستعد لمقابلته، فهو لم ينسى رد فعل حمزة على جواز ابنته من ناصف حينما قال له بحدة (إنت إزاي تجوز بنتك لناصف السوهاجي) . تلك الجملة تتردد على عقله تأنبه وتحزنه على حال ابنته التي أصبحت عليه مؤخراً، يشعر بالندم يتآكله على تسرعه بجوازها خصوصاً بعد آخر مرة رآها. قابله حمدي بالفعل وأردف بحزن وتساؤل: –قولي الحقيقة يا حمزة به؟
لما عرفت إن بنتي هتتجوز ناصف قولتلي إزاي تعمل كدة؟ إنت وقتها كنت تعرف حاجة عنه؟ ضيق حمزة عينيه يسأله بإستفهام: –ليه يا عم حمدي؟ إيه اللي حصل؟ تنهد حمزة بقوة وأردف بشرود وحزن ظهر بوضوح على وجهه: –أنا وامها رحنا نزورها بعد ما ناصف كلمنا، بس لاحظت إن ناصف قافل عليها من برا. ولما بصيت في وش بنتي لقيتها خايفة وقلقانة ومش هي أبداً ريتان بنتي، وكمان عايز ياخدها ويسافر فرنسا. لم يستطع حمزة التحكم في غضبه مما سمعه وأردف بحدة:
–ده بيحلم، نجوم السما أقربله. تعجب حمدي ونظر له يردف مستفهماً: –يعني إيه يا حمزة به؟ هو انت تعرف عنه حاجة فعلاً؟ طمني يابني. تنهد بقوة وطالع حمدي بصمت وعقله يردد (آه يا عمي لو تعلم مدى حبي لابنتك، لو تعلم ما أصابني بعد رحيلها وأي لعنة حلت على حياتي، لو تعلم أن روحي وأنفاسي ومشاعري وجسدي وقلبي باتوا محرمين على جميع النساء إلا هي) زفر حمزة يردف مراوغاً:
–أنا حالياً مش متأكد من حاجة يا عم حمدي، بس إطمن أنا هعمل اللي هقدر عليه. ولو منفش يبقى هاخدك ونطلع أنا وانت على النيابة نقدم فيه بلاغ. المهم ريتان تبقى في أمان. زفر حمدي بارتياح قليلاً وأردف بامتنان: –تسلم يابني، ده كان عشمي فيك برضو. بس ليا عندك رجاء، أوعى سالم بيه يعرف إني كلمتك في حاجة زي دي. أومأ حمزة يردف مطمئناً ومحذراً:
–متقلقش يا عم حمدي، الكلام ده هيفضل بينا إحنا، مافيش داعي أي حد يعرف حتى أهل بيتك، وأنا هكلمك أقولك عملت إيه. عاد لواقعه بعدما رن هاتفه برقم أحدهم. زفر وفتح الخط يجيب بترقب: –أيوة يا فؤاد؟ أردف الآخر محذراً:
–أنا سمعت كل الحوار اللي دار بينك وبين ناصف يا حمزة، أعتقد بعد كلامك مش هيقدر يخاطر. وكويس جداً إنك عرفته إن فيه حد وراك هيتصرف فوراً لو لا قدر الله فكر يأذيك، لإن لعلمك الفيديو مش دليل كافي، وتصويريه بالطريقة دي سهل إن أي حد يشكك فيه لأنه مش واضح. لكن اللي يدينه هي التسجيلات دي. ومرة تانية متتصرفش بإندفاع من نفسك، ربنا سترها عليك يا حمزة المرة دي، فـ خد بالك كويس أوي. أومأ حمزة بشرود وأردف:
–شكراً يا فؤاد، مش عارف من غيرك كنت عملت إيه. (فؤاد منذر ضابط أمني قام بإنهاء خدمته وتسوية معاشه وفتح شركة حراسات خاصة لحماية الجهات السياسية والمهمة في البلد وهو يعد صديق قديم مشترك بين مؤمن وحمزة ولكنه يكبرهم بعدة سنوات وتواصل معه مؤمن بعدما شعر أن حمزة ممكن أن يعرض حياته للخطر) أردف فؤاد بتأكيد: –مافيش شكر بينا، المهم دلوقتي نأمنك كويس لإن ممكن ناصف ده يحاول ينتقم وياخد رد فعل عكسي.
شرد يردف بقلب عاشق حنون متناسياً أمر فؤاد وكأنه يتحدث مع نفسه: –المهم ريتان تبقى في أمان ويطلقها من غير ما يأذيها، دي أهم حاجة عندي. تعجب فؤاد وتساءل بترقب وذكاء: –حمزة هو الموضوع عم حمدي اللي لجألك وبتساعده ولا في حاجة تانية إنت مخبيها عني؟ تحمحم حمزة وأردف بمراوغة لم تقنع فؤاد: –مافيش حاجة يا فؤاد، أنا بحاول أساعد بس. يالا سلام هكلمك وقت تاني.
أغلق معه وتنهد بقوة وهو يترجل من سيارته ويصعد الشركة لينتظر بفارغ الصبر الخبر اليقين والقلق يتآكله عليها. *** في اليوم التالي في منزل ريتان. كانت انتهت للتو من فرضها ووقفت تخطو للخارج حيث المطبخ. سمعت صوت الباب يفتح، فار تعشت وتأكدت من مجيئه الذي أصبح يرعبها. تعالت وتيرة أنفاسها ورددت الأذكار والأدعية بداخلها، فوجدته يولج يطالعها بعمق قبل أن ينطق من بين أسنانه بعد تفكير دام طويلاً وهو في شركته طوال الليل:
–لمي شنطة هدومك ويالا. طالعته بذهول وارتعبت ترتعش وتردف بخوف وتساؤل: –هتاخدني على فين؟ نظر لها بقوة ثم اقترب منها فابتعدت بقلق، فأكمل يقترب فارتدت في الحاجز الرخامي، فأغمضت عينيها وحبست أنفاسها بخوف، بينما هو التصق بها ولف ذراعيه حول خصرها ويقربها إليه وهي تتحرك بجسد متصلب كأنه بلا روح، ثم مال على رقبتها يلثمها بتروي ويغمض عينيه يستنشق رائحتها بقوة، ثم أردف بفحيح عند أذنها: –هترجعي على بيت أبوكي، هطلقك.
جحظت عينيها تطالعه بذهول وشهقت شهقة كأن روحها تحررت، بينما هو ابتعد عنها وطالعها بعمق ثم التفت ليغادر وأكمل بحزن: –قدامك خمس دقايق تلمي حاجتك، مستنيكي برا. وقفت تستوعب ما قاله، هل يخدعها؟ هل سيحررها؟ أم تلك خطة وينوي أمراً آخر؟ عاد الخوف يتملكها، فالتفتت تنظر للسكين على السطح الرخامي بشرود. ماذا إن كان ينوي أذيتها دون أن يعلم عنه أحد شيئاً؟ نفضت الأفكار الشيطانية من رأسها واتجهت للخارج بصمت تفعل ما يريد.
بعد وقت نزلت الدرج معه تحمل حقيبتها بتوتر وقلب مهزوز وتنظر لظهره بخوف وعدم أمان. تناول منها الحقيبة ووضعها في حقيبة السيارة، ثم التفت يصعد مكانه واستقلت هي مكانها وغادر. قاد إلى وجهته وبعد مدة نظرت للطريق فلم يكن هذا طريق منزلها، فالتفتت إليه تنظر له بقلق مردفة بعيون زائغة: –إنت واخدني على فين يا ناصف؟ طالعها بعمق ورأى نظرة الرعب في عينيها، فأردف وهو يلف نظره للأمام بهدوء:
–على المأذون، علشان نتطلق، والمحامي هيوصلك حقوقك كلها. تعجبت منه ومن حالته وكيف سيخلصها هكذا، ولكن لا يهمها لتتخلص منه وكفى. هدأت قليلاً والتزمت الصمت تنظر للأمام، ولكن عقلها لا يكف عن التفكير. توقف بعد مدة أمام مكتب مأذون شرعي وترجل وترجلت معه، حيث كان المأذون والشهود في انتظاره. طلقها بالفعل وأوصلها لمنزل والدها وغادر دون أي كلام. صعدت المنزل تجر حقيبتها بذهول وعدم تصديق لما تعيشه. هل حقاً تحررت منه؟
هل تخلصت من قيوده وعنفه ووجهه المخيف الذي رأته؟ كيف وماذا ومتى حدث؟ طرقت باب منزلها. فتحت جميلة تطالعها بسعادة وتردف بلهفة: –ريتان، تعالي يا حبيبتي. سحبتها إليها وتعجبت من حقيبتها متسائلة بترقب: –إيه الشنطة دي؟ هو حصل حاجة؟ نظرت لوالدتها بعمق وأردفت بعدم تصديق: –ناصف طلقني. لم تستطع أن تحزن، فهذا ما كانت تتمناه هي وحمدي بعدما رأيا حالتها آخر مرة. ولكنها أردفت متعجبة: –طلقك كده بسهولة؟ إيه اللي حصل يا ريتان؟
هزت كتفيها ورأسها تردف بإرهاق وشرود وروح معذبة تحاول التلملم: –معرفش. سحبتها جميلة إلى صدرها تضمها بحنو وتربت على ظهرها مردفة: –خلاص يا حبيبتي، الحمد لله إنها جت على قد كده. استكانت في حضن والدتها وهي إلى الآن لا تصدق أنها تحررت منه. أما هو فاتجه لفيلا شقيقه ليودع توأمه قبل أن يغادر البلاد، بعدما تحدث مع هؤلاء الجماعة وأخبرهم بإيقاف إرسال الشحنة وأنه قادم إليهم بخطة بديلة ودفع الغرامة ليضمن حياته. ***
كان قد انتهى دوام مدراء الشركة، فغادر حمزة مع والده ومراد، ولكن عقله بقى عندها. هل خلصها؟ هل نفذ أم تلاعب؟ أم أذاها؟ نفض الأفكار الشيطانية بعيداً وقرر الانتظار قليلاً. كان حمدي يقف أمام الشركة ينتظر نزول سالم قبل أن يرن هاتفه معلناً عن اتصال من زوجته تبلغه بالأمر. في تلك الأثناء وصلوا ثلاثتهم أمام باب الشركة، وتنبه حمزة لصوت حمدي المتفاجئ وهو يردف عبر الهاتف: –طلقها؟
وكأنه تلقى لتوه صدمة كهربائية أعادت نبض قلبه للحياة، وتوقف هو ينظر لحمدي بسعادة ارتسمت على وجهه ولم يستطع إخفاءها، وحمدي يتابع عندما لاحظ سالم: –تمام يا جميلة اقفلي دلوقتي وخلي بالك منها لحد ما أرجع. أغلق معها وأسرع يفتح باب السيارة لسالم الذي وقف يطالع حمدي بترقب وينظر له تارة ولابنه السعيد تارة، ثم أردف متسائلاً بترقب: –مين طلق مين؟ نظر له حمدي بتوجس ونظر لحمزة، ثم أردف بتوتر: –ناصف طلق ريتان بنتي يا سالم بيه؟
صُدم سالم ونظر بشك لحمزة الذي طالع والده بخبث يحاول أن يرسم على ملامحه الجدية، ولكن غلبته سعادته وأردف: –يالا سلام يا بابا نتقابل في البيت. طالعه سالم بترقب واتجه على الفور يستقل سيارته، بينما نظر حمدي لحمزة بامتنان، ولكن اقترب منه وأردف حمزة كاذباً بهمس حتى لا يسمع والده: –على فكرة يا عم حمدي أنا معملتش لسه أي حاجة، واضح أن موضوع الطلاق جه من ناصف نفسه، على العموم مبروك لبنتك.
تعجب حمدي، بينما التفت حمزة ليغادر قبل أن يفتضح أمره، وكأنه عاد لطفولته يريد الركض الآن ومشاركة أحدهم تلك السعادة التي تملأه، ولكن ليتمهل قليلاً. أما سالم فنظر لحمدي بضيق وأردف بحدة: –متخلص يا حمدي. أسرع حمدي يستقل السيارة ويغادر خلف حمزة. بعد حوالي ساعة وصل حمزة إلى القصر بروح مرفرفة، وطوال طريقه يحلم ويخطط ويبني قصوراً ومدن وقلاع.
ترجل ودلف بعدما صف سيارته، ولكن أوقفه سالم الذي جاء لتوه يناديه ويطالعه بغضب وترقب، ثم اقترب منه وأردف بنبرة لا تقبل أي نقاش: –تعالي ورايا على أوضة المكتب. دلف من باب القصر مندفعاً لغرفة المكتب وزفر حمزة يتبعه. دلفا وأغلق حمزة الباب ينظر لوالده بثبات مردفاً: –خير يا بابا؟ جلس سالم على الأريكة يطالعه بترقب وتساءل بهدوء عاصف: –أنت ليك علاقة بطلاق بنت حمدي السواق؟ تنهد بقوة ثم رد عليه بسؤال آخر وترقب يردف:
–وحضرتك ليك علاقة بالصور اللي وصلت لناصف؟ ضيق سالم عينيه يفكر لثوانٍ، أي صور تلك؟ ثم تذكر على الفور الصور التي صورها شوقي أبو الدهب لابنه وريتان وتساءل مستفهماً: –صور إيه؟ لاحظ حمزة حالته فأردف بترقب: –صور ليا أنا وريتان، ليك علاقة يا بابا؟ شرد سالم قليلاً، ألهذا السبب طلقها؟ ولكن هو لم يرسل أي صور، هناك شخصاً واحداً من اثنين أرسلها، إما مها أو شوقي، وفي الحالتين هو يعتبره تصرفاً غبياً، ولكن لن يخبره عنهما،
لذلك أردف بمراوغة: –مين اللي قالك الكلام الخايب ده؟ أنا هبعتله صور زي دي ليه؟ من كل عقلك هأذي ابني؟ نعم هو محق، أومأ حمزة يردف باقتناع بعد علم المرسل: –تمام، أنا عرفت مين اللي وصلهم. التفت ليغادر فأردف سالم بترقب ليحجبه عن مها: –وانت متأكد كده ليه إن فيه صور أصلاً، شوفتهم بعينيك؟ توقف يلتفت لوالده ويردف بترقب: –لأ مشوفتش، بس ناصف قال وهو أكيد مش هيكذب في حاجة زي كده. وقف سالم يقترب منه وتساءل بحدة:
–يعني إنت برضو روحت لناصف؟ إنت عايز تجنني؟ إنت مالك وماله يا بني آدم؟ وإزاي تصدق واحد زي ده، مافيش أي صور ليك مع حد. ثم نظر له بشك وتابع بخبث وفحيح: –ألا إذا بقى كان فيه حاجة بينك وبين البنت دي فعلاً؟ اتسعت عين حمزة ولم يحتمل معنى حديث والده، لذلك أردف بحدة: –مستحيل طبعاً، وانت عارف كده كويس، لا أنا ولا هي خاينين. ابتسم سالم وهز كتفيه يردف بتأكيد:
–يبقى ناصف سمع حاجة من أي حد وكان بيوقعك. ارجع لعقلك يا حمزة وفكر بس في مراتك وابنك اللي جاي في السكة وأوعى تبني أوهام وتفكر إني هسمحلك تحققها. نظر لوالده بحزن وصمت. لم تعد تعنيه تلك الكلمات ولكن ليسمع ويصمت. زفر والتفت يغادر تاركاً الغرفة والمنزل بأكمله متجهاً إلى شقيقته سناء. *** بعد ثلاثة أشهر.
حيث غادر ناصف البلاد بعدما صفى الشركة ووضع نصيب سناء والتوأم باسمائهم في البنك، كما تم الإبلاغ عنه بعد سفره من مجهول أنه كان يستخدم أفراداً في الجمارك لتمرير مواد مخدرة، وبالفعل تم القبض عليهم متلبسين في قضية تهريب أخرى جعلتهم يعترفون على ناصف من بين الأسماء. تم وضع اسمه في قائمة المطلوبين للعدالة، وذلك حتى لو فكر بالعودة إلى مصر مرة أخرى سيتم القبض عليه فور عودته.
ولكنه لم يهدأ، بل يسعى منذ سفره للانتقام من حمزة، خصوصاً بعدما أقنع هؤلاء الجماعة بالعفو عنه ودفع لهم الجزية المناسبة بشرط أن يجد لهم مستثمر مصري يسهل دخول تلك الأشياء غيره. وها هو يحاول بكل قوته ومعارفه أن يورط شركة الجواد في الأمر، وما يسهل عليه خطته هو وجود ثغرة يدلف منها وهي (شوقي أبو الذهب) والذي يعرف عنه في سوق الأعمال أنه مثل (البحر يحب الزيادة) ويمكن أن يوافق بعد تقديم عرض مغري له.
خلال تلك الفترة التزمت ريتان منزل والدها تماماً، وحاولا حمدي وجميلة التخفيف عنها لشعورهما بالذنب تجاه ابنتهما التي عانت في تلك الزيجة كثيراً، خصوصاً بعدما علموا بأمر ناصف وتجارته للمواد المخدرة وتأكدوا من أن هذا سبب الطلاق، لذلك فقد حرمت على نفسها نصيبها من مؤخر صداق وظل كما هو في حساب مسجل باسمها في أحد البنوك.
تقربت من ربها وبدأت تدريجياً تتعافى من تلك العلاقة السامة وبدأت تدرك قيمتها الحقيقية وتكتسب ثقتها مجدداً، ويبقى أمراً واحداً يشغلها هو وظيفتها، لذلك ستبحث وتعافر مجدداً، ولكن كانت تنتظر لتنتهي عدتها. أما بسمة شقيقتها فكانت على نفس أفعالها السابقة، حيث اللسان السليط الذي لا يرحم خصوصاً بعد طلاقها، لذلك فإن ريتان كانت تتجنبها دائماً.
وعن حمزة فأصبحت حياته روتينية بحتة، يقضي معظم أوقاته في العمل ويعود ليلاً يرتمي على الفراش بتعب ويذهب في نوم عميق. ولكن تبقى سعادته الداخلية مستحوزة على نومه بعدما حرر حبيبته من هذا المختل. تأتيه في أحلامه يومياً، لذلك أصبح يعشق النوم، ينتظر اللحظة المناسبة ليتحدث معها ويخبرها بكل ما يحمله بداخله ولن يبخل عليها بعد الآن.
مها التي ندمت على حملها بسبب إرهاقها الذي تسبب لها في المكوث في منزل والدها طوال تلك الفترة رغماً عنها، حتى أنها كانت تريد إجهاده لولا سعاد التي حذرتها من فعل ذلك وعليها فقط تحمل تلك التسعة أشهر حتى تنجبه لتلهي حمزة به ولتضمن قيده، ثم تتركه لجدته صفية تتحمل مسؤوليته ويمكنها تحقيق أحلامها كيفما تريد. *** بعد أيام.
في قاعة تم تجهيزها لحفل زفاف الابن الثاني لسالم الجواد. حضر كالعادة أفراد الطبقة الراقية، وتلك المرة حضر أفراد الطبقة المتوسطة أيضاً الذين كانوا أكثر طبيعية وتلقائية من هؤلاء الممثلين المبدعين الذين اتخذوا من الغرور حليفاً. تقف ريتان مع كاريمان في الغرفة التي تتجهز بها تطالعها بسعادة وهي ترتدي فستان زفافها الأبيض الناصع كالأميرات. أردفت ريتان بتروي وفرحة لأجل صديقتها:
–ألف مبروك يا كاري، طالعة بسم الله ما شاء الله زي القمر. التفتت لها كاري تطالعها بسعادة وحب، ثم مدت ذراعيها لتسرع إليها ريتان تعانقها بحنو وتربت على ظهرها. طرق سمير والد كاريمان الباب ودلف ينظر ويبتسم بسعادة على ابنته مردفاً: –يلا يا حبيبتي المأذون وصل ومراد جاب آخره. خجلت كثيراً تنظر لوالدها بسعادة وتومئ، ثم التفتت تتمسك بيد ريتان مردفة برعشة وقلب متراقص: –ريتان متسبنيش.
أومأت ريتان التي كانت ترتدي فستان أسود محتشم وحجاب كريمي ولم تضع أي مستحضرات تجميل تماماً إلا القليل من الكحل الذي أبرز عينيها الرماديتين، فباتت في كامل براءتها وجمالها الطبيعي. أردفت ريتان بحب وتأكيد: –معاكي ومش هسيبك. تحركت كاري مع والدها للخارج وريتان تخطو مجاورة لها حتى وصلوا إلى الدرج الذي ينتظر مراد أسفله. نزلا سمير يشبك يد ابنته بهدوء ليسلمها لحبيبها.
وصل إليه ومراد في حالة ثبات ظاهري، بينما قلبه يعصف ويضخ مشاعر قوية خاصة بها تلك التي سلبته الراحة في بعدها وأخذت أفكاره وملكت فؤاده. مد مراد يده يلتقطها من والدها الذي أردف بترجّي: –حطها في عينك يا مراد، دي بنتي الوحيدة ونور عيني. طالعها مراد بعمق، ثم رفع كف يدها الصغير الناعم يلثمه برقة وسعادة وأردف بصدق: –طبعاً يا عمي في عيني وفي قلبي. أردفت ريتان من خلفها بسعادة وهدوء: –ألف مبروك يا مراد. نظر
لها وابتسم يردف بسعادة: –الله يبارك فيكي يا ريتان، شكراً. بعد ثوانٍ دلفا العروسان القاعة التي ينتظر بها المدعوين بترقب. صدحت موسيقى الدخول وانطفأت الأنوار باستقبال مبهر لهما. حضرت من حيث لا أحد يدري الفرقة التي قامت بعرض رائع حول العروسين أبهر عيون الحضور.
القاعة مظلمة إلا من أنوار خافتة مسلطة على المسرح، بينما ريتان تقف في إحدى الزوايا تتابع صديقتها بسعادة وتتنفس بعمق. داخلها متأرجح وندوبها ما زالت في مرحلة التعافي، ولكن حقاً هي سعيدة جداً لأجلها.
تحركت ريتان من مكانها قاصدة طاولة والدها، ولكن في طريقها كادت أن تصطدم بشخصٍ نبض قلبها بشدة عندما اقترب منها ووقعت عيناها على حذائه. قبل أن ترفع أنظارها تأكدت أنه هو. تلك النبضة التي تحقد عليها لم تأت إلا في حضوره، تلك الهزة الجسدية لم تحدث إلا عندما يقترب. رفعت عينيها للأعلى تطالعه بأنفاس تحاول التقاطها، فرأته يطالعها بعمق، بإشتياق، بلهفة، بباقة فريدة من أجود المشاعر صُممت لها بعناية.
لا تعلم لما أصابها تحذر لحظي، ولم تفق إلا عندما انتهى العرض واشتعلت الأنوار تنير القاعة بأكملها، لذلك تنبهت وابتعدت فجأة عنه وخطت متجهة لطاولة والدها وجلست مجاورة لجميلة التي ربتت على كفها بحنو. أما هو فظل أمامه يتأمل مكانها. جميلة كما عاهدها، ولكن انكسرت لمعة عينيها، لم تعد مثل السابق، لذلك نغزه قلبه وأقسم داخله أن يسعى لإعادة ترميم ما هدمه.
بدأ كتب الكتاب وشهد حمزة على عقد قران شقيقه، بينما وقعت عين ريتان لا إرادياً على مها التي ظهر حملها، حتى أنها غضبت بشدة وكادت أن لا تأتي الزفاف بسبب هيأتها التي تعيق مظهرها، ولكنها تذكرت وجود ريتان لذلك أتت وها هي تطالعها بخبث وتشفي، حيث أنزلت كفها على حملها تحسسه أمامها قاصدة إيلامها، وبالفعل أصابت هدفها وها هي الدموع تتجمع في تلك العيون الرمادية.
ليس حقداً أو حزناً لحملها بالطبع لها، فهي لم تكن يوماً تلك الحقودة، ولكن تتحسر على أحلام شيدتها وكانت تظنها ستتحقق يوماً. أبعدت ريتان نظرها عنها والتفتت تتنهد بقوة وتطالع كاري التي تطالعها مبتسمة كأنها شعرت بها تألمت لأجلها من وسط سعادتها.
بادلتها ريتان بحب وابتسمت تحت أنظار هذا العاشق الذي اتجه يقف مجاوراً لمراد بعدما انتهى المأذون وعينه مسلطة عليها، مما جعل مها تستشيط غضباً ليس شعور غيرة أو حب لزوجها، ولكن حتى لا يسقط مظهرها الاجتماعي أمام الحضور. بعد ساعات انتهى الحفل وغادر الجميع وانطلق مراد بسيارته إلى المطار فوراً بعدما أبدلا ملابسهما في الفندق حيث سيذهبا لتقضية شهر عسل في إحدى الدول الأوروبية الساحرة، وكانت تلك هديته من شقيقه حمزة. ***
بعد عدة أيام في مكتب حمزة. وبعد تأكده من انتهاء عدتها الذي انتظره بفارغ الصبر. يجلس يتحدث في الهاتف مع أحد رجاله الموثوق بهم مردفاً: –أيوة المدرسة الخاصة اللي على طريق... عايزك تروح حالاً وتطلب تقابل أستاذة منال قاسم وتخليني أتكلم معاها. أردف الرجل وهو يقود إلى وجهته: –حاضر يا حمزة بيه، مسافة الطريق. بعد حوالي نصف ساعة رن هاتف حمزة فأجاب بترقب: –أيوة يا سعيد؟ أردف الرجل باحترام: –حمزة بيه أستاذة منال مع حضرتك.
أعطى الهاتف لتلك السيدة الوقورة التي أردفت بسعادة: –أهلا يا حمزة بيه، أزي صحتك؟ أردف حمزة بحنين وود: –أزي حضرتك يا أستاذة منال، يا ترى فاكراني؟ أردفت بتأكيد متذكرة: –أكيد فاكراك، حد ينسى حمزة الجواد أكتر ولد كان مطيع وبيسمع كلامي ومريح أساتذته. ابتسم حمزة على ذكريات طفولته وتنهد يردف بفضفضة: –ياريت كنا فضلنا هناك يا أستاذة منال، كبرنا وكل شيء كبر معانا، المهم أزي صحتك طمنيني عنك؟
أردفت منال بود بعدما غير الزمن ملامحها الشبابية إلى أخرى أكثر نضجاً وأكبر سناً: –أنا كويسة جداً الحمد لله، أخبار سالم بيه وصفية هانم إيه؟ أردف حمزة بهدوء: –الحمد لله بخير. تنهد يتابع بترقب: –أنا كان ليا عندك رجاء. ترقبت وأردفتتمعن: –أكيد إنت تؤمر، اتفضل؟ أردف حمزة بترقب:
–من فترة بعيدة شوية فيه واحدة تهمني قدمت طلب وظيفي لمدرستكم، وأنا أعرفها شخصياً وأعرف قد إيه هي ممتازة في توصيل المعلومات للطفل لأنها كانت مسؤولة عن تعليم أطفال أختي وحقيقي النتيجة مبهرة، فأنا طالب منك تراجعي طلبها ولو ممكن تقبليها عندك في المدرسة. تنهدت منال بقوة فهي ليست من هذا النوع الذي يقبل بالواسطات، ففهم حمزة عليها وأردف بتروي:
–أنا عارف أستاذة منال كويس جداً وعارف هي بتتعامل إزاي وده اللي خلاني أتكلم معاكي تحديداً لأني كان سهل عليا أتواصل مع أي مدرسة تانية بس أنا حابب حضرتك تجربيها. صدقيني هي مش محتاجة واسطة أو تدخل مني، طريقتها هتخليكي تتمسكي بيها. أنا طلبي بس إنك تعطيها فرصة تظهر مهاراتها قدامك، وتأكدي لو حضرتك مقتنعتيش بيها أنا مش هفرض عليكي أي حاجة. تقدري تخليها شهر تحت التدريب وتشوفي وتقرري بنفسك. اقتنعت منال بحديثه وأومأت تردف بهدوء:
–طيب قولي رقمها وأنا هتواصل معاها، مع إننا مكتفيين مدرسات بس لأن حمزة الجواد غالي عندي. ابتسم بسعادة وأردف بامتنان: –متشكر جداً جداً يا أستاذة منال بجد. أردفت مبتسمة بهدوء: –العفو، يالا قولي الرقم. أملأها الرقم الذي حصل عليه من شقيقته سناء منذ قليل وطلب منها أن لا تخبره أبداً أنه الفاعل بل تخبرها أنه تم إعادة النظر في طلبها الوظيفي. *** كانت ريتان جالسة في غرفتها تتحدث مع سناء عبر الهاتف. قالت سناء
بترقب بعدما ترجاها حمزة: –يالا يا ريتان بقى، هتزعلي سليم وتقى؟ هتكسفيهم يعني؟ تنهدت ريتان بضيق وأردفت: –بجد مش عايزة أخرج يا نونا، أنا بقالي فترة مخرجتش وحاسة إني مش مستعدة بجد، خليها وقت تاني، سلميلي عليهم كتير جداً. زفرت سناء بإستسلام وأردفت: –تمام يا ريتان، زي ما تحبي، بس لو خرجتي في أقرب وقت علشان خاطري فوتي عليا. أومأت لها تردف بتأكيد: –حاضر، بجد لو خرجت أوعدك هتكوني أول واحدة أزورها.
ودعتها وأغلقت معها ووضعت الهاتف جانباً ووقفت تتجه للخارج، ولكنها وجدت رقماً غير مسجل يهاتفها. تعجبت واجابت بترقب مردفة: –ألو؟ أردفت منال قاسم بترقب: –آنسة ريتان حمدي الفولي معايا؟ ابتسمت بألم على لقب آنسة وأردفت بترقب: –أيوة أنا، مين حضرتك؟ أردفت منال بتروي: –أنا منال قاسم مديرة مدرسة... الخاصة، إنتِ كنتِ قدمتي طلب وظيفي عندنا من فترة. دق قلبها بسعادة وحماس وترقب وأردفت متلهفة: –أيوة فعلاً، اتقبلت؟ أردفت منال بهدوء:
–هتمرّي علينا بكرة إن شاء الله وهتتعيني شهر تحت التدريب لو أثبتي كفاءتك هنثبتك في وظيفتك. انشرح فؤادها وأردفت ببكاء من شدة سعادتها: –حاضر، إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا فندم، متشكرة لحضرتك جداااا. أغلقت معها وركضت للخارج كالطفل السعيد تردف بحماس ولهفة: –ماماااا، ماماااا أنا هتوظف يا مامااا. أسرعت جميلة من المطبخ تتجه إليها وتعانقها بسعادة، ثم ابتعدت عنها وأردفت متسائلة بترقب: –إحكيلي إيه اللي حصل؟
بدأت تسرد لوالدتها مكالمة السيدة منال، بينما تجلس بسمة تطالعها بضيق، فها هو الحظ يحالفها للمرة الثانية على التوالي، وهي التي ظنت أن أحلامها ستتحقق على يد ناصف، ولكن طار ناصف وطارت أحلامها وستظل ريتان في القمة. *** في اليوم التالي صباحاً كانت ريتان تخطو باتجاه المدرسة بحماس. دلف وقابلت السيدة منال قاسم التي بدورها سألتها عن بعض الأسئلة، وبدأت ريتان تعرض عليها كيفية التعامل السليم مع الأطفال وتدريبهم على مهارات معينة.
هاتفت ريتان سناء وأخبرتها بما حدث معها، كما أخبرتها أنها ستمر عليها حالما تنتهي من يومها الأول في الوظيفة كما وعدتها. أغلقت سناء معها وتنهدت بعمق تفكر هل تهاتف حمزة كما وعدته أو لا تفعل حتى لا تنزعج ريتان. في نهاية الأمر استسلمت لقلبها وهاتفت حمزة الذي أجاب بتلهف واستشعار عاشق: –نونا قولي إنها جاية! تنهدت نونا بقوة وقلة حيلة على حال شقيقها وأردفت بحنو: –أيوة يا حمزة جاية، طلبوها من مدرسة...
وراحت وهتخلص مشوارها وتمر عليا. أومأ بحماس يردف: –تمام، هكون عندك كمان ساعة. أردفت سناء بتحذير: –بس أوعى يا حمزة تضغط عليها، لو مش حابة تتكلم أمشي وسيبها. أومأ يردف بلهفة: –تمام يا سناء حاضر. *** بعد ساعة وصلت ريتان إلى فيلا سناء. دلف تخطو بتمهل وطرقت باب الفيلا الداخلي، ففتحت لها سناء تستقبلها بترحاب وفرحة وتسحبها لتعانقها، ثم ابتعدت تطالعها مردفة بحنو: –وحشتيني يا ريتا، تعالي يا حبيبتي اتفضلي.
دلف ريتان معها بعدما أغلقت سناء الباب واتجهتا تجلسان سوياً، وأردفت سناء بلهفة: –كدة يا ريتان؟ أتهون عليكي طول الفترة دي متجيش تشوفيني ولا حتى تشوفي سليم وتقى؟ أردفت ريتان معتذرة: –متزعليش يا نونا، إنتِ عارفة غلاوتك عندي بس كانت عدتي والأحسن إني مطلعش من البيت زي ما إنتِ عارفة. أومأت سناء بتفهم وأردفت بسعادة: –طيب قوليلي بقى تشربي إيه، ولا أقولك إنتِ هتتغدى معايا. أردفت ريتان بتروي معتذرة:
–مش هينفع يا نونا، مقولتش لبابا وماما علشان ميقلقوش، أنا جيت أشوفك وأطمن على الأولاد لأني وعدتك. وقفت سناء تردف بتنهيدة واستسلام: –تمام يا ريتان بس برضو مش هتمشي غير لما أشبع منك، ثواني وراجعالك. خطت سناء باتجاه المطبخ لتحضر الضيافة، بينما تساءلت ريتان بصوت عالٍ نسبياً: –أومال فين سليم وتقى يا نونا؟ عادت سناء تنظر برأسها من خلف جدار المطبخ الجانبي مردفة بترقب:
–هيطلعوا من الـ School على بيت ماما صفية بس أنا خبيت عنك، لو كنت قولتلك مكنتيش هتيجي. ابتسمت ريتان عليها، ثم جلست تنظر حولها إلى أن عادت سناء إليها تحمل صينية الضيافة، ثم خطت تضعها على الطاولة أمام ريتان وجلست مجاورة لها تردف بود وترقب: –يالا دوقي الكوكيز اللي عملتها للأولاد وقوليلي رأيك. التقطت واحدة تتذوقها قبل أن تستمع لصوت سيارة في الخارج. توقفت عن المضغ وعصف بها قلبها العاشق مجدداً كدائماً يخبرها أنه هو.
حاولت بلع علقتها ونظرت لسناء بشك تردف متسائلة بأنفاس مثقلة: –ده حمزة؟ تمسكت سناء بيديها تردف بتروي وتوتر: –ريتان إسمعيه بس، عنده كلام كتير عايز يقولهولك، في أمور لازم توضح ما بينكم. نظرت لها بتعجب وعدم استيعاب، أي أمور توضح بعد ما وصلا إليه؟ فكرت قليلاً.
حسناً لتنهي تلك المسألة التي تنتظرها منذ زمن، لتثبت له أنه لم يعد مهم بالنسبة لها كما يظن نفسه. الآن حصلت على وظيفة وستثبت نفسها دون الالتفات لأي مشاعر. وها هي فرصتها. تحلت بالهدوء وأومأت بغموض، بينما توقفت سناء لتفتح الباب له. خطت وفتحت له باب الفيلا وخطى للداخل يصب أنظاره عليها وهي تجلس بثقة أحضرتها بصعوبة بالغة.
نظر لأخته التي تومئ له بأن يتقدم. لقد أتى راكضاً والآن يشعر بتخدر ساقيه. خطواته بطيئة متأهبة كحال أنفاسه ونبضاته حتى توقف أمامها ينظر إليها ويردف بحب وترقب واشتياق وحنين: –أزيك يا ريتان؟ رفعت نظرها إليه تخفي الحب ببراعة مردفة بابتسامة هادئة وواثقة: –أهلاً يا حمزة أزيك. برغم عدم رؤيته لمعة عينيها إلا أنه انشرح من نطقها لاسمه الذي عزف على أوتار فؤاده، فعدل من نبضاته.
جلس أمامها يطالعها بإشتياق وحب ويبحث عن الأحرف التي تركته وغادرت في رحلة بعيدة وحل مكانها الصمت والتأمل. وقفت سناء تتحمحم مردفة بتوتر: –طيب أنا هجيب حاجة ثواني ورجعالكم. غادرت تعطيهما مساحة الحديث. صخب صدرها وبعثرة عقلها أخفتهما ببراعة وهي تطالعه متسائلة: –خير يا أستاذ حمزة، سناء قالت إن إنت عايزني؟ توتر واعتدل يستحضر الأحرف بصعوبة، ثم نظر لعيينيها وأردف بصدق وعذاب بدون أي مقدمات:
–أول حاجة عايزك تعرفيها هو الكلام اللي قولته هنا وإنت سمعتيه قبل جوازك أنا ندمان جداً جداً عليه، من وقت ما لساني نطقه وأنا بتعذب، صدقيني يا ريتان أنا شايفك أحسن واحدة في الدنيا. تبتسم داخلها بسخرية، لما الآن؟ لما يحاول التسلل إليها الآن؟ هل لأنها تحررت؟ أم يظن أنه سيخدعها مجدداً. أظهرت ملامح التعجب وتساءلت بإستفهام كاذب: –كلام إيه؟ أنا مسمعتش حاجة؟ معلش توضحلي إنت بتتكلم عن إيه بالضبط؟
تعالت وتيرة أنفاسه وهو يطالعها بصدمة وتشتت. لااا مؤكد هناك أمر ما، هي تخفي أمرها عليه، هي تكذب؟ زفر وأردف مترجياً: –ريتان أنا عارف إنك فاهمة أنا بتكلم عن إيه، لو سمحتِ سامحيني وأنسي وأنا هعوضك. ريتان أنا من وقت ما بعدتي وأنا حياتي وقفت، صدقيني ندمان ونفسي تسامحيني وبتمنى الزمن يرجع وأنا هصلح كل حاجة وهعمل أي حاجة علشان تنسي اللي قولته.
تنظر له وهو يتحدث وتنعته بالكاذب. يجلس أمامها بكل أريحية يتفوه بأي كلام وعلى الجهة الأخرى تنتظره زوجته الحامل؟ توقف عن الحديث بسبب نظرتها التي بعثرته. لم تكن تلك النظرة التي يريدها منها. زفر يشعر بتختناق من تحول ملامحها وصمتها ثم تابع بترقب ليرى رد فعلها: –ريتان أنا عايزك في حياتي، أنا حياتي مش هتكمل غير بيكي.
يكفي، إلى هنا وكفى. وقفت تتناول حقيبتها وتشعر بغضب يأكل داخلها، لو حررته تقسم أنها ستحرقه بنار احتراقها هذه. هل هذه قيمتها عنده؟ أردفت بصوت حاد تنادي: –سنااااء؟ خرجت سناء من مكانها تتجه إليهما بتوتر وتنظر لها متسائلة: –أيوة يا ريتان؟ لم تنظر له، إن نظرت له ستغضب وهي تحاول التحلي بالثبات لتظهر ببراعة أنها لم تعد ريتان السابقة. لذلك أردفت ضاغطة على أحرفها متجاهلة وجوده تماماً:
–ياريت تفهمي أستاذ حمزة أن بنات الطبقة المتوسطة المتربيين مهما وصل بيهم الأمر مستحيل يقبلوا براجل متجوز، وكمان ومراته حامل. يظهر الأمور اختلطت عليه، فهميه إن يمكن فهم حاجات غلط أنا مش مسؤولة عنها ومعرفش هو بيتكلم كده بناءً عن إيه بس اللي أعرفه إني مش هرتبط مرة تانية وإن ارتبطت مستحيل هيكون هو. ياريت يهتم شوية بزوجته الحامل بدل ما يجري ورا واحدة مطلقة ومفكر إنها سهلة الوصول. تنهدت بقوة ثم أردفت بهدوء دون النظر إليه:
–عن إذنك. التفتت تغادر، شاعرة بالانتصار. ثأرت لنفسها، ثأرت لكرامتها. انتظرت تلك اللحظة منذ سنوات وأتت، ليعلم مكانته الحالية لديها، أو ليعلم مكانته التي أرادت هي أن تظهرها ولتظل مكانته الحقيقية مخبأة في أعماقها للأبد.
غادرت تغلق باب الفيلا الذي انغلق على قلبه. يقف مهزوماً في ساحة حرب المشاعر. انتصرت بكلماتها على حبه، رجمت روحه بحديثها. ولكن ماذا ظنّ، هي لا تعلم شيئاً عن معاناته وأفعاله وحياته، ولا أي شيء. هي فقط ترى ما يراه الجميع، رجل متزوج وقريباً سيصبح أب. لذلك فمعها كل الحق. اتجهت سناء إليه تحاول التخفيف عنه بعدما رأت حالته مردفة بحنو وهي تتمسك بذراعه: –حمزة؟ حبيبي اهدى وهنتكلم تاني، أكيد الموضوع مش سهل، يمكن إحنا استعجلنا؟
هي معاها حق. أغلق عينيه ووقف متصنماً لثوانٍ، ثم رفع يده يربت على كف شقيقته والتفت يغادر من حيث أتى بصمت تام. فكل منهما الآن أصبح في مفترق طرق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!