في فرنسا يجلس فريد في المنزل الذي يقطن فيه، وقد قرر مهاتفة حبيبته ميادة ليخبرها باشتياقه لها، فمنذ حوالي شهر وقد اندمج في دراسته ولم يهاتفها. رفع الهاتف وحاول الاتصال بها، ولكنه وجد هاتفها مغلقاً. حاول مراراً وتكراراً، ولكن نفس الشيء. قرر الاتصال بوالدته والإطمئنان عليها وسؤالها، لعلها تعلم عنه شيئاً. أجابت صفية بحنو مردفة: –فريد يا حبيبي وحشتني أوي. أردف فريد بحب واشتياق:
–وأنتِ كمان يا ست الكل، وحشتيني جداً جداً، طمنيني عنك وعن صحتك؟ أردفت صفاء بتروي: –زي الفل يا قلبي، كلنا بخير. تساءل بترقب وخبث: –والعريس، عامل إيه؟ ابتسمت بسعادة وأردفت: –زي السكر، سافر هو وكاري يقضوا شهر العسل. أردف ممازحاً: –عقبالي يااااارب. تنهد ثم استرسل بترقب: –ماما بعد إذنك لو تعرفي توصلي لميادة تخليها تكلمني، بحاول معاها من فترة بس موبايلها مغلق.
صمتت صفية لا تعلم ماذا تجيب وكيف تخبره هذا الخبر، فمنذ أسبوعين تمت دعوتهم على حفل زفاف ميادة على ابن صديق والدها، وتزوجت وكم كانت سعيدة تتراقص مع زوجها دون الاكتراث لأمر هذا الذي يحبها. تعجب فريد من صمت والدته وتساءل بقلق: –ماما أنتِ ساكتة ليه؟ هو حصل حاجة؟ زفرت صفية وأردفت بحزن: –إنسها يا ابني، إنسها يا حبيبي. قطب جبينه وأردف بترقب: –فيه إيه يا ماما؟ قوليلي الحقيقة. تنهدت صفية تردف بحزن:
–اتجوزت يا فريد… اتجوزت ابن صاحب باباها. صُدم فريد وتوقف عن الحركة يستوعب هذا الخبر، هل تزوجت؟ هل تخلت عنه بعدما وعدته أنها ستنتظره طوال العمر؟ أردفت صفية بقلق: –فريد؟ إنت سامعني يا حبيبي؟ رد عليا؟ أردف فريد بحزن وألم: –أنا هقفل دلوقتي يا ماما، سلام. أغلق مع والدته وجلس يتذكر حديثها ووعودها ويتعجب كيف فعلت به هكذا. في جناح مراد وكاري في تلك البلدة الجميلة ذات المناظر الطبيعية الرائعة.
تقف هي تتطلع من خلف الزجاج على المناظر الطبيعية الرائعة، تتمنى زيارتها، ولكن هذا المفترس يعتقلُها هنا ولا يريد إفلاتها، فمنذ قدومهما وبعد إتمام زواجهما وهو لم يتزحزح من جناحه. ترتدي المأزر وخصلاتها مبللة وخفها الناعم يحتضن قدميها، وهي تتنهد بسعادة متذكرة مداعباته وكلماته وهمساته ولمساته، تبتسم على المشاعر التي عاشتها معه والتي لم تكن تتخيلها يوماً، حنون جداً يدللها ويطعمها ويحتويها بدفئه.
خرج من المرحاض بعدما أخذ شاوراً منعشاً يرتدي مأزره هو الآخر، واتجه إليها يعانق خصرها ويستند برأسه على كتفها يطالع النافذة معها مردفاً بهمهمة ولهفة عاشق: –سرحانة في إيه يا قلبي. عانقت ذراعيه التي تحتضن خصرها ومالت عليه تبتسم بحب مردفة: –بفكر فيك طبعاً، بس برضه نفسي أنزل يا مراد، خلينا ننزل نتمشى بقى، مش معقول جايين نتحبس هنا. لفها إليه ليقابل وجهها بحب وتمعن يردف:
–أعمل إيه بس، كل ما بنوي نطلع تقوم إنتِ تعملي حاجة تخليني أقعد تاني. شهقت تردف بتفاجؤ: –أنا؟ عملت إيه أنا يا مراد، دا إنت اللي بتعمل كل حاجة. غمزها بطرف عينه وأردف بمرح وخبث: –أيوه مهو إنتِ النظرى وأنا العملي، ما تيجي ندخل اللجنة؟ خجلت منه وهزت رأسها تردف بإصرار بعدما اعتادت على أفعاله: –نو، هننزل نتمشى الأول يا مرادي ونفطر برا ولما نرجع نبقى نشوف الامتحان بتاعك ده. زفر يومئ باستسلام وأردف بحب:
–تمام يا قلبي، أمري إلى الله. بعد أسبوعين. عاد مراد من شهر عسله مع حبيبته وزوجته وراحة قلبه كاري. استقبلته العائلة بترحاب وود، إلا سالم الذي يقف بملامح جامدة يطالع كاري بعيون حادة ويضغط على أحرفه مرحباً ببرود. كانت يد مراد تدعم حبيبته وبقوة، حيث يضغط على يدها التي يحتضنها دليل على دعمه لها وعدم الاكتراث لأفعال والده.
صعدا جناحهم بعد وقتٍ ودلفا، مراد يسحب كاري إليه بسعادة. توقف في منتصف غرفتهما وأردف وهو يجول بنظره متسائلاً: –إيه رأيك بقى؟ عملته زي ما إنتِ حباه بالضبط، كل حاجة هنا زي ما قولتيلي في الفون عملتها. نظرت حولها للمكان وللأثاث والتحف وألوان الدهانات، فحقاً كل شيء كما أرادته بعدما سألها أثناء خطبتهما. انبهرت بما تراه ثم استقرت بعينيها عليه تردف بحب وسعادة:
–كل حاجة هنا روووعة، بس الأحلى وجودك معايا، مراد أنا بحبك أوي، كل مرة تثبت لي إني كنت غلطانة لما شكيت في حبك ليا. تقدم ورفع ذراعيه يحتضن وجهها بين يديه بحب مردفاً بتساؤل وترقب: –ليه بقى كنتِ شاكة؟ أنا أكيد مقدر عدم ثقتك لأنك كنتِ لسة متعرفنيش، بس أنا كنت فعلاً مستعد أحارب الكل عشانك. تنهدت بسعادة وعيون لامعة ثم ابتلعت لعابها وأردفت:
–وأنا مكنتش هقبل إنك تحارب عيلتك عشانى، بس ده ميمنعش إنك قدرت تقنعهم بجوازنا، وده يخليني أحبك وافتخر بيك طول عمري. مال يتناول شفتيها في قبلة متمهلة واستمتاع، واستجابت لغزوه الممتع ورفعت يديها تتلاعب في خصلاته، ولا يعلما كم من الوقت ظلا هكذا إلا عندما احتاجت رئتيهما للهواء. ابتعدا يزفران بقوة ويضحكان، وكلٍ منهما يضع جبينه على الآخر، ثم أردفت كاري بنبرة متحشرجة:
–إبعد بقى علشان أدخل آخد شاور وبعدين أضبط حاجتنا في أماكنها. هز رأسه معترضاً يردف برغبة وأنفاس لاهثة وتأثر: –لأ، خلى كل ده بعدين. عاد يلتهم شفتيها ذو المذاق الرائع بالنسبة له، وغابا عن واقعهما يحلقان في سماء عشقهما الأبدي. في فيلا أبو الدهب تجلس مها تتأفف بضجر وحنق بعدما أخذت أدوية الحمل التي ترهقها. تجلس أمامها سعاد تطالعها بتسلية وهي تراها حانقة على حملها، ثم ابتسمت وأردفت:
–كفاية بقى يا مها، خلاص اتقبلي وضعك بقى وكلها كام شهر وتولدي وترتاحي من اللي حالتك دي. نظرت لوالدتها بغيظ وأردفت بغضب: –ياريتني ما سمعت كلامك، لأ وكمان طلع حملي من النوع الصعب ولازم أفضل متنيلة كده لحد ما أولد، تقدري تفهميني استفدت إيه أنا؟ ابتسمت سعاد بخبث وأردفت:
–لااا استفادتي كتير أوي، وأديكي شوفتي التانية اتطلقت أهي وكان سهل جداً جوزك يطلقك ويروح لها، والمرة دي جوزك هيتمرد على أبوكي وسالم مش هيقدر يتكلم زي ما سكت واقتنع بالبنت اللي راحوا جوزوها لمراد، يعني جوزك قوته بتكبر واللي هيضعفه اللي في بطنك ده. زفرت تستقبل حديث سعاد الخبيث الذي يدور في عقلها كالدوامة فيجعلها مغيبة مقتنعة به، ثم أردفت بترقب ونبرة أكثر هدوءاً:
–يمكن سالم ميقدرش يقف في وشه بس أنا لأ، مش هسمح له يطلقني أنا ويهز صورتي عشان خاطر واحدة زي دي، تعرفي إني فرحانة إن ناصف خلص منها برغم إنها بقت حرة، بس فعلاً حياتها وحب ناصف ليها كان غايظني أوي، هي متستاهلش تعيش الحياة دي، فكرت نفسها هتتحداني. أردفت سعاد بتعالٍ: –تتحدى مين؟
إزاي تقارني نفسك بيها أصلاً، اسمعي كلامي بس وانتِ هتكسبي، المهم دلوقتي تولدي وبعدها هتهدي اللعب خالص مع جوزك، وبشوية دلع ودلال هتحاولي تفتحي معاه صفحة جديدة وتبعدي خالص عن أسلوب العند بتاعك ده، حمزة مهما كان راجل وليه نقطة ضعف، حتى لو هتستغلي البيبي بس أوعي تسيبيه وتتنازلي عن حياتك معاه مهما حصل. زفرت تتذكر آخر مرة رفضها وأنهى علاقتهما الزوجية، ثم نظرت لها وأردفت بضيق:
–ده إنسان بارد، مش من النوع اللي بيتأثر عليه بالحركات دي. ضحكت سعاد بقوة ثم أردفت بخبث: –مفيش راجل مش بيتأثر يا مها، إنتِ بس اللي مش عارفة تلعبي صح، على العموم بعد ولادتك هقولك تعملي إيه، وأهو إنتوا بعدتوا فترة عن بعض أهو وهتلاقيه متجاوب معاكي جداً بعد البعد ده. شردت تفكر في هذا الحديث، ثم فجأة انتفضت أثر حركة خفيفة من الجنين داخل رحمها جعلتها تتأفف وتردف بحنق: –يووه بقى.
ضحكت سعاد عليها، فهي تذكرها بنفسها عندما كانت حامل بها، ولكن ما لم تحسب سعاد حسابه جيداً هو أن حمزة الجواد لا يشبه أبداً شوقي أبو الدهب. بعد يومين في فيلا سالم. يجلسون جميعهم حول مائدة طعام العشاء. أردف سالم بترقب بعدما اشتكى له شوقي وهو يتطلع على ابنه حمزة: –مش بتروح تشوف مراتك ليه يا أستاذ حمزة؟ شوقي بيقول إن نفسيتها تعبانة وإنك أهملتها خالص الفترة الأخيرة.
زفر باختناق وأردف بحزن ظاهر للجميع يحاول إخفاءه حتى لا تلاحظه زوجة شقيقه المستجدة: –ربنا يسهل. غضب سالم من إجابته المختصرة وأردف بحدة أمام الجميع: –يعني إيه الكلام ده؟ إنت مالك كده حالك مبقاش عاجبني، ما تفوق لنفسك شوية، كلها كام شهر وهتبقى أب ومسئول عن أسرة. ترك الطعام ووقف ينظر لوالده بحزن وألم يردف بتروي ومغزى: –وإيه المطلوب مني كأب؟ يعني لو على راحة ابني صدقني هعمل المستحيل علشانه، أطمن يا بابا، فاقد الشيء هيعطيه.
تركهما وغادر صاعداً لجناحه بألم، ولا ينكر سالم أن جملة ابنه أثرت فيه، ولكنه لم يظهر ذلك وأخفاه ببراعة، بينما أردفت صفية بقلب ممزق لأجله: –كفاية ضغط على حمزة يا سالم، سيبه يعمل اللي يريحه، هنبقى إحنا والأيام عليه؟ لف نظره إليها يطالعها بنظرة حادة ويردف بغضب: –كل ده عشان بقوله يهتم بمراته الحامل؟ خلاص مبقاش حد متحمل كلامي؟ على العموم ماشي يا ست صفية، من هنا ورايح أنا ماليش دعوة بيه، يعمل اللي هو عايزه.
وقف هو الآخر يغادر، بينما نظر مراد لكاري التي تتابع بصمت وتعجب على حال تلك العائلة التي كانت تظنها ثرية المال والتصرفات، ولكن يبدو أنه العكس. أردف مراد بحنو وهدوء برغم خجله أمامها من أفعال والده: –حبيبتي كملي أكلك وأنا هطلع أشوف حمزة. أومأت له بصمت، ولكن بالطبع لم تكمل طعامها فالجميع لم تعد لديهم شهية، بينما نظرت لها شيرين وأردفت بمرح كي تلهيها، ولكن في الباطن تتألم:
–بقولك إيه يا كاري، بلاها الصدمة دي، تعالي معايا هجبلك حصانة عشان تتعودي على الحاجات دي، ده العادي بتاعنا. نظرت لها كاري وابتسمت بهدوء ثم أومأت والتفتت تطالع صفية التي شردت تفكر في صمتها وسلبيتها لسنوات حتى بات اعتراضها أزمة كبرى. صعد مراد إلى جناح شقيقه ودلف حتى غرفة نومه التي طرق بابها يردف بترقب: –حمزة؟ ينفع أدخل؟
كان يجلس على الأريكة واضعاً وجهه بين كفيه يفكر بحزن في حاله وما فعله مع حبيبته وتسرعه في شرح ما بداخله حتى فهمته خطأ. دائماً الحظ لم ينصفه والقدر يعانده والجميع يتابع بصمت، ولكنه لا يلومها فقد أدرك أن طلبه بتلك الطريقة كان مؤذياً لمشاعرها. أبعد يديه واعتدل يردف بعلو: –تعالي يا مراد. لف مراد مقبض الباب ودلف يتجه إليه ثم جلس بجواره ومد يده يربت على ساق شقيقه ويطالعه بحزن مردفاً:
–روق بس يا حمزة، إنت عارف بابا، روق وكل حاجة هتتعدل. هز رأسه وأردف يستفيض برفض: –مينفعش يا مراد، أنا مبقتش صغير، لازم يحترم مكانتي زي ما أنا بحترمه، عمري ما قللت منه قدام حد، يبقى لازم يقدر إني راجل ومينفعش أبداً نبرته دي، وإلا هتخلى عن منطقي ومبادئي وده مش هيعجب حد، هو مفكر إني ضعيف بس ميعرفش إن ورا هدوئي ده بركان لو خرج هتبقى النهاية. تعجب مراد من حال شقيقه وحزن يردف مستفهماً: –طيب إيه الجديد بس فهمني؟
إنت زعلان عشان يعني مها مقضية فترة حملها بعيد؟ ضيق عينيه ينظر لشقيقه بتعجب، هذا أكثر الأمور راحة بالنسبة له، ولكن لا أحد يشعر به. إن لم يتحدث ويبوح بما في خاطره فلن يشعر به أحد، حسناً ليخبر أخاه عن وجعه. أردف باستفاضة: –جوازي أنا ومها ملغى من شهور يا مراد، أنا حرمتها على نفسي من وقت ما عرفت إنها حامل. صُدم مراد وطالع شقيقه بذهول ثم أردفت مستفهماً: –ليه يا حمزة؟ معقول تعمل حاجة زي دي؟ نكس رأسه وابتلع لعابه يردف بتشتت:
–يمكن حرام عليا، بس مش قادر يا مراد، بعد اللي عرفته واللي هي عرفته مش هقدر أديها أي حقوق، مها كانت عارفة من الأول إني بحب ريتان، ويظهر إن الكل كان عارف إلا أنا، كنت غبي، اتجوزتني تحدي ووجهة اجتماعية يا مراد، مدّتنيش أي حب. زفر ينظر لشقيقه ويردف بقناعة:
–حاولت، صدقني يا مراد حاولت أديها فرصة واتنين وتلاتة بس خلاص مبقتش قادر، كل حاجة بالنسبالها كانت متخططة ومرسومة وبالنسبالي كانت قدر، علشان كده أنا هستنى لما تولد وهاخد ابني اللي أنا متأكد إنه آخر همها وهنفصل عنها، هصلح الغلط اللي ارتكبته في حق نفسي. أردف مراد بغضب ولم يحتمل ما سمعه:
–خلاص يا حمزة، كفاك كده يا اخي، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها يا أخي وإحنا مش ملايكة، خلصها دلوقتي وروح للي إنت عايزها وأنا معاك وزي ما أبوك وافق على جوازي في الآخر هيوافق على جوازك من ريتان. هز رأسه يعتصر عينيه ويردف متألماً:
–ياريت كل حاجة بالسهولة دي، ياريتني كنت بعرف آخد قرارات متسرعة يمكن كان حالي أفضل، بس للأسف أنا جرحتها مرة تانية، وأنا بحاول أصلح الشرخ اللي عملته هديت الحيطة كلها، معرفش إيه اللي هيحصل بعد كده يا مراد، بس أنا مخنوق، كنت ناوي أقول كل حاجة جوايا ليها بس مجرد ما شفتها نسيت إني متجوز ونسيت كل الكلام اللي مرتبه ولخبطت الدنيا كلها.
حزن مراد بشدة لأجله، فهو عاشق مثله ويعلم ما يشعر به جيداً، لا يتخيل حياته دون حبيبته وزوجته بعد أن أصبحا كياناً واحداً، لذلك أردف بقناعة: –هتسامحك، معرفش إنت غلطت في حقها إزاي بس لو بتحبك بجد هتسامحك، لما تطلق مها وتحل أمورك وتروح لها وتفهمها كل اللي مريت بيه أكيد هتسامحك. رفع نظره يطالع شقيقه بأمل ضئيل ويردف بترقب مستفهماً: –تفتكر؟ تفتكر هييجي اليوم اللي تسامحني فيه وأنا وهي نبقى لبعض؟ أومأ مراد مؤكداً بقناعة عاشق:
–افتكر جداً، هي اتطلقت من ناصف وإنت هتطلق مها وقدامكم الحياة طويلة، بس خد بالك كويس من الطفل اللي جاي في السكة، أوعى تظلمه، أنا عارف ومتأكد إن مها مش هتمارس الأمومة معاه وبرضه متأكد مليون في المية إنك هتديه روحك، لكن بصراحة معرفش موقف ريتان منه هيبقى إيه. المهم دلوقتي إنت تركز في شغلك وتحاول تعتبر الوقت ده وقت ترميم النفوس وتشييد القلوب مرة تانية، وأوعى تيأس، أنا معاك وهدعمك في أي قرار.
تنهد بقوة وراحة ينظر لشقيقه الذي رطب قلبه المجروح، أومأ بحنو يردف وهو يربت على كتفه: –شكراً يا مراد، كلامك ريحني شوية، تسلم. ابتسم مراد وأردف بثقة ومرح: –شوفت بقى أخوك بعد ما حب عقل إزاي، وعلشان تعرف إنك غالي عندي جداً أديني أهو قاعد بتكلم معاك وسايب قلبي تحت. ضحك حمزة رغماً عنه لحال شقيقه وأردف وهو يدفعه: –طب قوم ياخويا انزل لقلبك، هو مش المفروض قلبك في صدرك برضو. أردف مراد بخبث وهو يميل عليه متسائلاً: –يا راجل؟
يعني عايز تفهمني إن قلبك في صدرك دلوقتي ومهواش قاعد في بيت عم حمدي؟ تنهد بقوة وشرد يبتسم ويفكر فيها، ترى ماذا تفعل في تلك اللحظة. في تلك اللحظة تجلس هي في غرفتها تفكر فيه. حديثه مر عليه أسابيع ولكنه ما زال يؤلمها. في الماضي سمعت منه ما بعثر روحها وحطم كبرياءها، والآن يبدو أن حال شقيقه أعجبه فجاء إليها برغم زواجه وحمل زوجته يعتذر ويطلبها في حياته؟ بأي صفة ستدخل حياته؟ هل أعجب ببنات الطبقة المتوسطة الآن؟
هل أصبحن فجأة مرغوبات يلقن به وبمستواه؟ أم هل عاش تجربة مع الثرية صاحبة النفس المتعالية ولم يشبع فجاء إليها ليجرب حياة جديدة بعدما رأى حال شقيقه. هذا كان حديث عقلها، أما عن قلبها فيخبرها العكس تماماً، نظرته لها وعيونه تفضح أمره، ولكن هي لم تعد تسمع لقلبها منذ زمن، باتت فقط تلعنه. زفرت بقوة واتجهت لمكتبها تجلس عليه وتخرج دفتر تحضيراتها وتدون ما ستلقيه على الأطفال في الغد، فهي بدأت وظيفتها بحماس وستثبت نفسها ببراعة.
بعد حوالي ثمانِ أشهر. وضعت مها جنينها بسلام وعادت لقصر سالم وعادت للشركة أيضاً وتخطط لتبدأ جولتها الجديدة مع حمزة الذي استقبل طفله بحب وعاطفة شديدة تجمعت برؤية هذا الصغير الذي يشبهه كثيراً.
لو ترك الأمر له لطلق مها فور ولادتها، ولكنه تحامل وصبر حتى يمر على صغيره بضعة أشهر، فبرغم عدم إرضاعها له رضاعة طبيعية وضجرها الدائم منه إلا أن الصغير يحتاجها، ولنقول أنها لم تكرهه بالطبع ولكن تفتقد عاطفة الأمومة، لذلك فهي كانت تتجنبه في كل مرة يبكي فيها وتترك أمره للمربية التي أحضرها حمزة أو لجدته أو لحمزة عندما يأتي، ولكن عند سكونه ونومه تحمله وتقبله دون أن يراها أحد.
اتخذ حمزة من غرفة صغيره غرفة له أيضاً حيث بات يقطن بها دائماً وأحياناً يأخذ الصغير بين ذراعيه وينام شاعراً بالراحة والحب معه وكأنه أتى ليعوض عذابه وحزنه الدائم.
استطاعت ريتان أن تثبت نفسها وبجدارة في تلك المدرسة المرفهة وأصبحت المحببة لدى الأطفال مما جعل مديرة المدرسة تحبها كثيراً وتقدم لها الدعم دائماً، فهي وبرغم أنها لا تقبل الواسطات وكانت تعتقد أن ريتان لن تثبت كفاءتها وسترفضها بشكل لائق حتى لا تصد طلب حمزة الجواد الذي تعد عائلته ضمن الممولين للمدرسة، ولكن فاجأتها ريتان بذكائها وشرحها المحبب للصغار وحب الصغار وتعلقهم بها، وكان هذا من ضمن الأسباب التي هونت كثيراً على ريتان وجعلتها أكثر ثقة وراحة ومرحاً.
نجحت المافيا في إقناع شوقي أبو الدهب من خلال بعض المصادر بتلك الشحنة المخدرة مقابل مبلغ مالي كبير جعلت نفسه تسول له الأمر وتحكم به طمعه بعدما وعدوه بتسهيل الأمور له. بالطبع اتفق معهم دون علم سالم وأولاده لقناعته أن سالم لن يقبل بهكذا أمور، وهذا أكثر ما أزعج ناصف فهو كان يريد تورط سالم وأولاده، ولكن حسناً ليفعل ما يخطط في الخفاء ويكفيه الخسارة التي ستطولهم مؤقتاً.
ها هي الشحنة المخدرة على وشك القدوم عبر البحر على متن باخرة عملاقة تحوي حاويات في ظاهرها منتجات غذائية وأجهزة كهربائية وملابس وغيرها، ولكن ما خفي كان أعظم. تم إبلاغ السلطات المصرية من مصدر مجهول والذي لم يكن سوى ناصف، والذي بالطبع لن يشك به أحد لأن رقبته بين يدي المافيا ويحسبونه مخلصاً لهما، ولكن رغبته في الانتقام كانت قوية جعلته يغامر. بعد يومين في جناح حمزة.
قررت مها التحدث معه مثلما أخبرتها والدتها لتحاول استعطافه وفتح صفحة جديدة لعلاقتهما. ها هي تنتظره بعد أن نام الصغير في غرفته بواسطة مربيته. دلف حمزة جناحه ثم على الفور دلف غرفة صغيره ليراه أولاً. رآه ينام كالملاك فدنا يقبله بحب وحنو ورفع الغطاء عليه يدثره جيداً ثم تنهد بقوة ووضع حقيبة عمله جانباً ثم اتجه لغرفته كي يغتسل ويبدل ثيابه. دلف يلقي السلام بهدوء، فردت وطالعته تردف بترقب: –حمزة ممكن نتكلم شوية؟
لف نظره يطالعها، أي حديث ستردف؟ زفر وأومأ يردف بترقب: –تمام يا مها، هغير هدومي وأجيلك. أومأت له ودلف حمامه بعد أن أخذ ثيابه، خرج بعد وقت قصير يتجه إليها حيث كانت تنتظره على الأريكة الجانبية. جلس بجوارها وترقب السمع يردف: –خير يا مها؟ قولي أنا سامعك. ابتسمت له ومدت يدها تلامس يده بخبث مردفة: –مش شايف إن ده وقته أننا ندي لعلاقتنا فرصة تانية؟
يعني إنت أكيد ملاحظ إني بحاول أتقبل الوضع اللي اتحطيت فيه، صحيح كان باختياري وكان صعب جداً عليا بس لو إنت عطيت لجوازنا فرصة أنا هحاول. ضيق عينيه وسحب يده من بين يدها وشبكها في يده الأخرى يردف بترقب: –أي جواز يا مها؟ أي جواز اللي بتتكلمي عنه؟ هو فين جوازنا وفين علاقتنا دي؟ إنتِ مش ملاحظة إننا بنتجمل عشان نتقبل بعض؟
إنتِ بتحاولي تبقي معايا غصب عنك عشان تثبتي بس إنك صح وأنك متخسريش مكانتك، بتحاولي غصب عنك تمثلي دور سيدة الأعمال الناجحة في كل حاجة ومحققة المعادلة الصعبة، بس مفيش كده يا مها، مفيش حد بيعرف يعمل كل حاجة، متحاوليش تقنعيني إنك هتتنازلي عن قناعاتك عشان خاطر ابنك أو عشان خاطري، مها أبو الدهب هدفها واضح وصريح ومعروف من البداية، السيطرة على كل حاجة، عشان كده عمر علاقتنا ما هتنفع يا مها، أنا آسف بس حان وقت ننهيها.
طالعته بصدمة، لقد شرحها وكأنه يعلمها أكثر من نفسها، يعلم خباياها وما تحاول فعله، كلماته كانت كالمرآة التي وضعها أمامها. لااا ليس كما أخبرتها والدتها، هو مختلف، مختلف لدرجة تجعلها تتمسك به أكثر وأكثر، هل تتركه يذهب لتلك الوضيعة وتحصل على كل تلك المميزات وتخسر هي أمامها؟ هل تخسر أمام الجميع وتجعلهم يقولون أن مها أبو الدهب لم تستطع أن تجعل حمزة الجواد يعشقها وذهب ليعشق ابن سائق؟ مجرد الفكرة تجعلها تصاب بالجنون.
كادت تتحدث ولكن رن هاتف حمزة فأخرجه يرى المتصل فوجده سالم. تنهد وأجاب بترقب: –أيوه يا بابا؟ أردف سالم بجدية وغضب واندفاع: –حمزة شوقي اتقبض عليه، هات المحامي بسرعة وتعالى ورايا على مركز… وقف ينظر لمها بصدمة ثم أردف متسائلاً: –خير يا بابا إيه اللي حصل؟ أردف سالم بغضب وحدة: –معرفش، بيقولوا إنه كان جايب شحنة لحسابه من غير علمي وطلع فيها مواد مخدرة، لو كده تبقى مصيبة وحلت على راسنا كلنا، حالا تجيب المحامي وتيجي.
أغلق معه ونظر لمها التي وقفت متسائلة بترقب: –فيه إيه؟ تنهد يبتلع ريقه ثم أردف بترقب: –شوقي بيه اتقبض عليه، وأنا لازم آخد المحامي وأروحه فوراً. اتسعت عينيها بصدمة وأردف بحدة وغضب: –قبضوا عليه ليه؟ وإزاي؟ هما مش عارفين هو مين؟ غضب وزفر بيأس ثم لف يتركها ويندفع للخارج، بينما هي اتجهت بغضب تبدل ثيابها وتلحق به لترى ما حدث. بعد ثلاثة أيام.
تم حبس شوقي على ذمة التحقيق وحتى يتم فحص المواد المخدرة ولم يستطع المحامي ولا ماله ولا أي نفوذ أن يسحبوه من أسفل يد العدالة. انتشر الخبر عبر الصحف والإعلام والميديا وسقطت أسهمه وأسهم ابنته محدثة خسارة فادحة، بينما انخفضت أسهم سالم وعائلته بشكل ملحوظ نسباً لشراكتها معاً، مما أدى إلى تدهور صحة سالم بعد هذا الخبر وسقوطه وسط شركته وأولاده الذين أسرعوا بنقله عبر سيارة إسعاف إلى المشفى.
جن جنون مها وسعاد اللتان تحاولان عبثاً التواصل مع من يساعدهما، ولكن الجميع سعداء وشامتين بما أصاب شوقي. أما شوقي فلم يتحمل حبسه وتشويه سمعته وخبر خسارته الذي تلقاه من محاميه، فسقط أرضاً مكانه وتم نقله عبر سيارة إسعاف مشددة إلى المشفى على الفور ليحاولوا إسعافه حيث أصيب بأزمة قلبية حادة. في منزل حمدي.
تجلس ريتان مع أسرتها تتابع الأخبار المنشورة عبر التلفاز بحزن، ذكرها الخبر بطليقها الذي فر هارباً من العدالة بعد أن ساعد في دخول تلك المواد إلى البلد. تنهدت جميلة وأردفت بحزن: –لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، طب وبعدين يا حمدي، ده كده خسارة كبيرة ليهم؟ زفر حمدي وأردف بملامح باهتة وحزن: –طبعاً يا جميلة، ربنا يستر ويعديها على خير. أردف بسمة بحدة وسلاطة لسان كعادتها:
–أقطع دراعي من هنا إن ما كان جوز بنت شوقي له يد معاه، طول عمري بقول عليه خبيث، بس هو ذكي هو وأبوه خلوا شوقي هو اللي يشيل الليلة لوحده، وكده كده بنته في أمان يبقى بالسلامة هو بقى، وهما طلعوا منها زي الشعرة من العجينة، وأكيد دي مش أول مرة، أومال كل العز ده منين. نطقت ريتان ونطق قلبها قبل لسانها مدافعة بثقة ويقين: –لا طبعاً، حمزة مستحيل يكون له دخل في حاجة زي دي. نظرت لها بسمة بحنق وأردفت ساخرة:
–هتفضلي غبية طول عمرك وبتحكمي على الناس من برا، زي ناصف كده. وقفت تردف بثقة عشق وغضب: –الغباء هو اللي إنت بتقوليه، معنى كده إن عشيتنا إحنا كمان حرام! مهو بيتنا مفتوح من شغل بابا عندهم، فكري كويس قبل ما تقولي أي كلام. التفتت تطالع والدها ووالدتها ثم أردفت تعود لهدوئها: –عن اذنكم أنا هدخل أنام. غادرت إلى غرفتها، بينما نظر حمدي لابنته بسمة وأردف بنبرة غاضبة:
–كبرتي وطولتي ولسانك طول معاكي، عيب لما تقولي لأختك الكبيرة غبية وعيب لما تعلي صوتك وأنا قاعد وعيب لما تتكلمي على الناس اللي بيتنا مفتوح منهم بالشكل ده. زفرت بحنق ووقفت تتجه هي الأخرى لغرفتها بضيق.
أما ريتان فدَلفت تغلق خلفها واتجهت تستند على فراشها وتهدئ أنفاسها، نعم كلمات شقيقتها استنفرتها، هي لم تعشق رجلاً سيء الأخلاق، هي عشقت ذلك الخلوق المخطئ، هي على يقين أنه لن ولن يقوم بتلك الأعمال بل سيتصدى لها، عذابها معه وألمها منه لن يكونا ضده في ذلك الأمر بل ستدعمه بصمت لأنها لن تسمح لأي كائن أن يشكك في إحساسها به، تعلمه جيداً، حتى أنها نحتت له داخل عقلها تمثال متكامل لطخه هو ببعض الأخطاء ولكن هيكله نظيف سليم كما هو، لذلك فإن ثقتها به في ذلك الأمر قوية جداً.
دثرت يدها في جيبها تخرج هاتفها وقد قررت مهاتفة كاري بعدما حسبها قلبها على الاطمئنان. هاتفتها وأجابت كاري قائلة بصوت حزين: –ريتان، إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟ تنهد ريتان تردف بترقب: –إزيك يا كاري، إيه الأخبار؟ أردفت كاري بحزن: –تمام، بس عمي سالم تعبان أوي، وكمان شوقي بيه ربنا يستر عليه. تنهدت وقلبها يتساءل عنه ولكن لسانها أبى النطق، فقال كاري بترقب وكأنها شعرت بها:
–اللي صعبان عليا بجد هو حمزة، من جهة أبوه ومن جهة حماه ومن جهة الشركة. زفرت تتابع دون قصد حزناً على حاله: –ده غير مراته وابنه، ماشي تايه فعلاً. أغمضت عينيها ولعنت نفسها، كلمة زوجته وابنه ذكرتها أن ليس لها أي حقوق عليه حتى السؤال الخفي، لذلك أردفت بهدوء: –تمام يا كاري، خدي بالك من مراد وخليكي جنبه، حاولي تخففي عنه، أنا هقفل دلوقتي، سلام.
أغلقت معها وجلست تلتقط أنفاسها، ثم قررت أن تتوضأ وتصلي لتبعد تلك الأفكار عن رأسها. بعد يومين في المشفى الاستثماري التي تم نقل شوقي إليه. تجلس مها بجواره تطالعه بصمت، لا تعلم أتغضب منه أم تحزن على ما أصابه. سعلة خفيفة منه وسط صوت الأجهزة أنبهتها له، فوقفت تميل مردفة بترقب: –بابي؟ سامعني؟ أردف بنبرة خافتة وهمسة وهو يشعر بنهايته تقترب: –حمزة، عايز حمزة.
وقفت متعجبة من طلبه وتنهدت ثم التفتت تغادر للخارج حيث يقف شرطي على باب غرفته. ابتعدت قليلاً وأخرجت هاتفها تهاتفه. أجاب يردف بترقب: –أيوه يا مها؟ أردفت بنبرة منكسرة: –بابي عايز يشوفك. تنهد وأردف بهدوء: –تمام… جاي حالاً. بعد حوالي ساعة يجلس أمامه في المشفى. رفع شوقي يده ببطء يزيح ذلك الماسك عن وجهه وينظر لابنته بضعف ووهن مردفاً: –سيبيني مع حمزة شوية يا مها.
نظرت له بشك ثم أومأت وخرجت تغلق الباب خلفها. سعل شوقي يشعر بأن أنفاسه ستغادر جسده الآن، لذلك أسرع يردف بوهن وترجى: –عايزك تخلي بالك من مها يا حمزة، وصيتي ليك هي بنتي، أوعى تسيبها، أنا عارف إنك محبتهاش وعارف إننا ظلمناك بس إنت الوحيد اللي هتقدر تحميها من أعدائي ومن نفسها ومن أمها، اوعدني يا حمزة، اوعدني مستسبهاش. التوت أحشاؤه وشعر بتخدر أطرافه وهو يستمع إليه بصدمة، لاحظها شوقي فتابع بوهن:
–أنا عارف إنك عايز تطلقها، سمعتها وهي بتقول لأمها، عشان كده بوصيك، أنا مش هأمن حد عليها غيرك، اوعدني متسبهاش، مبقاش فيه حاجة تتسند عليها، خسرنا كل حاجة حتى السمعة، خليك جنبها لما تقف على رجليها من تاني، هي هتقدر بس محتاجالك، اوعدني يا حمزة، خليني أموت وأنا مرتاح، سيبها لما ترجع اللي خسرناه تاني، بس خليك جنبها دلوقتي. شعر بعالمه ينهار من حوله، كيف يوعده بما لا يستطيع عليه صبراً؟ كيف سيتحمل هو؟
مد شوقي يده يشدد بها حول يد حمزة مردفاً كأن روحه ترفض تركه إلا بعد أن يجيبه: –اوعدني يا حمزة، اوعدني متسبهاش. أغلق حمزة عينيه بقوة، فتح صدره ونزع قلبه بيده الحرة وألقاه بعيداً يحكم ضميره عن مشاعره ويردف بنبرة خالية من أي شعور: –تمام، بوعدك. شهق شهقته الأخيرة وغادرت الروح بأمر ربها، تاركة جسد رجل طمع في المزيد فلقى مصيراً غير مشرف. وقف حمزة يترك يده بهدوء وظل يطالعه بصمت وشرود.
فتحت الباب ودلفت كأنها شعرت به، تقدمت منه بجنون تردف بعيون متسعة: –بابي؟ بااابي. مد حمزة يده يسحبها إليه ويردف بحزن وانكسار: –البقاء لله يا مها. صرخت بقوة زلزلت المكان ونزعت يده بعنف ترتمي على جسد والدها الساكن وتهزه بعنف مستنكرة موته تردف بقهر وضعف ظهر بوضوح: –لااااااا، متسبنييش، متتوتش وتسيبني.
عاد حمزة ينزعها من فوق جسد والدها بقوة واستطاع ذلك خصوصاً بعد حضور الطبيب والشرطي، فوقفت تحاول الفكاك من قبضته وتصرخ بقوة وهي ترى الطبيب يؤكد على موت والدها ويغطي وجهه بالملاءة أمام أعينها التي جحظت وتوقف جسدها عن المقاومة، فالتفتت تدفن وجهها في صدر حمزة وتهز رأسها وكأنها ترفض الواقع، وهو يقف يحتويها بحال مشتت بين وعده وواجبه وبين سعادته التي سحقت. ويبقى فقدان الأب هو أشد أنواع العذاب وكسر القوة والجبروت.
انتهى البارت 😘 بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين} البارت الرابع عشر من رواية 💔 للقلب أخطاء لا تغتفر 💔 بقلم آية العربي قراءة ممتعة يعشق اللون الأسود ويحب السير في المطر ولا ينام مبكراً ويختار الصمت ويتابع من بعيد.
لا يتدخل بشؤون الآخرين وصديقاً للكل ووحيداً لا يعلم معنى الكره ولكنه يجيد الرحيل. يشارك الجميع ويفضل أن يكون وحده، وقليل الكلام ومخلص. بعد شهر. حاولا حمزة ومراد جاهدين أن يحجبا الأخبار والأقوال السيئة التي انتشرت، كما اعتمدا على الدعم المعنوي من المقربين لهم سواء على محيط الأعمال أو المحيط الشخصي، وللحق يقال فإن لعائلة الجواد رصيد جيد عند الكثيرين، خصوصاً شقيق سالم المتوفي والد شيرين والذي يشبه حمزة كثيراً.
دلف حمزة من باب القصر وخلفه مها التي كانت تمكث في منزل والدها منذ وفاته والذي ذهب ليحضرها. دلفا فوجدا الجميع يطالعها بنظرة فاقدة لأي رأفة أو شفقة، الجميع يرمقها ويلقي بالذنب عليها. كان سالم يجلس على الأريكة في بهو القصر ومعه عكازه الذي أصبح يلازمه مؤخراً بسبب جلطة أصابت قدمه بعد تلك الأخبار وبعد الخسارة الجزئية لأسهمهم. وقف مستنداً عليه وساعدته في ذلك زوجته صفية. نظر لها بكره وغضب وأردف بحدة وحسرة وقسوة:
–إنت جايبها هنا ليه؟ دي مبقاش لها مكان بينا، تغور من هنا وتحل عنا بعد اللي أبوها عمله فينا، كان يوم أسود يوم ما شاركته، كنت مفكر أنه فعلاً عايز ينقذني من الخسارة بس هو كان له حسابات تانية، طلقها حالاً وتغور من هنا أنا مش طايق أبص في وشها. وقفت لأول مرة تشعر بالانكسار والذل وهي تطالع سالم بكره وغل، ولكن لم تعد تهاجم، سقط غرورها وتكبرها أمامه. نظر حمزة لوالده بحزن، بيأس، بخجل من قراراته الأنانية دائماً.
لف نظره لمها وأردف بنبرة باردة تخفي وراءها ألماً لم يجد له مسكن: –أطلعي على فوق. نظرت له بصمت ثم لفت نظرها للجميع تطالعهم بكره واتجهت بعدها تصعد للأعلى وسط غضب سالم. خطى حمزة إليه حتى توقف أمامه ينظر داخل عينيه بقوة ثم مال يردف بهمس وألم: هذا ما جناه عليا أبي، وهذا ما جنيته على نفسي. ابتعد ينظر للجميع بعيون حادة ويردف بصوت عالٍ وصرامة: –مافيش طلاق، مها هتفضل هنا لحد ما تقدر ترجع ولو جزء من خسارتهم. صرخ سالم
بغضب مضاعف يردف برفض قاطع: –مش هيحصل، دول خسرونا كتير أوي، طلقها زي ما إنت كنت عايز، قعادها هنا بعد اللي أبوها عمله هيجبلنا الخراب، إنت كنت صح. ولأول مرة يتحول حمزة ويصبح كالأسد المجروح وهو يهتز بهستيرية ويردف بصراخ رج أرجاء المكان والقلوب وفاجأ الجميع: –كنت صح إزاااااي؟ مش دي اختياااااارك؟ مش دي المنااااسبة للعيلة وليا ولأولااااادي؟ أطلقها بعد ما وقعت؟ أختار راااحتي وأنسى مبادئي وإبني؟ أعمل زيك؟
خلفتني لييييه يا ساااالم بيه؟ عشان أقولك على كل حاجة حاضر ونعم؟ كفااااية بقى، كفاية ضرب فيا بقى لأني أصلاً ميت، إفرح يا سالم بيه بإنجازاتك، أفرح بابنك اللي كله أخطاء، ارتاح لأني اتخليت عن راحتي من زمان، ذنبي ولازم أكفر عنه. التقط نفساً قوياً يردف بقهر وقوة وصلابة أمام أعين الجميع، حتى كاري كانت تلتصق بزوجها المتألم وتطالعه بحزن وشفقة:
مها هتفضل عايشة هنا، لإمتى معرفش بس من دلوقتي لحد ما المدة دي تخلص محدش يقول حاجة، ولا أي حاجة، زي ما الكل سكت من الأول هتسكتوا دلوقتي. نظر لوالده الذي يطالعه بصدمة، فلأول مرة يرى حمزة في تلك الحالة التي أخافته حقاً، بينما هو تركهم واندفع يصعد الدرج ليكمل ما ينوي فعله وهو في قمة غضبه وقهره. دلف جناحه ومنه إلى غرفته مندفعاً، وجدها تجلس على الفراش شاردة، وقف أمامها وأردف بنبرة لا تحمل نقاشاً وهو يعد على أصابعه:
–ليكي عندي الأمان والحماية والدعم والإسم اللي هتحاولي تحققي بيه طموحك لأن للأسف إسم شوقي بيه اتلوث خلاص بعد اللي عمله، غير كده مافيش أي حقوق ما بينا نهائي، الوقت اللي هتقوليلي طلقني فيه هطلقك فوراً، ووقوفي جنبك أولاً عشان خاطر حاجة في نفسي أنا وثانياً عشان ابني اللي عايزله مستقبل مشرف، مش هسمح بحد يعايره بكلمة واحدة بسبب جد طماع، العار اللي هو سبهولنا مش هيطول ابني.
كانت تستمع له وتبكي بقهر ولم تستطع الدفاع عن والدها المتوفي، تشعر بالخزي والغضب في آن واحد، فحقاً ترك لهم عار سيطولها ويلجم طموحها ونجاتها الوحيدة من هذا الطوفان هو زواجها من حمزة. أما هو فزفر بقوة ومسح على وجهه يردف بغضب:
–جه الوقت اللي تحققي طموحك فيه زي ما كنتِ عايزة، ولو حاولتي في يوم تعملي الحركات بتاعتك اللي كانت سعاد هانم بتقولك عليها وانتِ بتنفذي زي اللعبة هطلقك فوراً، هتشليني من حساباتك تماماً، عاجبك على كده؟ تنهد بقوة يحاول نطقها بصعوبة وقوة يكمل: –يبقى تمام. صمتت تفكر، خسرت كل شيء في لمح البصر وسقط غرورها وتكبرها وباتت في موضع ضعف وعليها أن تقوى وتنهض مجدداً ولن يحدث ذلك إلا وهي زوجته، لذلك أومأت تردف بهدوء: –تمام، موافقة.
أغمض عينيه بقوة، جزء صغير معاكس في داخله يتمنى لو كانت رفضت، ولكن تبقى هي مها أبو الدهب ويبقى هو حمزة الجواد. زفر والتفت يغادر تاركاً الغرفة والجناح والقصر بأكمله. رآه الجميع يغادر فتنهدوا بحزن وأكملوا ما يفعلون إلا كاري التي نظرت لزوجها وأردفت مترجية: –روح وراه يا مراد، متسبهوش وهو في الحالة دي. تنهد بقوة وطالعها بأسف يردف: –الأحسن يبقى لوحده يا كاري، لما يرجع هتكلم معاه.
شردت تفكر بحزن فيما سمعته، يبدو أن حمزة كان وإلى الآن يحب رفيقتها حقاً ولكن هناك أموراً تقيد راحته وحريته، يبدو أنه يعاني منذ سنوات، تفكر هل تخبر ريتان بما سمعته؟ ويبدو أن مراد قرأ أفكارها لذلك مال عليها يردف بترجٍ وهمسة: –كاري، لو سمحتي بلاش تحكي لأي حد أي حاجة بتحصل هنا، الأفضل إن الأمور تفضل جوه البيت ده حالياً ومتطلعش برا، مافيش حد هيستفيد حاجة لو اتقال، فهماني؟ دققت النظر في عينيه وأومأت بتفهم، فمال يقبل وجنتها
ثم ابتعد يردف بترقب وتروي: –خلى حمزة هو اللي يحكي كل وجعه وكل معاناته في وقتها، لما يخلص من كل الضغوطات دي ساعتها الكلام هيبقى مهم ومسموع. أومأت بتفهم واقتناع وقد أيقنت حب حمزة لصديقتها، فحقاً حتى وإن أخبرت ريتان بما عرفته فلن ترتاح بعدها وستعود لبناء قصور وهمية الآن خصوصاً أنها لن تقبل أن تدلف حياته على أنها زوجة ثانية. بعد مرور خمس سنوات. تغيرت أحوال الجميع دون استثناء.
واجهت عائلة الجواد صعوبات كثيرة كي تستطيع العودة لعهدها بعد الخسارة الجزئية التي أصابتها والمتسبب الأول والأخير في ذلك هو سالم نفسه بعدما تحالف مع شيطان الطمع شوقي الذي يشبهه كثيراً إلا في حب ابنته وتفضيلها على المال.
تكاتف سالم مع ولديه حمزة ومراد وبدأوا في وضع خطة جديدة لبناء أسهمهم، ولكن بسبب وضع سالم الصحي كان الحمل الأكبر على حمزة الذي لم يقبل بالسفر وعقد الصفقات الخارجية نسبةً لتوليه دور الأب على أكمل وجه، فبات مراد هو من يسافر ويقود التعاقدات الخارجية بعد خطة دبلوماسية مع شقيقه ووالده لكي ينهضوا مجدداً وبالفعل حققوا ما أرادوا بعد عدة سنوات.
وهب فيهم حمزة حياته لطفله مروان الذي أتى إليه ليعطي لحياته أملاً ويلونها ويضيف للمكان بأكمله البهجة والسعادة هو وبيرين ابنه عمه مراد مدللة أبيها الجميلة التي تشبه والدتها كاريمان والتي تبلغ من العمر 4 سنوات وها هي كاري تحمل في طفلها الثاني.
تربيا سوياً ونعم مروان الذي أصبح على وشك دخول الصف الأول بدلال جدته وحنو عمته وحب كاري وشيرين إلا أنه دائماً يفتقد احتواء الأم التي تركت مسؤوليته كاملة عليهن وحاولت النهوض مجدداً وها هي تسافر وتسعى وتعافر بقوة شرسة لإعادة أسهم شركتها لعهدها مستخدمة اسم الجواد عامةً واسم زوجها خاصةً في تحقيق كل ما أرادت.
واجهتها مشاكل وسقطت مرات عدة وفي كل مرة يمد لها يد العون خصوصاً بعدما لاحظ التغيير الإيجابي في شخصيتها، ولكن هذا التغيير لم يطل تمسكها به ولم يطل حقدها الدفين لريتان، فقد تنازلت قليلاً عن غرورها وباتت أكثر طاعة وأكثر ذكاء عن ذي قبل. لأنها تعلم جيداً مدى رغبته في الطلاق لذلك باتت لا تستفزه بأي شكل خصوصاً بعد سفر والدتها منذ عامين إلى كندا لشقيقتها وتركتها وحيدة بينهم.
تعلم أيضاً أنه يتابع أخبار ريتان جميعها ويراقبها وينتظر الفرصة ليحصل عليها، لذلك هي أيضاً قامت بتوظيف شخص مهمته فقط نقل أخبار ريتان حتى عاملة النظافة في المدرسة التي تعمل بها ريتان باتت تعمل لصالحها وتنقل لها كل ما تراه وتسمعه.
كانت المافيا ترسل لها تهديدات بسبب الخسارة التي طالتها بعد إعدام بضاعتها، لذلك استعان حمزة بشركة الحراسات الخاصة بصديقه في حمايتها وترك حماية طفله له، ولكن انتهى تهديدهم بعد أن تم القبض على أكبر تنظيم تابع لهم داخل مصر منذ عدة أشهر وأصبحت السلطات تطاردهم.
أما سناء فقط أتتها دعوة للانضمام إلى عضوية بعض الجمعيات الخيرية وبالفعل وافقت وها هي تساعد في دعم وتأسيس تلك الجمعيات الخيرية التي تعمل على الحد من ظاهرة أطفال الشوارع والمشردين. قبل عامين وبسبب الظروف الصحية السيئة التي طالت سالم قرر التقاعد وترك أمر الشركة وإدارتها لأولاده خصوصاً بعدما أثبتا جدارتهما في القضاء على خسارتهم. وبسبب ذلك فقط ترك حمدي أيضاً العمل لديه كسائق وأعطاه حمزة مكافأة لنهاية خدمته وولاؤه لهم.
كان يود دفعها كمقدم لشراء سيارة يعمل عليها، ولكن نصحته زوجته جميلة أن يقوم بفتح محل تجاري لبيع منتجات الألبان وطلبت من أهلها في القرية أن يمولوه بالمنتجات الفلاحي والعمالة المناسبة.
تجنبت العائلة مها تماماً وهي تجنبتهم أيضاً وباتت فقط تراهم صدفة وتجلس منفردة تخطط وتراقب كل شيء في صمت ولا تحتك بهم أبداً، فهي ترسم جيداً ما تريده وتعلم أن التهور واستفزاز حمزة لن يفيدها أبداً. أحياناً وبعد أن خسرت وجهتها الاجتماعية وخسرت كل ما كانت تتباهى به تتمنى أن يستمر زواجها، تتمنى أن تظل معه وتحصل على كل تلك المميزات التي هي على يقين أنها لن تحصل عليها مع غيره، تتمنى أن ينسى أمر طلاقه منها ويعطي لهما فرصة، ولكن كلما حاولت الاقتراب خطوة أبعدها خطوات، لذلك تركت الأمر مؤقتاً.
أما حمزة الذي كان يراقب ريتان ولنقل يؤمنها من خطر ناصف، تلقى في أحد الأيام خبر تقديم أحدهم لخطبتها وبرغم رفضها القاطع بسبب مشكلتها مع الانجاب إلا أنه قرر أن يتحدث معها ويحاول شرح الأمور، فلن يقف تلك المرة يتابع في صمت، يعلم أنها يحق لها بدء حياة جديدة هادئة ويعلم أنها تستحق الأفضل دائماً عن تلك الحياة المعقدة التي يعيشها، ولكن لا إرادياً أحياناً يصاب بأنانية العشق. لذلك حاول أن يتحدث معها لربما أقنعها بما ينوي، ولكن كالعادة رفضت الحديث معه تماماً وحتى أنها باتت تتجنب لقاء سناء، فقط نوت أن تطوي تلك الصفحة من حياتها للأبد،
لذلك فقد قرر حمزة الآتي: إن لم تتقبله في حياتها حسناً لتتقبل صغيره، ليضعه أمامها وليكن سبباً في قربهما، ليربطها به، يعلم حبها للأطفال وتعلقها الشديد بهم كما أخبرته السيدة منال في الخفاء، فهما الاثنان بحاجة بعض، هي بحاجة طفل تبث فيه أمومتها دون قيود ولن يكون سوى طفله، وطفله بحاجة أم تحتويه دون شروط، إن لم ينجح هو في إعادتها إليه فليعدها طفله. وبالفعل أرسل صغيره إليها منذ عامان حتى يلتحق بالمستوى التعليمي الأول، بل أصر
هو على إيصاله في كل مرة، نعم بات يراها يومياً في العام الدراسي وفي كل مرة يزيد عشقه وشغفه بها وكأنه يدخره في جرة أوشكت على الانفجار، خصوصاً بعدما تعلق بها الصغير وبات يتحدث معه عنها وعن حنانها معه وهذا ما جعل قلبه يتضخم عشقاً ويتآكل ألماً وحسرة على حالهما، يعلم أنها معها كل الحق في عدم تقبله أو سماعه، وأدرك جيداً قيمتها وأنها تستحق أن تكون الوحيدة والأخيرة في حياته، تستحق أن تكون ملكته المتوجة، تستحق أن يحل أموره
كاملة ويذهب إليها دون أي مشاكل أو قيود.
يعشقها وعشق الرجال النبلاء عذاب، يصبح أمام كفتي ميزان حياته يحاول وزن العشق مع الضمير ولكن في كل مرة يغلبه ضميره متحسراً على كفة عشقه التي تتهاوى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!