الفصل 7 | من 31 فصل

رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي

المشاهدات
22
كلمة
7,352
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

تعجب ناصف من أمرها وقرارها المفاجئ والسريع، وأردف متسائلاً بترقب: –موافقة؟ متأكدة يا ريتان؟ انتِ كويسة؟ أردفت مسرعة لتبطل أي فكر داخلها: –جداً. صدقني كويسة جداً وده أكتر قرار صح أخدته في حياتي. اتكلم مع بابا واتفقوا على كل حاجة وخلينا نتمم الجواز بأسرع وقت. صدقني أنا عايزة كده. زفرت بقوة تتابع: –ولو سمحت بلاش تبلغ حد إلا وقت الدعوة، منعاً للكلام يعني. خليها مفاجأة للكل. تنهد وشرد قليلاً يفكر بتعجب، ثم أردف بترقب:

–ريتان ينفع أقابلك واتكلم معاكي؟ أنا مش حابب تسرعك ده. تحدثت وهى على وشك البكاء وتساءلت بحدة: –هو انت مش طلبتني؟ ولا رجعت في كلامك تاني؟ تحمحم وأردف مصححاً: –لأ بالعكس. أنا بتمنى جداً موافقتك بس انتِ قولتي هتفكري، ودلوقتي بتقولي نتجوز بسرعة. فاكيد لازم أستغرب يا ريتان. علشان كده خليني أكلم عم حمدي وأجي أشوفك. تنفست بعمق تهدئ من انفعالها، ثم أردفت بألم ومراوغة:

–معلش يا ناصف خليها وقت تاني لأني نازلة دلوقتي لكاري صاحبتي. أنا بس حبيت أبلغك موافقتي وانت كلم بابا. زفر ثم أردف بهدوء: –تمام يا ريتان، زي ما تحبي. أغلقت معه وعادت تجلس على صدرها وقلبها مرات عدة تشعر كأنه سيتوقف. حجر صوان قابضاً عليه يشعرها بالاختناق. تنكمش ملامحها بضيق وهى تعيد حديثه المؤلم. أومأت تردف بصوت داخلي يتردد في عقلها:

–حسناً يا ابن الجواد، سأريك ريتان ابنة السائق كيف ستكون زوجة وأمٍ يفتخر بها مجتمعك العاق هذا. *** في اليوم التالي غادر فريد بعدما ودع الجميع. أوصله حمزة إلى المطار، بينما أسرعت شيرين إلى غرفتها تغلقها وتبكي على فراقه المؤقت كابن عمها وفراقه الدائم كحبيب. أما في منزل حمدي خرجت ريتان من غرفتها بملامح باردة قاسية لا تليق على براءة وجهها ونعومته. الآن هي تتحرك بجسد نُزعت منه المشاعر، وكأنها جماد تمشي على الأرض.

رأتها جميلة فاتجهت إليها تردف بسعادة بعدما علمت بالأمر: –ريتان، انتِ وافقتي على ناصف! ده كلم أبوكي امبارح بليل وكان فرحان جداً وعايز يحدد الفرح في أقرب وقت. بس أبوكي قاله نستنى شوية. أردفت بجمود وهى تستعد للمغادرة: –مافيش داعي يا ماما نستنى. قولي لبابا يتمم الفرح في أقرب وقت. تعجبت جميلة ونظرت لإبنتها تردف بقلق: –ريتان انتِ كويسة؟ إزاي يعني في أقرب وقت ده جواز يا بنتي. خرجت بسمة من غرفتها بعدما استمعت لآخر الحوار

ونظرت لريتان قائلة بسعادة: –برافو عليكي يا ريتا. أول مرة تفكري صح. ناصف ده هينغنغك يا بنت المحظوظة. طالعتها ريتان بتمعن ثم نظرت لوالدتها بعمق وأردفت بتعجب: –مش حضرتك يا ماما كنتِ عايزاني أوافق؟ أنا موافقة أهو ومافيش داعي نستنى. ناصف جاهز وإنسان واضح ومعروف. يبقى ليه التأجيل؟ لو سمحتي اتكلمي مع بابا لما يرجع وأنا هروح دلوقتي لسناء علشان أكمل للأولاد المستوى الأول. هحاول أخلي كاريمان تكمل مكاني معاهم.

أومأت جميلة وأردفت بترقب: –طيب يا حبيبتي روحي ربنا معاكي. وأنا أما حمدي ييجي هتكلم معاه. غادرت ريتان واستقلت سيارة أجرة تنقلها إلى فيلا سناء لتعطي حصتها. بالطبع لن تخبرها بموافقتها الآن، ولكن لتجد حجة مناسبة. *** مساءاً أتى ناصف إلى منزل حمدي بعدما أُذن له ليتحدث مع ريتان. جلس معها بعد الترحاب حيث ترك حمدي لهما مساحة الحديث منفردان مع مراعاة تواجده هو وزوجته على مقربةً منهما.

أما ريتان فقد قررت وأنتهى الأمر. رأي حبها فليرى انتقامها، لتنفذ هذا القرار ولينتهي الأمر في الحال. إن كان قرار جوازها من ناصف يشبه حكم الإعدام والوحيد الذي يمتلك قرار إيقافه هو حمزة فستنفذه رغماً عن الجميع، وأمام عينيه. تنهد ناصف وطالعها يردف متسائلاً بترقب: –ها يا ريتان، مش عايزة تقولي حاجة؟ طالعته بقوة وأومأت تردف متسائلة بجرح داخلي ينزف بصمت: –أكيد. عايزة أسألك ليه اخترتني بالذات؟ يعني الفرق الاجتماعي والناس و...

قاطعها يردف بابتسامة هادئة: –متتكلميش يا ريتان لأني مش بيهمني كل الكلام ده. أنا مش بفكر بالطريقة السطحية دي. أنا أهم شيء عندي جوهر الإنسانة اللي هرتبط بيها. وانتِ أثبتيلي إنك تستحقي تكوني ملكة متوجة لأي إنسان. أنا سألت عنك كويس والكل أجمع إنك إنسانة على خلق والتزام وده نادر جداً الاقيه بسهولة. علشان كده مش عايزك تفكري تماماً بالطريقة دي.

تحدث وكل كلمة خرجت منه كسهمٍ استهدف قلبها. قلبها الخائن الغبي. حسناً الآن أدركت أنها كانت ساذجة ضعيفة خُدعت ببعض النظرات الماكرة والتعاطف الخبيث وفسرت مشاعر مسرحية على أنها إعجاب أو ربما حب. ابتسمت بألم. ضغطت على فكها بقوة لتمنع عينيها من ذرف دمعة خائنة. نظر لها بترقب ثم تساءل: –انتِ كويسة؟ أومأت تردف ولمعة عينيها محزنة:

–جداً. كويسة جداً. أنا موافقة ومقتنعة بيك يا ناصف. وزي ما قولتلك خلينا منطولش. زي ما أنت عارف كلام الناس. ممكن يتقال كلام مش حابة أسمعه علشان كده خلينا نستعجل وبلاش حد يعرف إلا قبلها بيومين على الأقل. تنهد ينظر للإمام بشرود. يفكر قليلاً. طالعها يردف بابتسامة هادئة:

–أنا معنديش أي مانع. بالعكس أنا مبسوط جداً. ومن بكرة لو تحبي أنا جاهز. ومحدش يقدر يتكلم طبعاً ومع ذلك أنا هحترم رغبتك أكيد وهخلي الخبر مفاجأة مع كروت الدعوة. ابتسمت بانتصار وأومأت بروحٍ معذبة: –تمام يا ناصف. اتكلم مع بابا وحددوا معاد قريب. أومأ لها بسعادة وبالفعل بعد دقائق أتى حمدي وجلس يتحدث معه فقال ناصف:

–تمام يا عم حمدي. تقدر حضرتك تقولي طلباتكم وأنا جاهز لأي شيء. ومن بكرة لو تحب. زي ما أنتوا عارفين أنا أهلي متوفيين وماليش قرايب هنا. ومن فترة قليلة اشتريت شقة كويسة جداً في برج سكني في منطقة راقية تقدر حضرتك تيجوا معايا بكرة تشوفوها ولو ريتان حبيتها يبقى نتوكل على الله. قولت إيه؟

نظر حمدي لريتان بسعادة يبتسم بحنو. أحياناً تعمى العيون والقلوب عن الحقائق التي تختفي وراء المظاهر العامة. أحياناً شدة بريق الضوء الصادر من قطار الحياة تغشي أعيننا إلى أن نجد أنفسنا أسفل قضبانه محطمين الروح والراحة. ولنرى ماذا يخبئ لنا القدر. تنهد حمدي براحة وأردف بسعادة: –خلاص يا ناصف بيه. بما إن بنتي موافقة وانت مستعجل شوف الوقت المناسب إيه وأنا معاك.

أومأ ناصف ونظر لريتان التي تجلس كأنها تؤدي دوراً سينمائياً بإتقان. ثم عاد بنظره لحمدي وأردف مبتسماً: –تمام يا عم حمدي. يبقى كمان أسبوعين. إيه رأيك؟ تعجب حمدي ونظر لريتان ينتظر اعتراضها ولكنها كانت في عالمٍ آخر. فنظر لناصف وأردف متعجباً: –قليل أوى كده يا ناصف بيه؟ يعني علشان نلحق نجهز نفسنا وكده. يعني على الأقل شهرين تلاتة؟ تنهد ناصف ونظر لريتان التي تطالعه بتمعن وصمت ظاهري عكس ضوضاء عقلها الصاخب. ثم أردف بترقب:

–خلاص يا عم حمدي يبقى كمان شهر. وزي ما قولتلك كل شيء جاهز. أنا مش محتاج غير ريتان. نظر حمدي لريتان وتساءل بترقب: –رأيك إيه يا بنتي؟ سحبت شهيقاً قوياً وأومأت تردف كدمية تردد بلا روح: –موافقة يا بابا. بس لو سمحت مش عايزة أي حد يعرف إلا وقت الدعوة. أومأ ناصف وأردف بثقة: –زي ما تحبي. من ناحيتي مش هقول. وأكيد عم حمدي هو كمان مش هيقول. أومأ حمدي بتعجب من أمر ابنته وقرر التحدث إليها بعد مغادرة ناصف. ولكن أي حديثٍ هذا!

لقد عزمت أمرها وأنتهى كل شيء. *** بعد مرور شهر تم التحضير للفرح في أرقى الأماكن وتم توزيع الدعاوى التي تفاجأ بها الجميع وتعجبوا خصوصاً بعد معرفة عائلة العروس. كان يجلس مراد مع والدته وشيرين ويردف بمرح معتاد: –الواد فريد وحشني أوي. تصدقوا برغم رخامته بس بجد كان عامل جو هنا. ابتسمت شيرين وحنت إليه ولكنها أردفت باستنكار تتذكر: –جو إيه اللي كان عامله؟ ده كان بيقعد معانا على السفرة زي التمثال. حتى بوزه كان شبرين.

ابتسمت صفية وأردفت بحنو واشتياق له: –لا مليكيش حق يا شيري. فريد فعلاً وحشنا أوي. ومش عارفة السنتين دول هيعدوا عليا إزاي. وقف مراد يتجه لوالدته ويدنو منها مردفاً بترجي: –لاااا. أبوس إيدك يا ست الكل. بلاش دراما أنا مستكفي منها هنا وفي الشركة. زمان الحاج الكبير هينزل وهنتكتم كلنا. خلينا فريش كده قبل ما ييجي. ابتسمت عليه وأردفت بقلة حيلة:

–سبحان الله. مش عارفة أنت الوحيد اللي طلعت مختلف في أخواتك. وشكلك كده انت اللي هتاخد اللي انت عايزه بطريقتك دي. ياريت حمزة كان زيك كده. أعتدل بفخر بعد حديث والدته وأردف بتعالي ضاحكاً: –مافيش حد زيي يا أمي. ده كان قالب واتكسر بعدي. من حسن حظ عيلة الجواد إن مافيهاش غير مراد واحد بس. وده مش غرور لااا. ده تكبر.

شهقت صفية بينما هزت شيرين رأسها بقلة حيلة عليه. أما هو فكاد يكمل مرحه ولكن ألجم الجميع بسبب نزول سالم ودلوفه إلى حجرة الطعام لتناول الفطور. بعد دقائق وصلت الدعوى إلى فيلا سالم والجميع يجلس على طاولة الإفطار. أدخلتها المساعدة إلى سالم مردفة باحترام: –سالم بيه. الكارت ده وصل حالا لحضرتك. تناوله سالم منها وفتحه يقرأ بترقب ثم ظهرت الدهشة على ملامح وجهه. فأردفت صفية متسائلة بهدوء: –خير يا سالم فيه حاجة حصلت.

نظر لهم جميعاً وأردف بتعجب: –دي دعوة زفاف ناصف السوهاجي. انتبه حمزة بتمعن وتنهد بارتياح ليتزوج بمن يريد ويبتعد عن ريتان. أومأت صفية تردف بهدوء: –طيب كويس. ربنا يتمم بخير. أردف سالم بدهشة ساخراً: –العروسة تبقى ريتان بنت حمدي السواق.

توقف عن مضغ الطعام لثواني يستوعب هل ما سمعه حقيقي. لف نظره إلى والده الذي نظر له بعمق ثم ابتلع طعامه كمن يبتلع قطعة حادة شقت حنجرته وصدره إلى نصفين. التواءة شديدة تعتصر أحشاؤه وهو يردف متسائلاً بنبرة متألمة كأنه لم يستوعب بعد: –ريتان مين؟ أردف سالم بجمود يحذره بعينيه بأن لا يخطئ أو يظهر رداً: –قولت ريتان بنت حمدي السواق. أظنك سمعت كويس.

أغلق عينيه ومال برأسه يستوعب لثواني ثم وقف وترك الطعام يتحرك للخارج. ولأول مرة يناديه سالم ولم يجيبه بل أكمل حيث يقف حمدي ينتظر سالم. أتجه إليه حمزة ولأول مرة أيضاً يردف بنبرة غاضبة لم يتحكم بها: –انت إزاي تجوز ريتان لناصف السوهاجي؟ تعجب حمدي من طريقته بينما لحقه سالم والجميع المتعجبون من أمره. أتجه سالم يلف حمزة إليه بعنف ويردف محذراً بعيون غاضبة وتوعد: –حالاً تركب عربيتك وتطلع على الشركة. أردف معترضاً بحسرة:

–مش هتحرك على مكان غير لما لما عم حمدي يوقف المهزلة دي. لف نظره لحمدي المتعجب مجدداً وأردف بحدة أكبر: –ليه وافقت على ناصف يا عم حمدي؟ وأزاي تجوزه بنتك بسرعة كده؟ أردف حمدي بتوتر من نظرات سالم المريبة: –دي كانت رغبة ناصف بيه، وبنتي موافقة عليه يا حمزة بيه وهو راجل كويس ومحترم. ولا هو انت تعرف عنه حاجة؟ مسح حمزة على وجهه بقوة بينما أردف سالم بنبرة قوية حادة غاضبة يعنف ابنه:

–لو متحركتش على عربيتك دلوقتي وطلعت على الشركة يا حمزة صدقني مش هيحصل خير. طالعه حمزة بعمق وعقله يردد. وافقت عليه؟ يقول وافقت عليه إذا بأي حقٍ هو يمتنع؟ لف نظره يطالع الجميع بتشتت وعقلٍ تائه ثم اتجه يستقل سيارته ويغادر بصمتٍ تام. أما سالم فاقترب من حمدي وأردف بفحيح: –اللي حصل ده تنساه ولا كأنك سمعته تماماً انت فاهم؟ أردف حمدي بتوتر واستفهام: –ازاي بس يا سالم بيه؟ لو حضرتك تعرف عن ناصف بيه حاجة ياريت تعرفني. دي بنتي.

أردف سالم بخبث ودهاء: –لا بالعكس. ناصف إنسان كويس جداً ورجل أعمال شاطر. يعني أنتوا الكسبانين. بس حمزة على خلاف معاه بسبب صفقة أعمال. متحطش في دماغك انت وانسى اللي حصل. مبروك لبنتك. طالعه حمدي بعمق وأومأ برأسه يردف مقتنعاً بحديثه: –الله يبارك في سعادتك يا سالم بيه. هربت سالم على كتفه بحنانٍ ذائف عدة مرات ثم أردف بحدة: –يالا يا مراااد. أسرع مراد ليتجنب غضبه واستقل السيارة معه واتجه حمدي لمكانه وبدأ يقود بعقلٍ شارد.

أما صفية التي تقف على سلالم القصر تتابع ما حدث ومعها شيرين. نظرت لها وأردفت بقلق وقلبٍ حنون: –شيرين، رنيلي على حمزة كده؟ أومأت شيرين وتناولت هاتفها لتهاتفه ولكنه مشغول بمكالمة أخرى. في تلك الأثناء كان يقود بسرعة عالية وهو يتحدث مع سناء شقيقته مردفاً بحرقة تستهدف حلقه وجري تنفسه: –انتِ ازاااي يا سناء مبلغتنيش. إزاااي تخبي عني خبر زي ده؟ أردفت سناء بصدمة من هذا الخبر التي تلقته لتوها:

–أنا لسة حالاً عارفة يا حمزة. أنا اتصدمت زيك. ريتان خبت عني وناصف كمان مقالش. تعجب وأردف متسائلاً: –ازاااي؟ يعني إيه؟ أردفت وما زالت في صدمتها: –أنت عارف إنها خلصت مع الأولاد المستوى الأول. بس كلمتني من أسبوع وقالت إنها داخلة على دور برد وممكن تبعت كاريمان صاحبتها مكانها. بس مقالتش خالص عن موضوع ناصف. هز رأسه لا يستوعب ما يسمعه ثم أردف يبحث عن إجابة مقنعة: –عملت ليه كده؟ وافقت عليه ازااااي بالسرعة دي؟

هتتجوزه مسافة شهر أزاااي؟ حزنت سناء وأردفت بحزن: –طب يا حمزة إهدى علشان خاطري. تعالى وهنتكلم. أردفت باختناق وقهر وعجز: –هنتكلم في إيه يا سناء. مافيش حاجة نتكلم فيها خلاص. أردفت بترقب تفكر بصوت عالٍ: –طب مش يمكن تكون بتحبه... قاطعه يردف بقلبٍ مستنزفٍ حزين: –متكمليش يا سناء. علشان خاطري اقفلي.

أغلق معها وتوقف فجأة يحدث صفيراً عالياً إثر احتكاك الإطارات في الأسفلت ثم وضع رأسه بين كفيه يفرك عقله يحاول تقبل حقيقة الأمر الواقع. ماذا ظن؟ أظن أنه يحق له أن يرتبط ويتزوج وهي لا؟ كم هو أناني وجباااان. أكان يريدها مربوطةٍ بحبه دون قيود؟ بأي حقٍ يفعلها؟ تركها بسبب قناعاته وعائلته فليتركها تكمل. ولكن ليس مع هذا الغامض. ماذا إن أذاها أو كان مثل شقيقه؟

هي رقاقةَ ثلجٌ جميلة وناعمة وهشة لن تحتمل أي حرارة. هي زهرةٌ تفتحت لتتنفس ليس ليمتص أحدٍ رحيقها ويذبلها الإهمال. هي غزالةٌ خلقت لتنعّم لا ليفترسها صيادٍ جائع. أردف معنفاً نفسه بقهر: –انت مختل. مش طبيعي. عين في الجنة وعين في النار. عملتلها إيه انت يا جبان. لأول مرة يصل حمزة لتلك الحالة الرثة والضائعة. لأول مرة يُعلن تمرده على نفسه. ولكن بعد فوات الأوان إنتهى كل شيء. إنتهى قبل حتى أن يبدأ. أردف يردد بخوف وهمس: –بتحبه؟

معقول حبته؟ هز رأسه يردف نافياً وقد أصاب بالجنون: –لاااا. لا محبتهوش مستحيل. لااا يا ريتان ليه وافقتى عليه ليييه. ليه ده يا ريتان لييييه؟ زفر باختناق وحرقة. نظر لهاتفه. خطر على عقله أن يهاتفها. ولكن بأي حق وماذا سيقول؟ حسناً لا يمكنه مهاتفتها ولكن يمكن لسناء. لذلك أدار سيارته مجدداً يقود بإتجاه منزل شقيقته. *** وصل بعد دقائق عدة. ترجل وأتجه للداخل على الفور حيث استقبلته سناء بحزن لحالته.

أردف بنبرة مترجبة وعيون مرهقة وعقلٍ مبعثر: –كلميها حالاً يا سناء لو سمحتِ. أفهمي منها بس ليه وافقت عليه. يمكن يكون حد ضغط عليها. مش معقول ريتان تفكر بالطريقة دي. تنهدت تومئ بصمت ثم اتجهت تتناول هاتفها وأتجه هو يتبعها ويقف مجاوراً لها يترقبها وهى تضغط على زر الاتصال كمن ينتظر قراراً مصيري.

على الجهة الأخرى رن هاتف ريتان وهى تجلس في غرفتها شاردة. تناولته ونظرت للاسم. لا تعلم لما تلك النبضة عادت إليها. أولم تسحق هذا الأبله؟ ستجن. من أين أتت تلك النبضة المتسارعة تخبرها أنه ربما يجاور سناء. زفرت بقوة تدعم صدرها بالأوكسجين ثم قامت بتشغيل أغاني أفراح عبر الحاسوب الخاص بها وقامت بفتح الخط تردف بصوت عالٍ نسبياً جاهدت ليخرج سعيد والألم الداخلي ساكناً لا يعطي صوت: –ألو؟ نونا ازيك عاملة إيه؟

استمعت إلى صوتها ونظرت لحمزة الذي ضغط على مكبر الصوت وسمع صوت الأغاني التي وصلت إلى مسامعه كأنها عويل. تعجبت سناء من حالتها وأردفت بترقب: –ريتان ازيك. أنا كلمتك لأن وصلتني الدعوة. واستغربت جداً لإنك مقولتيش. انتِ كويسة؟ أغمضت ريتان عينيها بقوة ثم تنهدت وأردفت تبتسم مجبرة: –كويسة جداً يا نونا. وأنا آسفة إني مقولتلكيش بس أنا وناصف حبينا تبقى مفاجأة. تعجبت سناء من نبرتها الغير مقنعة بينما وقف هذا يستمع إلى حديثها

بجسد متصلب وسناء تتساءل: –تمام يا حبيبتي ربنا يسعدك. بس كنتِ عملتي فترة خطوبة الأول يا ريتا؟ يعني معقول تتجوزي بسرعة كدا؟ لا تريد سماع أي صوت يحذرها أو أي نصيحة تجعلها تتراجع. لا تريد ولا أي صوت الآن. لذلك ادعت تردف كاذبة: –حاضر يا ماما جاااية. ثم تابعت تحدث سناء: –أنا آسفة يا نونا هقفل معاكي. أنتِ عارفة تجهيزات فرح بقى وكده. سلام يا حبيبتي.

أغلقت معها وأرتدت على المقعد ثم مدت يدها تغلق الحاسوب وتنفست بقوة. شعور قوي لديها بأنه يجاور سناء. ابتسامة تشفي وانتقام ظهرت على وجهها. تسترد كرامتها شيئاً فشيئاً. أما هو فنظر إلى شقيقته بصمت لثواني قبل أن يندفع ليغادر. حتى أنها نادت عليه ولكنه غادر. *** في اليوم التالي في فيلا أبو الدهب يجلس يرتشف القهوة وزوجته تجلس واضعة ساق فوق الأخرى تقلب في صفحات إحدى مجلات الموضة. نزلت مها بتعالي تتجه إليهما ثم أردفت بترقب:

–وصلتكوا دعوة فرح ناصف السوهاجي؟ أومأ شوقي يردف ساخراً وهو يطالع ابنته بمغزى: –على بنت السواق بتاع سالم. جلست بجواره وأردفت بشرود وتعجب: –مش عارفة ناصف إزاي اختار بنت زي دي. بصراحة اتفاجئت جداً. أردفت سعاد بعدما وضعت مجلتها على الطاولة: –هي فعلاً مش لايقة عليه خالص. ناصف شاب مثقف وغني. أنا كنت مفكرة أصلاً إنه هيفضل عايش في فرنسا وهيتجوز هناك. بس موت منصور قلب الموازين. أومأت مها تردف بغموض:

–صح يا مامى. بس أكيد لازم نروح نبارك ونتفرج! ضحك شوقي يغمز لابنته التي ابتسمت بغرور وقلبت عينيها. ثم وقفت تخطو للخارج وتبتعد عنهما ثم تناولت هاتفها وقامت بالاتصال على حمزة الذي يجلس في مكتبه حزيناً شارداً. تناول هاتفه ونظر له بضيق حينما وجد اسمها. زفر وفتح يجيب: –أيوة يا مها؟ أردفت بترقب وخبث: –حمزة ازيك. وحشتني؟ تنهد يغلق عينيه لا يحتمل الآن سماع تلك الكلمات ثم أردف بجمود: –كنتِ عايزاني! أصلي مشغول شوية.

اغتاظت منه بشدة ولكنها قررت ادعاء العاطفة لتحصل على ما تريده مردفة: –حمزة بقولك وحشتني تقولي مشغول؟ على العموم أنا حبيت أطمن عليك واقولك إيه رأيك نروح فرح ناصف سوا؟ اعتصر عينه بقوة وأردف بألم: –أنا مش عايز اروح. أردفت بصوت متحشرج ماكر: –حمزة مينفعش. كل معارفنا هيبقوا موجودين انت كده بتحرجني. لو سمحت يا حمزة خلينا نروح سوا. منظرى هيبقى إيه وأنا داخلة من غير خطيبي؟ وبعدين أكيد أهلك كلهم رايحين. تنهد بقوة وصمت قليلاً

ثم أردف بضيق: –سبيها بظروفها يا مها. ابتسمت بخبث وأردفت: –يبقى هستناك تمر عليا تاخدني بعربيتك. يالا باي يا بيبي. أغلقت معه ونظرت للأمام بخبث وتشفى ثم عادت لتجلس مع والديها بانتصار. *** في منزل ريتان كان التحضير قائم حيث أتت كاريمان وأتوا أهل حمدي من قريتهم يتطلعون على جهاز ريتان بعيون ثاقبة ويتناجون بينهم بكلمات خبيثة عن زواجها المستقبلي وثراءه الفاحش وعن اصطيادها له حتى نجحت في إيقاعه.

كانت جميلة تستمع لهم بضيق ولكنها تعلمهم جيداً لذلك مرت ما يحدث من أجل فرحة ابنتها المنتظرة. في غرفة ريتان تجلس كالدمية على فراشها وتحاول كاري التحدث معها مردفة بتعقل: –يا ريتان يا حبيبتي مش كده. هيحصلك حاجة. هوني على نفسك. ابتسمت بخفوت وأردفت تدعي الفرحة: –انا كويسة جداً يا كاري انتِ ليه مش قادرة تصدقي؟ طالعتها كاري بعمق قائلة: –لأني عرفاكي كويس يا ريتان. ربتت على كفها لتنهي هذا النقاش وأردفت مطمئنة:

–متقلقيش. هبقى أحسن. المرة دي اخترت صح. تنهدت كاري بعمق وطالعتها بقلق لا تعلم لما فجأة تغيرت ريتان هكذا. بينما هي شردت تفكر في ليلة غداً وفيما تنوي فعله. *** في اليوم التالي مساءاً في قاعة أسطورية تجهزت بعناية. حضر جميع أفراد الطبقة الراقية من المجتمع إلي حفل زفاف ناصف السوهاجي. أناس رُسم على وجوههم التعالي والتفاخر بماديتهم. أتوا متعجبين ليروا وليسخروا من تلك العروس الفقيرة ابنة سائق سالم الجواد.

حضرت عائلة الجواد وحضر شوقي أبو الدهب وزوجته. ها هي العروس تطل عليهم بيد والدها بفستان زفاف أبدع ناصف في اختياره لها. فستان ذو ذيل طويل احتل درجات السلم كاملة. جميلة تزينت بعناية والحكل الأسود أبرز رماديتها الساحرة. حجابها رسم بإبداع على تدويرة وجهها فباتت ملكة متوجة سحرت أعين الجميع حتى الذين أتوا ساخرين انبهروا بجمالها ورتابتها. وقف ناصف ينتظرها بأعجاب واضح ويطالعها بابتسامة هادئة.

دلف لتوه حمزة تشبك يده مها أبو الدهب وتخطى بتعالي. وقعت عينه عليها وهي تمد يدها لناصف. لكمات عنيفة من مصارعٍ قوي يستهدف قلبه وهو مقيد في حلبة الطبقات يستقبل تلك اللكمات بصراخ داخلي. تناول ناصف يدها ورفعها إلى فمه يلثمها ثم مد يده يبادل حمدي السلام ثم أخذها وخطى بها إلى طاولة كتب الكتاب المعدة بعناية ورقي. خطى حمزة وساعد مها لتجلس على الطاولة التي يجلس عليها شوقي وزوجته.

وقف هو يتابع ما يحدث بألم. أما مها فجلست تنظر لريتان بحقد ولد لتوهِ بعدما رأت جمالها. سحبت ريتان شهيقاً قوياً وهي تجلس ويجاورها ناصف والمأذون ووالدها والشهود. رفعت نظرها للحضور فرأته. شردا في بعضهما لثواني مرت كدهرٍ وتحدث العون قبل ان تبعدها ريتان وتنظر لناصف الذي يطالعها مبتسماً بسعادة. بادلته ابتسامة باهتة فمال عليها يردف بهمس: –لحد الآن مش مصدق إنك هتبقي ملكي بعد شوية.

أرعبتها كلمته. بعثرت داخلها مجدداً وانتابها خوفٍ عجيب. حتى أن ملامحها انكمشت ونظرت لوالدها الذي يطالعها مبتسماً بسعادة وفخر. رأت نظرته فأجبرت نفسها على تذكر كلام حمزة المزلزلة لكيانها. تنهدت بقوة وعادت لجمودها. نظرت بعينيها لمها ورأت الحقد يطغى على ملامحها. تعجبت وتوترت من نظرتها. أما هذا الذي جلس لتوه. تأتيه الأفكار والخطط متداهمة. ماذا إن وقف الآن وسحبها وغادر بها إلى مكان غير معلوم؟

ماذا أن وقف الآن وأعترض على هذه الزيجة وقرر هو الجلوس مجاوراً لها ليتمم هذا الشيخ زواجهما. هل ستتم خطته كما يتمنى؟ وهل ستكون النهاية سعيدة له وللجميع؟ نظر للطاولة التي تجلس عليها عائلته. نظر للجميع. ما يتمناه صعب. بل يعد مستحيل. ستقام قيامةٍ من نوعٍ آخر. فات آوانك وانتهت فرصتك يا ابن الجواد.

بعد دقائق بدأ كتب الكتاب بالفعل وكلما نطق المأذون كلماته نزلت كحمم بركانية على هذا الجالس المقيد بسلاسل المجتمع والأصول وسمعة العائلة الكريمة. انتهى المأذون وردد (بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير) سحبت نفساً قوياً رفعت رأسها للأعلى بشموخ أنثى لا تمتلك مالاً وفيراً ولكن تمتلك كرامة وكبرياء. ثم نظرت للمأذون وأردفت بترقب أمام أعين الجميع: –ممكن أقول كلمة؟

أومأ لها مبتسماً ببشاشة وناولها المايك. نظرت للجميع بتردد وقلق وتعالت وتيرة أنفاسها. دارت بعينيها على العيون المنتظرة التي تطالعها بترقب. توقفت عند عينه. نظرت له. تذكرت كلماته لذلك تسربت إليها قوة وعزيمة. رفعت المايك إلى شفتيها المترددة وتحلت بالشجاعة وأردفت بصوت بدا مهزوزاً: –مساء الخير. طبعاً اتشرفنا بحضوركم الكريم لحفل زفافي أنا وناصف. وكنت حابة أوجه كلمة شكر. نظرت جانباً لوالدها بعمق وأردفت

بامتنان وحب وعيون لامعة: –شكراً لبابا اللي رباني ووصلني للي وصلتله في حياتي وعلمني القناعة وحب الخير للغير. فخورة جداً بيه وبمهنته الحلال اللي تزيدني فخر بيه وباللي زرعه جوايا من احترام مشاعر الناس. عادت تتطلع على العيون وتابعت بنبرة أكثر جرأة وثقة: –فخورة جداً للي وصلتله بالمستوى التعليمي. شايفة أهلي أفضل أب وأم في الدنيا على تربيتي وتربية أختي بالشكل ده.

تنهدت بقوة ثم توقفت بنظرها عنده تتمعن في عينه بحدة وأردفت بصدق وقوة ومغزى لتضع كلماته أمامه ولترجمه بها: –شكراً جداً للإنسان النظيف اللي اتعرفت عليه. الإنسان اللي شاف جوهري وشاف فيا زوجة تليق بيه مجتمعياً وفكرياً. انسان افتخر بيا أكون أم لأولاده. إنسان كان واضح وصريح معايا واحترم مشاعري وقدرها ومهتمش بالمستويات المجتمعية. التفتت إلى ناصف واجبرت نفسها على ابتسامة تكمل بإستكانة داخلية بعدما حققت ما أرادت:

–شكراً يا ناصف لأنك مختلف وأوعدك إني هكون خير زوجة ليك. وقف ناصف يتجه إليها ثم مد يده يوقفها وسحبها إليه يعانقها فجأة أمام الجميع. أما هذا الذي وقع قلبه ونظر إلى شقيقته بحسرة وبادلته هي بصدمة تردف هامسة من بين شفتيها بحزن: –سمعتنا؟

وقف فوراً. لم يعد يحتمل. ترك كل شيء. ترك المكان بأكمله. حتى تلك التي تجاوره وتطالعه محذرة. غادر القاعة التي صدحت الأغاني داخلها وبدأت فقرات الحفل. رأته يغادر وابتسمت بتشفي وانتصار. انتصرت عليه وعلى قلبها الغبي. ربحت حرباً شرسة والفوز كان لكبريائها الذي مزقه. وتبقى روحها معلقة بحبلٍ أوشك على تمزقها. أما هو فاستقل سيارته وغادر. يحترق. داخله يحترق بل ينكوي. كيف يزيل هذا الألم الحاد؟

سيتوقف قلبه لا محالة. لما يحدث معه هكذا؟ هو لم يكن يومياً مؤذياً لأحد إذا لما تؤذيه الحياة هكذا؟ هو لا يحبها. فقط مجرد اعجااااب. لما يتألم هكذا لا يعلم؟ لم يرى منها إلا ما يراه الجميع إذاً ليس حب هذا. ولكن حالته المزرية تلك تؤكد أن ما يحدث هذا ما هو إلا ألم عشقٍ دفين أضاعه بيده.

احتراقه هذا لم يكن من فراغ. هذا نتيجة فقدانها بإرادته. هذا نتيجة تخليه عنها. حسرته تلك من خذلانه لها. تلك الكلمات التي ألقاها وسمعتها عادت مرتدة إليه كرصاصات قاتلة استهدفت كل خلية في جسده. وصل إلى الفيلا الخاصة بهم. ترك سيارته وترجل يصعد للأعلى. دلف جناحه وأغلق خلفه. اتجه إلى فراشه وجلس عليه ارتاح جسده ولكن روحه معذبة. قلبه يتألم. أولم يستنكر حبها؟

أولم ينحني احتراما لتلك الطبقية والعنصرية التي تفرق بين الأسياد والعبيد حتى بعدما أن دعسهم ديننا برحمته وعدله؟ أولم يؤمن بالتكافؤ الاجتماعي والمادي؟ إذا لما هذا الألم الآن؟ كلما مر على عقله أنها أصبحت الآن ملك رجل آخر تمنى أن يكون بلا عقل. بلا مشاعر. ليته جماد. ولكن حتى وإن كان جماد كان سيصرخ. ابتلع الغصة المتحجرة الذي انسحبت بصعوبة بالغة داخل مجرى حلقه تحرق صدره.

نظر للمرآة التي تستقر يسار فراشه. نظر لهيئته. أخرج من روحه جلاده وأردف بحدة معنفاً نفسه: –مش انت بتقول إنك مش بتحبها؟ مش قولت ده مجرد إعجاب وانك مينفعش تحب واحدة أقل منك؟ إيه بقى جاي تشتكي ليييه؟ واللا هو انت هتفضل صغير كده؟ مافيش مرة قدرت تبقى قد كلمتك. كنت اتصرفت زي أي راجل. كنت لحقتها يا ابن الجواد. كنت واجهت أبوك وطلبتها زي ما الحقير ده عمل. بس هو طلع أرجل منك. ناصف السوهاجي طلع أرجل منك في نظرها. ارتحت كده؟

بالطبع لااا ولكن الصمت هو الجواب ويبدو أنه فقد عقله حقاً وهو يحدث نفسه ويعنفها. التفت يمد يده يحمل من فوق الكومود المنفضة الكريستالية ويردد بحسرة: –بقت ملك واحد تاني. بقت ملك نااااااصف. قالها وتبع جملته بقذف المنفضة بعلو يده موجهاً إياها إلى انعكاس صورته فتهشمت المرآة إلى قطع صغيرة تناثرت على أرضية المكان محدثة فوضى عارمة كتلك التي تحدث داخله الآن.

جلس يطالع أثر فعله وصدره يعلو ويهبط بقوة. ينظر للقطع المنكسرة ويضحك بألم. ليته كسر قلبه ولم يكسرها هكذا. ألهذا السبب وافقت به! بسببه هو رمت نفسها في أحضان غيره؟ مسك عقله بكفيه. بدأ يكور قبضته ويلكم عقله بقوة ويصرخ بزئير أسدٍ مجروح. صدحت طرقات على الباب وتبعها نداء شقيقته التي تركت الزفاف وأسرعت خلفه مردفة بحزن وترجي: –حمزة افتح. افتح يا حمزة وهنتكلم. أغمض عينه وأردف بصوت غاضب: –مش عايز أتكلم مع حد خالص.

أردفت مترجية بحزن وحنو: –طيب افتح يا حمزة علشان خاطري. أنا سبت الفرح وجيت وراك. تنهد بقوة عدة مرات يحاول الهدوء. وقف يخطو بحذائه فوق الزجاج المتهشم وخطى يفتح لشقيقته التي دلفت وأغلقت الباب خلفها. نظر لشقيقته والتفت يعود ويجلس فوق مؤخرة فراشه واتجهت هي تجلس على المقعد أمامه وتنظر للفوضى التي أحدثها بحزن. نظرت له بتعجب ثم أردفت بلوم: –ينفع التصرف ده يا حمزة؟ هتقول للناس إيه؟ هتقول لمها سبت الفرح ومشيت ليه؟

ولما انت بتحبها كده يا حمزة سبتها تروح من إيدك ليه؟ بعثرت داخله مجدداً بأسئلتها. طالعها بتشتت يبحث عن حجة يقنع عقله ويقنعها بها. أردف بحزن: –سناء أنا مش عارف مالي. مش عارف أنا عايز إيه. بس فيه نار جوايااا. كاره نفسي وكاره ضعفي ومخنوق. زفر باختناق وتابع:

–يمكن لأني لأول مرة أكون سبب في جرح مشاعر حد. كنت مستغرب وفقت عليه بالسرعة دي إزاي. بس عرفت. انتِ متخيلة أنها سمعتني وأنا بقول عليها أنها مش مناسبة ليا وإنها بنت السواق؟ وبسبب كلامي راحت رمت نفسها في حضن ناااصف! نطق الأخيرة بحدة فتعجبت وتسائلت بقلق: –حمزة قولي الحقيقة. هو انت تعرف حاجة عن ناصف؟ أردف بضيق:

–معرفش يا سناااء. معرفش أي حاجة عنه بس مش برتاحله. عمري ما ارتاحتله لا هو ولا أخوه. إنتِ ناسية أخوه عمل فيكي إيه وكان بيتعامل معاكي ازاااي؟ تبدلت نظرتها من القلق إلى الحزن وهي تتذكر معاناتها وأردفت بتروي: –بس ناصف غير منصور يا حمزة. ناصف كويس. طالعها بضيق وتسائل: –مين قالك؟ ها، مين قالك يا سناء إنه غير أخوه؟ مش نفس الأم والأب؟ مش نفس التربية؟ هيفرق إيه عن اخوه إن مكانش اسوأ؟ ابتلعت لعابها بقلق ثم

هزت رأسها تردف باستنكار: –لاء. كان هيبان. مش معقول يكون ممثل شاطر كده. يمكن يخالف ظنك ويطلع كويس ويحبها. وانت الكلام اللي قولته مكانش قصدك تسمعه. أردف بإختناق وحرقة يخرج عبء صدره المكتوم:

–مش بإيدي يا سنااااء. مش بإيدي إني ابن سالم الجواد الكبير. مش بايدي إن على أكتافي مسؤوليات. انا مخنوووق أوى. هي دلوقتي شايفة إن ناصف أحسن مني. شيفاه مهموش حد واختارها وشايفة إني استقليت بيها. هتبصله هو بحب يا سنااااء. هتحبه هو وهتكرهني أنا. طالعته سناء بتمعن وأردف بترقب حزن: –مبقالوش لزوم كلامك ده يا حمزة. خلاص لازم تفهم إنها خلاص اتجوزت.

أغمض عينيه وابتلع غصة حلقه المرة المتحجرة. أضاعها. خسر فرصة حياة رائعة معها. يتمنى أن ما يشعر به ينتهي حينما يرى سعادتها. يتمنى أن يرتاح لراحتها ويهدأ ضميره. أو قلبه. يتمنى أن يخالف ناصف ظنه به ويعاملها مثلما تستحق وقتها فقط سيرتاح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...