قبل تسع سنوات في محافظة صعيدية، وتحديداً في إحدى مدنها المعاصرة. في قصرٍ بني على الطراز الحديث، حيث تم بناؤه ليواكب مظهر عائلة الجواد العريقة، التي تهتم اهتماماً مبالغاً فيه بالمظاهر والمستويات الاجتماعية. لذلك، فتلك العائلة تحرص كل الحرص على تجديد منازلها وسياراتها ومجوهراتها وأثاثها بشكل مستمر. إلا شيئاً يبقى ثابتاً لا يتغير بها، وهي قلوب أبنائها، طباعهم، صفاتهم، غرورهم.
ولكن دائماً يخرج من بين الصخور الألماسات اللامعة وأثمن الجواهر، دائماً نجد أن المياه العذبة منبعها الحجارة. لذلك، وبرغم غرور وتكبر الابن الأكبر (سالم الجواد) ، إلا أن ذريته لم ترث منه تلك الخصلة السيئة. فنَعلُم جيداً أن الغرور والتكبر هو من أخرج إبليس من رحمة ربه، وهو من أوصل البشرية إلى ما هي عليه الآن.
لذلك حرصت زوجته الثانية صفية، التي تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى وام ابنته سناء، على بث التواضع فيهم، وحرصها على إنبات الرحمة في القلوب ومراعاة المشاعر. ومع ذلك، يبقى لسالم عقل صارم وطباع حادة اتبعها معظمهم، حتى وإن كان في القلوب رحمة. يجلس مع عائلته على طاولة الطعام الوفيرة الممتدة بطول الغرفة وتحتوي حولها الكثير من المقاعد الخشبية الوثيرة.
يجلس هو في مقدمة الطاولة، وعلى يمينه زوجته، وتليها ابنة شقيقه المتوفى شيرين، والتي أصبحت تعيش معهم منذ عامين بعد وفاة والديها في حادث سير. ويجلس على يساره ابنه الأكبر حمزة، ويليه مراد، ويليه فريد. وأخيراً تحدث سالم بجمود وهو ينظر لابنه الأكبر حمزة، مردفاً: "يالا ورانا النهارده اجتماع مهم." أومأ حمزة ووقف يخطو خارج مقعده ليعيد وضعه مكانه، مما جعل سالم يطالعه بضجر، فهو دائمًا حريص على ترتيب أغراضه بنفسه.
دائمًا يخبره سالم أن تلك الأمور خاصة بالخدم، ولكنه اعتاد على فعلها بنفسه. اتجه حمزة لوالدته، التي طالعته مبتسمة، فالتقط كفها ودنى يقبلها، مردفاً بحنو: "محتاجة حاجة يا ماما؟ تنهدت تطالعه بحب وتحدثت: "سلامتك يا حبيبي." أما مراد، فوقف هو الآخر يردف بمرحه الذي يضيف لهذا المكان البارد بهجته: "طب يا ست ماما، شكراً شكراً." ابتسمت له وأردفت بهدوء: "هو انت عملت زيه أصلاً؟ أردف مستنكراً بمرح وهو يخطو خلف حمزة، الذي
يستمع إليه بيأس من أفعاله: "وحتى لو عملت يا أمي، هو حمزة وبس اللي ع الحجر." هذا الحديث بالطبع لم يحدث أمام سالم، الذي سبقهما للخارج، حيث يقف حمدي السائق ينتظره باحترام، مردفاً: "صباح الخير يا سالم بيه." طالعه سالم بجمود وأومأ دون رد. بالأساس، حمدي اعتاد على طريقته، فهو يعمل معه منذ سنوات، بعد وفاة والده الذي كان يعمل قبله في نفس المهنة لعائلة الجواد.
فتح له حمدي باب السيارة الخلفي، وصعد سالم ببرود يجلس ينتظر مجيء أولاده. خرج حمزة قبل مراد واتجه يبتسم لحمدي بود، مردفاً: "صباح الخير يا عم حمدي." أردف حمدي بحب لشخصية حمزة المتواضعة: "صباح الفل يا حمزة بيه." أما مراد، فكان ما زال في الداخل، يردف لشقيقه فريد، الذي ما زال يتناول طعامه بصمت: "إيه يا أستاذ فريد؟ هتروح الجامعة النهارده ولا زي كل يوم؟ طالعه فريد ببرود وبنفس نظرة سالم وغروره، أردف: "هروح."
تركه مراد، وودع والدته وشيرين، وغادر مسرعاً للخارج، ثم نظر لحمدي وأردف بود: "صباح الورد يا عم حمدي." ابتسم له حمدي وقال: "أهلاً يا مراد بيه، صباح الفل." صعد مراد بجوار والده، بينما استقل حمزة سيارته الخاصة، وتحركوا في طريقهم إلى خارج حدود القصر، متجهين إلى شركتهم الاستثمارية. أما فريد، الذي وقف يردف بجمود قبل أن يغادر: "أنا رايح الجامعة… سلام." غادر، وتتبعت شيرين أثره بحسرة. نعم، تحبه منذ أن دلفت القصر وإلى الآن.
هي في المرحلة الأخيرة من الثانوي العام ومجتهدة جدًا في كل شيء. فبرغم حبها له، إلا أن ما يميزها هي قوة شخصيتها. لذلك تخفي مشاعرها ببراعة، إلا على تلك السيدة الحنونة التي مدت يدها تربت على كفها بحنو، مردفة: "افطري يا حبيبتي عشان تلحقي مدرستك، يالا." أفاقت على نبرتها الحنونة، فابتسمت لها وأومأت بصمت، لتكمل فطورها سريعًا وتستعد. *** في الجامعة.
دَلفت ريتان وصديقتها كاريمان تقهقهان بمرح بعد ذلك الموقف الذي حدث منذ قليل في الخارج مع زميلتهما المغرورة ميادة، حيث قالت كاري: "البنت دي فعلاً مغرورة قوي ووقعتها بالشكل ده هتخليها تبص لتحت شوية." كَبَتَت ريتان ضحكاتها وأردفت وهي تغمز لكاري عندما لاحظت قدومها: "بس علشان جاية وراكِ." نظرت كاري جانبًا، فوجدت تلك الفتاة التي تدعى ميادة تأتي من خلفهما، مردفة بغيظ وغضب: "إيه بتضحكوا على إيه بالضبط؟
اللي حصل ده أنا متأكدة إنكوا السبب فيه، من زمان وانتوا قاصدين تهينوني قدام الجامعة." تعجبت ريتان وكاريمان من حديثها الكاذب، وأردفت ريتان مدافعة: "لأ طبعًا مش إحنا السبب، عيب تقولي كده. ده من أعمالهم سُلط عليكم. وعلى العموم، مبيوقعش إلا الشاطر." لفت نظرها لصديقتها وأردفت بثقة: "يالا يا كاري." تحركت هي وكاري من أمام تلك المستشيطة غضبًا وتوعدًا لهما، خصوصًا تلك ريتان التي تحقد عليها منذ زمن.
فهي ابنة السائق، وبرغم هذا تنال احترام الجميع ومحبتهم، حتى شباب الجامعة بسبب تفوقها والتزامها وتعزيزها بكيانها. أما ميادة، فبرغم ثراء والدها، إلا أن هذا لم يصلح من شأنها ولا مستواها التعليمي. دخلتا المدرج، فقالت كاريمان بحنق: "البنت دي مش سهلة يا ريتان، خدي بالك منها. هي دايماً بتغير منكِ." هزت ريتان كتفيها بلا مبالاة وأردفت:
"تعمل اللي تعمله بقى. هتجري زي كل مرة تتحامى في سيد قشطة بتاعها، وهو هيفضل يزغرلي بعنيه اللي شبه أبوه." هزت كاريمان رأسها تعجبًا، تردف متسائلة: "أنا نفسي أفهم إنتِ إزاي حبيتي أخوه الكبير ده، وفي نفس الوقت مش بتطيقي فريد ولا سالم الجواد؟ تنهدت بهيام مزج بالحزن وهي تتذكر حبها المستحيل، وأردفت بهمس:
"لأااا… حمزة مختلف عنهم كلهم يا كاري. يمكن هو ومراد وسناء الجانب الطيب في القصر، زي ما بابا دايماً بيقول. حمزة ده حنية الدنيا فيه، هادئ وعقلاني ومش بيفكر زيهم، متواضع جدًا وبيحب بابا قوي وبيتعامل معاه باحترام." نظرت لها كاري بحزن قائلة بتروي:
"أيوه يا ريتان، بس مش معنى كده إنك تعلقي نفسك بحبال دايبة. يعني متزعليش مني، إحنا مش لازم نسرح بخيالنا لفوق قوي كده علشان منتوجعش. الناس دي أهم شيء عندهم هو الفلوس والتكافؤ الاجتماعي، فهماني؟ تنهدت تهدئ لوعة قلبها وأومأت تردف بتفهم وحزن:
"فهمـاكي جدًا. وصدقيني حبي لحمزة مش لأنه غني خالص. أنا معرفش إمتى وإزاي حبيته أصلًا. قليل قوي لما كنت بشوفه وكان لثواني. يمكن من كلام بابا عنه وعن تواضعه وحبه واحترامه ليه. أنا كنت في وقت من الأوقات بتنمر عليه، مكنتش أعرف إن تنمري هيبقى لعنة قلبي. وعارفة إن الحب ده عمره ما هيظهر للنور أبدًا أبدًا، ولا هو هيعرف بيه أصلًا. هيفضل في قلبي لآخر عمري. هعمل إيه بس!
ياريت أقدر أمحيه. بس أنا عايشة معاه حلم جميل وحابة كده. خليني أحلم بيني وبين نفسي يا كاري من غير ما أي حد يعرف." طالعتها كاري بحزن، فهذا أشد أنواع الحب عذابًا. كتمان الحب بداخلنا يجعله يتضخم حتى يملأ العروق والشرايين، فيصبح النبض بدونه مستحيل. لنبداً في الإخـ.تناق، وبرغم ذلك لا يمكننا البوح، فكرامتنا أغلى ممتلكاتنا. دلف المعيد وانتبه الجميع له، وبدأت المحاضرة.
بينما تجلس خارجًا ميادة تسرد على فريد، الذي أتى لتوه، ما حدث وتزيد التوابل، مردفة: "أنا اتأتني قدام الجامعة كلها وتضحك هي وصاحبتها عليا؟ أنا ميادة بنت الأكابر يحصل لي كده من واحدة حيا الله أبوها سواق عندكوا؟ غضب فريد بشدة وأردف بتهكم:
"أوعى تقولي كده يا حبيبتي. سبيها عليا. أنا هعرفها قيمتها كويس قوي. بس لما تبقى تخرج من محاضرتها. الهانم علشان دحيحة هتفكر إنها تعلى على أسيادها. بس متعرفش هي بتلعب مع مين. متزعليش نفسك وأنا هتصرف." *** في فيلا منصور السوهاجي. تجلس سناء ترتشف قهوتها الصباحية بملامح حزينة. فها هو الصبح قد أشرق والنهار يدور، ويبقى زوجها خارج المنزل، لا تعلم أين هو ككل ليلة.
منذ زواجها مجبرة منه وإلى الآن، لا تتذكر لحظة سعادة مرت عليها إلا عندما قرت عيناها بتوأمها. يعاملها بقـ.سوة وجفاء، وتعامله ببرود. ولكن يبقى في قلبها سدٌ منيع لوالدها، لن تتجاوزه أبدًا، لأنه كان السبب في تلك الزيجة. دلف يترنح يمينًا ويسارًا، وهي تجلس تطالعه ببرود ظاهري. حيث يتقدم منها ثم توقف أمامها وابتسم ساخرًا، يردف بتقطع: "أووو… سناء.. هانم.. قاعدة زي أي زوجة أصيلة تستنى جوزها لما يرجع."
وضعت فنجانها في صحنه على المنضدة، ووقفت أمامه تطالعه ببرود يخفي غضبًا وقهرًا مكبوتًا، قائلة: "ده لو جوزها إنسان عاقل بيرجع بيته في الأوقات الطبيعية زي كل البشر، يقعد وسط أولاده ويحاول يعوضهم عن غيابه. بس راجع لي الصبح وعايزني انتظرك. أنا خلاص مبقاش يهمني وجودك من عدمه. أنا هنا بقضي فترة عقوبتي وهييجي يوم وهتحرر منك يا منصور." ها هي تعيده بحديثها السام من وجهة نظره إلى وعيه. قُبض على شعرها، يلويه حول قبضته ويردف
بفحيح وهو بالقرب من أذنها: "تتحرري؟ ليه خير؟ شوفتيلك شوفة تانية ولا إيه يا هانم يا محترمة يا بنت الأصول. انتِ هتفضلي هنا طول عمرك ومش هتطلعي من هنا غير على قـ.برك، سمعتي؟ وإلا بقى تنسي تمامًا إن ليكي أولاد. وساعتها هاخدهم وأسافر وأحرق قلبك عليهم طول عمرك. مش انتِ بتحاولي تبعديهم عني عشان ميشفوش أفعالي وميبقوش زيي؟
أنا بقى بنفسي هربيهم على شرب الكيف وتوزيعه كمان. فكري بس تخطي خطوة برا البيت ده وهتشوفي يا سناء. وانتِ عارفة كويس منصور السوهاجي يقدر يعمل إيه." نفض شعرها، فسقطت مرتدة على المقعد، تخفض رأسها للأسفل لتداري دموعها عنه. تلك الدموع التي تضعفها، تكرهها وتكره ضعفها، وتكره والدها الذي تسبب لها في هذا المصير. كل ما يهمها الآن هما طفليها وفقط. يومًا ما ستجد طريقة لتتحرر من قبضته القاسية تلك.
أما هو، فطالعها بتمعن، ثم اندفع للأعلى حيث جناحه لينام، ويتركها تشرد للبعيد. *** في شركة الجواد. يجلس سالم خلف مكتبه يتحدث مع ابنه حمزة عن نتائج الاجتماع الذي أُقيم منذ قليل. دلف عليه شريكه شوقي، يردف بسعادة: "كلكوا معزومين عندي الأسبوع الجاي في القصر، هعمل حفلة كبيرة." تعجب سالم وتساءل مندهشًا: "خير يا شوقي، إيه اللي حصل؟ أردف شوقي وهو يجلس مقابل حمزة:
"مها جاية من فرنسا أخيرًا. بتقول إننا وحشناها جدًا وخلاص هتنزل. أنا وسعاد ناوينا نعمل حفلة، وطبعًا انتوا أول الحضور." ثم نظر لسالم نظرة ذات مغزى، وأردف: "ولا إيه يا سالم؟ طالعه سالم مبتسمًا وأردف مؤكدًا: "آه طبعًا أكيد. وكمان عشان حمزة يتعرف على مها." نظر لهما حمزة بضيق، ولكنه اضطر على رسم ابتسامة باهتة على ملامحه، يقول: "إن شاء الله.. وتوصل بالسلامة يا شوقي بيه." أردف شوقي بخبث:
"الله يسلمك يا حمزة. مها نفسها تشوفك جدًا. دي لسه باعـ.ت لك السلام معايا لإني دايماً بكلمها عنك." تنهد بضيق وأردف مختصراً: "الله يسلمها يا شوقي بيه." نظر شوقي لسالم وأردف بترقب: "وكمان مها لو استقرت هنا هتتولى منصبي في الشركة. هي نفسها جدًا تكبر الشغل هنا، وهي مستحيل تدخل في تحدي وتطلع خسرانة." تعجب حمزة وأردف متسائلاً بترقب: "تتولى منصب حضرتك إزاي يا شوقي بيه؟
أكيد محتاجة خبرة سنين عشان تقدر تحدد مصير شركة كبيرة زي شركتنا؟ تحدث شوقي ببرود ظاهري: "وانت معترض ولا إيه يا حمزة؟ أعتقد دي أسهمي ومها بنتي الوحيدة، وطبيعي أديلها كل اللي أنا عايزه." زفر حمزة باختناق ونظر لوالده ليتحدث، ولكن صدمه استسلام والده لحديث شوقي. التفت يطالع شوقي بتمعن وثقة، يردف:
"حقك طبعًا يا شوقي بيه. والأكيد إن بنت حضرتك وارثة حب الأعمال من سعادتك، بس شركة الجواد ليها نظام معين من زمان أوي ماشية عليه، وهو سبب نجاحها." نظر له شوقي بعمق. لا ينكر أن شخصية حمزة تعجبه. مزيج من الثقة والهدوء والتعقل والإيثار. لذلك أردف شوقي بغموض: "تعجبني يا حمزة. وبما إن شوقي أبو الدهب قالك كده، يبقى أعرف إنك في مكانة عالية عندي قوي." أومأ حمزة يردف بهدوء: "شكرًا يا شوقي بيه." بينما ضحك سالم ونظر لشوقي بمعزة،
يردف: "يا بخت اللي شوقي يحبه. ولا إيه يا أبو الشوق؟ ابتسم يومئ لصديقه بصمت، وهو يطالع بغموض حمزة، الذي لم يصدق هذا الحوار. *** في منزل حمدي الفولي. تقف حياة تقوم بروتينها اليومي كربة منزل، حيث التنظيف. تلتقط أنـ.فاسها بوهن، مردفة لتلك التي تجلس تتابع التلفاز بلا مبالاة: "ما تقومي يا بسمة تساعديني بما إنك مروحتيش المدرسة؟ نظرت لوالدتها بضجر وأردفت بفظاظة:
"ماما قولتلك أنا بوفر صحتي لبيتي. وبعدين المفروض إني بنتكم مش خدامة هنا." نظرت لها حياة بيأس وأردفت: "وفري صحتك يا بسمة. بكرة أولادك يوفروا صحتهم هما كمان." وقفت على حالها تردف بضجر تدعي الحزن: "يوووه يا ماما؟ كل شوية تسمعيني نفس الكلام؟ حرّمتيني أقعد معاكي. انتِ عارفة إني مروحتش المدرسة النهارده لأني تعبانة، وانتِ كمان بتزوديها عليا؟ وكالعادة، يلين قلب تلك الأم التي تساهلت كثيرًا معها. وأردفت حياة
بحنو وهي تحاول تهدئتها: "خلاص يا حبيبتي، حقك عليا. اقعدي وأنا هعملك كوباية حاجة سخنة تشربيها." نظرت لوالدتها بعيون مستـ.كينة وأردفت بدلال زائد: "حبيبتي يا ماما، يا أحلى وأحن أم في الدنيا كلها." قـ.بلتها من وجـ.نتها وعادت تجلس مجددًا تتابع التلفاز بعدما أدت دورها ببراعة. *** عودة للجامعة بعد أن انتهت المحاضرة، وخرجتا ريتان وكاري للاستراحة قليلاً. جلسـ.تا على إحدى الطاولات في كافتيريا الجامعة. أردفت كاري بترقب:
"أنا هقوم أشتري عصير وسندوتشات." أوقفتها ريتان قائلة بتروي: "لأ استني يا كاري، أنا هروح أنا. خليكي مش كل شوية تروحي انتِ." وقفت ريتان تخطو لمكان الطلبات وأملت طلبها، وانتظرت إلى أن أحضر لها كوبين من العصير واثنين من الشطائر. حملتهما وعادت، وفي طريقها يجلس فريد وتجاوره ميادة. غمز لها بطرف عينه، ومد قدمه في طريق ريتان ليعرقلها، وبالفعل نجح واختل توازنها، وانكبت بوجهها على الأرض الحشيشية وسط محتويات الصينية التي سبقتها.
تعالت ضحكات الجميع عليها، بينما شهقت كاري ووقفت راكضة تساعدها في الوقوف. استندت ريتان عليها تنفض ملابسها وتبتلع الإهانة التي تعرضت لها بسبب تلك العرقلة ووضعها كفتاة تعرف بالجدية والذكاء. نظرت جانبًا، فوجدت فريد يطالعها بخبث ويلوي فمه مبتسمًا، وتجاوره ميادة تطالعها بتشفي. تآكلها الغضب، ولم يكن منها رد فعل إلا صفعةً هوت على وجه هذا الذي صُعق بعدم استيعاب، قبل أن ينتفض واقفًا ويطالعها بغضب وشرر، قائلاً: "انتِ اتجننتي؟
انتِ نسيتي نفسك ولا إيييه؟ أنا هطردك من الجامعة دي خالص، وهطرد أبوكي السواق من عندنا." برغم ألمها الداخلي وإهانتها بتلك الطريقة، إلا أنها نظرت له بتحدٍ وصمود وصمت. فأومأ متوعدًا وخطى لمكتب العميد ليخبره ما صـ.در منها، وليستعمل شعار عائلته في سلب حقها. طرق باب مكتب العميد ودلف، يردف بغضب: "دكتور، البنت اللي اسمها ريتان حمدي الفولي لازم تتطرد حالًا من هنا." طالعه العميد بغضب وأردف: "إنت إزاي تدخل كده؟ أنا سمحت لك؟
غضب وسـ.حق أسنانه، يردف بكـ.بت: "أنا خبطت قبل ما أدخل يا فندم." تنهد العميد بضيق، ولكن لا يستطيع معاقبته، فهو على علم بما يستطيع سالم الجواد فعله. لذلك أردف متسائلاً: "عملت إيه ريتان؟ أردف فريد بغضب وغرور: "اتجرأت وضربت فريد الجواد بالقلم. يبقى لازم تتطرد فورًا." صمت العميد قليلاً يحاول فهم الأمر، فر ريتان فتاة هادئة خلوقة لا تفتعل المشاكل، ودائمًا تكون الأولى على دفعتها. لذلك تساءل: "من غير سبب؟ اغتاظ فريد وأردف:
"السبب إنها مـ.ستهترة ومش واخدة بالها وهي ماشية فوقعت. أنا داخل إيه؟ بس أنا مش هرتاح غير لما تتطرد من الجامعة دي، لإنها ساقت فيها قوي. لازم تفهم إن العين متعلاش عن الحاجب." فكر العميد قليلاً، ثم أردف: "إهدى يا فريد وأنا هنادي على ريتان ونعرف إيه اللي حصل بالضبط." تعجب فريد ونظر المعيد باستنكار وتسلط: "يعني حضرتك مش مصدقني؟ طيب أنا بقى هكلم بابا حالًا." زفر العميد يطالعه بغضب، ثم أردف: "فريد، متصعبش الأمور."
اتسعت عينه وأردف بذهول وتكـ.بر: "بقول لحضرتك بتضربي أنا بالقلم. ناقص إيه عشان تتطرد! زفر العميد وشرد قليلاً يفكر. يمكنه أن يهاتف سالم ويستطيع إقناعه بالأمر، مؤكد لن يسمح بطردها، فهي فتاة ماهرة خلوقة. لذلك ليهاتفه ويرى ماذا سيفعل. "تمام، خليني أبلغ سالم بيه ونحكيله اللي حصل." نظر له فريد بغرور وابتسم، يردف بثقة: "طبعًا اتفضل بلغه. هو ده المطلوب أصلًا."
تعجب العميد، ولكن زال تعجبه بعد ثوانٍ من التفكير، ف فريد يشبه سالم في أمور كثيرة. حسنًا، سيحاول أن يجد معه حلاً كي لا تفصل ريتان من جامعتها، فإن استمر غضب فريد يمكن أن يحدث مالا يحمد عقباه. زفر وأردف مجددًا يحاول للمرة الأخيرة حل تلك المشكلة دون تدخل سالم: "اسمع يا فريد، الأحسن الموضوع يتحل ودي بينك وبين زميلتك. فكر في مستقبلها شوية." أردف فريد بغرور وعناد:
"مستحيل. لازم تتعاقب عشان تعرف إزاي مرة تانية تمد إيدها عليا. ولو انت مكلمتش بابا، أنا هكلمه." نظر العميد بيأس وصدمة. لولا قناعته بأن سالم قادر على طرده هو شخصيًا، لكان اتخذ إجراء صارم بحق هذا الشاب المدلل. رفع سماعة هاتف مكتبه وطلب رقم مكتب سالم الجواد، التي أجابت عنه سكرتيرته، فأخبرها العميد أنه يريده في أمرٍ هام، لذلك حولت المكالمة على مكتبه.
كان ما زال يجلس مع صديقه شوقي، ويجاوره حمزة، الذي يود الهرب من هذا الحديث غير المرغوب فيه، فشوقي يتباهى بابنته كما لو كانت ملكة تسكن القمر. رن هاتف مكتبه، وسالم منشغل بالحديث، فوقف حمزة والتقط الهاتف يجيب بترقب: "الو؟ أجابه العميد بهدوء: "سالم بيه معايا؟ أردف حمزة بترقب: "معاك حمزة الجواد، اتفضل؟ أردف العميد بهدوء:
"أهلاً يا حمزة بيه. أنا كنت حابب حضور سالم بيه في مكتبي لو وقته يسمح، لأن فيه مشكلة بسيطة هنا مع فريد وبنت زميلته." تنهد حمزة بضيق من أفعال شقيقه التي لا تنتهي، ثم أردف بترقب: "تمام، نص ساعة وهكون عندك." أغلق معه، ونظر لسالم الذي يطالعه بترقب، وأردف وهو يتناول أغراضه من فوق الطاولة: "بعد إذنكوا، أنا رايح على الجامعة، فيه مشكلة بسيطة تستدعي التدخل." أومأ شوقي، بينما أردف سالم بتـ.معن: "حمزة.. شوف اللازم واعمله."
أومأ حمزة وغادر، يتنهد بارتياح من هروبه لهذا الحديث الممل، وخطى متجهًا إلى وجهته ليرى ماذا فعل شقيقه المستهتر. *** بعد نصف ساعة في مكتب العميد. تجلس ريتان تبكي بعدما علمت أن سالم الجواد سيأتي. مؤكد سيجبرها تعتذر له، وإلا سيعاقب والدها أو يطرده من عمله، أو تطرد هي من جامعتها. ماذا ستفعل هي الآن؟ لولا والدها لما تنازلت عن كرامتها، ولكن يبقى خاطره مهم بالنسبة لها. يا إلهي، الآن أدركت أن عشقها هذا مستحيل حقًا.
مخطئة تمامًا حينما وقعت في عشق ابن الجواد، حتى وإن كان مختلفًا. لتـ.حاول رؤية الأمور بمنظور العقل والمنطق، ولتبتعد عن أحلامها الوردية تلك. يجلس العميد خلف مكتبه يطالعها بشفقة، ويردف ليطمئنها: "أهدي يا بنتي. إن شاء الله خير." أومأت بصمت وهي تجفف دموعها بمحرمة ورقية، بينما يجلس فريد يطالعها ببرود ظاهري. لولا تعمدها لافتعال المشاكل مع حبيبته لما فعل معها ما فعله، ولكن هي البادئة، فلتتحمل.
فريد يمتلك نفسًا لوامة، يحاول المجتمع سحقها، ولكن يبقى في داخله إنسان يستحق فرصة. وصل حمزة أمام الحرم الجامعي. صف سيارته وترجل يخطو بثقة وشموخ حتى دلف الجامعة. يرتدي بدلة رسمية سوداء أنيقة، وأكمل أناقته بساعة يـ.د فارهة ونظارة شمسية تحجب عـ.ينيه السوداء. التفتت أنظار الفتيات حوله بإعجاب شديد، ولكنه تجاهلهن ومر. اعتاد على تلك النظرات تلتف حوله عندما يذهب إلى أي مكان. وللحق، هو لا يعطيهن أي أهمية.
ليقينه أن تلك النظرات تخفي إعجابًا بمستواه الاجتماعي ليس إلا. لو كان من أسرة فقيرة لما التفتت إليه فتاة إلا من أحبته بصدق. دلف إلى الردهة التي كانت تقف بها كاريمان حزينة لأجل صديقتها تنتظرها. لم يلاحظها، ولكنها لاحظته وشهقت بخفة لحضوره، وهي تتوقع رد فعل صديقتها عند رؤيته. طرق باب مكتب العميد، فسمح له، ففتح الباب ودلف، يردف برتابة: "سلام عليكم." انسحب قلبها كمن انزلق من على منحدرٍ عالٍ، وهي تسمع صوته.
رفعت نظرها تطالعه بعـ.ينيه الرمادية اللامعة من أثر البكاء، فالـ.تقت عـ.يناهما، فشرد فيها لثوانٍ، قبل أن يردف بهـ.مس متعجبًا: "ريتان؟ أردف العميد مرحبًا ليخرجه من شروده: "أهلاً وسهلاً يا حمزة بيه، نورت. اتفضل." أومأ حمزة واتجه يجلس أمام مكتب العميد، وهو يتساءل بتعجب: "هي زميلته اللي حضرتك قلت عليها تبقى ريتان؟ أومأ العميد وأردف بترقب وبعض الراحة، فوجه حمزة يبشر بالخير:
"أيوه يا حمزة بيه. حصل سوء تفاهم بينهم، وأتمنى نحله، لأن فريد مصمم إنها تتطرد." أردف فريد بغضب: "سوء تفاهم إيه؟ بقولك ضربتني بالقلم." أردف حمزة بنبرة هادئة مخيفة: "اقعد مكانك ومتتكلمش خالص." جلس فريد يطالع شقيقه بقلق، فهو يخشاه. فهـ.دوء حمزة وطيبته لا تعني أنه هين أبدًا حينما يتعلق الأمر بظلم أحدهم. حمزة ليس كسالم، فهو يمتلك عدالة وعقل مسؤول، حتى وإن كان مطيعًا وبارًا لوالده. أما ريتان، فكان قلبها يركض في سباق للركض.
الآن تتمنى أن تنـ.شق الأرض وتبـ.تلعها. كانت تتمنى لقاءه ورؤيته، ولكن ليس في تلك الحالة وهذا الوضع. نظر حمزة للعميد وتابع بتريث: "إن شاء الله هتتحل يا دكتور. ريتان بنت عم حمدي اللي طول عمره معانا، وهي غالية عندنا، بس هو فريد اللي بينسى كتير." قالها وهو يطالع شقيقه بمغزى، ثم نظر لريتان وأردف بحنو: "احكي لي اللي حصل إيه؟ تعالت وتيرة أنـ.فاسها تطالعه بقلبٍ متـ.ضخمٍ بالعشق بعد حديثه هذا.
بعد أن كانت ترتب حديثها، انعقد لـ.سانها تطالعه بعـ.ين لامعة وتلـ.عثمت، تردف: "أقول إيه؟ ابتسم لها بحنو وأردف بهدوء ولين آسر قلبها العاشق، كأنه يحدث طفلة صغيرة يخشى حزنها: "احكي اللي حصل يا ريتان. ليه ضربتي فريد بالقلم؟ تنهدت بقوة وحاولت التحكم في أنفاسها. لم تنظر لعـ.ينه، بل نظرت لعـ.ين العميد خوفًا من ارتباكها. فإن نظرت لعـ.ينه وهي تسرد ما حدث، مؤكد ينكشف أمر عشقها الخفي.
بدأت تسرد بهدوء وتمهل ما حدث دون زيادة أو نقصان. استمع لها بتمعن ومراقبة حركاتها، إلى أن انتهت من سرد ما حدث، فالتفت يطالع شقيقه بغضب وأردف: "يعني انت يا غبي بتحط رجلك وتوقعها قدام زمايلك كلهم؟ انت بتتعامل مع شاب زيك؟ دي بنت يا متـ.خلف." تلعثم فريد ونظر لشقيقه، يردف مدافعًا: "أنا مقصدش يا حمزة. هي اللي ماشية مش شايفة قدامها." أردفت ريتان بقوة بعد أن دعمتها كلمات حمزة وطمـ.أنت وأسعدت وأنعشت قلبها:
"لأ كداب. أنت قصدت طبعًا وواضح قوي عملت كده ليه أصلًا." نظر لها بغيظ، أما حمزة فيطالعها مبتسمًا وهو يرى جـ.رأتها التي ظهرت بعد أن كانت تنكمش. وقف حمزة يردف وهو يتطلع لفريد: "اعتذر منها يا فريد عن اللي عملته، ومرة تانية أعرف كويس إزاي تتصرف مع بنت زميلتك وزي أختك." نظر له فريد بصدمة وأردف: "أعتذر منها وهي اللي ضرباني بالقلم؟ انت بتقول إيه يا حمزة؟ أردف حمزة بثبات: "بقول اللي لازم تعمله. يالا يا فريد ورايا شغل كتير."
زفر فريد بضيق وتآكله الغضب لثوانٍ. عاد حمزة يردف بنبرة هادئة وصارمة في آنٍ واحد: "فريد.. يالا؟ طالعها فريد بغضب، ثم أردف من بين أسنانه لعلمه أن الأمر مع شقيقه لا جدوى منه: "آسف." تنهدت تطالعه، ثم رفعت رأسها بشموخ وأردفت بثقة: "هقـ.بل أسفك بس عشان خاطر حمزة." تحمحمت وارتبكت، مصححة بعدما أدركت زلة لسانها: "قصدي حمزة بيه ودكتور عامر طبعًا." ضحك فريد ساخرًا بتعجب، فـ.تنهدت وتابعت هي بتعقل:
"وأنا كمان بعتذر عن القلم اللي نزل يرن على خدك." قالتها وهي تبتسم بخبث، فـ.اغتـ.اظ فريد وابتسم حمزة على أفعالها العفوية اللذيذة. نظر حمزة للعميد وأردف قبل أن يغادر: "متشكر يا دكتور عامر، وأسف على الإزعاج." وقف العميد يبادله السلام ويردف باحترام: "لأ أبدًا يا حمزة بيه، أنا اللي بشكرك إنك جيت وحليت الموضوع. وبلغ سلامي لسالم باشا." أومأ حمزة والتفت يخطو، ثم نظر لشقيقه وأردف: "يالا."
زفر فريد وخطى معه، بينما توقف حمزة والتفتت يطالع ريتان، التي كانت تصب عـ.ينها عليه بحب، وأردف بحنو: "يالا انتِ كمان يا ريتان عشان نوصلك في طريقنا." رمشت بأهدابها عدة مرات وأردفت برتابة: "شكرًا… بس أنا بروح مع كاري صحبتي." تنهد وأردف بإصرار: "يالا يا ريتان عشان زمايلك يشوفونا واحنا خارجين سوا ويعرفوا إن الأمر اتحل ومبقاش فيه بينكوا خلاف." توترت وفركت يداها وأردفت بخجل: "بس مش هينفع يعني." ابتسم بإعجاب وأردف مطمئنًا:
"يالا وأنا هكلم عم حمدي أستأذنه." تنهدت بضيق، فهي وبرغم حبها له، إلا أن تحفظها يمنعها من ركوب سيارته. شكرت العميد وخطت معهما للخارج، فاسرعت إليها كاريمان تردف بقلق: "ها يا ريتان، عملتي إيه؟ طمنيني؟ أردفت بقلبٍ راقـ.صٍ وسعادة بعدما سبقاها حمزة وفريد بعدة خطوات:
"كله تمام يا كاري. حبيب قلبي الشهم حل الأمر وخلى فريد يعتذر مني كمان. بس أنا قلقانة قوي، هو عايز يوصلني. وانتِ عارفة إن مش هينفع أركب معاه لوحدي. ما تيجي معايا يا كاري؟ اعتذرت كاري مردفة: "أنا آسفة يا ريتان، مش هينفع. ماما وبابا مش هيوافقوا. بس كنتِ اعتذرتي أحسن! تنهدت ريتان بضيق، فصديقتها محقة، لا يجب أن تتخلى عن مبادئها. لذلك أردفت: "تمام، استنيني ثواني." أومأت كاري، ثم التفت حمزة ونادى بصوت عالٍ حنون:
"يالا يا ريتان." انتعش داخـ.لها مجددًا، ونظرت لكاري بسعادة، وخطت خلفه باستحياء، ومشوا أمام الجميع حتى توقف فريد يطالع ميادة، التي تنظر له بغضب، فتحمحم وأردف لحمزة: "حمزة، أنا هشوف زمايلي وبعدين هاجي بعربيتي." التفت حمزة يطالعه قليلاً، ثم أومأ له، فابتعد فريد عنهما، فـ.زداد توتر ريتان، فهي الآن ستصبح معه بمفردها لأول مرة. خطت خلفه حتى توقف أمام سيارته، وطالعها، ثم أخرج هاتفه يردف وهو يطالعها:
"أنا هكلم عم حمدي وأستأذنه أوصلك." هزت رأسها تردف معتذرة بعيون لامعة: "معلش، أنا مش هينفع أركب معاك. مش صح أبدًا. أنا بس خرجت معاك عشان زمايلي يعرفوا إن الموضوع انتهى. لكن أنا همشي مع صاحبتي." طالعها بتمعن وإعجاب، ثم بعد ثوانٍ أردف بهدوء وتفهم: "تمام يا ريتان، زي ما تحبي." أومأت بارتياح وأردفت موعدة: "شكرًا.. عن إذنك." كادت أن تغادر، ولكنه ناداها، يبدو أن لـ.سانه نطق ما في قلبه دون إدراك، مردفًا: "ريتان؟
التفتت تطالعه بترقب وعـ.يون لامعة تكشف مشـ.اعرها. ابتسم لها بحنو وأردف: "فين موبايلك؟ تعجبت قليلاً، ثم مدت يـ.دها في حقيبتها وأخرجته تعرضه عليه، مردفة: "أهو… فيه حاجة ولا إيه؟ أردف وهو يعبث بهاتفه: "قوليلي رقمك." لما هو مصمم على جعلها تحلق عاليًا وتبني آمالًا تخشاها؟ ما تلك الأفعال التي أتت مجتمعة في يومٍ واحد، كانت تظنه أسوأ يوم مر عليها، ليصبح بين دقائق أسعد أيامها. أردفت بعد ثوانٍ متسائلة: "ليه؟ نظر لها قليلاً.
هو نفسه لا يعلم لماذا، ولما طلب رقمها. ولكنه أردف بثبات ظاهري يقنع حاله قبلها: "علشان لو حصل أي حاجة ضايقتك من فريد تكلميني طول الوقت وأنا هتصرف." تنهدت وأومأت وأملته الرقم وقلبها يعزف مقطوعةً تنعشها. فدونه ورن عليها، فأصدر هاتفها معلنًا عن اتصالٍ برقمه الذي زين هاتفها، فأردف مبتسمًا: "رقمي معاكي. وده رقمي الخـ.اص على فكرة. لو فيه أي حاجة حصلت كلميني." شردت في ملامحه، تومئ بهدوء وخجل.
فودعها والتفت يستقل سيارته ويغادر، ووقفت هي تنظر له بحالمية وتيه. ومن خلفها بعض الفتيات تتناجـ.ين عنها بخبث، وتردف إحداهن: "شوفته الرومانسية. حتى الدحيحة بتاعة الجامعة اتغفلت زيها زي غيرها. واضح كده إنها وقعت ولا حد سمى عليها. وعاملة فيها ملهاش في كده! أردفت أخرى مبتسمة بخبث: "متقـ.عش إزاي بس ده حمزة الجواد. خليها تحلم لما نشوف آخرة حلمها إيه. ناسيين إنها بنت السواق بتاعهم؟
ضحكن عليها، بينما أتت كاريمان من خلفهن تطالعهن بحدة بعدما سمعت حديثهن، وأكملت طريقها إلى ريتان، التي وقفت تنظر لأثر حمزة بشرود وأحلام تشيدها من قصورٍ رملية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!