صدمة أطرافي تلجت أنفاسي بقت قليلة وكأن حد محاوط عنقي. الدنيا بتلف بيا وكلامه بيتكرر في راسي... هو بيحبها! كان يعرفها. والأهم من ده أنه ما حبنيش. لو إجابتها الموافقة هيسيبني؟ يعني حياتي متعلقة في قرار منها هي؟ جاوبته بصوت خافت. "بس يا حسن لحد يسمعك." نفي ليها وقال بإصرار. "لأ مش بس، كفاية تعلقيني بحبال دايبة وتسيبيني أجري وراكي لحد كده. قرارك إيه يا ليلي؟ أنا مستعد أعمل المستحيل عشانك."
حطيت إيدي على ثغري عشان أكتم صوت أنفاسي اللي بقت لاهثة من كتر الصدمات. نبست بنبرة أنا عارفاها بتستعملها لما تكون عايزة تجمع عطف حد ليها أو اهتمامه. "متتغطش عليا يا حسن، لو سمعت مهما كان هنا بنت خالتي وزي أختي. مقدرش أعمل فيها كده." مشوفتش وش حسن بوضوح لكني حسيت بملامحه الساخرة أكتر من نبرته.
"لو هي أختك بجد ما كنتيش هتسمحي بالوضع ده. أنتِ عاجبك فكرة إني بحبك وبجري وراكي يا ليلي. بأجي هنا مخصوص عشان أشوفك، بسأل هنا عنك عشان أعرف تفاصيلك. أنتِ جننتيني يا ليلي."
مقدرش أستحمل أكتر من كده وسرعت بخطواتي لأوضتي. قفلت الباب وسندت بضهرى عليه. رجليا مبقتش شيلاني، بقت هزيلة زي أنفاسي الضعيفة. مش عارفة أعيط، فيه غصة جوايا خنقاني. سحبت ضهري بكل قسوة على الباب لحد ما قعدت على الأرض. فكيت الطرحة بقوة لدرجة إني حسيت بالدبوس بيجرح عنقي. ما اهتمتش، إحساس الوجع كان مريح ليا، أنا أستاهل ده. سبتهم يأذوني وكنت بساعدهم في ده كمان.
ضميت رجلي ليا واحتضنت ذاتي. رجفة حادة بتسري في أطرافي. كان بيستغلني عشان يقرب منها وهي عارفة. ده سابني أحبه. قبضت على خصلاتي وأنا بشدهم بقوة وافتكرت كل مرة كان بيتجاهلني فيها ويقلل مني ويتحكم فيا. كنت بعمل كل ده بتفهم راضية. ضربت مؤخرة راسي في الباب بقوة ضرابات متتالية. "ليه؟ ليه يعمل فيا كده؟
وقفت حركة وأنا حاسة بدوخة. أنفاسي متقطعة، حاسة بالحرارة في جسمي. الأوضة مبقتش سايعاني، جدرانها بقت قابضة على روحي. حطيت حجابي على راسي بطريقة عشوائية. كنت لابسة هدوم خروج بما إن حسن عندنا. سمعت صوت الباب بيتقفل، عرفت إنه نزل من غير ما يسلم عليا. لو سألته عن السبب هيعمل أي حجة وهكون أنا سببها. مسحت دموعي كويس وسحبت شنطتي. طلعت من غير كلام. كانه ماما وليلي قاعدين برا. قولت بنبرة حاولت أخليها ثابتة من غير ما أبصلهم.
"حصل حاجة في الشغل، هخلصها بسرعة وهرجع." مستنتش جواب ماما. فتحت الباب ونزلت بخطوات سريعة. اللي واجعني أكتر معنديش حد أروحله. أنا موجوعة، قلبي واجعني.
ركبت تاكسي ونزلت في مكان قريب من الكافيه اللي بقابل آدم فيه. بقيت بحب المكان ده، مريح بالنسبالي وهادي. اتوجهت بخطواتي للبحر اللي كان قريب من المكان. حطيت شنطتي وقعدت بهدوء. دموعي رافضة تنزل، حاسة بنار بتكويني من جوا، وخزات بتزور قلبي. كل حاجة وحشة أنا حساها. هو ده شعور خيانة الحبيب؟ الموج كان عمال يضرب الصخور بقوة زي ما الحياة بتعمل فيا. لكن رغم ده الصخور بتستحمل تقلبات البحر عكسي؟
الكل بيبعد عني. أنا البديل. الاختيار التاني دايماً. خذلان. مكسورة أحاسيس جوايا. لكن المسيطر عليا الكره؟ لنفسي وليهم! ليه أنا أكون موجوعة كده وهما عايشين براحة وسعادة؟
جيت أسحب منديل من شنطتي وغصبًا عني وقعت الشنطة. واتناثرت كل متعلقاتي منها. نزلت على الأرض وأنا بحاول ألملم حاجتي لحد ما وقفني علاقة مفاتيح جبت منها ليا وليه عشان نكون متطابقين ونحطها في بيتنا. مسكتها بقوة وبحدفتها على الأرض. وهنا أعلنت انهياري. ضربت بقبضتي الأرض بقوة ودموعي بقت بتنساب ببطء. "ليه تعمل فيا كده؟ ليه تأذيني كده؟
كنت حاسة بوجع في كفي درجة إنه اتعور. لكن الوجع ده كان مريح ليا وكأني بنتقم من نفسي. حسيت بحد بيحاوط كفي يمنعني عن ضربة تاني وقال بلهفة. "إيه في إيه يا هنا؟ رفعت عيوني الدامعة ليه. كان آدم؟ عيونه قلقانة. إيده بتمسح على كفي مكان ما ضربته من غير ما أحس. نَبس اسمه بصدمة. "آ... دم؟ وهنا افتكرت إن ميرنا تعرف حد عليه ومش بتحبه. أنا ساعدتها في ده وخبيت عنه. كده أنا كمان هوجعه زي ما اتوجعت؟
دموعي بقت بتنهمر زي الشلال وشهقاتي ارتفعت مخلية قلقه يزيد. ضغط على كفي بخفة. "حد عملك حاجة؟ مين زعلك طيب؟ أنتِ كويسة؟ سؤاله كنت محتاجة من زمان "أنتِ كويسة؟ ". نفيت ليه بقوة وقولت بتقطع. "لأ م... ش كو... ي... سة. قلبي وجعني. كلهم آذوني." ارتعشت شفايفي أكتر. "أنا آسفة، أنا كمان وجعت." مكنش فاهم معنى كلامي لكنه نفى ليا بإصرار. "عمرك ما تأذي حد يا هنا. مين وجع قلبك؟ حسن؟
أومأت ليه بقوة ولسه بعيط لدرجة الإنهيار. مبقتش قادرة آخد نفسي. شد على إيدي وشوفت الخوف في عيونه وقلقه الصادق عليا. "اهدي عشان متعبيش. خدي نفس بالراحة معايا يلا." بقيت بحاول أنظم أنفاسي بارتجاف معاه لحد ما هديت شوية. فسألني تاني. "حسن السبب؟ هزيت راسي بالموافقة ليه وقولت. "ما حبنيش. عمره ما حبني. كان معايا وعقله معاها هي."
حسيت بإبهامه وهو بيمسح على كفي كدعم ليا. ولأول مرة أحس بالراحة من مجرد لمسة خفيفة. أخدت نفسي بقوة وتابعت. "وهي مهتمتش بيا. سابته يخدعني. عارفة إنه عايزها هي وكانت بتستمتع بده باهتمامه بيها." مش فاهم كلامي عن مين، لكنه سمعني باهتمام بيشجعني بنظراته إني أكمل. "كانت سايباه يجري وراها. أكيد كانت بتتريق عليا وشيفاني مغفلة." حاول يهديني تاني لما حس بانفعالي وقال.
"وربنا كشفهم ليكي. المفروض تكوني مبسوطة إنك عرفتي دلوقتي مش لما تتجوزوا ويبقا عندك منه عيال." ضغطت على شفايفي وقولت. "بس أنا ما كنتش أستاهل كده." أومأ ليا وهو بيرفع إيديه عشان يمسح دموعي. لكن حركته وقفت في النص وكأنه استوعب اللي كان هيعمله. "أنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة. متخليهمش يكسبوا في الآخر ويشوفوكي مكسورة. متكونيش ضعيفة كده. خدي حقك منهم." بص حواليه ولاحظ نظرات الناس. فابتسم بمرح محاولة إنه يفك عني.
"يلا نقوم طيب. الناس كلها بتبصلنا. فكرنا مجانين باين." ضحكت بخفة وأنا بستند بكفي عليه بضعف. انحنى تاني ولم حاجات اللي وقعت من شنطتي وعطاها ليا. مدلي المناديل وقال. "متخليش حد منهم يشوف دموعك، ده اللي هما عايزينه." اتمشين سوا بعد ما جابلي آيس كريم غصبًا عني. عارفة إن اللي بعمله ده غلط بس أنا محتاجة حد جنبي. حد يسمعني بدون مقابل مني. وقف قصادي ونبس بعدها. "ليه تعيطي وتأذي نفسك بالمنظر ده."
شاور على كفي اللي كان محمر وفيه بعض الخدوش أثر ضربي له وقال. "الانتقام طعمه أحلى بكتير. مش لدرجة إنك تضيعي حياتك عليهم، بس تبردي نار قلبك." رفرفت بأهدابي بعدم فهم وسألته. "يعني أعمل إيه؟ أخد ملعقة من الآيس كريم وقال. "دي بتاعتك أنتِ بقا. تشوفي عايزة توصلي لإيه." _بيتك في الشارع ده؟ همهمت ليه. عطاني الآيس كريم بتاعه. "خليكي هنا، ثواني." رجع بعد دقايق وهو معاه كيسة فيها حلويات وواحدة تانية صغيرة مدها ليا.
"ده مرهم عشان إيدك. ودول عشان الزعل." نفيت ليه وأنا برجع خطوة لورا. "كفاية كده يا آدم. مش هينفع أقبلهم منك. كفاية إني تعبتك معايا كل ده." خلي الكياس في إيده وقال بتجاهل لكلامي. "ماشي. طيب لما توصلي هبقى أدهوملك." ابتسمت غصبًا عني على أسلوبه. فلّتت ضحكة من بين ثغري خلته يلتفت ليا بتساؤل. بادلني الابتسام أول ما شاف ضحكتي. "فيه إيه؟ شاورت على الآيس كريم بتاعه وقولت. "طعمها وحش أوي دي بالليمون؟
استرسلت كلامي بضحك لما شفت تعابيره. "اتلخبط بنها وبين بتاعتي. طعمها وحش أوي." كنت بضحك بصوت وكأني مكنتش بعيط من شوية. بشتت نفسي عن انهياري القريب. بادلني الابتسام باتساع وعيونه بتتشرب ملامحي. "خليكي بتضحكي دايمًا. حرام الغمّازات الجميلة دي تختفي ورا دموعك." بعدت عيوني عنه بخجل وأنا بخفي ابتسامتي من نظراته. قلبي كان بينبض. لكن مش حزن. نبضات مش غريبة عني. ***
الليل كان طويل على قلبي وعقلي اللي رافض النوم وكلام آدم جوه راسي. أنا موجوعة لكن روحي مش هتشفي غير لما آخد حقي منهم. طلعت الصالة بعد ما سمعت صوت التليفزيون. كانت ماما قاعدة بتتابع بهدوء. قعدت جنبها وكأنها حست بروحي المفتتة. فتحتلي دراعها خلتني أرمي بثقل جسمي عليها. مسحت بكفها على ضهري بخفة. "خلصتي شغلك امبارح؟ أومأت ليها وأنا بحاول أستمد بعض الدفء منها. كلامها كان بسيط. لفتها لما سألت بهدوء.
"لو حصل اختيار بيني وبين ليلي إنك تختاري مين فينا الصادق ومين الكذاب هتختاري مين؟ سكتت ثواني تفكر فيهم وجاوبتني. "أكيد مش هختار. أنتم الاتنين بناتي. هسمع منكم الأول وهنشوف حل سوا." مش دي الإجابة اللي كنت عايزة أسمعها منها. كلامها خلاني أنفذ اللي كان في دماغي من غير ذرة تفكير. *** بعد أسبوعين.
آجل آدم شغلنا كام يوم لظروف عنده. ومع ذلك مبطلش يطمن عليا. كلامنا بسيط وفي حدود، لكني بحب أشوف سؤاله عني. علاقتي بحسن منتهتش. فهمت متطلباته. عايزني أهتم بيه وأقلق عليه. لكن مازالش بأسلوبه، هو مش أسلوبي. كنت بنزل أقعد في أي كافيه كأني في الشغل عشان أفضل شوية وأخطط ليه. رسالة قلقة في نص شغلي تبين اهتمامي بيه بتكون كافية إنها تعلقة بيا طول اليوم. اهتمامي لسه موجود لكن مبقتش مغفلة. عرفت النسبة اللي حسن محتاجها عشان أعلقه بيا. علقني بيه وقت ما اشتغلت من غير ما أحس. لكن دلوقتي عارفة بتصرف إزاي. لفتني رسالة منه.
"فينك؟ تليفونك مشغول ليه؟ علقت المسج عشر دقايق وجاوبت بعدها. "مكالمة شغل. أكلت يا حبيبي؟ جاوبني في نفس الثانية وكأنه قاعد في الشات. "أكلت وقربت أخلص شغل." دعوة منه غير صريحة إننا نتقابل. ابتسمت بخفة وكتبت. "وأنا كمان. ابقي عدي عليا نروح سوا." كنت قاعدة بفكر إزاي آخد حقي منهم. أخليه يتحايل عليا زي ما كنت بعمل معاه! بعد ساعة عارفة إنه طلع من شغله وفي طريقه ليا. لكني عشان كده بعتله.
"أنا هروح. حاسة بتعب. نبقى نتقابل يوم تاني." عارفة إنه هيتضايق. خطتي هتكون نجحت لو بعت يطمن عليا. إنما لو متعصب يبقى لسه شوية عليه. "هجيلك طيب. أنتِ كويسة؟ ابتسمت باتساع وأنا بقفل تليفوني وكأن مفيش شبكة. بقيت فاهمة إزاي أعلقه بيا وأخليه يقلق عليا بقلم مُنتقم. قلبي المُحب مقدرش يفهم أو يشوف اللي قدرت أغيره في أسبوعين بس؟
رجعت البيت. كنت مبلّغة ماما إن حسن هيجي معايا عشان أتأكد من حاجة. واتأكدت لما لقيت ليلي عندنا في البيت. قلعت طرحتي بهدوء وأنا بدخل أوضتي عشان أبدل هدومي. اتحججت لماما بشغل حسن وشوفت الإحباط المرتسم على محياها. حاولت أستجمع قوتي وشجاعتي وأواجه. لكن خوفت. وبدون تفكير بعت لآدم رسالة قليلة الكلمات لكنها فاهمها. "دلوقتي ولا لأ؟ "دلوقتي."
مسألنيش عن حاجة. جاوبني ببساطة. سبت تليفوني على السرير وقربت من البلكونة. من وقت ما سمعتهم وقلبي بقى بيوجعني لما بدخل جوا. مكاني المفضل اتحول لمكان خانق ليا. وقفت جنبها وأنا بناظرها لثواني من الصمت بحاول أصيغ السؤال وقولت بقوة زائفة. "كنت هتخبي عليا معرفتك بحسن لحد إمتى؟ يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!