وقف حسن جنبي، كُنت حاسّة بثقل أنفاسي وكأن روحي بتروح مني. ابتسم علي بخُبث وهو بيتابع حالتي وقال بتسلية: _أنا قري... قاطعه آدم حديثه وهو بيقول لحسن: _ده علي تبع فريق الشغل بتاعنا. رمقه حسن من فوق لتحت، وعلي كان بيبص لآدم بعدم فهم لتصرفه. زفرت أنفاسي بارتجاج وأنا ببعد نظراتي عن حسن. لفت انتباهه صوت رنين هاتفه، فبعد عننا شوية عشان يجاوب. شرز آدم الواقف قُصادنا بحده. ارتفع طرف ثغر علي بسُخرية من نظرات آدم.
مرر لسانه على شفايفه وهو بيرمُقني بتسلية وانسحب. مُكنتش عايزة أبص لآدم محرجة منه. هو كده اكتشف كذبتي. لمحته بطرف عيني، كان مركز عليا، لكن عيونه مش دي الأول وكأنه مخذول. _شكرًا. معطتهوش فرصة يتكلم، وتوجهت لجوه تاني. شوفت ميرنا واقفة بعيد، فشاورت ليها. دخلنا الحمام وتأكدت أن مفيش حد. _فهّيميني موضوع علي من الأول، عشان هو هنا. عيونها اتسعت بصدمة وقالت: _هو جه برضه؟ _قال... قاطعت حديثها ونبست بعصبية: _برضه؟
يعني كنتِ عارفة إن احتمال يجي، وعارفة برضه إني هتيجي أنا وحسن؟ مكنش عندي طاقة عشان أسمع تبريرتها، وكأني بقيت شايفاها على حقيقتها. هي ولا مرة فكرت فيا، ولا مرة اختارتني. رفعت إيدي في وشها مانعة لكلامها وقولت: _إيه علاقتك بعلي يا ميرنا؟ سندت بضهرها على الحوض، بصتلي لثواني وبعدها قالت: _رجع تاني يكلمني، اتعلقت بيه واتقابلنا، بس هو... رطبت شفايفها وكملت:
_كان فاكرني سبت خطيبي، ولما قولتله إني هسيبه عشان يتقدم، لقيته مش مناسب ليا. قطبت حواجبي وقربت منها وأنا بنبس بتسأل: _مش مناسب إزاي؟ بعدت عيونها عني بتوتر وتابعت: _مؤهلاته مش مناسبة ليا. فرّت ضحكة ساخرة من بين ثغري. _وطبعًا لما قولتي لعلي إنك هترجعي لخطيبك ومش هتكملي معاه، بقى بيلاحقك. أومأت ليا بخفة. فتابعت بحدة: _أنتِ فاهمة اللي عملتيه؟ أنتِ كده خاينة يا ميرنا، مخطوبة وبتتقابلي واحد تاني غير خطيبك.
مسحت على وشي بخفة وكملت: _آدم مصعبش عليكي وهو بيحاول يعمل كل حاجة عشانك؟ أحب أقولك إن آدم عرف إن علي مش قريبي. عيونها اتسعت بصدمة وقربت مني: _عرف إزاي؟ أنتِ قولتي له؟ نفيت ليها بغضب: _أكيد مقولتلوش، علي وقفني قُصاد حسن، ولولا آدم كان زمان حسن فاكرني بخونه. مكنتش قادرة أوضح ليها أكتر من كده لأنها متستحقش، وقولت بضيق منها: _لو آدم عرف حاجة زي دي، أنتِ عارفة هيتجرح إزاي؟ أنتِ كده معاه عشان فلوسه يا ميرنا.
آخر كلمة فرّت من ثغري من دون تفكير، وكأني فهمت علاقة ميرنا بآدم دلوقتي. رفعت حاجبها وهي بتضم دراعتها قُصادها: _وأنتِ همك آدم أو كده ليه؟ من وقت ما عرفتي وأنتِ آدم آدم، مالك في إيه؟ أسلوب سؤالها كان تشكك فيا؟ مش أسلوب عادي! عيوني اتهزت من مجرد الفكرة؟ هي بتشك فيا؟ شاورت على نفسي وقولت: _أنتِ قصدك إني... الكلام وقف بفضل الغصة اللي صابتني. _إزاي تفكري فيا كده؟ ده أنا هنا صاحبتك؟
لسه كدبت على خطيبي عشانك، وكان ممكن يحصلي مشكلة بسببك؟ ثواني دامت من الصمت، لكن العيون بتتكلم. مقدرتش أقف أكتر من كده وطلعت برا الحمام بخطوات سريعة، وللأسف دموعي نزلت من عيوني رُغمًا عني. هرولت بخطواتي لحد ما اتخبطت في حد. كُنت هقع، لكن الإيد اللي مسكت كتفي لحقتني. رفعت عيوني المترغرغة بالدموع، لكني بعدت بصدمة لما لقيته آدم. ثواني مرت من غير ما نقطع تواصلنا البصري. هو ميستحقش كده، نفسي أعرفه الحقيقي، لكن مش هقدر.
خرج منديل من جيبه ومده ليا بهدوء، وقال بصوت أجش: _متخليش حد يشوف دموعك كده. سحبت المنديل منه وقولت بأسف: مفيش حاجة في إيديا. مهما كان هي صاحبة عمري. _أنا آسفة. *** أخدت تاني يوم إجازة في محاولة إني أستعيد نفسي. ضميت مج النسكافيه ليا أكتر وأنا بـأراقب العربيات بذهن شارد. _عاملة إيه في الشغل يا هنا؟ التفت لماما بابتسامة دافية وهي بتقعد جنبي. همهمت ليها وقولت: _الحمد لله كويسة.
هي بتحاول تصلح علاقتنا من وقت ما واجهتها، بس للأسف اللي فات مش بيتعاد من تاني. طفولتي، مُراهقتي، مرحلة نضجي، كل ده كُنت لوحدي فيه. بتحاول تعوض، لكن العمر سرقنا. ميلت براسي على كتفها وقولت: _لو بتحاولي تعوضيني في حاجة، فأنا محتاجة حضنك أكتر من أي حاجة في الدنيا. ضمتني ليها وهي بتبوس راسي بحنان: _حضني موجود دايمًا ليكي. غمضت عيوني سامحة لدموعي بالهروب بروية على وشي، أثر اللحظة العاصفة لقلبي.
وليه حضنها كان مفتوح لـ ليلي بس، أو يمكن أنا شوفت كده؟ ضميت شفايفي وأنا ببلع غصتي عشان صوتي يكون عادي، مش عايرة أجرحها بكلام. الوقت فات وأنا وقفت على رجلي لوحدي من غير حد. _عايزاكي تبقي معايا لحد ما أبقى كويسة. *** اتغدينا سوا كلنا وحازم قام يخلص شغله كالعادة. ماما دخلت المطبخ تظبطه، واتبقى أنا وليلي. غابت لدقايق ورجعت بالشاي، حطيته قُصادي وقعدت جمبي على الترابيزة.
انسجمت في مشهد بين أختين بيحضنوا بعض، واحدة بتعيط والتانية بتواسيها. وقد إيه كان نفسي أحس بالشعور ده. نضفت حلقي أثر صمتي الطويل وقولت: _معرفناش نبقى زيهم للأسف يا ليلي. سكتت لثواني وكأني بدأت أفهم. مش أنا الوحشة، كُنت طفلة محتاجة اهتمام بحاول ألفت النظر ليا. الأضواء كلها كانت عليها، ليلي، هي محاولتش تشاركني معاها. بصتلي لثواني وقالت: _إحنا مختلفين في كل حاجة عن بعض يا هنا. همهمت ليها، فكملت بهدوء:
_بتحبي كل حاجة لوحدك والكل يبقى حواليكي. ارتفع طرف ثغري بسُخرية وصدمة احتلتني. رغم كل ده هي شايفاني كده؟ أخدت كل حاجة لوحدها ولسه مش مكتفية. ارتشفت من كوب الشاي وقولت: _لو أنا كده، مكنش زمان ماما بتفضلني عليا. قمت من قُصادها من غير كلام كتير. نفسيتي مش مستعدة للمواجهة، لسه مش مرتبة أفكاري. نمت على سرير، لكن قاطعني صوت رسالة كانت من آدم. أول مرة يبعتلي حاجة بعيدة عن الشغل. _"متتأخريش بكرة عن معادك".
يمكن جملة دي عشان يضمن إني هروح بكرة، مش هعتذر زي النهاردة؟ _"تمام". كتبتها وسبت التليفون. وهنا اتشتت أكتر. هقوله إيه بكرة؟ ٨ سنين صداقة راحت في ثواني. أدركت متأخر أوي، هي عمرها ما حبتني، كُنت مجرد صداقة مصلحة ليها. معاها في كل حاجة، بسمعها وقت ما تحب، ولما تتخنق وتبعد مش بغصبها. مش بحب أحكيلها حاجة وهي زعلانة عشان متزعلش أكتر. ورغم كل ده، هل هقدر أقول لآدم الحقيقة؟ هو ميستحقش كده، بس مش هقدر. أنا لسه معتبراها صحبتي.
فتحت خانة الاتصالات لقيت منها خمس مكالمات فائتة. مش قادرة أرد عليها واتسابط عليها رسائل منها، لكن مشوفتهمش. كان مكتوب من برا: "ردي يا هنا، أنتِ قولتي إيه لـآ... بقيت اسمه مكملش، لكني عرفت قصدها. فضولي حتى مأخدنيش إني أعرف بقيت الرسايل أو عايزة إيه. نمت على جمبي اليمين وأنا حاسة إن روحي مطفية. طعنة ميرنا كانت مختلفة. طالما الخسارة مش ميرنا، فمش مهم حاجة. ابتسمت بسُخرية وأنا بتذكر مراهقتنا سوا. دمعة فرّت من عيني.
اكتشفت إن شخصيتي ضعيفة من زمان. *** متوترة وكأني طفلة خايفة من المدرس بتاعها. نظراته كانت هادية وهو بيبص لوشي، لكني فاهمة عيونه. روحت الشغل، مبقاش ليه لازمة التأجيل. واجهت، هل كده شخصيتي بقت قوية؟ خرجني من شرودي صوته: _ممكن تفهّيميني كل حاجة؟ مين علي؟ رفع إيده قُصادي مانعًا مُبرراتي وقال: _مش قريبك صح؟ نفيت ليه براسي. فتابع: _يبقى حاجة من الاتنين، يا إما بتخوني خطيبك، يا إما تبع ميرنا، والاتنين أنيل من بعض.
فركت كفوفي بتفكير. مش عايزة ياخد عني فكرة وحشة، ومش عايزة أكون الصاحبة الغدارة اللي مصانتش السر. رطب شفايفه بغضب بيحاول يكبحُه. _أنتِ كدبتي عليا، سألتك لكنك فضلتِ الكدب. خوفت، لكن مش منه، من إني أخسره. شعور غريب راودني، فقولت بتقطع: _أنتَ مش فاهم حاجة. قاطع كلامي: _قولتي إننا هنبقى أصحاب، أنا وثقت فيكي رغم إني مش بثق في حد، كُنت شايفة إنتي مختلفة. كلامه كان زي السكاكين على قلبي. أنا حاسة بيه، فاهمة شعوره.
كرهت نفسي لأني حسسته كده. غرزت ضوافري في كفي وقولت بتوتر: _مش قصدي أحسسك كده. مهتمش بكلامي وقال بحده وهو بيسند بمرفقيه على الطاولة: _أنتِ بتحبي علي؟ يتخوني خطيبك يعني؟ يُتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!