مش هسيبك تمشي تاني. رجعت خطوة لورا و عيوني خايفة، مش عايزة أقرب مِن حد تاني و خصوصًا هو. آدم، قُربي ليك مش هيكون مصلحة ليا، هيكون فتح صفحة أنا حرقتها. رطبت شفايفي وقولت بتوتر: أنا عايزة أمشي لو سمحت. لاحظ عيوني المُرتجفة و خطوتي الي رجعتها، و هِنا لاحظ حركة المُتسرعة، سحب أيدة الي ساندها علي الباب بعد ما قفلة و هو بيمنعني. إرتبك من بعد إدراكة لتصرفة فقال و هو بيحك قفاه بتشتت: مش هسيبك تضيعي فرصة شُغل زي دي.
قاطعت كلامة بإصرار وقولت: مش عايزة أشتغل هِنا خلاص. حط أيدة قُصادي يمنعني بعد ما كُنت همشي: ليه؟ عشان أنا موجود؟ عيونة متسألة و كأنه طفل صُغير خايف مِن الإجابة. بعدت عيوني عنه وقولت: أنا جيت هِنا عشان ابدأ من جديد، مش عايزة أفتكر حاجة فاتت. همهم ليا وقال: و أنا كمان جيت هِنا عشان أبدأ من جديد. مد كفة ليا ببسمة بشوشة: أنا آدم، مُدير المبيعات هِنا. و أنتِ..
بصيت ليه بتعجب من تصرفة، عيونه كانت مُشجعة. ترددت لثواني طوال، أنا عايزة أبدأ من جديد، آدم كان الجزء الوحيد الحلو في الحكاية. مديت كفي ليه بإرتباك: و أنا هَنا. همهم ليا ببسمة حلوة و هو بيحرك كفوفنا سوا كترحاب وقال: يلا عشان تلحقي الإنترڤير هتعملية مع فتحي صح؟ رفعت كتافي بعدم معرفة وقولت: معرفش. سحب كفي منه بعد ما حسيت أن سلامنا طال: طب يلا نروح المكتب التاني. يومين بالظبط و جالي أميل أني أتقبلت. عارفة أن آدم السَبب.
قعدت في البلكونة بمج النسكافية و أنا محاوطة بدني بِشال بسبب برودت الليل. عقلي شارد لبعيد، بكرا هبدأ شُغل، حاجة جديدة مكان غريب ناس معرفهاش، و الأهم مِن ده آدم موجود. مش قادرة أحدد وجودة مُريح بالنسبة ليا ولا مُزعج. معرفش ليه الحماس أخدني أني أختار الطقم الي هلبسة بُكرا. قمت بحماس لكني لقيت بابا قُصادي، كان لسه راجع من برا متأخر كالعادة. شُغلك امتي؟ بُكرا. خايفة؟ شوية. قرب مني و هو بيضمني ليه بخفة:
ربنا معاكي يا حبيبتي. همهمت ليه ببسمة و انا بدخل أوضتي، حسيت اني كُنت محتاجة الحُضن ده، لكن بشكل تاني يكون أطول أحس بإحتواء كِده مش طبطبة و خلاص. كُنت بصص قُصادي بضيق و يحيي عمال يضحك بمرح: مش هسيبك تمشي تاني. شوفت المشهد ده فين قبل كده؟ اه، كان في مُسلسل تركي. زفرت بغضب و انا بحدف علية قلم من علي المكتب: بطل رخامة بقا يا يحيي، معرفتش أتصرف لما شوفتها بعد ما كُنت بدور عليها. لحق نفسه قبل ما القلم يجي علية وقال:
فاهمك طبعًا، ده أنتَ جي نص ساعة بدري عن معادك عشان هي جاية. كُنت لسه هرمي علية الورق لكنه رفع ايده قصادي: خلاص يا عم بهزر، وسع خُلقك معانا كده. أنا قصدي يعني متفجعش البنت كِده شبه العفريت، خليك تقيل، اتعرف عليها واحده واحده و قرب مِنها بهدوء. همهمت ليه و أنا بفكر في كلامة، لازم نتعرف علي بعض واحدة واحده، يمكن لما تقرب مِني تحبني.
لابست سكيرت چينز و عليها بلوڤر رصاصي و سكارف بنفس اللون مع إختلاف الدرجات و عليهم هاڤ بوت بكعب متوسط أسود و شنطة بنفس اللون مع ميكب خفيف. حبيت أشوف نفسي حلوة في يوم زي ده. طلعت الدور التالت و أول ما عديت مِن قُصاد مكتبة أتفتح و كأنة كان في إنتظاري. وشه أندهش بتمثيل وقال: أيدا أنتِ أتقبلتي هِنا؟ إبتسمت ليه بخفة وقولت: اه النهاردة أول يوم. همهم ليه ببسمة خفيفة: ربنا معاكي، لو أحتجتي حاجة قوليلي.
اومئت لية و أنا يتحرك للمكتب التاني عشان أتعلم الشُغل. من أستاذ فَتحي، كان راجل في مُنتصف الأربعينات، أستقبلني ببسمة: ثواني عقبال ما أناديلك حد. ثواني وجه آدم و هي بتبص لفتحي بتعجب: طلبتني ليه؟ شاور فتحي عليا وقال: إسلام برا المكتب النهاردة، فا لو سمحت عرفها أنتَ الشُغل النهاردة لو عندك وقت. عيونة كانت مُتفاجئة لثواني لكنه بص علي ساعة بعملية وقال: معنديش وقت كتير لكن تمام هعلمها.
قعدنا في مكتبة كان بيعرفني الشُغل بكُل رسيمة، حسيت أني معرفهوش، لكني كُنت مرتاحة كِده. تحبي تخدي بريك ولا نكمل؟ نفيت ليه وقولت: لاء نكمل. رجعي الورق ده زي ما علمتك عقبال ما أعمل حاجة و أرجعلك. همهمت ليه و بدأت أعمل زي ما قال. دقائق ورجع و هو بيحط كوباية قُصادي. معرفش بتحبية ولا لاء بس عملتلك زي. كان نسكافية محطوط في مج مكتوب علية أسمة. أبتسمت ليه بشُكر وقولت: لا أنا بحبة أوي، شُكرًا.
أسبوع مر التعامل بينا طبيعي، كُنت حاسة براحة لوجودة حوليّا. هنروح سوا لڤيلا هشوف التعديلات فيها و هو هيكون معايا. خلصنا شُغل بعد ساعتين. متيجي نتمشي شوية. عرضة كان مُفاجئ بالنسبة ليا، لكن نسيم البرد و ريحة الشتا شجعتني. اومئت ليه بهدوء وقولت: الجو جميل الصراحة. شارع هادي كُل شجر و زرع. قفلت البلطو كويس بعد ما حسيت بالبَرد و مشيت جمبة. كسر صمتنا لما قال: موحشكيش أسألتنا لبعض الغريبة؟ إبتسمت بخفة و جاوبة:
الصراحة أه، كُنت بحب أسألك. طب مينفعش نسأل بعض تاني؟ سكت ثواني بتفكير و هزيت راسي ليه بالموافقة فقال: لو مش عايزة تجاوبي خلاص، بَس أنتِ لسه بتحبية؟ خطواتي أتباطئت غصبًا عني و أنا بفكر في سؤالة بشردو. هو أنا لسه بحبه ولا أتخطيت؟ أتردد أني أجاوب لكني قولت: مبقتش بحس ليه زي زمان، يعني لما بسمع أسمع مش بحس بحاجة، لا حب و لا كُرهه، عادي. سكت و بعدها تابعت بفضول: و أنتَ نستها؟ جاوبني من غير تفكير:
مكنش في حاجة بينا عشان تتنسي، مُجرد تجربة غيرتني للأحسن. همهمت ليه وطال الصمت بنا لفتره طويلة، قاطعة بسؤال كان غريب بالنسبة ليه: هو لو صاحبك زعلانك أو حد من أهلك بتعملة ايه؟ لمحت بسمة الجانبية لسؤالي، هو فرحان عشان رجعت تاني أسألو. بسمعهم و أحاول اخفف عنهم. نفيت ليه وقولت: يعني بتحضنهم أزاي؟ ارتفع طرف ثغرة بسُخرية وقال: أنا متحضنش و أنا صُغير عشان أتعمل أحضن الناس. رفعت عيوني ليه لثواني و شوفت حُزنة البيحاول يخفية.
تعرف و أنا كمان متحضنتش الحُضن الصح، يعني احس فيه بالأحتواء و الأمان. كُنت دايمًا بحسه حُضن علي الماشي كده تقضية واجب بمعني أصح. وقف عن المشي و التفت ليه و عيونه بتتشرب ملامحي زي زمان وقال: تعرفي أنا اتعلمت منك حاجة مكنتش واخد بالي مِنها، يعني من حقي أدور علي الي أتحرمت منه و أعوض نفسي بأسرة جديدة و حد بحبة. قرب مني خطوة و تابع: يعني مثلا مراتي المُستقبلة مش هبطل أحضنها و أحسسها بالإحتواء و الأمان طول الوقت.
شديد قبضتي بقوة و أنا مُرتبكة من كلامة و عيونه المركزه عليا، معرفتش أرد و لا أقول حاجة. رجعت خطوة وقولت بإرتباك: ت..تعرف و أنا صُغيرة عمري ما جريت في الشارع. إبتسم بعد ما لاحظ تهربي وقال: ليه بقا؟ زمت بشفايفي بضيق و انا بكمل مشي: ماما مكنتش بترضي تخليني أجري أصلًا، كانت بتخاف عّليا أوي. طب ما إحنا فيها. التفت عليه و انا بعجد حواجبي بتسأل فأسترسل: ملعبتيش سباق جري قبل كِده صح؟ نفيت ليه فتابع:
يبقا يلا بينا الي هيوصل لأخر الشارع هيجيب للتاني نسكافية. بَ..س أستني. مكنتش عارفة اتكلم من إرتباكي. معطنيش فُرصة، وقف جمبي وقال: يلا واحد اتنين تلاتة. بدأ يجري ببطئ عشان ميسبقنيش، ابتسم بإتساع و أنا بجري بسُرعة. حسيت شعور غريب جوايا و كأن الطفولة الي جوايا أتحررت و فرحانة حققت أمنية صُغير من أمانيها البسيطة. كُنت بجري بأقصي سُرعة و أنا عارفة أنه مبطئ نفسه. ألتفت ليه و أنا بطلع لساني بمُشاغبة مش معهودة مني:
سبقتك، هتعزمني أنتَ. سمعت صوت فرملة عربية وصوت آدم العالي: خلي بالك يا هَنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!