صحيت تاني يوم عندي نشاط وحماس رهيب لأني هشوفه وهيوصلني للشغل كمان. لبست وجهزت شنطتي ودخلت البلكونة أسقي الزرع زي كل يوم. اتصدمت بمشبك فيه ورقة مرمي على الأرض. ابتسمت عشان عارفة إنها أكيد منه وفتحتها بسرعة أقرأ اللي فيها. "كل مرة بدوق فيها حاجة من إيدك بتكون حكاية. القرص كانت لذيذة لذيذة متتوصفش. كنت حاسس إنها معمولة بحب كان واصل لي في كل قطمة. بس عموماً.. زي السكر يا سكر."
ضميت الورقة لحضني وبصيت على بلكونته وأنا ببتسم بفرحة وخجل في نفس الوقت. دخلت الأوضة حطيتها في دولابي وقعدت مستنياه والإبتسامة لسه على وشي. "إيه الابتسامة الجميلة دي؟ كانت شهد، دخلت ومعاها طبق مليان سندوتشات. "سيف حدف لي ورقة." "إزاي؟ "دخلت البلكونة أسقي الزرع لقيت ورقة في مشبك على الأرض." "وكتب لك إيه؟ قعدت على السرير وحطت إيديها على خدها وهي بتسمعني باهتمام. قولت لها اللي كان في الورقة فابتسمت.
"هيييح، امتى أتحب بقى؟ "شهد.. أنا بجد خايفة." "ليه بس؟ "عشان هو مش عايز يصرح." "أقول لك الصراحة ومتفتينيش." "قولي." "هو متردد عشان ترفضيه." "ارفضه ليه؟ "عشان إنتي معاكي شهادة وهو لا، وعشان فاتح ورشة، خايف يستقلي بيكي." "أستقل بيه إزاي وأنا شايفاه زينة الرجال؟ "يا ولد يا حبيبي، حلوة دي، بس هو غبي بقى نعمل له إيه." "شهد متشتميهوش." "طب ما هو هيضيعك من إيده عايزاني أقول إيه؟ فضلت ساكتة وقمت من جنبها.
"تفتكري فعلاً ممكن يسيبني لغيره؟ قامت من مكانها ووقفت جنبي وهي بتحضني. "السؤال ده هو اللي يجاوبه مش أنا يا ليلى، أنا متأكدة إنه بيحبك، لكن مش عارفة إذا كان هيعمل أي حاجة عشان تكوني ليه فعلاً ولا هيستسلم لخوفه." "أنا اللي خوفت دلوقتي." "سيبيها على الله، لو ليكم نصيب مع بعض هتكونوا، ولو لأ.. يبقى ربنا هيعوضكم خير إن شاء الله." "يارب يا شهد، أنا معرفش هو إزاي اتصور إني ممكن أفكر فيه كده."
"أي حد مكانه هيفكر بالشكل ده، ده معناه إنه عارف قيمتك كويس أوي يا ليلى. بصي، متقلقيش، أنا هظبط لكم الموضوع ده." "هتعملي إيه؟ "هوفق راسين في الحلال وأمرى لله." "إيه ده الله! "هلبس فستان." "متنبريش انتي بس." "عقبالي يارب." "آه يا مقصوفة الرقبة انتي." "الله يسامحك يا شوشو، عمتاً سيف برا مستنيكم." "بجد، طب يلا يا شهد عشان منتأخرش عليه." "يا بت اتقلي."
خرجنا ليه سوا، كان قاعد مع مرات عمي وعمال يسمع في توصياتها له بأنه يخلي باله مننا. "إيه يا ماما هو إحنا صغيرين؟ "أيوه صغيرين، إنتوا لسه أول مرة تنزلوا وتتعاملوا مع ناس غريبة ف طبيعي أقلق." "أنا هوصل كل واحدة لمكان شغلها وهبقى أروح آخدهم كمان متقلقيش." "معلش يا حبيبي هنتعبك معانا." "متقوليش كده دول أخواتي." بصينا أنا وشهد لبعض بصدمة. إيه أخواتي دي؟ يعني إيه؟ هو بجد ليه بيعمل كده؟ "يلا بينا."
بصيت له بنرفزة حاولت أسيطر عليها ونزلت أسبقهم على تحت ودموعي كانت على وشك النزول لكن مسحتها. هعيط ليه؟ هو لا صرح ولا عشمني بحاجة. أخوات أخوات إيه المشكلة؟ لأ مش مشكلة، أنا مش عايزة نكون أخوات. دموعي كانت بتزيد لكني كنت بمسحها بسرعة وبكتم العياط جوايا. "إيه اللي انت عملته ده؟ "في إيه؟ "إيه أخواتي دي؟ "أومال عايزاني أقول إيه قدام خالتي؟ "ما كنت تقول أي حاجة يا أخي البنت اتصدمت." "أنا مكنش قصدي اللي فهمته والله."
"والله هي مش هتقعد تنجم قصدك، ركز انت في اللي بتقوله." سابتني ونزلت تجري وراها. أنا فعلًا غبي، إزاي قولت كده قدامها؟ زمان دماغها بتجيب وتودي دلوقتي وبتشككها في كل حاجة. نزلت وراهم لقيتهم واقفين سوا على جنب. عيونها بتلمع وشكلها كانت بتعيط. اتضايقت جدًا وكنت عايز أبرر لها لكن معرفتش أقول إيه. "اركبوا العربية." "عربية مين دي؟ "واحد صاحبي، خدتها منه عشان أوصلكم بيها." "لأ كتر خيرك."
قالتها بتريقة فبصيت لها بمعنى إن متزودش الطين بلة. دورت العربية، وساد بينا صمت خانق. حتى شهد اللي عمرها ما بتسكت كانت قاعدة في الكرسي ورا ساكتة خالص. ولما حاولت آكلها من السندوتشات اللي معاه رفضت. كنت ببص قدامي، بس كل ثانية عيني تسرح عليها من المراية. ملامحها كانت متوترة، بتبص من الشباك ومش راضية تبص ناحيتي خالص. نفسي أقولها إني مكنتش أقصد كده، إني اتزنقت في الكلام، بس في نفس الوقت ده هيبقى اعتراف مباشر بحبي ليها، وأنا مش جاهز لكده دلوقتي، مش قبل ما أكون إنسان يليق بيها.
وصلت شهد لأول الشارع وبعدين كملت بيها. ملامحها هادية، ساكنة، لكن أنا متأكد إن جواها دوشة كبيرة وأسئلة كتير محاوطاها وملهاش إجابة غير عندي أنا. لومت نفسي جدًا عشانها. افتكرت شكلها الصبح وأنا بـ راقبها من البلكونة لما ضحكت أول ما مسكت الورقة وقرأت اللي فيها. ساعتها حسيت إني ملكت العالم كله عشان بس ضحكت بسببي، لكن دلوقتي عالمي اتهد وأنا شايف دموعها اللي بتحاول تخبيها والتوهان اللي هي فيه. "تحب أفتح لك الشباك؟
"لأ شكراً." بتقفل معايا في الكلام، لكن أنا مستحيل أسيبها كده. "عارفة، مرة وأنا صغير، في تالتة ابتدائي كده، كان عندنا لمبة في الصالون بتعلق وماما كل ما تقول لبابا الله يرحمه يصلحها كان يقولها حاضر وينسى أو يكسل." انتبهت لي وبصت لي بطرف عينها. "وفي يوم جات لي فكرة مريبة يا ريتني ما عملتها." "إيه؟
"وقفت تحت اللمبة كده وافتكرت كلام ماما لما قالت إنها عايزة هزة بس وهتبطل تعلق. مكنتش هعرف أطولها حتى لو وقفت على كرسي ف قعدت أفكر كده المفروض أعمل إيه، لحد ما جت في دماغي فكرة مشؤومة، روحت فتحت درج الكمود وخدت النبلة اللي كانت فيه، لكن مكنتش عارف هضرب بإيه. فضلت أدور في الشقة على أي حاجة تشبه الظلط لحد ما لقيت في الدرج حلقة من بتوع الستاير. قولت أجرب بيها يمكن تظبط، و وقفت بعيد كمان وقعدت بقا أعمل نفسي بقيس المسافة ومعرفش إيه وقومت ضارب بيها مرة واحدة."
"واللمبة اتهزت؟ "اتهزت فعلاً، بس اتهزت لآخر مرة في حياتها، اتكسرت ونزلت كلها على الأرض والازاز طار في كل حتة. وقفت متجمد مكاني وماما دخلت الصالون بتصرخ، وأنا واقف شايف الدخان اللي طالع من مكانها. لفيت لها وأنا مرعوب بس حاولت مبينش وقولت لها: مش كنتي عايزة بابا يغيرها، أنا شيلتهالك خالص أهو." ضحكت غصب عنها وهي بتحاول تداري لكن شفتها. "أهو أنا كده كسبت الرهان." "رهان إيه؟
"إني أقدر أضحكك قبل ما نوصل المصنع، التكشيرة مش لايقة عليكي أبداً." بطلت تبتسم ورجعت بصت من الشباك تاني. "حمد لله على السلامة." "الله يسلمك." "ليلى، مش دي روان جارتنا اللي واقفة هناك؟ "أيوه هي." "إيه اللي موقفها هنا؟ "ما هي هتشتغل معايا." "ليلى، ياريت تقطعي علاقتك بيها." "ليه يعني؟ "مش عايز أتكلم على حد، اسمعي الكلام."
"أنا مشوفتش منها حاجة وحشة عشان أقطع معاها، وبعدين أنا مش صغيرة عشان تقولي أصاحب مين وأقطع علاقتي بمين، عن إذنك." نزلت من العربية بكل هدوء بعد ما نجحت في استفزازي. أنا عارف إنها بتقول كده عشان لسه مضايقة مني، لكن اللي استفزني إنها مش شايفة روان دي كويس وهتتحط في مشاكل معاها. "أوبااااا، إيه يا لول الجمدان ده، سيف مرة واحدة." "يعني إيه؟ "يعني طلعتي أروبة وعرفتي توقعي الواد اللي كل بنات الحارة هتموت عليه، مطلعتيش سهلة."
"وقعته إيه ده جاي يوصلني عشان مجيش لوحدي." "ما هي بتبدأ كده دايماً، قوليلي، مسك إيدك." "روان، إيه القرف اللي بتقوليه ده." "قرف ليه ما عادي يعني." "لأ طبعاً، إزاي أصلاً تقولي لي كده." "بس بس، هنبدأ بقى في إزاي تقولي لي كده وإزاي تفكري كده وعيب وحرام ودروسك اللي مبتخلصش دي." "أنا داخلة أحسن ما أتخانق معاكي، وسع."
كل يوم والتاني بكتشف إن شهد معاها حق، وطلع إن سيف كمان معاه حق. أنا مبقتش برتاح لروان زي الأول وبقيت بخاف منها ومن دماغها. الظاهر إني لازم أبعد عنها فعلاً. رجعت الورشة بعد ما وصلتها وأنا حاسس بقلبي ارتاح شوية لما ضحكت، لكن تأنيب الضمير مستمر وعيونها اللي كانت بتلمع بالدموع مبتفارقش بالي. خلعت التيشيرت وقمت أشغل نفسي في أي حاجة عشان مفكرش لكن ده محصلش. هو ليه مفيش زرار نفصل بيه التفكير؟
مسكت المفتاح الإنجليزي وبدأت أفك في موتور العربية اللي قدامي من غير ما حتى أبص عليه. إيديا بتتحرك، بس دماغي عندها هي، عند ضحكتها وعند عيونها اللي كانت بتحاول تهرب مني. بعد محاولات كتير إني أشغل نفسي فشلت وعقلي فضل مشوش. رميت المفتاح على الترابيزة ومسحت عرق جبيني وأنا بتنفس بعمق وبقول لنفسي: يا ريتني كنت شجاع كفاية أقولها كل اللي في قلبي بدل ما أنا بستخبى ورا الهزار والتلميحات وبس ومش قادر حتى أحتويها لما تزعل مني.
"سيف." بصيت ورايا وشوفت آخر حد كنت أتوقع إني أقابله تاني. "جميلة؟ شريط من الذكريات مر قدامي في ثانية ورجعت سنين لورا. نفس الملامح، نفس العيون اللي كنت فاكر إني مش هشوفها تاني. بس الفرق إن المرة دي مفيهاش نظرة شفقة.. فيها شوق وحنين. "إزيك يا سيف؟ "تمام." بصت للورشة وقربت مني بتردد وهي بتقدم خطوة وتأخر التانية. "ورشتك حلوة." "عايزة إيه يا جميلة، إيه اللي جابك بعد السنين دي كلها وعرفتي مكاني منين؟
"مش مهم كل ده، المهم إني جاية لحد عندك وأنا ندمانة إني ضيعتك من إيدي يا سيف." ضحكت بسخرية وقعدت على الكرسي بتاعي. "ندمانة؟ غريبة، مش قولتي إن عمرك ما هتندمي على قرارك مهما حصل."
"كنت غبية، حسبتها غلط وقتها، سيف.. أنا كنت تايهة، أنا حبيتك بجد وانت عارف كده كويس، وكان عندي استعداد أحارب الدنيا كلها عشانك، لكن انت لأ، اتمسكت بشغلك في ورشة خالك رغم إنك عارف إن أهلي هيرفضوا تكون في المكان ده.. كلامهم خوفني، خوفوني منك يا سيف، قالوا لي إني لو اخترتك هعيش طول عمري بتعب وشقاء، وإن البنت اللي من عيلة زينا مينفعش تتجوز واحد شغال في ورشة وكمان مكملش تعليمه، وأنا كنت صغيرة وساذجة وسمعت كلامهم."
"وأنا بقا اخترت الورشة دي عشقًا في الشحم والزيت؟ "إنتي عارفة كويس أوي إن مكنش عندي غيرها، كنت خارج من خناقة مع الدنيا، ومفيش باب اتفتح لي غير باب ورشة خالي، اشتغلت عشان أقدر أوقف على رجلي، مش عشان أعيش فيها طول عمري." "عارفة.. بس كنت بتمنى وقتها تقولي إنك هتتغير، إنك ناوي تكبر."
"قولت لك وانتي مصدقتيش، واديني أهو، اشتغلت وحوشت لحد ما خدت الورشة دي تمليك وسيبت ورشة خالي، وهفتح مركز الصيانة اللي كنت بحلم بيه في أرقى حتة في مصر قريب. لو كنتي صدقيني كان زمانا لسه سوا." "طب ما نرجع سوا يا سيف؟ "تؤ، مبقاش في منه الكلام ده." "بس أنا بحبك." "وأنا نسيتك، امشي يا جميلة، امشي ومتجيش هنا تاني." قربت مني ومسكت إيدي. "سيف.. أنا غلطت، بس اتعلمت، اديني فرصة واحدة أثبت لك." بعدت عنها فورًا وسحبت إيدي منها.
"اتأخرتي أوي، أنا كنت مستنيكي زمان، كل يوم، كل لحظة، لكن دلوقتي لأ." "في واحدة في حياتك؟ "ميخصكيش عشان تعرفي." "عمري ما كنت أتخيل إنك تقسى عليا في يوم." "اديتك كل الحنية اللي في الدنيا لكن انتي مقدرتيش، امشي يا جميلة من فضلك." "همشي يا سيف، همشي ومش هتشوفني تاني."
مشيت وأنا فضلت مكاني ببص للباب اللي خرجت منه. عيني ثابتة لكن جوايا دوامة كبيرة. مش عشان جميلة نفسها، لكن عشان الذكريات اللي رجعت معاها. الوجع اللي سابته لسه محفور في قلبي.
وعشان كده خايف أقول لليلى اللي جوايا. خايف تبص لي نفس البصة اللي جميلة بصت لي بيها يومها. أنا مش ناقص رفض تاني، ومش عايز حد يبص لي على إني أقل منه. وفي نفس الوقت بحبها ومش قادر أتخيل إنها ممكن في يوم تكون لغيري. عشان كده بقيت بفحت نفسي في الشغل عشان أكمل فلوس المركز وأفتحه وتشوف نجاحي. مبقاش في عينيها سيف اللي الدنيا جت عليه وخسر كل حاجة. لأ.. أبقى سيف اللي رغم كل ده عافر وتعب وشقي وربنا كرمه و وقف على رجله من تاني وبقى أحسن من الأول.
هي تستاهل كل حاجة حلوة في الدنيا. تستاهل راجل واقف على رجله، عنده حلم وبيحققه، مش حد مكسور أو بيخاف من الرفض. عشانها هعافر، وهشتغل أكتر من أي وقت فات، وهخليها تشوف سيف اللي يستحقها فعلاً. يوم ما أقولها بحبك، هقولها وأنا واثق إني بقيت الراجل اللي تتسند عليه.. مش اللي تخاف تعيش معاه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!