طول اليوم وانا في المصنع بالي مشغول بيه، بفكر فيه وفي كلامه معايا في العربية عشان يضحكني، بس أكتر حاجة كانت شاغلة بالي الكلمة اللي قالها واحنا في البيت. عقلي مشتت ومش عارفة إذا كان شايف إننا فعلاً أخوات ولا مجرد كلمة اتقالت. بس لا، كلامه دايمًا بيطلع منه موزون ومحسوب، ومفيش راجل هيكون بيحب واحدة هيقول عليها أخته أبداً. يا ربي، اومال كل تصرفاته وكلامه معايا ده إيه؟
وعيونه ونظراته ليا اللي مبتكونش عادية أبداً، ولهفته لما يشوفني، وكل موقف وتصرف منه حسسني بأنه بيكن مشاعر ليا. كل ده وهم؟ معقول أكون أنا وهمت نفسي وفهمت تصرفاته غلط؟ بس إزاي؟ مهو تصرفاته دي مبتحصلش مع شهد وسلمى، حتى هما نفسهم حاسين أنه بيحبني. يبقى أنا إزاي أنا موهومة بس؟
مسكت راسي لما حسيت بالصداع، أفكاري عاملة دوشة جوا دماغي، مش عارفة أرتبها ولا أمسك خيط منهم لنهايته. كل ما أقول لنفسي يمكن فعلاً كنت فاهمة غلط، حاجة جوايا بتصرخ وتقول لأ، في حاجات مبتتكذبش، نظرته ليا، الطريقة اللي بيقول اسمي بيها، الاهتمام اللي بيظهر في أتفه التفاصيل، مستحيل تكون صدفة. لكن كلمته كسرتني، يعني إيه أختي؟ يعني كل اللحظات اللي بينا دي كانت إيه؟ كان بيمثل؟ ولا بيحاول يبعد؟ طب ليه؟ خايف؟
ولا فعلاً شايفني كده؟ افتكرت كلام شهد الصبح لما قالتلي إنه خايف أرفضه. لوهلة استغربت، هي عرفت منين؟ أنا إزاي مسألتهاش الصبح؟ كانت بتتكلم وكأنها متأكدة من اللي بتقوله. تنفست بعمق وأنا ببص على الأرض، حسيت إن قلبي بيتقل كل دقيقة أكتر. بصيت لمكنة الخياطة اللي قدامي وأنا بحاول ألهي نفسي في الشغل. "أنا زهقت." كانت روان، جابت كرسي وقعدت جمبي وهي بتنفخ. "هو إحنا لحقنا؟ ده لسه أول يوم." "أنا أصلاً مش عايزة أشتغل."
"اومال جيتي ليه؟ "عشان طول ما أنا في البيت مش بعرف أخرج براحتي، مش بيبقى عندي سبب، إنما دلوقتي عندي سبب ومقنع كمان، هخرج براحتي وأروح أي حتة أنا عايزها، وأشوف مؤمن كمان." كنت ببصلها وأنا مضايقة من طريقة تفكيرها. هو أنا ليه مستغربة وبتفاجئ بتصرفاتها دلوقتي، رغم إن من أول ما عرفتها وهي كده. يمكن عشان شهد عمالة تحذرني منها، أو يمكن عشان أنا بقيت ألاحظ أنها عايزة تجرني معاها لأي حاجة فعلاً.
"هو مؤمن ده مش ناوي ييجي يخطبك؟ "مش عارفة." "يعني إيه مش عارفة؟ "مش عارفة هو بيحبني ولا لأ." "اومال بتخرجي معاه ليه؟ ضحكت. "هو كل واحد أخرج معاه لازم يكون بيحبني؟ "لأ مش فاهمة." "يعني إحنا مش مضطرين نحب بعض عشان نخرج سوا، هو بيخرجني وبيدفع ومش مخليني محتاجة حاجة، وأنا مش بخسره حاجة، كل واحد كسبان بطريقته." "وليه تعملي كده؟ "عادي يعني يا ليلى." "لأ مش عادي، إنتي ماشية في الطريق الغلط." "عايزاني أعمل إيه يعني؟
قالتها بنرفزة فـ حاولت أكون هادية معاها عشان متحسش إني بهاجمها. "تعملي الصح يا روان، تبعدي عنه وعن الطريق ده." ضحكت ضحكة قصيرة فيها وجع.
"الطريق ده هو الوحيد اللي مفتوح قدامي يا ليلى، إنتي مش عايشة مكاني، متعرفيش يعني إيه تصحي كل يوم ومفيش حاجة تفرحك، ولا حتى أمل بسيط. أنا طول عمري بحس إني لو وقعت محدش هيمد إيده يشيلني، لا أهل، ولا أصحاب، ولا حتى حد بيحبني بجد، كل الناس بتمشي، وأنا دايمًا واقفة في مكاني، غرقانة في اللي فاضل مني. مؤمن يمكن مش بيحبني، وأنا عارفة، بس على الأقل بيخرجني من ضلمة الوحدة اللي عايشاها، بيخليني أحس إن في حد شايفني، حتى لو شايفني غلط."
"والفقر يا ليلى، الفقر بيكسر في الواحد لحد ما يحس إن كرامته مش فارقة، وإن أي حاجة فيها شوية راحة تبقى كأنها طوق نجاة. هو بيصرف عليا، وأنا باخد منه اللي عمري ما لقيته في الدنيا، اهتمام بسيط، وساعة راحة. يمكن الغلط مش بس في اللي بعمله، يمكن الغلط إن الدنيا عمرها ما ادتني فرصة أعيش صح." حطيت إيدي على كتفها وقربت أطبطب عليها.
"روان، أنا مش بهاجمك، بالعكس أنا مضايقة عشانك، مش عايز اكي تمشي في الطريق ده، هتأذي نفسك، ابعدي عنه وعن كل اللي زيه، متقهريش قلب أمك عليكي. وبعدين يا ستي هي جمبك وأنا كمان معاكي يبقى إزاي لوحدك، وربنا رزقك بشغل أهو بدل قاعدة البيت واهو يبقى معاكي فلوس برضو." "هو إنتي بتسمي الملاليم اللي هناخدها هنا فلوس؟ غيرنا بيصرف مرتبنا ده كله في خروجة واحدة بس." "وإحنا ليه نبص لغيرنا، خلينا راضيين باللي ربنا قاسمهولنا."
"إنتي بتقولي كده عشان مش حاسة بأي حاجة، تعرفي إيه إنتي عن الجوع والفقر اللي محاوطيني، اتولدتي في بوقك معلقة دهب، وحتى لما الدنيا جت عليكي جيتي عند عمك اللي مش حارمك من حاجة وبيجيبلك كل حاجة لحد عندك، إنتي عمرك ما جربتي إحساس إنك تقومي الصبح ومفيش ولا جنيه في البيت، ولا حتى رغيف عيش، ولا جربتي تباتي وانتي حاسة إنك مش مطلوبة في حياة حد." "يا شيخة ده إنتي حتى كل الناس بتختارك دايمًا، ومن غير ما تعملي مجهود، وأنا؟
محدش اختارني في حياته، ولا مرة، كل اللي حواليا بييجوا وقت مصلحتهم ويمشوا، عشان كده لما حد زي مؤمن يهتم بيا، حتى لو نص اهتمام، مش هسيبه." كنت بسمعها وأنا مصدومة من اللي بتقوله وكمية الحقد اللي كان في عيونها وهي بتبصلي. أنا إزاي كنت معمية عنها بالشكل ده، إزاي مخدتش بالي منها من الأول. جرس الانصراف بتاع المصنع اشتغل وكل اللي حوالينا قاموا واحنا زي ما إحنا. تليفوني رن بأسم شهد، رديت عليها وأنا حاسة إني مش قادرة أنطق.
"إحنا مستنيينك تحت." "حاضر." قومت وأخدت شنطتي وبصيت ليها وأنا جوايا كلام كتير أقوله، لكن معرفش ليه مقدرتش أتكلم وخدت بعضي ومشيت فوراً وكلامها لسه بيتردد في وداني. خرجت من المصنع لقيت شهد وسيف مستنيني في العربية. ركبت من غير كلام وبصيت من الشباك. والغريب إن هو كمان كان ساكت ومبيتكلمش، باصص للطريق قدامه وسرحان، وكأن في شيئ حصل مضايقه. "مالكم ساكتين كده، مالك يا سيف؟ "مفيش." "طب مالك يا ليلى، حد ضايقك جوا؟
لقيته انتبه وبصلي في المرايا. "مالك يا ليلى." "مليش يا جماعة أنا كويسة." "هو أنا مش عارفاكي." "مفيش بجد، أنا بس حسيت بأرهاق شوية عشان مش متعودة لسه." "قربنا نوصل اهو، روحي وارتاحي شوية." "حاضر." "إنت كويس؟ "الحمد لله." ابتسملي لكن ابتسامته كانت باهتة وحسيت أنه مضايق فعلاً من حاجة. قلقت عليه وكنت عايزة أعرف ماله لكن مش عارفة أقوله إيه. وصلنا تحت البيت وطلعنا كلنا سوا. "ما تيجي تقعد معانا."
"لأ أنا هطلع أريح شوية عشان هنزل بليل تاني." "أوكي." فتحت الباب ودخلت عشان تسيبنا نتكلم. كنت ببصله وعايزة أتكلم معاه بأي طريقة. هو كمان كان بيبصلي ومطلعش. "إنتي متأكدة إنك بخير." "آه، الحمد لله، بس.. إنت مش كويس صح؟ تنهد بتعب ومسح على وشه. "بصراحة، شوية." "إيه اللي حصل ضايقك؟ "مش مهم بقا عادي." "مش عايز تقولي." "أنا؟
ده أنا نفسي في اليوم اللي يكون مسموحلي فيه أجلك وأشكيلك من الدنيا وقساوتها عليا، أنا بس مش عايز أشيلك همي." "متتقولش كده، مش إحنا صحا.. قصدي أخوات." "ليلى أنا مكنش قصدي." حاولت أكون طبيعية لكن كلامي طلع بارتباك. "على إيه يا سيف أنا مقولتش حاجة، ده كلامك." "ده عشان بس خالتو كانت قاعدة، لكن ده مش حقيقي." "والحقيقة إيه يا سيف؟
سكت ومتكلمش، زي ما توقعت، كان بيبصلي وعيونه بتقول اللي جواه، لكن مش كفاية بالنسبالي، لازم أسمع بوداني عشان أطمن. "عن إذنك." "ليلى." دخلت الشقة وقفلت الباب بشويش. مش هسمعه ولا هقف معاه تاني طول ما هو مش قادر يواجه مشاعره ويرسيني على بر الأمان. خليه غرقان في أفكاره اللي هيفوق منها في يوم يلاقيني ضيعت من بين إيديه، وساعتها مش هيكون في فايدة من الندم. "ماما سألت عليكي." "قولتلها إيه؟
"قولتلها إنك بتغيري هدومك، امسكي البسي بسرعة واخرجي عشان متشكش في حاجة." "حاضر حاضر." سبقتني على برا وأنا لبست بسرعة وخرجت وراها. دخلنا المطبخ سوا نساعد مرات عمي في الغدا عشان يخلص بسرعة قبل ما عمي ييجي. • ليلى "نعم يا مرات عمي." "هي الملوخية بتتقص يا عيون مرات عمك؟ مفهمتش قصدها فـ شاورتلي بعينيها على اللي في إيدي، بصيت لقيتني ماسكة عيدان الملوخية وبقص ورقها بدل ما آخرطه. ضحكت عليا هي وشهد وأنا لسه مصدومة.
"يوم واحد شغل يعمل فيكي كده." "معلش أنا معرفش إزاي مخدتش بالي." "ولا يهمك يا حبيبتي، فداكي الدنيا بحالها." "يا سيدي على الدلع." "شهد هتعملها مكانك." "الله، وأنا مالي يا لمبي." "تعالي خرطيها مكانها شكلها مرهق." "لأ يا حبيبتي أنا كويسة، أنا بس سرحت." "طب خلي بالك عشان متسرحيش تاني والمخرطة تعورك." "حاضر." تليفونها رن فـ خرجت ترد عليه. "مالك يا ليلى، مش على بعضك ليه؟ "هبقى أحكيلك لما نكون في أوضتنا."
"طب قولي إيه اللي ضايقك." "بعدين يا شهد." "ماشي يا ست." بعد ساعتين وصل عمي وحضرت أنا وشهد وسلمى السفرة وقعدنا كلنا سوا. "طمنوني، عملتوا إيه النهارده في شغلكم." "الحمد لله يا بابا، اليوم مشي كويس و وقفة المكتبة مش وحشة." "طب الحمد لله، وإنتي يا ليلى." "الحمد لله يا عمي متقلقش." "مالك يا حبيبتي، حصل حاجة ضايقتك." "لأ أنا كويسة الحمد لله، أنا بس مصدعة من دوشة المكن." "معلش يا حبيبتي، كلي وادخلي ارتاحي شوية."
هزيتله راسي وسكت. حاولت أكون بعدها طبيعية عشان ميشكش في حاجة، خصوصاً أنه كان بيبصلي من وقت للتاني. بعد شوية كنا خلصنا، مرات عمي طلعت عند حياة شوية وعمي نزل يصلي العشاء في الجامع. دخلت الأوضة وقعدت على السرير بأرهاق. "مالك يا لولا، من ساعة ما جيتي من المصنع وانتي مش كويسة." "متقلقيش يا حبيبتي أنا بس مصدعة." "مش مصدقاكي، حصل حاجة؟ سيف ضايقك بحاجة طيب." "سلمى، ممكن يا حبيبتي تسيبينا شوية لوحدنا."
"حاضر، أنا أصلاً كنت خارجة أتفرج على التلفزيون شوية." "خلصتي مذاكرتك." "آه، إمتى أخلص من الثانوية دي بقا." "روحي صيحي برا يلا." "إنتي مش اخت جدعة والله." خرجت برا وهي بتقول كلام مش مفهوم. قربت شهد وقعدت جمبي على السرير. "ها، احكيلي بقا." "أحكيلك إيه." "اللي مضايقك." "من غير ما تلوميني؟ "مممم يبقى الحكاية فيها روان، بس عيب عليكي متخافيش."
"كان عندك حق في كل اللي قولتي يا شهد، طلعت مش شبهنا ومش نفس تربيتنا، وطلعت حقودة أوي، تخيلي أنها بتحقد عليا إني محبوبة وسطكم وإني ربنا عوضني عن أبويا وأمي بيكم." "قالتلك إيه بالظبط؟
حكيتلها كل الكلام اللي سمعته منها، كنت بقوله وأنا متأثرة جداً وكأني لسه مش مستوعبة إن الكلام ده اتقال ليا أنا وإن في حد بيحسدني على الحاجات اللي أنا كنت بشكر ربنا عليها ليل ونهار، على وجودهم في حياتي، وعلى إن رغم كل اللي راح مني لسه عندي ناس بتحبني بصدق. كنت بتكلم وشهد عينيها بتلمع بالدهشة والزعل، وأنا مش قادرة أمنع دموعي من النزول. "يا بنتي دي مريضة، فعلاً مريضة بالغيرة."
"مكنتش أتخيل إنها شايفة حياتي سهلة كده، وأنها شايلة كل ده جواها من ناحيتي." "أصل اللي زيها بيشوف كل راحة في عين غيره نعمة هو اتحرم منها وبيتملكه الحقد والغل لما ميكونش طايلها." "بس ليه كده؟ أنا عمري ما أذيتها، كنت دايمًا واقفة جنبها وبدافع عنها قدام الكل." "عشان الغيرة متسألش منطق ولا أصل، بتخلي الواحد يشوف الخير في غيره غصة مش نعمة."
"قالتلي إني اتولدت في بوقي معلقة دهب ومش حاسة بالجوع ولا الفقر، مع إن أكتر حاجة موجعاني في حياتي إني عشت نص عمري محتاجة حنان مش فلوس." سكتت شهد وبصتلي بعين فيها وجع وتعاطف، وقالت بهدوء: "متزعليش يا عيوني، اللي زي دي ربنا هو اللي بيتولاها، وإنتي كفاية قلبك اللي عمره ما كره حد." "يمكن عندها حق في حاجة واحدة، أنا فعلاً محبوبة منكم، ودي أكبر نعمة في حياتي."
"عشان كده إحنا مش هنخليها تأذيكي ولا حتى بكلمة، خديها درس يا ليلى، مش كل الناس اللي بتضحك في وشك بتحبلك الخير." "عندك حق، أنا آسفة إني مكنتش بسمعك لما قعدتي تحذريني منها." "متتقوليش كده، إنتي أختي، قوليلي، عملتي إيه مع سيف الصبح بعد ما سيبتكم وروحت المكتبة." "مفيش، فضلت ساكتة ومبكلموش، لكن هو مسكتش." "عمل إيه؟ "حكالي موقف عنه فجأة وهو صغير عشان يضحكني." "وضحكتي؟ "بصراحة آه." "أين الكرامة أنا لا أراها."
"ما أنا رجعت بعدها كشرت تاني." "لأ يا بت ناصحة، وبعدين." "مفيش، وصلني المصنع ومشي." "ده أنا مسكته على السلم الصبح كنت هاكله على كلمة أخواتي دي." "صحيح يا شهد، هو إنتي عرفتي منين إنه خايف أرفضه." "بصراحة، اتكلمت معاه." "إمتى؟ "يوم ما طلعت ليهم فوق." "شهد، أوعي تكوني قولتي له إني بحبه." سكتت وبصت ناحية البلكونة كأنها بتتهرب مني. "لأ يا شهد بتهزري." "يا بت مقولتهاش صريحة." "اومال." "لمحتله بس."
"ليه يا شهد، أنا قولتلك تعملي كده، شكلي إيه قدامه دلوقتي." "ولا أي حاجة، ليلى هو مش عبيط ولا صغير، هو عارف كويس إنك بتحبيه، وعارف كمان إنك عارفة إنه بيحبك، لكن خوفه هو اللي عاكك الدنيا." "والله ما حد عك الدنيا غيرك." "والله ما عملت ولا قولت حاجة تشوه صورتك قدامه، عيب عليكي إنتي عارفاني، أنا بس كنت عايزة أعرف آخره إيه في جو التلميحات والفراشات اللي عمال يطفحهالك دي." "واستفدنا إيه لما عرفنا."
"استفدنا إنك اطمنتي إنه حاسس بيكي وبيحبك." "واختي اللي قالها الصبح دي إيه." "مهو أنا عشان كده كلمته على السلم، بس هو قالي إنه اضطر يقول كده قدام ماما وإنها طلعت منه تلقائي. صحيح إنتوا كنتوا بتتكلموا في إيه على السلم من شوية." "كنت بسأله ليه مضايق، قالي إنه مش عايز يشيلني همه، غيظته وقولتله يحكيلي وإننا أخوات، قالي أنا مكنش قصدي ومش دي الحقيقة، ولما زنقته في الكلام سكت روحت دخلت ومستنتش أسمع تبريراته." "جدعة يا بت."
"أنا أصلاً قولت خلاص لا هكلمه تاني ولا هقف معاه." "ليه كده بس." "مش عايزة أتعب بعدين يا شهد، هيفضل خايف ومش هيواجهني، وأنا هفضل متعلقة بيه." "والله الحب ده مرمطة، كان لازم تحبيه يعني، تصدقي ولا مرة قولتيلي حبيتيه إمتى وإزاي، ما تحكيلي." "دلوقتي؟ "وهو إحنا ورانا حاجة يعني، احكي احكي، حبيتيه إمتى."
سندت ضهري على السرير وابتسمت وأنا بفتكر أول يوم قابلته فيه. كان اليوم اللي جيه فيه هو وحياة عشان يسكنوا في الشقة اللي فوقينا. مكنتش أعرفهم لأنهم كانوا ساكنين في محافظة تانية ومش بييجوا خالص. حياة كانت لذيذة ولما شافتني خدتني بالحضن وقالتلي إن مرات عمي كانت دايماً تحكيلها عني. اتعرفت عليها وبعدين كلنا طلعنا معاها نساعدها في تنضيف الشقة وهو مكنش موجود. فضلنا معاها طول اليوم وظبطنا كل حاجة وعملنا ليهم غدا كمان. كل الشقة كانت اتفرشت حتى أوضته ما عدا شوية حاجات سيبناها على جمب.
"إيه دول يا خالتو." "دي حاجات بتاعة سيف، سيبهاله هو ييجي يرصها بمعرفته وتعالي ندخل المطبخ." "تعالي." خرجوا وأنا فضلت في الأوضة، كنت ببص على كتاب شدني محطوط في الشنطة وسط حاجات كتير، كان لإحسان عبد القدوس. طلعته من الشنطة ومسحت التراب اللي عليه وأنا بقلبه في إيدي يمين وشمال. عمري ما قرأت ليه بس اللي أعرفه إنه كل رواياته عظيمة واتعملت معظمها أفلام. "في بيتنا رجل؟ مش ده الفيلم بتاع عمر الشريف." "بالظبط."
اتخضيت ووقع الكتاب من إيدي. لقيت قدامي شاب طويل وعريض شوية، كان لابس جاكيت غامق على قميص مفتوح من فوق زرارين، وبنطلون جينز بسيط. ريحته كانت خفيفة بس مميزة، من النوع اللي يسيب أثر. شعره أسود، ناعم شوية ومهندم بطريقة بسيطة من غير تكلف. عنده لحية خفيفة بتدي لملامحه نضج ووقار. بشرته قمحية، وعينيه بني غامق فيهم عمق غريب، كأن وراهم حكايات كتير محكاهاش لحد. "إنتي مين." "ل.. ليلى." "إنتي ليلى بنت عم شهد وسلمى مش كده."
"أيوا." "إزيك، أنا سيف." "الحمد لله." "اتشرفت بيكي." "شكراً، عن إذنك." "استني، لو عايزة الكتاب تقرأيه معنديش مانع." "لأ شكرا.. شكرا." مشيت من قدامه بسرعة وأنا مرتبكة جداً ومعرفش ليه، بس حسيت من ناحيته بحاجة غريبة. حسيت إنه شدني، شكله وهيبته شدتني ليه، وبدون مبالغة، حسيت إن هيبقى بيني وبينه قصة. إزاي وفين وامتى، معرفش، لكن إحساسي عمره ما يخيب. "وبقا بينكم قصة فعلاً."
رجعت للواقع على صوت شهد، لقيتها مبتسمة وبتبص للفراغ بهيام. "اتجننتي ولا إيه." "لأ يختي، بس إمتى هلاقي الحب بقا." "هتلاقيه يا ستي يعني هيروح فين." "على رأيك، المهم، أنا عندي خطة." "خطة؟ عشان إيه." "عشان يتلحلح وينطق، لازم يحس إنه بيخسرك وإنك ممكن تضيعي منه في أي لحظة." "إزاي." "هتكرفيله تماماً، جو بقا الابتسامات والاستلطافات ده انسيه." "يعني أعمل إيه."
"ابقي باردة، جامدة، متوقعة كل حاجة ومش فارق معاكي حاجة، لو حاول يهزر معاكي متضحكيش، لو ناداكي متجريش، خليه يحس إن وجوده زي عدمه." "طب وده مش ممكن يخليه يبعد؟ "بالعكس، الراجل لما يحس إنك بتجري وراه بيزهق، لكن لما يحس إنك بتفلتي منه بيولع، وخصوصًا لو كان معجب بجد." "بس هو مش من النوع اللي بيجري."
"يا بنتي كله بيجري لما بيتهدد بالغياب، إنتي بس طبقي الخطة مظبوط، واعملي نفسك مشغولة دايمًا، بلاش تكوني متاحة، خليه يدور عليكي مش العكس." "طب ولو ما دورش." "ساعتها تبقي عرفتي قيمتك عنده بالظبط، بس أنا متأكدة إنه هيدور، الراجل اللي يحب واحدة زيك مايعرفش يعيش من غيرها." "حلو ده." "من إمتى بقول حاجة وحشة أنا." "ربنا يستر من ثقتك دي والله." "عيب عليكي، ثقي فيااا." "استر يارب."
كنت قاعد في أوضتي بعد ما قفلت الورشة بدري، اليوم كان تقيل بطريقة غريبة، ومن أول ما جميلة ظهرت وأنا حاسس إن روحي مضايقة. قلت أروح البيت يمكن أهدى شوية. وصلت أوضتي ورميت التيشيرت على الكنبة. قعدت في الضلمة، مش مستحمل حتى نور الأوضة. دماغي كانت شغالة زيادة عن اللزوم، ومفيش حاجة فيها مريحة. الموبايل رن، شوفت الاسم وكان أدهم صاحبي. "أيوه يا أدهم." "يا عم فينك؟ بقالي ساعتين بحاول أوصلك." "معلش، كنت مضايق شوية وقافلت بدري."
"مالك حصل إيه." "مفيش، قوللي إيه أخبار المركز." "كله تمام، بس عايز تيجي تتمم معايا على كام حاجة بكرا." "حاضر، بكرا إن شاء الله هشوفك هناك الصبح." سكت سيف شوية وأنا متردد أسأله عن جميلة. "مالك يا صاحبي." "أدهم، ممكن أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة." "اكيد طبعاً." "هو إنت اللي قولت لجميلة على مكان الورشة بتاعتي." "جميلة؟ لأ طبعًا، وأنا أعرف عنها إيه دلوقتي؟ دي اختفت من الدنيا بعد ما سيبتوا بعض، لحظة هي جاتلك أصلاً."
"أيوا، ومش عارف عرفت طريقي منين." "هو إنت معرف حد تاني بمكانك." "لأ." "مش عارف والله، بس غريبة، وجت عايزة إيه." "عايزة نرجع." "ورفضت." "طب إنت كدة مرتاح." "جدااا." "ودي أهم حاجة، خليك تركز في اللي جاي بدل اللي فات، إحنا خلاص داخلين على مشروع العمر يا صاحبي." "آه، إن شاء الله، المشروع ده هيبقى بداية جديدة." سكت شوية بعد ما سمعت صوت جاي من بلكونتها تحت. "سيف، هستأذنك دلوقتي." "خير؟ "لأ، مفيش .. سلام."
قفلت الموبايل، وروحت أقف في البلكونة، الهوا كان بارد خفيف، والدنيا ساكتة، بس سكتة فيها حياة. سمعت من البلكونة صوت أم كلثوم وهي بتقول. "لسه فاكر قلبي يديلك أمان ولا فاكر كلمة منك ترجع اللي كان ولا نظرة توصل الشوق بالحنان لسه فاكر كان زمان كان فين الحب وكان وفين أنا .. وفين زماني من زمان."
وقفت وسرحت فيها، كانت قاعدة ساندة على السور وسرحانة، خصلة من شعرها شاردة من الحجاب كانت بتتحرك مع الهوا، والإضاءة الخافتة من البلكونة كانت عاملة ضي ناعم على وشها. كنت حاسس إن الدنيا كلها سكتت علشانها، حتى صوت أم كلثوم بقى بعيد. في لحظة حسيت إنها حاسة بيا، رفعت عينيها ناحية البلكونة بتاعتي، ونظرتنا اتقابلت، بس ولا أنا نطقت ولا حتى هي، كان في كلام كتير محبوس بيننا، أسئلة مش متجاوبة، ومشاعر مش معترف بيها، بس كل اللي اتقال كان في النظرة دي.
قامت ودخلت جوا بهدوء وقفلت البلكونة، والست رجعت تغني، وأنا فضلت واقف مكاني، ببص على السور الفاضي. كأنها سابت مكانها فيه أثر، أثرها هي، ريحتها، هدوءها اللي غصب عني علّق فيا. رجعت جوه الأوضة، بس قلبي لسه واقف هناك، بفكر أقولها؟ طب إزاي؟ وهل هتقبلني ولا لأ؟ يمكن تضحك، يمكن تسيب المكان كله وتبعد، بس برضو، فكرة إنها تفضل مش عارفة، وإني أعيش كل يوم وأنا كاتم كل ده جوايا بتخنقني أكتر من الخوف نفسه.
"وبعدين في قلبي اللي حبك يا ليلى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!